الفصل 3 | من 13 فصل

رواية انذار بالقتل الفصل الثالث 3 - بقلم نسمة مالك

المشاهدات
46
كلمة
2,124
وقت القراءة
11 د
التقدم في الرواية 23%
حجم الخط: 18

كانت الأجواء مشحونة بغضب مكتوم بين "إسلام" ووالده جعل الخوف يعتلي ملامح "مني" وانقبض قلبها بذعر عندما رأت الغضب يزيد ويتدافع بأعين زوجها من طريقة حديث وحيدها الغريبة والجديدة كليًا عليه. وضع "إسلام" كلتا يديه بجيب سرواله، واقترب منه بخطوات ثابتة، وتحدث بهدوء قائلاً:

"بنتك هي اللي جابت لنفسها الضرب.. أنا حذرتها قبل كده تلبس طرحة على شعرها ولبس خروج مش لبس بيتي لما خطيبها يجي، ومسمعتش الكلام يبقي تستاهل اللي عملته فيها علشان تسمع الكلام بعد كده". "أنت إيييييييييييه مبقاش حد قادر عليك". قالها "عبد الحميد" وهو يقطع المسافة بينهما، وقام صفعه بكل قوته على وجهه حتى أطاحت الصفعة وجهه للجهة الأخرى.

تسمّر "إسلام" محله مصدومًا لبرهةٍ، وما لبثت الصدمة أن تناقلت إلى أمه، إلى زوجته التي صرخت بألم واعتلى نشيجها وكأن تلك الصفعة هبطت على وجهها هي، بل على قلبها مزقته أربًا. بينما ارتمي "عبد الحميد" على مقعده ثانيةً وتحدث بأسف قائلاً: "دا القلم اللي ضربته لأختك قدام خطيبها.. أنا ردتهولك قدام مراتك علشان تحس على دمك وتعرف أنت وجعت أختك أد إيه بعملتك دي".

أدار "إسلام" وجهه ببطء لينظر إلى أبيه من جديد، كانت نظرة متخاذلة، خائبة، مستنكرة. ثم جمع نفسه و ولّى لداخل شقته بخطواتٍ واسعة غالقًا الباب خلفه بعنف كاد أن يحطمه. هرولت زوجته "رقية" بالركض خلفه ليوقفها صوت "عبد الحميد" بحدة قائلاً: "تعالي يا رقية يا بنتي وسبيه دلوقتي.. أنا عايزك في كلمتين". نظر لزوجته "مني" التي ترمقه بنظرات عاتبة، ودموعها تهبط بغزارة على وجنتيها جعلته يصطك على أسنانه غيظًا، ودفعها برفق

لداخل شقتهما وهو يقول: "خلينا نقسي عليه شوية يمكن القسوة تفوقه يا مني، وكفاية طبطبة لحد كده". وقفت "رقية" في حيرة من أمرها تذهب وراء زوجها، أم تدلف خلف حماها؟! تعلم أن زوجها بأشد الحاجة إليها الآن ليترمي داخل بأحضانها كعادته حتى تهدأ ندبات قلبه.

وجدت نفسها دون إرادتها تتراجع للخلف نحو شقتها، قدميها لم تعد تتحكم بهما، قلبها يصرخ بها ويحثها على احتواء زوجها بين ذراعيها كما تفعل مع صغيرها حين تعنفه على خطأ ما، وتسرع بنفس اللحظة بضمه لصدرها تمحي أثر العنف الذي تعرض له على يدها. "قولتلك تعالي عايزك يا رقية يا بنتي". هكذا أوقفها "عبد الحميد" قبل أن تصل لباب شقتها. "هطمن على إسلام بس واجي لحضرتك يا عمي". أردفت بها بصعوبة من بين شهقاتها الحادة.

حرك "عبد الحميد" رأسه بالنفي، وبداخله يعلم هو مدى تعلق وحيده بزوجته، وأنها إذا خطت للداخل لن يتركها تخرج مرة أخرى. "يابنتي تعالي هقولك كلمتين، وأبقى روحيله". على مضض انصاعت "رقية" لحديثه، ودلفت لداخل شقة حماتها غالقة الباب خلفها. "ملكش حق أبدًا في اللي عملته يا عبد الحميد.. أنت قسيت على الواد أوي يا أخويا، وكسرت نفسه قدام مراته". غمغمت بها "مني" التي جلست على وسادة موضعة على الأرض تبكي بنحيب.

أخذ "عبد الحميد" نفس عميق، وسار نحوها جلس بجوارها، ربت على قدمها بحنو مردفاً: "انا بشد عليه علشان ارجعه لعقله، وأفوقه من اللي هو فيه دا يا مني.. أنتي عجبك حاله، واللي وصل ليه؟! خفضت "مني" وجهها بخزي من تصرفات وحيدها، ليتابع "عبد الحميد" بأسف:

"انتي عارفة الواد عطوة الصبي اللي شغال اتصل بيا من شوية قالي وهو جاي يفتح المحل شاف ابنك خارج من بيت سعد الصايع اللي بيلم شوية مجرمين وحشاشين ويفضلوا سهرنين طول الليل يسكروا، وأنا كام مرة أقول لابنك يبعد عنه وكفاية التدبيسة السودة اللي دبسة فيها، وبرضوا ابنك راكب دماغه، وبيروح يسهر عنده للصبح". صمت لوهلة يلتقط أنفاسة، وتابع بتنهيدة: "تعرفي ان ممكن البوليس يطب عليهم في أي وقت ويلمهم كلهم في البوكس". شهقت "رقية" بهلع،

وتحدثت مستفسرة: "ومين بس اللي هيبلغ عنهم ويفتح عين البوليس عليهم يا عمي؟! تنقل "عبد الحميد" بنظرة بين زوجته، وزوجة أبنه، وقال بجمود يغلفه قسوة مصطنعة: "أنا اللي هبلغ عنهم لو فضل جوزك ملموم عليهم". هنا ضربت "مني" على صدرها بقوة، ونظرت له بغضب عارم وأردفت بشراسة: "عايز تودي ابنك في داهية يا عبد الحميد؟!!! "مش أحسن ما ياخد مخدرات معاهم وهو ملوش فيها زيهم ويارجعلنا في يوم جثة يا مني". أدمعت عينيه،

وتابع بصوت تحشرج بالبكاء: "لو اتحبس يبقي أرحم عندي ميت مرة من أني اخسره للأبد". قالت "مني" بلهفة: "الشر بره وبعيد يا عبدو.. ربنا يحميه ويحفظه لشبابه وينور بصيرته إسلام ابن مني قادر يا كريم يارب". أمن "عبد الحميد" على دعائها، و"رقية" أيضًا أمنت بقلبها بألحاح شديد تناجي ربها وتستجديه أن يستجيب، لتجحظ أعين الجميع بصدمة حين أخترقت جملة "عبد الحميد" أذنهم يقول بصرامة:

"عايزك تطلبي من إسلام الطلاق يا رقية يا بنتي، وتقوليله السبب أني هبلغ عنه لو هو الصيع اللي بيروح لهم كل ليلة". "عايزني أطلق من جوزي في ظروفه دي يا عمي؟! غمغمت بها "رقية" بذهول، وقد أصبح عقلها غير قادر على الاستيعاب. "أنت بتقول ايه يا بابا.. إسلام أخويا روحه في رقية، ويمكن هي اللي ملجمة تصرفاته شوية". قالتها "آية" التي خرجت للتو من غرفتها بعدما قامت بوضع الصغيرة النائم على فراشها، واغلقت عليه الباب بحرص حتى لا تزعجه.

"جري إيه يا عبد الحميد.. أنت عايز تفرق بين ابنك ومراته، وتخلي الواد يتقهر زيادة ولا إيه". قالتها "مني" وهي تعتدل بجلستها، وتنظر له بنظرات نارية. أطبق "عبد الحميد" جفنيه بقوة، وتحدث بنفاذ صبر قائلاً: "يا بنتي أفهمي دا مجرد تهديد مش أكتر.. أنتي هتقولي لجوزك كده علشان يحس انه هيخسرك ويرجع لعقله ويبطل يروح للعيال المجرمين دول.. لكن لا أنا هبلغ عنه ولا أنتي هتطلقي". اقتربت "آية" وجلست بجوار والدها، وأمسكت يده بين

كفيها وتحدثت برجاء وتعقل: "بلاش يا بابا.. أحنا كده بنضغط على إسلام أوي، وزيادة الضغط دي ممكن تخليه ينفجر ويتصرف تصرفات متهورة من غير تفكير". اجهشت "رقية" ببكاء مرير وهي تقول: "أيوه يا عمي كلام آية صح بلاش نقسي عليه أكتر من كده، وكفاية القلم اللي حضرتك ضربتهوله دلوقتي، وبالله عليك سيبني اروحله". "ضربت إسلام يا بابا!!!!

غمغمت بها "آية" وقد تجمعت العبرات بعينيها، وانهمرت بغزارة على وجنتيها حين حرك "عبد الحميد" رأسه بالايجاب. "روحي لجوزك يا رقية يا بنتي، و خليكي جنبه مش هنبقي أحنا والزمن عليه". قالتها "مني" وهي ترمق زوجها بنظرة ذات مغزي. هرولت "رقية" لخارج الشقة وقبل أن تفتح الباب قال "عبد الحميد":

"لو فكرتي في كلامي هتلاقيه صح يا رقية يا بنتي.. عايزة جوزك حاله يتعدل يبقي لازم يحس انه هيخسرك أنتي بالذات لأنك أغلى حاجة في حياته يمكن أغلى مننا كمان، وعشانك هيعمل المستحيل". بمنزل شرف الحداد. دوي صوت صرخات متتالية داخل عيادة الدكتورة "تهاني" الواقفة داخل المطبخ تردد بعض الأذكار أثناء تحضير طعام الغداء برفقة ابنتيها الجالستان حول والدهما على طاولة مستديرة.

بين لحظة وأخرى تدوي الصرخات تصم الأذن وتجعل القلوب ترتعد فزعًا. بينما "شرف" وعائلته يجلسون بهدوء، وبرود أعصاب بعدما اعتادو على حالات الولادة التي تقوم بها "تهاني" يوميًا. "أبرمي صابع المحشي كويس يا ندي علشان ميفكش وهو بيستوي". أردفت بها "تهاني" وهي تجلس بجوارهم على الطاولة وتقوم بأطعام زوجها طبق من الكنافة بالمانجو الذي يفضله. "انتي مش هتنزلي تشوفي الحالة اللي خرمت ودنا صريخ دي".

قالها "شرف" بمرح وهو يتناول من يدها الطعام بتلذذ. ضحكت "تهاني" وهي تجيبه: "الطلق لسه في أوله بس هي حابة تدلع على جوزها شويتين". رسم "شرف" الجدية على محياه الذي ما زال وسيم مغمغمًا: "من حق كل ست تدلع في اللحظة دي بصراحة يا أم نوح". "اممم.. طيب يا أبو نوح هتصل على ولادك اطمن عليهم". دمدمت بها "تهاني" بقلق واضح على ملامحها الحنونة. ارتفع حاجبي "شرف" بتعجب وهو يقول:

"ما أنتي لسه مكلمة نوح من عشر دقايق، واطمنتي عليهم.. سبيهم يشوفوا شغلهم يا تونة". "طيب هقولهم يجو علشان ياكلوا المحشي وهو سخن". همست بها بنبرة طفوليه، وصمتت للحظة وتابعت بتنهيدة: "قلقانة أوي بصراحة يا شرف.. حاسة ان في حاجة هتحصل، وعايزة ولادي يكونوا هنا قبل الليل ما يدخل". بشركة الحداد. يقف "نوح" بين العمال يتابع الشغل بنفسه، بل ويقوم بمشاركتهم والعمل على الماكينات بيده مغمغمًا:

"الهمة يا رجالة.. عايزين نخلص كل الشغل اللي ورانا دا علشان نرجع بيوتنا قبل ما الدنيا تشتي علينا". "الشغل كتير انهارده اللهم بارك وكده فيها سهرة لحد بعد نص الليل يا نوح". قالها "نور" شقيقه وهو يعمل أيضًا بجواره بمهارة وخفه اكتسبوها من والدهما منذ الصغر.

جملة "نور" جعلت القلق يزحف لقلب "نوح" فالأجواء اليوم تبشر بأن الليل سيكون عاصف وممطر، ولكن هناك جزء بقاع قلبه يشعر بشيء ما لا يدري ما هو إلا أنه يجعل دقات قلبه تنتفض انتفاضة جديدة كليًا عليه، فأطلق زفرة نزقة من صدره متمتمًا بسره: "خير.. خير يا نوح". بشقة "إسلام". دلفت "رقية" للداخل تبحث عن زوجها بلهفة، حتى رأته يقف خلف نافذة غرفة النوم بشرود، الألم ظاهر على ملامحه، عينيه متحجرة بها العبرات.

سارت نحوه بخطي هادئة حتى توقفت خلفه مباشرةً. المسافة بينهما لا تُذكر، لكنهما لا يتلامسان، اغمضت عينيها ببطء لتنهمر دموعها على وجنتيها، وأخذت نفس عميق تملئ رئتيها بعبق رائحته التي تعشقها حد الإدمان. رباه!!! كم تشتاقه، فمنذ تلك المحنة التي تعرضوا لها وهو مبتعد عنها، لا يقربها إلا للحظات لا تذكر يضمها لصدره، ومن ثم يستعيد وعيه وينتفض بعيدًا عنها على الفور.

رفعت يدها، ووضعت أصابعها على ظهره، تشنج جسده أثر لمستها، وعلقت أنفاسه بصدره وهو يستشعر الذبذبات الحارة المنبعثة من جسدها الآخذ بالاقتراب منه. "إسلام". هامست بها "رقية" بحميمية أيقظت كل مشاعره التي يحاول اخمادها تجاهها مرةً واحدة جعلته يستدير لها فجأة، واجتاحها فورًا، مفرغًا فيها و عليها جام شوقه وضيقته ويأسه. ولكن جمد محله، وتوقف عن ما يفعله حين استمع لهمسها الباكي المرتجف تقول: "طلقني يا إسلام".

جملتها هذه كانت الشرارة التي أشعلت نيران ربما تقضي على الأخضر واليابس.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...