الفصل 4 | من 13 فصل

رواية انذار بالقتل الفصل الرابع 4 - بقلم نسمة مالك

المشاهدات
42
كلمة
2,692
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 31%
حجم الخط: 18

أسدل الليل ستائره السوداء بعدما انقضت ساعات النهار سريعًا. بدأت الأمطار تتساقط رويدًا رويدًا تمهد لعاصفة ستصل إلى حد السيول. جعلت الجميع يختفون داخل منازلهم حتي أصبحت الشوارع خالية تمامًا من البشر خوفًا من أن تصيبهم إحدي صاعقات البرق القاتلة. -بمنزل شرف..

تسير "تهاني" ذهابًا وإيابًا بلا توقف، تفرك يديها ببعضهما بتوتر ملحوظ أمام أعين زوجها وابنتيها الجالسين على أريكة كبيرة أسفل غطاء وثير يتناولون مشروبات ساخنة تمدهم بالدفء. "تعالي أقعدي يا أم نوح وبطلي قلقك دا.. ولادك مش أطفال صغيرين دول رجالة ما يتخافش عليهم."

أردف بها "شرف" بهدوء رغم أن القلق بدأ يزحف لقلبه هو الآخر، خاصةً مع صوت الهواء القوي بالخارج الذي يصفع الأبواب والنوافذ بعنف، والبرودة الشديدة التي يشعر بها وهو داخل منزله أسفل الغطاء، بينما أبناؤه بالخارج يواجهان هذه الأجواء الصعبة. جعلته يتمتم بسره: "ربنا يحفظك يا نوح يا ابني أنت ونور أخوك وترجعولنا بألف سلامة، ويعدي انهارده على خير."

كانت "تهانى" ممسكة بهاتفها تحاول الاتصال بأولادها للمرة التي لا تعلم عددها وهي تقول بنبرة أوشكت على البكاء: "أنا اللي غلطانة من الأول لما سبتهم ينزلوا وأنا عارفة أن الجو هيقلب بشكل دا.. كنت المفروض أمسك فيهم زي ما مسكت فيك يا شرف." صمتت لبرهةٍ، ونظرت لزوجها، وهي تضع الهاتف على أذنها وتابعت بتنهيدة: "الحمد لله إنك منزلتش معاهم.. الجو دا يتعبك وأنت مناعتك ضعيفة.. كان زماني مت من خوفي عليك يا أبو نوح."

"بعد الشر عليكي يا حبيبتي." غمغم بها "شرف" بمنتهي الحب الظاهر على محياه وعينيه التي تنظر لها نظرة متيمة، جعلت وجنتي "تهاني" يشتعلان بحمرة الخجل. "أيوه يا نور.. أنتو فين يا ابني، وأخوك مابيردش على تليفونه ليه." قالتها "تهانى" بلهفة فور سماعها لصوت ابنها عبر الهاتف. "أطمني يا ماما.. أحنا جاين في الطريق، ونوح راكب الماكينة وماشي قدامي أهو.. بس مش هعرف أرد عليكي وهو سايق."

أردف بها "نور" بنبرة مطمئنة لم تستطع تقليل قلق وخوف تهاني على الإطلاق، بل زاد ارتعاد قلبها بعدما علمت أن نوح يقود دراجته البخارية في هذه الأجواء. -بمنزل عبد الحميد.. كانت "رقية" تقف خلف النافذة تنتظر زوجها بدموع منهمرة على وجنتيها كلما تذكرت نظراته لها حين ألقت على سمعه رغبتها بالانفصال عنه. لم ينطق "إسلام" حينها بحرف واحد وكأن صدمته فيها فقدته النطق.

رمقها بنظرة تصرخ بألم حاد كادت أن تفتت قلبها لأشلاء، يخبرها بنظرته أنها ضربته بمقتل بجملتها هذه. طال الصمت بينهما، كانت النظرات تبوح بما تحمله القلوب. وبرغم أن نظرتها له كانت تستجديه ليخطفها داخل صدره ويضمها بقوة حتى يكسر عظامها، ويهمس لها أنه لن ولن يتركها مهما حدث، وسيبتعد عن هذه الصحبة الفاسدة ويكتفي بها هي وصغيره، فهذا كل ما كانت تريد أن تسمعه منه بتلك اللحظة.

لكن عذرًا، لم يستطع أن يلبي رغبتها. ربما كان يفعل هذا لها بوقت آخر. هي أساءت اختيار التوقيت المناسب، فحالته النفسية تكاد تكون على حافة التدمير، بل بعد ما قالته له بالتأكيد أصبح مدمرًا نفسيًا. وهرول لخارج الشقة بل لخارج المنزل بأكمله منذ الصباح الباكر، ولم يعد وقد تعدى الوقت منتصف الليل، مما جعل والده يتصاعد غضبه لأضعاف مضاعفة ولم يتوقف عن الشجار مع جميع من بالمنزل.

"اتصلي بيه يا رقية قوليله أبوك حالف لو مجتش حالا ليخرج يبلغ عنك." كان هذا صوت "عبد الحميد" الذي يدور حول نفسه وخلفه زوجته تحاول تهدئته بكافة الطرق متمتمة: "استهدي بالله يا عبد الحميد.. الواد كان خارج الصبح مش شايف قدامه، والدمعة هتفر من عينه بعد القلم اللي أنت أديتهوله." "لا إله إلا الله." همس بها "عبد الحميد" بسره، ومن ثم تحدث وهو يصطك على أسنانه بعنف:

"أنتي مش شايفة الجو قالب إزاي ومش مبطل مطر ورعد وبرق.. الناس كلها مكنونة في بيوتها، وابنك قاعد عند الصيع الحشاشين اللي اتلم عليهم لحد دلوقتي بيعمل إيه؟! اقتربت "آية" من والدها وقفت بجواره، وأمسكت يده تجذبه نحو شقتهم برفق مغمغمة: "يا بابا تعالي بس نقعد جوه من البرد دا وإسلام زمانه جاي إن شاء الله." نظر لها "عبد الحميد" نظرة يملؤها الأسى، وتحدث بصوت متعب قائلاً:

"مش هيجيلي قلب أقعد أنا في الدفا، وأخوكي لسه بره البيت في التلج دا يا آية." جملته جعلت "رقية" الواقفة مستندة على باب شقتها أجهشت ببكاء مرير، وحتى "مني" أيضًا لم تتوقف عن البكاء، خاصةً حين تابع "عبد الحميد" بقلة حيلة قائلاً:

"طيب كلموه خلوه يجي بس وأنا هرضيه وأطيب خاطره على القلم اللي أديتهوله، وأبوس راسه كمان قدامك يا رقية يا بنتي.. بس يرجع ي بات في فرشته بدري مرة عشان أقدر أنا أغمض عيني شوية وأنا مطمن إنه نايم في فرشته." ساد الصمت للحظات يقطعه صوت بكاء الجميع، بينما "عبد الحميد" يجاهد لكبح عبراته، بقلب ملتاع على وحيده وما وصل إليه. "والله عمالة أتصل بيه يا عبدو أنا وأخته وبيكنسل علينا مش عايز يرد." أردفت بها "مني" بأسف.

نظر "عبد الحميد" لزوجة ابنه وتحدث وهو يخرج زفرة نازقة من صدره: "هيرد على مراته.. اتصلي أنتي بيه يا رقية يا بنتي.. مدام البيه لا بيرد عليا ولا أمي ولا أختي." بيد مرتجفة أمسكت "رقية" هاتفها، وطلبت رقم زوجها وهي تقول بتقطع من بين شهقاتها: "حاضر يا عمي.. هكلمه." -"إسلام".. كان بحالة لا ي رثى لها بعدما تناول كمية كبيرة من الخمر، وال حبوب المخدرة جعلته يتصرف بلا وعي.

يضحك بقوة، يبكي بنحيب بآن واحد، يرقص، يغني، يصرخ صرخات نابعة من جرح قلبه النازف تشق سكون الليل. "أنت أفرطت أوي يااض يا إسلام وقعتك سودة." تفوه بها "سعد" وهو يزيح من على فمه زجاجة الخمر الذي يتناولها "إسلام" على مرة واحدة. جحظت أعين "سعد" وتابع بتعجب قائلاً: "أنت يا تشربش خالص.. يا إما تبلع وتطينها على الآخر.. إيه عايز تموت مننا أوفر دوس؟! "ياريت." همس بها "إسلام" من بين ضحكاته، وعينيه تفيض بالدمع دون بكاء.

رنين هاتفه بنغمة زوجته الخاصة جعله يهب واقفًا بصعوبة بالغة، وسار نحو الشرفة بخطى مترنحة، وضغط زر الفتح بلهفة مغمغمًا: "رقية.. عايزة تطلقي مني يا رقية.. عايزة تسبيني." أستمع لصوت نحيبها، وتأوهت باسمه بنبرة راجية حين أدركت تعاطي شيئًا قائلة: "إسلام.. تعالي البيت.. كلنا قلقانين عليك." "عايزني أجي ليه.. أوعى تقولي إنك خايفة عليا؟! " خرج صوته المتقطع يكسوه الحزن، وبغضب صرخ مكملاً:

"مش هاجي، واطمني هتخلصي مني بس مش هطلقك يا رقية.. لا هخليكي أرملة.. عشان أنا مش هقدر أعيش من غيرك." بكى بقوة وتابع بصوت يملؤه الحسرة:

"أنا عايش أصلاً لحد دلوقتي بيكي، وعملت كل اللي عملته دا عشانك أنتي وابننا.. كنت عايزك تكملي تعليمك ومخليش حاجة ناقصاكم وأجبلك كل اللي بتحلمي بيه.. بس معرفش أن كل دا هيحصل، وإني هخسر كل حاجة بسبب القرض اللي عملته.. أنتي كان عندك حق.. فلوس القروض والربا بتخرب البيوت، وبيتنا اتخرب يا رقية." لهنا وانفجرت "رقية" ببكاء شديد أوشك على الانهيار، وهي تستمع لكلماته الحادة التي قطعت نياط قلبها على حين غرة.

تهاوت قدماها وأوشكت على السقوط أرضًا، لتهرول "آية، مني" نحوها وأسندوها بلهفة، وهما يبكيان لبكائها. بينما تناول "عبد الحميد" الهاتف من يدها، متمتمًا بجدية مصطنعة حاول بها تلطيف الأجواء: "واد يا إسلام أنت قولت إيه لمراتك زعلها أوي كده.. خف نفسك وتعالي أوام عشان ترضيها." "مش هاجي يا عبد الحميد." قالها "إسلام" بغضب عارم جعل الصدمة تعتلي ملامح والده حين وصل لسمعه صوته الذي يدل على أنه مخمور. فهمس "عبد الحميد" بذهول:

"أنت سكران يا إسلام؟! "ملكش فيه؟! " قطع حديثه والده حين صاح بوعيد، ونبرة محذرة لا تقبل الجدال: "الله في سماه لو مجتش البيت حالاً لكون مبلغ عنك أنت والمجرمين اللي سهران بتسكر معاهم وأخلي البوليس يلمكم في بوكس واحد." صعق "إسلام" من جملة والده التي أيقظت وحشه الكامن، وبهدوء ما قبل العاصفة قال: "تبلغ عني؟! عايز تسجني يا عبد الحميد."

"قدامك عشر دقايق، وتكون قدامي هنا، وإلا هتلاقي البوليس فوق دماغكم." قالها "عبد الحميد" قبل أن يغلق الهاتف بوجهه. نظر لزوجته وتحدث بدهشة قائلاً: "ابنك صوته شارب يا مني!! ابنك اللي عمره ما شرب سيجارة بيكلمني، وهو سكران، وبيقولي يا عبد الحميد حاف كده.. نسي أني أبوه." وضع كف يده على جبهته يدلكه برفق لعله يكون بإحدى كوابيسه ويفيق منها، ولكن وبكل أسف هذا واقع مرير، وابتلاء قوي أصابه بوحيده.

أخذ نفس عميق، وتحدث بصرامة قائلاً: "آية يله على اوضتك، وأنتي يا رقية يا بنتي ادخلي شقتك." وزع نظراته بينها وبين زوجة ابنه وتابع بأمر قائلاً: "ومهما يحصل مش عايز أشوف واحدة منكم لما يجي إسلام.. مش عايزكم تشوفوه وهو بالمنظر دا لحد ما نفوقه أنا وأمه." -أشعلت أعين "إسلام" بنيران غضب حارقة جعلت عروقه تبرز بخطورة، وركض بخطوات متعثرة للخارج متجه نحو منزله، وهو يحدث نفسه بذهول قارب للجنون:

"عايز تبلغ عني.. حصلت كمان عايز تسجني يا عبد الحميد." أخذ الطريق بأكمله يركض تحت الأمطار الغزيرة المنهمرة فوقه، ولكن دموع عينيه فاقتها غزاره بعدما تأكد أنه ضل طريقه ووصل لنهايته. دقائق معدودة، وكان يخطو لداخل المنزل ومن ثم لشقة والده. ارتمى بثقل جسده على الحائط لوهلة يلتقط أنفاسه، ومن ثم طرق على الباب بكلتا يديه مرددًا: "افتح يا عبد الحميد.. افتح أنا مش هحلك الليلة دي." -"رقية"..

كانت منفصلة عن العالم أجمع بعدما وقفت بين يدي الله، تصلي بخشوع، تناجي ربها وتدعو لزوجها من أعماق قلبها أن يلهمه ربه الصواب. شعرت بسكينة وراحة تغزو قسماتها، وأزاح همها عن صدرها بعدما أيقنت أن كل ما تمر به الآن هو اختبار لها وعزمت على اجتيازه بنجاح مهما كلف منها الأمر.

"الحمد لله على كل حال." غمغمت بها "رقية" بسرها وأمسكت مصحفها، وجلست بجوار صغيرها النائم بعمق، وأخذت تتلو ما تيسر من القرآن الكريم ويدها تمسد على رأسه وجسده تمدة بالدفء والأمان. ولكن؟! صوت صرخات حماتها المرتعدة تردد بهلع قائلة: "اهربي يا آية أخوكي هيموتنا؟ هرولت "رقية" نحو باب شقتها فتحته بفزع، ليسقط قلبها أرضًا حين لمحت أخت زوجها تركض بوهن تاركة آثار دمائها بكل خطوة تخطوها. "آية بتجري راحة فين.. إيه اللي حصل؟!

" تفوهت بها "رقية" وهي تركض نحو شقة حماتها، لتصعق من هول ما رأت، حتى أنها كاد أن يتوقف قلبها من شدة الصدمة، بل الكارثة التي فعلها زوجها بعائلته. "إسلام.." صرخت بها "رقية" صرخة مدوية جعلت زوجها يسترد وعيه فور رؤيتها. جحظت عيناه بهلع وهو يدرك حجم الخطأ الفادح الذي فعله بحق والديه الملقيان أرضًا غارقان بدمائهما. هنا ظن أنه كتب نهايته بيده، فنظر لزوجته نظرة يملؤها الندم، وانهمرت عبراته على خديه هامسًا بصوت متقطع

من بين شهقاته العالية: "أنا آسف.. آسف يا رقية سامحيني." أنهى جملته، ووجه السكين نحو قلبه، أغلق عينيه، وأخذ نفس عميق وهم بطعن نفسه بكل قوته، طعنة نافذة ستزهق روحه في الحال، إلا أن صوت والدته أوقفه حين همست بضعف وصعوبة بالغة قائلة: "لا يا ضنايا.. متشقش قلبي يا ابني."

هنا استجمعت "رقية" شتات نفسها، وركضت نحو حماها، جثت على ركبتيها أرضًا جواره، وضعت يدها على رقبته تتحسس نبضاته البطيئة أسفل أصابعها، وخلعت حجابها وقامت بربطه بقوة حول صدره لتمنع تدفق الدماء. ومن ثم سارت زحفًا نحو حماتها التي تجاهد حتى لا تفقد وعيها، وخلعت عنها حجابها وعقدته حول جرحها أيضًا بأحكام أمام أعين زوجها المنذهلة.

وبلمح البصر كانت انتفضت واقفة واقتربت من زوجها، خطفت منه السكين، وجذبته من ياقة قميصه عليها حتى تلامست أنفهما، ونظرت لعينيه بغضب عارم، وتحدثت بشراسة قائلة: "اتحرك حالاً يا إسلام وشوف مفاتيح عربية أبوك فين وخرجها من الجراج خلينا نلحقهم.. مش هسيبك تروح مني، وتدمر نفسك أكتر من كده." -"إيه اللي جابك من الطريق دا؟! " أردف بها "نور" بتعجب وهو يسير بجوار شقيقه بسيارته، بينما "نوح" يقود الدراجة البخارية بتراوي وحرس.

"مش عارف يا نور إيه اللي جابني هنا." قالها "نوح" بدهشة وهو ينظر للطريق من حوله، وتابع محدثًا نفسه: "زي ما أكون الطريق بيوديني لحاجة مش عارف إيه هي؟! توقف عن الحديث، وعن القيادة أيضًا حين وجد فتاة ظهرت من العدم وتوقفت أمامه بمنتصف الطريق.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...