الفصل 10 | من 13 فصل

رواية انذار بالقتل الفصل العاشر 10 - بقلم نسمة مالك

المشاهدات
24
كلمة
2,422
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 77%
حجم الخط: 18

كانت "رقية" في موقف لا تحسد عليه وهي ترى زوجها بهذا الضعف. حزنه الشديد تملك من قلبه جعله غير قادر على التحمل أكثر من ذلك. ولولا وجود زوجته الحنونة برفقته، تدعمه وتخفف عنه، ربما كان أقدم على الانتحار.

استطاعت احتوائه بحبها الصادق له، ساعدته على الوضوء وأدوا فرائضهما سويًا، وجلست على سجادة الصلاة بجواره تستمع لحديثه بقلب يتمزق ألمًا عليه. ظل يتحدث عن كل ما بداخله، وهي تستمع له باهتمام دون أن تقاطعه. اكتفت بضمه لحضنها، تمسد على شعره تارة، وظهره تارة، وتقبل جبهته تارة أخرى. كان "إسلام" يبكي بكاءً حادًا، يقطع نياط القلوب، وقد اجتاحه شعور من الندم يستنزف روحه بلا رحمة. "أنا مش عارف إزاي عملت فيهم كده!!!

أنا شربت مخدرات خلتني أضرب أهلي بالسكينة يا رقية!!! "متلومش نفسك لوحدك.. لومني أنا كمان.. أنا السبب في كل اللي حصل ده يا إسلام.." قالتها "رقية" بصعوبة من بين شهقاتها، وبندم تابعت:

"أنا غلطانة لما قولتلك طلقني.. مكنش ينفع أنطقها أصلاً.. مش عارفة إزاي قلبي طاوعني وقولتها، مش عارفة عقلي كان فين وقتها.. أنا السبب في كل اللي أنت عملته يا إسلام، ولو في حد المفروض يتعاقب فهيبقى أنا الحد ده لأني مقدرتش الظروف الصعبة اللي بتمر بيها يا حبيبي وضغطت عليك أكتر بكل غباء وجهل مني.. بس والله العظيم ما كنت ناوية أطلق منك فعلاً.. فكرت لما أقولك كده هتفوق وتبعد عن صحاب السوء اللي بتروحلهم كل ليلة.. أتريني حطيت على جرحك ملح لحد ما انفجرت من شدة الوجع."

صمتت لبرهةٍ وارتمت بين ذراعيه تبكي بمرار مرددة بنبرة متوسلة: "سامحني.. أنا آسفة يا حبيبي.. سامحني علشان خاطري." تمسك بها "إسلام" بكل قوته، وانهمرت دموعه على وجنتيه بغزارة دون بكاء. جسده ينتفض بقوة، وصوت أنفاسه أصبح عاليًا، يجاهد حتى يلتقط نفسه. ابتعدت عنه "رقية" بضعة أنشات، وضمت وجهه بين كفيها مرددة بلهفة: "أهدي يا إسلام.. أهدي يا حبيبي بالله عليك لو حصلك حاجة أنا هموت فيها."

"بعد الشر عليكي." نطق بها، وهو يعيد دسها بين ضلوعه ثانيةً، يستمد منها القوة على تكملة الحياة. ظل محتضنها لفترة ليست بقليلة، قربها يشعره بالراحة التي فقدها مؤخرًا. ابتعد عنها بقلب مرتعد حين صدع صوت رنين جرس الباب. نظر لها نظرة مذعورة وهمس بصوت مرتجف: "مين هيجي عندنا في الوقت دا؟! ابتلع لعابه بصعوبة مكملاً: "تفتكري جري لحد فيهم حاجة؟ حركت "رقية" رأسها بالنفي سريعًا، ودفعته بكلتا يديها برفق تحثه على

النهوض وهي تقول بيقين تام: "لا يا حبيبي هما هيبقوا زي الفل بحول الله وقوته، أجمد أنت كده علشان تقدر تقف في ضهرهم، وتعالي نشوف مين اللي جانا دلوقتي." كانت تتحدث وهي تزيل عبراته بأناملها، وتهندم له ثيابه وشعره بعناية، وسارت معه نحو باب الشقة. أخذ "إسلام" نفسًا عميقًا ورسم الهدوء على ملامحه الشاحبة، وفتح الباب ليجد "يوسف" يقف أمامه عاقدًا ذراعيه أمام صدره، ويرمقه بنظرات كرهه ظاهرة على ملامحه.

"يا مرحب يا يوسف.. اتفضل." قالها "إسلام" بترحاب، وهو يتراجع للخلف حتى يسمح له بالدخول. ضحك "يوسف" ضحكة مستهزءة، وتحدث بسخرية قائلاً: "اتفضل فين يا إسلام!! هتقعدني على الأرض مثلاً يعني ولا إيه؟! أطبقت "رقية" الواقفة بظهر زوجها عينيها بعنف، فكلمات "يوسف" كانت بغاية القسوة. ورغم ذلك ابتسم له "إسلام" ابتسامة حزينة وتحدث بهدوء قائلاً:

"عندك حق.. بس زي ما أنت أكيد عارف يا دكتور إن مفيش حاجة بتفضل على حالها.. انهارده أنا بمر بضيقة لازم أرضى بيها لحد ما ربك يفرجها علينا." شعر "يوسف" بالندم لوهلة، ونهر نفسه على ما تفوه به، فتنحنح بحرج مغمغمًا: "احححم.. هي آية فين.. بقالي كذا يوم بحاول أوصلها، وجيت هنا امبارح وملقتش حد، ومفروض أنها عندها محاضرة بدري أوي انهارده قولت أجي ألحقها قبل ما تنزل علشان أوصلها."

ظهر التوتر على ملامح "إسلام" وهم بالرد عليه إلا أنه استمع لصوت "نوح" ينادي عليه من أسفل المنزل بصوت عالٍ، فهرول تجاه الدرج مسرعًا وأجابه بلهفة قائلاً: "أيوه يا نوح.. أطلع تعالي.. أنا هنا." لحظات وكان "نوح" يصعد الدرج على عجل بعدما قام بصف دراجته البخارية. "أيه يا نوح.. طمني.. حاجة حصلت؟ " نطق بها "إسلام" بفزع قبل أن يصل إليه "نوح"، بل كان يهبط هو الدرج لاستقباله.

"أهدي يا إسلام.. متقلقش.. أنا جايبلك خبر حلو." نطق بها "نوح" وهو يربت على كتفه برفق. وبابتسامة تابع: "المستشفى حاولت تكلمك كذا مرة بس تليفونك مقفول.. مامتك فاقت وطالبة تشوفك." تهللت أسارير "إسلام" والتمعت عينيه بالدموع، ولكن هذه المرة دموع الفرحة. "أنت بتتكلم جد بالله عليك يا نوح." "أيوه يا ابني والله زي ما بقولك كده.. المستشفى كلمتني وبلغتني وأنا جيتلك على طول.. يله أجهز خلينا نتحرك وأوصلك عندها."

كان هذا الحديث أمام "يوسف" الواقف أعلى الدرج يتابعهما بعدم فهم، فعقد حاجبيه وقال مستفسرًا: "في أيه يا إسلام.. مستشفى أيه ومامتك فاقت من أيه.. أنا مش فاهم حاجة؟! نظر "إسلام" ل"نوح" يستجديه أن يرد هو عنه، تفهم "نوح" نظرته هذه رغم مدة معرفتهم ببعض التي لم تتخط أسبوع واحد حتى، ولكن العلاقات الصادقة لم تكن أبدًا بالمدة، بل تكن بالمودة. ووقوف "نوح" معه في محنته جعله يشعر كأنه أخ له لم تلده والدته.

"ده دكتور يوسف خطيب آية أختي يا نوح." قالها "إسلام" وهو يصعد الدرج برفقته حتى توقفا أمام "يوسف" مباشرةً. "نوح صاحبي يا يوسف." "أهلاً وسهلاً.. خير بقى في إيه بالظبط، وفين آية يا إسلام؟! " قالها "يوسف" بضيق ونفاذ صبر. "يله أنت يا إسلام جهز خلينا نتحرك." نطق بها "نوح" وعينيه ثابتة على "يوسف" يتطلع به بنظرات متفحصة. تحرك "إسلام" على الفور، وعاد لداخل شقته، ليتابع "نوح" حديثه مكملاً:

"في حرامي اتهجم على البيت هنا، وللأسف ضرب والد إسلام ووالدته بآلة حادة وهما في المستشفى بقالهم كذا يوم." جحظت أعين "يوسف" على آخرها بصدمة ونظر تجاه "إسلام" الذي اندفع للتو من داخل الشقة ووقف يرتدي حذائه مرددًا: "وآية.. آية جرالها حاجة؟ "لا الحمد لله آية كويسة، ونايمة جوه." أردفت بها "رقية" سريعًا وتابعت بتعقل بعدما رمقت زوجها نظرة تفهمها جيدًا: "أنا هصحّيها ونحصلكم على المستشفى."

"يله بينا." قالها "إسلام" وهو يسير بخطى واسعة، ليوقفه "يوسف" حين قال: "طيب أنا هستناكم تحت في العربية على ما آية تجهز ونروح سوا." "لا روح أنت يا دكتور معاهم.. لأن آية لسه على ما تصحى وتفوق وتلبس، وأنا كمان لسه هجهز حمزة وافطاره.. هننتأخر شوية وهنأخرك معانا." "أيوه أم حمزة بتتكلم صح.. يله بينا أحنا علشان أنا راكن الماكينة بتاعتي فوق عربيتك." قالها "نوح" موجهًا حديثه ل"يوسف" الذي بهتت ملامحه، ونظر له بغضب مرددًا:

"نععععم.. راكنها فين!!! اقترب منه "نوح" ووضع ذراعه حول كتفيه ببعض العنف، وسحبه معه نحو الدرج وهو يقول بمزاح مصطنع: "متخافش كده يا دوك أنا بهزر معاك.. بس ده ميمنعش أني قافل عليك الطريق خالص ومش هتعرف توصلها." كانت جملة "نوح" ذات مغزى يقصد بها جميلته "آية". "هي مين دي اللي مش هعرف أوصلها؟! " قالها "يوسف" مستفسرًا، ليجيبه "نوح" بابتسامة مصطنعة: "المستشفى يا دوك." بينما "رقية" ركضت خلف زوجها وتحدثت بصوت هامس قائلة:

"أنا هروح أجيب حمزة من عند ماما، وهاخده ونروح لآية، وإن شاء الله مش هرجع إلا وهي معايا.. اطمن أنت يا حبيبي." رفع "إسلام" يده وضعها خلف رأسها وجذبها إليه، مال بوجهه على جبهتها طابعًا قبلة مطولة متمتمًا: "خلي بالك من نفسك، وادعيلي من قلبك." "قلبي دايمًا بيدعيلك يا حبيبي." همست بها "رقية" بصوت متحشرج بالبكاء، وهي تطلع لعينيه بنظرتها العاشقة.

بادلها هو النظرة بعشق أكبر وهبط الدرج راكضًا وجد "نوح" يجلس على دراجته البخارية ينتظره، صعد خلفه وهو يبحث بعينيه عن "يوسف". "هو فين الدكتور؟! "طلب اسم المستشفى مني، وقال هيسبقنا على هناك." هكذا أجابه "نوح" ببساطة، وهو يستعد للانطلاق بدراجته.

"عايزين نوصل قبله يا نوح.. يوسف مش سهل وهيدخل لوالدتي وممكن يعرف منها اللي حصل ومش هيسكت خصوصًا إن أنا وهو بينا مصانع الحداد وتقريبًا مبنطقش بعض.. أنا عايز أشوف أمي قبله." قالها "إسلام" بنبرة راجية. نظر له "نوح" من فوق كتفه، وأردف بثقة قائلاً: "بمشيئة الله هنوصل قبله.. أمسك نفسك أنت بس وأنا سايق." أنهى جملته وانطلق بأقصى سرعة، ومهارة عالية في القيادة، وبأقل من ثلاث دقائق كان وصلوا أمام المستشفى.

اندفع "إسلام" راكضًا داخل الممر المؤدي للغرفة المتواجد بها والديه. وقف أمام الغرفة يلتقط أنفاسه بصعوبة، وينظر ل"نوح" الواقف بجواره نظرة يملؤها الخوف. "ادخل أنت وأنا هستناك هنا متقلقش." اقتربت منهما إحدى الممرضات التي اتجهت ب"إسلام" نحو غرفة التعقيم، وقامت بعمل اللازم قبل أن يدلف لداخل غرفة العناية. كان بدنه يرتجف وكأنه طفل صغير قام بفعل خطأ ما ويخشى عقاب والدته. دلف لداخل الغرفة بخطى متعثرة، خافض وجهه بخزي من نفسه.

"إسلام.. يا حبيبي يا ابني." همست بها "مني" بضعف شديد، وأشارت له بيدها أن يقترب أكثر. نظر لها "إسلام" بأعين مليئة بالندم والعبرات معًا، وفي لحظة كان قطع المسافة بينه وبينها، وجثى أرضًا على ركبتيه بجوار فراشها، ومال على يدها المنغرس بها الإبرة الطبية، وظل يقبلها مرات ومرات مرددًا بتوسل: "سامحيني.. سامحيني يا أمي.. أنا آسف والله.. مكنتش أقصد."

"هش.. أخرس يا واد. وقوم بصلي." همست بها "مني" وهي تجذبه بوهن حتى توقف أمامها، ورفعت يدها تتفحص صدره، ويديه ظنًا منها أنه ربما أصاب نفسه هو الآخر. تنفست الصعداء بعدما تأكدت أنه لم يطعن نفسه مثلهم، ونظرت له وتحدثت بصرامة قائلة: "أوعى تكون قولت إن أنت اللي عملت فينا كده." صمتت لبرهةٍ وتابعت ببكاء:

"هكدبك يا إسلام.. لو قولت إن أنت اللي عملت كده هكدبك وهغضب عليك العمر كله يا ابني.. أنا مش هسيبك تضيع مننا أكتر من كده يا ضنايا." "رقية." بعدما أحضرت صغيرها من منزل والدتها، ذهبت مسرعة ل"آية" على العنوان الذي أخبرها به زوجها. "تعالي يا رقية يا بنتي اتفضلي." قالتها "تهاني" بابتسامة بشوشة، وهي تسير برفقتها نحو الغرفة النائمة بها "آية". "رقية" بخجل: "أنا بعتذر أني جيت بدري كده." نظرت لها "تهاني" بعتاب وهي تقول:

"تعتذري على أيه بس يا حبيبتي.. دا انتي وحمزة السكرة ده نورتونا انهارده والله." فتحت باب الغرفة بعدما طرقت عليه برفق، ودلفت للداخل و"رقية" خلفها حاملة صغيرها على يدها. كانت "آية" مستيقظة، ولكنها بعالم آخر كعادتها، تنظر للفراغ بشرود وأعين دامعة. "آية." نطقت بها "رقية" التي بكت فور وقوع عينيها على صديقة عمرها، ورأت مدى التعب والحزن الظاهر عليها.

"يويو." أردف بها الصغير الذي قفز من على يد والدته وركض نحوها، صعد على الفراش بجوارها وارتمى داخل حضنها يضمها بحب شديد. انتبهت "آية" لوجوده، وكأن ضمته لها أعادتها لواقعها. "حمزة.. يا حبيب قلبي." تفوهت بها "آية" وهي تضمه وتنظر تجاه "رقية" التي تبكي بنحيب ونطقت اسمها بصوت أشبه بالصراخ: "يا رقية." هرولت "رقية" نحوها هي الأخرى واحتضنا بعضهما وانفجرت "آية" ببكاء مرير يدمي القلوب.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...