الفصل 1 | من 13 فصل

رواية انذار بالقتل الفصل الأول 1 - بقلم نسمة مالك

المشاهدات
44
كلمة
1,498
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 8%
حجم الخط: 18

بإحدى ليالي الشتاء، ليلة أخفت غيومها أشعة شمس نهار يومٍ جديد، رغم بردوة الجو الشديدة إلا أن الدفء يستوطن القلوب، الشوارع هادئة تكاد تكون خالية، رائحة المطر المختلطة بأتربة الأرض تجعل البهجة تعتلي ملامح محبين هذا الفصل الممتع بأجوائه الساحرة. بضواحي القاهرة الكبري، بمكان يطلق عليه "عزبة الحداد"، منطقة تبدو شعبية، و لكن يقطنها عائلات ميسورة الحال.

داخل منزل حديث الطراز يتكون من خمسة طوابق، يحتوي على حديقة واسعة بها مكان مخصص للخيول، الطابق الأول عيادة الدكتورة "تهاني الحداد"، طبيبة النساء والتوليد. أما الطابق الثالث يكون الشقة الخاصة بعائلتها هي و زوجها "شرف الحداد" و أولادهما الأربعة. الإبن الأكبر "نوح الحداد"، شاب بعامه الثلاثين حاصل على بكالوريوس تجارة، يدير مصنع والده المخصص بالحديد والصلب.

يليه شقيقه "نور الحداد"، شاب بمنتصف العشرينات حاصل على ليسانس حقوق، و يعمل مع شقيقه. يليهما التوأمتان "ندي، نهاد" بالعشرين من عمرهما، تدرسان بالصف الثالث كلية آثار. بتمام الساعة السابعة صباحًا، يشع المنزل بالحركة و النشاط بعدما انتهوا من صلاة الصبح داخل الركن المخصص للصلاة بالمنزل.

المكان عامر بالدفء والحب، السكينة بعد مرورهم بمحنة قاسية منذ ثلاث سنوات عندما تعرض رب هذه الأسرة لحادث سير مؤلم، أنقذه الأطباء بشق الأنفس، لكنه فقد به كلتا ذراعيه. تقف الأم "تهاني" برفقة ابنتيها داخل المطبخ يصنعون أشهى المؤكولات. "يله يا ندي خفي إيدك وخلصي السلطة وحمري البطاطس والبتنجان يا حبيبتي، وأنتي يا نهاد ألبسي أسدالك واطلعي للطيور حطيلهم أكل ولمي البيض وأننزلي أسلقيه علشان أدحرجه في السمن."

غمغمت بها "تهاني" التي تقوم بإعداد طبق من الفول غارق بالسمن البلدي، فاحت منه رائحة تسيل اللعاب لكل من في المنزل، بل والمنازل المجاورة أيضًا. "الله على ريحة الأكل اللي تفتح النفس." قالها "نوح" الذي دلف للتو داخل المطبخ، واقترب من والدته وقف بجوارها واضعًا ذراعه حول كتفها، لتقوم "تهاني" برفع المعلقة لفمه حتى يتذوق الطعام. "امممم طبق فول عالمي يا أم نوح، تسلم إيديكي يا غالية."

أردف بها وهو يميل بوجهه على أصابع يدها التي تحمل المعلقة وقبلها بحب. ابتسمت "تهاني" متمتمة. "تسلميلي وتعيش يا حبيبي." رمقته بنظرة مصطنعة الغضب مكملة. "ياما نفسي تفرح قلبي بيك بقي وتتجوز يا نوح، وابقى هات مراتك يا أخي وأنا أفطركم وأغديكم وأعشيكم كمان." ارتسمت بسمة مشاكسة على ثغره وتحدث هامسًا داخل أذنها.

"ادعيلي أنتي من قلبك ربنا يرزقني ببنت الحلال اللي تخطف قلبي خطف زي ما أنتي خطفتي قلب أبو نوح من أول نظرة يا تونة يا شقية." لكزته "تهاني" على صدره برفق وهي تقول بخجل. "هدعيلك ربنا يرزقك بلي تخطف قلبك وأنفسك كمان بس تتجوز وتجبلي أحفاد يجروا حواليا أنا وأبوك." صفقت "ندي" بحماس وهي تقول. "أيوه يا أبيه اتجوز بقي علشان تعمل فرح ونلبس فساتين تجنن." ارتفع حاجبيه بمرح وهو يتنقل بنظره بينها وبين شقيقتها "نهاد" مغمغمًا.

"لما تخلصوا الأول جزء القرآن اللي بقالكم سنة بتحفظوا فيه أبقى اتجوز علشان سيادتكم تلبسوا فساتين." " انهارده هنخلصه يا أبيه بحول الله، بس متنساش تجيب الشوكولاته بتاعتنا وأنت جاي." تحدثت الشقيقتان بها بنفس واحد. سار "نوح" لخارج المطبخ وهو يقول. "الشوكولاته جاهزة، بس اعملوا حسابكم هسمعلكم انهارده في صلاة الفجر." " رايح تفطر الخيل كالعادة قبل ما تفطر أنت، ونفضل أحنا مستنينك يا نوح باشا."

قالها شقيقه "نور" الذي دلف من الخارج حاملًا بيده خبزًا طازجًا تفوح منه رائحة شهية، وزجاجات من الحليب. ربت "نوح" على كتفه أثناء مروره من جواره متجهًا لخارج الشقة. "يا ابني فرحانة ورهوان دول بركة في البيت، رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام قال عليكم بإناث الخيل فإن ظهورها عزّ، وبطونها كنز." سبحان الله بمكان آخر.

منطقة شعبية سكانها ذوات الطبقة المتوسطة، داخل منزل "عبد الحميد العطار"، منزل قديم الطراز مكون من طابقين، الطابق الأول عبارة عن متجر كبير للعطارة، والطابق الثاني يحتوي على شقتين مقابل بعضهما. شقة خاصة ب "عبد الحميد" وزوجته "مني" ربة منزل، وابنتهما "آية" طالبة بعامها الأخير بكلية الطب البيطري.

الشقة المقابلة لهم يقطن بها ابنهما "إسلام" وزوجته "رقية" الصديقة المقربة لـ "آية" وكانت معها بنفس الجامعة، ولكنها لم تكمل تعليمها بعد زواجها. حالة من الغضب الدائم يسيطر على هذا المنزل بسبب أفعال وتصرفات "إسلام" الحمقاء مع الجميع، خاصةً والده الذي يجلس أمام باب الشقة على مقعد خشبي ينتظر وحيده الذي لم يعد للمنزل منذ ليلة أمس.

تقف "رقية" الباكية على حالها حاملة صغيرها "حمزة" الذي لم يتم عامه الثاني بعد، بجوارها "آية" التي تربت على ظهرها، بوجهه كساه الحزن والحسرة، لا تبكي بينما قلبها ينفطر من شدة أوجاعه، فبدلاً من أن يكون شقيقها لها ظلًا وسكينةً وسندًا، كان هو السبب بكسر خاطرها وذلها. "يا عبد الحميد صلي على النبي يا أخويا وتعالى افطر لقمة وانزل افتح المحل، وإسلام أكيد هيفوت عليك وهو طالع." أردفت بها "مني" بنبرة متوسلة.

"أنا هفضل قاعد له هنا لحد ما يرجع وأضربه القلم اللي ضربه لأخته قدام خطيبها، وهكسر إيده كمان، الفاشل اللي باع مراته دهبها وعفش بيتها وخد الفلوس رماهم لأصحابه الحرامية اللي قلبوه وضحكوا عليه وهو زي الأهبل مشي وراهم وصدقهم ومسمعش كلمنا كلنا، وآخرتها يمد إيده على بنتي في حياة عيني، أمال لما أموت هيعمل فيكم إيه؟ صمت للحظة يلتقط أنفاسه، وتابع بوعيد وغضب أكبر. "أنا وابنك انهارده يا مني، يا قاتل يا مقتول." لا إله إلا الله

بمنزل شرف الحداد. يجلس على ركبتيه أرضًا أسفل قدم والده، أمسك إحدى قدميه ومال عليها قبلها بحب شديد مغمغمًا. "أحلى صباح على أحلى أب في الدنيا كلها." قالها وهو يقوم بوضع الجوارب بقدمه يليها الحذاء. "استنى يا نوح أنا اللي هلبسه الرجل التانية، دي بتاعتي." أردف بها "نور" شقيقه وهو يهرول نحوهما وجثى أرضًا بجوار شقيقه الأكبر أسفل أقدام والدهما.

رفع "نوح" رأسه ونظر لوالده بابتسامة دافئة، تطلع له "شرف" قليلاً ثم تنقل بنظره بينه وبين شقيقه، وزوجته "تهاني" التي تهندم له ثيابه، وابنتيه "ندي" التي تجلس خلفه على ركبتيها وتقوم بتمشيط شعره بحنان بالغ. أما شقيقتها "نهاد" ممسكة بفنجان القهوة المفضل لوالدها وتقربه من فمه ليرتشف منه بستمتاع. ساد الصمت للحظات، وكلًا منهم منهمك بما يفعله بتركيز، فقطع الصمت "شرف" وتحدث بصوت يملؤه الفخر.

"أنا صحيح خسرت درعاتي الاتنين، بس ربنا عوضني بيك يا نوح يا ابني أنت وأمك وأخواتك، ضهري وسندي من بعد ربنا يا ولاد شرف الحداد."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...