الفصل 11 | من 13 فصل

رواية انذار بالقتل الفصل الحادي عشر 11 - بقلم نسمة مالك

المشاهدات
24
كلمة
2,207
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 85%
حجم الخط: 18

ساعة كاملة لم تتوقف "رقية" عن الحديث مع "آية"، توصف لها حالة شقيقها. أخبرتها أنه لم يكن بوعيه حين فعل فعلته الحمقاء بهم، وأن والديها حالتهما مستقرة، حتى أن والدتها استعادت وعيها وطلبت رؤيتهم. تستجديها أن تقف بجواره حتى يتخطى هذه المحنة بسلام. كانت "آية" تستمع لها بملامح حزينة، ذابلة، وقد توقفت عن البكاء بينما قلبها لم يهدأ ضجيجه وبكاؤه أبدًا.

"آية أنتي لازم تشدي حيلك وترجعي معايا البيت النهاردة يا حبيبتي.. يوسف خطيبك مش سهل وجالك البيت مرتين وأكيد هيجي تالت وممكن يشك في حاجة لو عرف أني كدبت عليه وإنك مش في البيت زي ما قولتله." أردفت بها "رقية"، لتجحظ عينيها حين قالت "آية" بغضب: "يوسف دا أنا هفسخ خطوبتي منه." شهقت "رقية" بصوت خافت مرددة: "ليه بس يا حبيبتي.. إيه اللي حصل؟ أخذت "آية" نفسًا عميقًا، زفرته على مهلٍ وهي تجيبها:

"من ساعة ما إسلام ضربني قدامه بالقلم وهو اتقلب 360 درجة لدرجة إنه قالي هيمنعني عن أخويا بعد الجواز، وحتى مش هيخليني أروح البيت عند ماما وبابا، واللي عايز يشوفني فيهم يجيلي بيتي.. تخيلي يا رقية!! "يا عبيطة دول أكيد كلمتين بيقولهم كده ساعة غضب، وبصراحة إسلام زودها لما ضربك قدامه، والحمد لله أنهم ممسكوش في بعض ساعتها، وخطيبك لو مزعلش علشانك لما يشوفك بتضربي قدامه يبقى مبيحبكيش يا آية." غمغمت بها "رقية"

وصمتت لوهلة وتابعت بتعقل: "متتسرعيش واستني لما نطمن على باباكي ويقوم لنا بألف سلامة بمشيئة الله وأبقى أحكيله وشوفي رأيه إيه ساعتها." "آية" ببوادر بكاء: "عندك حق خلينا نطمن بس على بابا وماما الأول، وإسلام هو كمان." ربتت "رقية" على وجنتيها بحنو حين لمحت شحوب ملامحها الشديد الذي يدل على فزعها وتحدثت بأسف قائلة:

"أنا عارفة أن الموضوع صعب، وصعب أوي كمان ليكي حق تخافي، بس اطمني والله هيعدي على خير بأمر الله مامتك فاقت الحمد لله وباباكي حالته مستقرة بفضل الله، وإسلام أنتي عارفة طبعه قبل ما أنا أعرفه، حافظة معدنه الأصيل وأكيد فاهمة أن اللي بيمر بيه دا ابتلاء من ربنا وإحنا لازم نوقف جنبه خصوصاً إنه حاول يموت نفسه بالسكينة اللي ضربتكم بيها ولحقته على آخر لحظة والله يا آية." كانت تتحدث وهي تبكي بكاء يبكي الحجر.

"أهدي يا رقية.. كفاية عياط يا حبيبتي." نطقت بها "آية" بهمس مجهد، وهي تربت على يدها بحنان مكملة بتنهيدة: "هروح معاكي المستشفى أطمن على ماما وبابا وبعدين نروح على بيتنا." صمتت لبرهةٍ، ترقرقت عينيها بالعبرات، وابتسمت ابتسامة باهتة وهي تتابع: "بس خليني قبل ما أمشي أشكر الناس اللي أنا في بيتهم دول على كل اللي عملوه معايا." ابتلعت لعابها بصعوبة حين شعرت بقلبها تتزايد دقاته، واندفعت الدماء بقوة نحو وجنتيها غزتهم بعنف عندما

تابعت هامسة باسم منقذها: "وخصوصاً نوح." "رقية": "عندك حق يا يويو.. نوح دا طلع جدع أوي ومش سايب إسلام من ساعة اللي حصل، وكمان اتبرع بالدم هو وأخوه مع إسلام علشان نلحق بابا وماما، وجاب ناس أصحابه كمان يتبرعوا معاهم. إسلام بيشكر فيه أوي على موقفه الشهم دا." كانت تستمع لها باهتمام ولهفة نجحت في إخفائهم، ولكنها لم تستطع إخفاء لمعة عينيها التي برقت بإعجاب جعلت "رقية" تضيق عينيها وترمقها بنظرة عابثة مرددة: "الله!!

إيه يا يويو عيونك بيلمعوا لمعة جديدة خالص أول مرة أشوفها." توترت "آية" وأسرعت بخفض عينيها وهي تقول بخجل: "مافيش حاجة يا رقية.. دا أنا بس مبسوطة أن ماما فاقت الحمد لله، وبابا حالته مستقرة زي ما قولتي، وأخويا إسلام واحشني وعايزة أكون جنبه." تهللت أسارير "رقية" وجذبتها لحضنها تضمها بقوة متمتمة: "ربنا يفرح قلبك وميحرمكوش من بعض أبدًا يا حبيبتي، ويطمنا على بابا عبد الحميد ويقوم بألف سلامة هو كمان يارب."

بادلتها "آية" العناق ورفعت عينيها للسماء مرددة: "يارب يا رقية.. ربنا يسمع مننا وميضرناش في حد فيهم يارب." *** داخل غرفة العناية. كانت "مني" تتحدث مع الطبيب المعالج لزوجها بعدما غادر "إسلام" الغرفة على مضض، تهمس بوهن شديد من بين شهقاتها مرددة: "طمني عليه يا دكتور ربنا ميوجعش قلبك على غالي أبدًا." "اطمني يا حاجة.. متقلقيش.. الحاج حالته بتتحسن." نطق بها الطبيب بعملية أثناء فحصه لـ "عبد الحميد".

تطلعت من وجهه زوجها بأعين تفيض بالدمع، وبضعف قالت: "عبد الحميد.. رد عليا يا غالي.. بحلفك بالله ما توجع قلبي عليك أكتر من كده.. فوق يا أخويا أنا وولادك محتاجنلك.. قوم يا عبدو إحنا ملناش غيرك بعد ربنا يا أخويا." وكأن حياته كانت معلقة بها هي، "مني" زوجته الحبيبة التي وصل صوتها لسمع زوجها الغارق بغيبوبته أنعشت روحه المرهقة، وأعادت أنفاسه التي تنبع من أنفاسها هي. "مني."

نطق بها "عبد الحميد" بصوت خافت بالكاد وصل لسمع الطبيب الواقف بجواره، والذي ظن لوهلة أنه ربما يتخيل، فلم يهتم كثيرًا. بينما زوجته استمعت همسه هذا بقلبها، ظهرت الفرحة الغامرة على ملامحها الباكية، وبتقطع قالت: "أنا هنا يا عبدو.. أنا هنا يا حبيبي." نظرت للطبيب وتابعت بأنفاس متهدجة من شدة انفعالها: "جوزي فاق يا دكتور.. عبدو فاق." نظر لها الطبيب، وهو يغرس إبرة طبية داخل المحلول المعلق بيد "عبد الحميد" مغمغمًا بأسف:

"لسه يا حاجة.. ادعيلو؟ توقف عن الحديث، واعتلت ملامحه الذهول حين وصل لسمعه هذه المرة صوت "عبد الحميد" الذي ردد اسم زوجته ثانيةً دون أن يفتح عينيه. *** أمام غرفة العناية. يجلس "نوح" بجانب "إسلام" الجالس أرضًا على قدميه، واضعًا رأسه بين كفيه ويتحدث بصوت مرتجف يظهر مدى ضعفه، وقلة حيلته. "أمي سامحتني.. بس أبويا عمره ما هيسامحني على اللي عملته في أمي وأختي يا نوح." رفع رأسه ببطء ونظر له نظرة يكسوها الحزن والندم مكملاً:

"هيسامح في حقه هو.. لكن حقهم هما مستحيل، ومعاه كل الحق. أنا أستاهل كل اللي يعمله فيا بس يفوق، ويقوم بألف سلامة، وأنا مستعد لأي عقاب حتى لو هيحبسني أنا موافق." "أجمد يا إسلام، وبطل كلامك دا علشان الحيطان ليها ودان، والبوليس على وصول علشان ياخدوا أقوال مامتك." قالها "نوح" بصوت خافت، وتابع مستفسرًا: "إنت فهمت والدتك هتقول إيه لما يسألوها.. علشان يبقى كلامكم واحد." حرك "إسلام" رأسه بالإيجاب. وبتنهيدة قال:

"هي من نفسها من قبل ما أقولها كانت ناوية تقول إن مش أنا اللي عملت فيهم كده." هب "نوح" واقفًا، ومد يده لـ "إسلام" وساعده على النهوض وتحدث بتعقل قائلاً: "إسلام اللي حصل دا درس ليك.. أتمنى يكون فوقك لنفسك ورجعك لعقلك، وتبعد بقى عن اللي شربوك مخدرات ووصلوك للي أنت فيه دا، وأوعى تكلمهم تاني." "إسلام":

"فوقت.. والله فوقت يا نوح، واتربيت من أول وجديد واتعلمت الأدب ومن بكرة بإذن الله هرجع لوظيفتي، وهدور على شغل تاني جنبها علشان أقدر أسدد ديوني." "لو على الشغل أمره سهل.. لو حابب تنزل معايا من بكرة في المصنع بعد ما تخلص وظيفتك." قالها "نوح" بابتسامة بشوشة، وتابع بتساؤل: "إنت بتخلص شغل على الساعة كام؟ "إسلام" بلهفة غريق تعقل بأمل جديد ربما ينقذه من أعباء ديونه:

"بخرج من الشركة الساعة 3 ونص بالظبط.. ممكن أخلص وأجيلك على طول." "نوح": "روح الأول غير هدومك واتغدى وارتاح ساعتين وتعالى استلم شغل من الساعة 6 لـ 12 بليل، وهظبطلك المرتب، وبالنسبة للديون متشلش همها خالص قولي بس إنت عليك إيه وأنا هدفعهم وأبقى أخصم جزء من المرتب كل شهر." ضحك "إسلام" رغم أن عينيه امتلأت بالعبرات، وبلحظة كان احتضن "نوح" بقوة وهو يقول: "إنت أجدع صاحب قابلته في حياتي يا نوح."

"إنت اللي ابن حلال وربنا حب يسترها معاك بسبب دعاء والدتك ليك يا إسلام." قالها "نوح" وهو يربت على ظهره، وابتعد عنه وتابع بغضب مصطنع: "سيبني أتوكل على الله أنا بقى أروح شغلي.. لأني اتأخرت جداً، وهبقى أعدي عليك بالعصرية كده وقت الغدا." "تمام يا صاحبي.. هستناك." أردف بها "إسلام" وهو ينظر حوله يبحث عن "يوسف" مكملاً: "هو يوسف لسه مجاش لحد دلوقتي ليه؟ ظهرت ابتسامة مشاكسة على وجه "نوح" وأجابه وهو يستعد للسير بجدية مصطنعة:

"تصدق أنا تقريبًا اديته عنوان مستشفى غلط." نظر له "إسلام" قليلاً ومن ثم انفجرا بالضحك سوياً، وهما يضربان كفهما بكف بعضهما. *** بمنزل شرف. خرجت "آية" من غرفتها على قدميها للمرة الأولى منذ أن دخلت هذا المنزل محموله على يد "نوح". ارتدت الثياب التي أحضرتها لها "رقية" المكونة من فستان رقيق من اللون الوردي، وحجاب من اللون الأبيض، وحذاء رياضي بنفس لون الحجاب.

هيئتها كانت جذابة للغاية رغم التعب الظاهر على ملامحها الفاتنة. تسير بخطي متثاقلة، عينيها تدور بالمكان من حولها تبحث عنه، كانت صامتة لا تتحدث بينما بداخلها ضجيج، خاصةً قلبها الذي يصرخ باسم منقذها "نوح" تتمنى لو تلمح طيفه فقط قبل أن تغادر. "مستعجلة تسبينا وتمشي ليه بس يا آية." قالتها "ندي" وهي تقترب منها وتضمها بحب مكملة: "طيب استنى لحد ما أبيه نوح يرجع من الشغل علشان يوصلك هو."

كم تتمنى أن تنتظره حتى يعود، وجوده معها يشعرها بالأمان الذي فقدته مؤخرًا، أصبح هو فقط لا أحد غيره يجعل الاطمئنان يغزو قلبها. "هو نوح بيرجع أمتى يا ندي؟ همست بها "آية" بخجل شديد. "هو بيجي متأخر.. بس ممكن أتصلك عليه هسيب كل حاجة ويجيلك على طول." غمغمت بها "ندي" وهي تمسك هاتفها وأسرعت بطلب رقم شقيقها. "أهو بيرن.. خدي ردي انتي عليه."

قالتها وهي تضع الهاتف بكف يدها، تسارعت نبضات قلب "آية"، حبست أنفاسها، ورفعت الهاتف على أذنها تنتظر سماع صوته بجسد ينتفض. "أيوه يا ندي." "أنا آية." نطقت بها باستحياء، صوتها الناعم زلزل كيانه دفعة واحدة، لتزيد هي لهيب قلبه حين تابعت بنبرة راجية: "نوح عايزة أشوفك قبل ما أمشي." قبل أن تتم جملتها كان تحرك "نوح" من مكانه بخطي مهرولة، يود لو يسابق الرياح حتى يصل إليها، وقد سقط قلبه أرضًا حين تخيل المنزل من غيرها.

"دقايق وأبقى عندك.. أوعى تمشي لحد ما أجيلك يا آية." قالها، وهو يصعد على ظهر دراجته البخارية وانطلق بها بسرعة الرياح. بينما هي أجابته بكلمة واحدة بصوتها الهامس: "مستنياك."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...