"إسلام العطار".. شاب بأواخر العشرينات، خريج كلية حاسبات ومعلومات قسم هندسة برمجيات، يعمل بإحدى الشركات الخاصة. كان مثال للشاب الخلوق قبل عام واحد من الآن، حتى تعرف على صحبة فاسدة سحبت قدمه نحو مشروع رأس ماله معتمد على نقود القروض.
حاولت زوجته ووالديه منعه بشتى الطرق من الاشتراك معهم، إلا أنه أصر على موقفه. قام بجمع كل مبلغ من الأموال كان صغيرًا للغاية لم يفِ بالغرض، فقدم على قرض يسدد على خمس سنوات، يقوم بسحب أكثر من نصف راتبه كل شهر. لم يستمع لحديث عائلته التي قامت بنصيحته أن يبتعد عن مال القروض فقد نهى الله عز وجل عنها.
ليصفعه القدر صفعة دامية بفشل المشروع، خسر كل ما يملك، بل وتكاثرت عليه الديون بسبب القسط الكبير الذي يخصم من راتبه كل شهر، أجبره على بيع ذهب زوجته، وحتى أثاث شقته الجديد قبل حتى أن يتم عام ثاني على زواجه، تاركًا فراشًا فقط بأرضية إحدى الغرف ينام عليه بجانب زوجته وصغيره. من وقتها وتبدل حاله لأسوأ ما يكون. "يا ابني اسمع كلامي وجرب البرشامة دي.. هتعملك دماغ جامدة وتنسيك كل همومك".
قالها "سعد" بابتسامة زائفة وهو يعطيها لـ "إسلام" الجالس أرضًا مستندًا بظهره على الحائط، واضعًا رأسه بين كفيه. رفع "إسلام" رأسه ببطء ونظر له نظرة جامدة يكسوها الحزن والحسرة. نجح في إخفائهما، وطرد زفرة نزقه من صدره وهو يقول: "قلت لك مليش في الزفت دا". هب واقفًا، وأخرج هاتفه من جيب سرواله. نظر به مكملًا: "الساعة بقت سبعة يدوب أروح أغير هدومي وأطلع على الشغل".
وقف "سعد" هو الآخر ومد يده، وضع قرصين السموم بجيب قميصه، وغمز له مغمغمًا: "طيب خلي البرشمتين دول معاك.. أنت مطبق من امبارح لو حسيت إنك بتنام على نفسك في الشغل أرفع واحدة هتصحصحك أسبوعين قدام". لم يرد عليه "إسلام"، اكتفى برمقه بنظرة محتقرة، فهو سبب ما وصل إليه بعد إلحاحه الشديد على أذنيه حتى انصاع له، وخسر كل شيء.
غادر المكان متجهًا نحو منزله الذي يتعمد الهروب منه دائمًا حتى لا يواجهه والداه، وزوجته. خاصةً زوجته "رقية" حبيبة قلبه، عشقه الوحيد والأبدي. منذ ما حدث، وهو لا يستطيع النظر بعينيها، فكلما نظر لها يرى حجم خطأه الهائل، والحزن الدائم الذي سببه لها جعل ملامحها منطفئة. ظل يسير بخطوات مسرعة حتى وصل أمام منزله بعد عدة دقائق قليلة. وقف أمام الباب، وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يدلف للداخل.
صعد الدرج بتمهلٍ حين وصل لسمعه صوت والده "عبد الحميد" الغاضب يتحدث قائلاً: "أنا هعرف بطريقتي هو بيسهر في أنهي مصيبة كل يوم للصبح كده؟! قطع حديثه حين لمح "إسلام" يقف على الدرج أمامه، وينظر له وينفخ بضيق: "أهلاً بالبيه اللي بقى يصيع على كبر بعد ما بقى أب ومسؤول عن بيت وزوجة وطفل". كانت زوجته تقف خلف والده تبكي بصمت، وتنظر له راسمًة الأسف على محياها. نظرتها هذه جعلته يطبق جفنيه بعنف، وهرول بالسير نحو
شقتهما وهو يقول باقتضاب: "أنا عندي شغل، ومش فاضي للخناق معاك دلوقتي". جن حنون "عبد الحميد" من طريقة ابنه الوقحة معه، فصرخ عليه بصوت عالٍ للغاية يدل على مدى غضبه قائلاً: "اقف عندك يا بيه يا متربي وأنا بكلمك، وقولي إزاي تمد إيدك اللي تنقطع على أختك الصغيرة في غيابي؟! "بعد الشر". همست بها "رقية" بداخلها، وهي تنظر لزوجها بلهفة، وقد انهمرت عبراتها أكثر على وجنتيها.
بادلها "إسلام" النظرة بأخرى يملؤها الاشتياق، والألم في آن واحد. "أهدي يا عبد الحميد علشان صحتك ليجرالك حاجة.. إحنا منستغناش عنك يا أخويا". قالتها "مني" زوجته، وهي تربت على ظهره، وتنظره بتوسل وأعين دامعة. بينما تقف "آية" داخل شقة والدها حاملة "حمزة" ابن شقيقها، تقبله بحب، وتضمه بحنان لحضنها متمتمة: "متخفيش يا روح عمتك".
انتبهت لرنين هاتفها برقم "يوسف" خطيبها، فسارت نحو غرفتها على عجل، ودلفت للداخل غالبة الباب خلفها حتى لا يصل لسمعه صوت شجار والدها، وشقيقها. "صباح الخير يا يوسف". نطقت بها "آية" بصوتٍ حاولت جعله طبيعيًا، إلا أنه خرج مرتجفًا، به نبرة انكسار بعد تلك الصفعة التي تلقتها أمامه ليلة أمس على يد شقيقها الوحيد. "صباح الخير!!! تمتم بها "يوسف" ببوادر غضب، وصمت لبرهة ثم تابع وهو يصطك على أسنانه:
"أنا منمتش من امبارح يا آية بسبب اللي عمله اخوكي فيكي قدامي". ابتلعت "آية" غصة مريرة بجوفها، وتحدثت بتعقل قائلة: "بصراحة أنا اللي غلطانة يا يوسف.. إسلام قالي قبل كده مينفعش أقبلك بلبس البيت ولا بشعري مكشوف، وأنا اللي مسمعتش الكلام". "هو أنا غريب يا دكتورة ولا إيه.. أنا خطيبك وقريب أوي هبقى جوزك ولا نسيتي؟! قالها "يوسف" بضحكة ساخرة لا تخفي غضبه المشحون. تنهدت "آية" بتعب وأردفت بهدوء قائلة:
"ما هو علشان انت لسه خطيبي ماينفعش فعلاً أقبلك بلبس البيت، ولا تشوف شعري.. يعني أخويا عنده حق وخايف عليا يا يوسف.. لما نتجوز إن شاء الله ساعتها أبقى براحتي معاك ومحدش يقدر يمنعني عنك أبدًا". "لما نتجوز يا آية أنا اللي همنعك عن اخوكي دا خالص، وهمنعه هو كمان يدخل بيتنا، ولا أنتي هتروحي عند أهلك، ولو مامتك أو باباكِ عايزين يشوفوكي يتفضلوا ينورونا في أي وقت.. لكن اخوكي وأي حد يخصه سواء مراته أو ابنه ميدخلوش بيتي".
قالها "يوسف" بإصرار شديد، حديثه هذا كان واضحًا وصريحًا وبه نبرة لا تقبل النقاش. لوهلة انقبض قلب "آية" وأسرعت بضم الصغير الذي نام على كتفها لحضنها بقوة أكبر، وهمست بصوت متقطع: "عايز تمنعني من اخويا الوحيد بعد الجواز؟! .. أنت أكيد بتهزر يا يوسف!! انتفضت بفزع حين صرخ "يوسف" فجأة بصوت عالٍ مغمغمًا:
"لا مبهزرش، وكلامي دا هيتنفذ بالحرف يا دكتورة.. علشان أنا معنديش استعداد إن اخوكي ييجي في مرة يتجنن ويمد إيده عليكي في بيتي.. ساعتها أنا ممكن أرتكب جريمة". ساد الصمت للحظات، وتابع بأمر قبل أن يغلق بوجهها الهاتف: "الكلام مش هينفع في التليفون أنا هاجيلك بكرة الجامعة بعد ما أخلص شغلي في العيادة، وهاخدك نقعد نتكلم في أي مكان بعيد عن بيتكم علشان أعرفك النظام اللي هنمشي عليه في حياتنا.. سلام".
أطلقت "آية" آهة ملتاعة وهي تنظر لشاشة الهاتف التي تظهر صورتها برفقة خطيبها، وتنقلت بنظرها للحلقة الذهبية حول أصبعها وقد حسمت أمرها بإنهاء تلك الخطبة وإعطائه شبكته فور رؤيته، واختيار شقيقها رغم ما فعله معها إلا أنه مازال وسيظل شقيقها الوحيد واختيارها الأول. وحدثت نفسها بأسف: "حياتك أنت لوحدك يا يوسف.. أنا مليش مكان فيها". رفعت عينيها التي تجمعت بها العبرات للسماء، وهمست بصعوبة:
"يارب عوض عليا عوض الصابرين، ونور بصيرة أخويا وأهديه ورده لينا زي ما كان يارب". ........................................... بمنزل شرف الحداد.. الجميع على أبهى استعداد لبداية يوم عمل جديد. "يله يا نهاد ادخلي شطبي المطبخ قوام علشان أنا واختك هنحضر حاجة الغدا قبل ما أنزل العيادة". غمغمت بها "تهاني" التي تسير بجانب زوجها خلفها أولادها "نوح، نور" نحو باب الشقة تودعهم أثناء ذهابهم للعمل كالعادة. نظرت
لزوجها وتابعت بنبرة راجية: "ما تاخدوا انهارده أجازة وتخليكم معانا يا شرف.. أنا قلقانة وقلبي مقبوض مش عارفة ليه، وكمان الأرصاد قالت هيبقي في مطرة جامدة انهارده بليل". أستندت برأسها على كتفه، ليسرع "شرف" ويمال بوجهه عليها، واضعًا قبلة مطولة فوق جبينها جعلها تبتسم بخجل وتابعت بحماس: "خليكم بس معانا وأنا والبنات هنعملكم أحلى محشي سخن يدفيكم والحلويات اللي بتحبوها، ونجيب شوية تسالي ونسهر سوا نتفرج على فيلم حلو كده".
"احححم.. ياريت كان ينفع والله يا أم نوح.. بس عندنا شغل كتير جداً انهارده". قالها "نوح" بابتسامة عابثة وغمز لها بشقاوة مكملاً: "لو مصرة أوي ممكن نسبلك الحاج شرف أجازة انهارده بس هتتخصم من مرتبه". "اخصم المرتب كله.. فداكي يا تهاني". قالها "شرف" وهو ينظر لزوجته بابتسامة دافئة جعلها تقف على أطراف أصابعها وتطبع قبلة رقيقة على لحيته الكثيفة وهي تقول بحب جم: "ربنا ميحرمنيش منك أبدًا يا حبيبي".
"اممم.. طيب يله بينا إحنا يا عم نوح الله يرضي عليك.. كده أبوك الحاج أجازة رسمي انهارده". أردف بها "نور" وهو يسير برفقة شقيقه لخارج الشقة. لتهرول "تهاني" خلفهما وتتحدث بلهفة قائلة: "نوح يا حبيبي بلاش تاخد الموتوسيكل انهارده الجو مش مظبوط والأرض هتبقي مزحلقة من المطرة.. اركب مع أخوك العربية يا ابني". "مستغناش عن الموتوسيكل وانتي عارفة يا أم نوح". قالها "نوح" وهو يهبط الدرج، وتابع بمزاح قائلاً:
"ادعيلي بقي في المطرة أقابل اللي هجبلك منها أحفاد انهارده يا تونة يا شقية".
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!