الفصل 12 | من 13 فصل

رواية انذار بالقتل الفصل الثاني عشر 12 - بقلم نسمة مالك

المشاهدات
27
كلمة
2,399
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 92%
حجم الخط: 18

داخل عيادة "تهاني" الخاصة، جلست "رقية" تنتظر "آية" بعدما ساعدتها على تغيير ثيابها، وأخذ حمام دافئ، فجرحها لم يشفَ إلى الآن بسبب ضعفها الشديد، وقلة غذائها. كانت تجلس أمام "تهاني" على المكتب بحجرة الكشف، وتجلس "نهاد" بالكرسي المقابل لها، بينما الصغير "حمزة" يلهو بجوارهم. "خلي بالك من آية يا رقية.. البنت نفسيتها تعبانة جدًا، وكنت أتمنى أنها تفضل عندنا أكتر من كده علشان أطمن على جرحها لحد ما تكون كويسة."

أردفت بها "تهاني" بابتسامة بشوشة، وتابعت بتنهيدة حزينة. "والله أنا زعلانة أنها هتمشي.. أنا حبيتها زي بناتي بالظبط." بادلتها "رقية" الابتسامة، وتحدثت بامتنان قائلة. "أنا مش عارفة أشكر حضرتك إزاي على كل اللي عملتوه معانا أنتي وأولادك ربنا يبارك لك فيهم ويحفظهم من كل شر يارب، واطمني آية دي أكتر من أختي والله، وأنا هشيلها جوه عنيا، وهخلي بالي منها." رمقتها "تهاني" بنظرة عاتبة وهي تقول.

"بتشكريني على واجبنا يا بنتي.. بقولك آية دي بقت زي واحدة من بناتي.. بس بحلفك بالله أهم حاجة الفترة دي بلاش البنت تزعل خالص.. نفسيتها مش هتتحمل زعل أكتر من كده.. لأنها دخلت في نوبة فزع عندنا هنا أكتر من مرة.. خدي بالك منها يا رقية." حديثها جعل القلق يزحف لقلب "رقية" فهي رأت "آية" بعينيها وقد فقدت الكثير من الوزن بأيام قليلة، ووجهها شاحب طيلة الوقت، وتسير بوهن، وإجهاد شديد حتى أن جسدها يترنح بصورة واضحة.

"بحول الله وقوته أنا هفضل معاها لحد ما ترجع أحسن من الأول.. اطمني يا دكتورة تهاني." تصنعت "تهاني" الجدية، وتوجهت بنظرها نحو "حمزة" متمتمة. "اممم.. بمناسبة دكتورة تهاني.. قوليلي مش ناوية تخلفي عن قريب، والمرادي بقى اعملي حسابك أنا اللي هولدك." بهتت ملامح "رقية"، ابتلعت لعابها بصعوبة، وجاهدت لترسم ابتسامة زائفة على ملامحها التي كساها الحزن والألم فجأة حين تذكرت أن زوجها لم يقربها منذ عدة أشهر.

أطلقت زفرة نزقة من صدرها الذي ينتفض بقوة بسبب تسارع دقات قلبها الذي يشتاقه حد الجنون، وهمست بتمني قائلة. "ربنا يرزقنا إن شاء الله عن قريب.. دعواتك بس نعدي من المحنة دي على خير الأول يا دكتورة." مدت "تهاني" كف يدها، وربتت على يد "رقية" وهي تنظر في عينيها، وقد قرأت تعابير وجهها بخبرتها، وذكائها مرددة بيقين شديد بالله. "هتعدي يا رقية.. بإذن الله هتعدي يا بنتي." بالطابق العلوي.

كانت "آية" تجلس برفقة "ندي" تنتظر منقذها بنفاذ صبر، تفرك يديها ببعضهما، وتطلع للساعة الكبيرة المعلقة على الحائط أمامها كل بضعة ثواني. "على ما يوصل أبيه نوح هكون عملت لك بقى كوباية عصير برتقال بالجزر يقويكي، ويزود مناعتك يا يويو يا قمراية أنتي." نطقت بها "ندي"، وهي تهب واقفة، وتسير نحو المطبخ. ابتسمت لها "آية" هامسة بستحياء. "هتعبك معايا يا ندي."

"متقوليش كده مفيش تعب ولا حاجة يا آية.. ده أنتي منورانا والله ونفسي تفضلي معانا على طول." غمغمت بها "ندي" عبر فتحة المطبخ المطلة على ردهة الشقة، ومن ثم تابعت إعداد العصير باحترافية كما علمتها والدتها. كانت ملامح "آية" الشاحبة تستعيد إشراقها رويدًا رويدًا بفضل ابتسامتها الخجولة التي تزين ثغرها المزموم. رغم كل ما تمر به إلا أن هناك جزء بقع قلبها الممزق تغمره الفرحة.

تلاشت ابتسامتها حين شعرت بتلك الحلقة الذهبية الملتفة حول أصبعها، لوهلة انقطعت أنفاسها كأنها ملتفة حول عنقها. ارتعد قلبها بخوف حين تذكرت أنها مازالت خطيبة هذا الـ "يوسف" الذي لم يستطع أن يمنحها شعور الراحة والأمان منذ معرفتها به. من المفترض أن يكون هو أول شخص بجوارها في مصيبتها هذه ولكن أين هو؟!

بل والأكثر استغل ضعفها بعدما صفعها شقيقها أمامه، وألقى على سمعها أقسى الكلمات، حتى وصلت وقاحته بأنه هددها بإبعادها عن شقيقها إلى الأبد. وحاليًا هي هنا بمفردها، بدونه والشخص الذي أنقذها، ويقف بظهرها هي وشقيقها يعتبر غريب عنهما. غريب!! رباه أنها تشعر أنه أقرب إليها حتى من نفسها، بينما تشعر بالقوة أمام خطيبها، حتى أنها حسمت أمرها بإنهاء هذه الخطبة.

وبالفعل خلعت تلك الحلقة الذهبية فورًا من يدها، ووضعتها داخل حقيبتها البيضاء، حينها تنفست الصعداء وشعرت براحة شديدة تغزو قسماتها. أيقنت الآن أنها لم تقع بحب هذا الـ "يوسف" يومًا. لو كان مال قلبها له لحظة واحدة كانت شعرت بالضعف تجاهه، فالحب لم يكن في يوم ضعف، ولكن إن لم تشعر بالضعف أمام حبك فتأكد أنه لم يكن أبدًا حب. أغمضت عينيها ببطء حين تسللت إلى أنفها رائحة عطر أصبحت تحفظها عن ظهر قلب.

وصل لسمعها صوت خطواته الراكضة على الدرج، حتى صوت أنفاسه المتهدجة تستطيع سماعها. "نوح.." همست بها بسرها حينها تزلزل كيانها كله دفعة واحدة، شيئًا ما جعل روحها تنتعش. "آية.." نطق بها "نوح" الذي دلف للتو مندفعًا كالسهم داخل الشقة يبحث عنها بلهفة، اشتياق ظاهر على محياه المنزعجة. فتحت عينيها سريعًا، أخذت نفسًا عميقًا وهي تعتدل واقفة وسارت نحوه بخطوات هادئة، بينما هو قطع المسافة بينهما بخطوتين.

رفرف قلبها بشدة حين رأته مقبلًا عليها بلهفة هكذا ونظراته تشملها بتفحصٍ لا يخلو من الإعجاب حتى توقف أمامها مباشرةً. "أنتي كويسة؟! كانت أول جملة تفوه بها بصوت يملؤه الخوف والقلق الحقيقي. أصبحت هي على يقين أن ما نبض بداخلها الآن لم تشعر به من قبل، رغم برودة الجو من حولها إلا أنها شعرت بدفء شديد يغلف قلبها. "كويسة الحمد لله." غمغمت بها بصوتها الهامس، وهي تتجنب النظر لعينيه.

كان هو يتنفس بعنف أثر ركضه على الدرج، حتى لفحت عبير أنفاسه الساخنة برودة بشرتها فاندفعت الدماء نحو وجنتيها بقوة، خاصةً حين لمحت عينيه تنظر ليدها الخالية من خاتم خطبتها بابتسامته التي زادت وسامته أضعافًا مضاعفة. ساد الصمت بينهما لوقت ليس بقليل، لم يتحدثان بلسانهما بل بنظرتهما لبعضهما، بأنفاسهما العالية، نبضات قلوبهما التي يستمع كلاً منهما لقلب الآخر بوضوح يحكي آلاف الكلمات بالنبضة الواحدة.

"امممم.. الله شكلكم يجنن يا أبيه." كان هذا صوت "ندي" التي تقف بينهما حاملة كوبين من عصير البرتقال الطازج، وتتنقل برأسها بينهما بابتسامة بلهاء، ونظرة حالمة. "عملتلكم اتنين ليمون.. قصدي برتقال بالجزر." تورّدت وجنتا "آية" بحمرة قاتمة، بينما اتسعت ابتسامة "نوح" ومد يده حمل كوبًا من العصير، وأعطاه لـ "آية" مغمغمًا بصوته المدمر لحصونها. "أشربي العصير.. ندي بتعمله حلو أوي وهيعجبك."

رفعت "آية" يديها، وأخذته منه بأصابع مرتعشة. "تسلم إيدك يا ندى." همست بها وهي ترفع الكوب على فمها، وارتشفتُ منه بضعة قطرات، أمام أعين "نوح" الذي ابتلع ريقه بصعوبة بالغة وهو يتابع حركة شفتيها التي نال الكوب لمسهما، وكم تمنى أن يتحول هو لهذا الكوب الآن لن يمانع على الإطلاق.

دار بعينيه بأرجاء المكان من حولها كمحاولة منه لتلجيم نفسه عنها حتى لا يخطف هذا الكوب من يدها ويحطمه في الحال، وينقض عليها بقبلة ربما تنزع شفتيها نزعًا. "شكرًا يا ندي." همست بها وهي تضع الكوب من يدها، ليوقفها صوت "نوح" وهو يقول بنبرة حانية. "أشربي شوية كمان." لا تعلم لما انصاعت لحديثه فورًا دون أن تنظر له، رفعت الكوب على فمها ثانيةً، وارتشفتُ منه قليلاً مدمدمة. "اممم.. طعمه حلو أوي فعلاً.. تسلم إيدك؟!

قالتها وهي تهم بوضع الكوب إلا أنها توقفت عن الحديث بصدمة حين مد "نوح" يده، وأخذ الكوب منها، عدل وضعه بحركة سريعة حتى أصبح مكان شفتيها مقابل له، ورفعه على فمه تناوله دفعة واحدة وهو غالق عينيه باستمتاع أمام عينيها الجاحظة. فعلته هذه كادت أن تسبب لها إغماء من فرط خجلها. بالمستشفى. خر "إسلام" ساجدًا حين أخبره الطبيب أن والده استعاد وعيه، يشكر ربه مرارًا وتكرارًا بعينين تزرفان الدموع.

ومن ثم اعتدل واقفًا وتحدث بلهفة قائلاً. "هو طلب يشوفني يا دكتور؟ ظهر الأسف على وجه الطبيب، وحرك رأسه بالنفي وهو يقول. "للأسف هو حالته اتدهورت جدًا وإحنا بنحاول نسيطر على وضعه دلوقتي، ومش هينفع الزيارات حاليًا.. رغم أنه طلب يشوف أخت حضرتك بعد ما اطمن على والدتك، ولما قولتله إنك موجود بره تعب زيادة ورفض يشوفك نهائي."

جملته هذه استمع إليها "يوسف" الذي دلف من الخارج للتو بوجه عبس بشدة يدل على مدى غضبه ووقف خلف شقيق خطيبته الذي لم ينتبه لوجوده. خفض "إسلام" رأسه بخزي من نفسه، وتحدث بصوت تحشرج بالبكاء. "طيب هو هيبقي كويس.. مش كده يا دكتور؟ ربت الطبيب على كتفه مرددًا قبل أن يغادر من أمامه. "بإذن الله هيبقي كويس.. اطمن وادعيله." بدأ "إسلام" يبكي بنحيب، وهو يردد بتوسل. "يارب.. يارب اشفيه وعافيه هو وأمي يارب."

هيئته، وندمه الظاهر عليه جعل "يوسف" يدرك أنه هو وراء كل ما حدث لوالديه. "ينفع الحركة اللي عملها صاحبك الزبالة دي يا إسلام." كانت أول جملة ينطق بها "يوسف" جعلت "إسلام" ينتبه لوجوده، فـ أسرع بمسح عينيه، واستدار له بوجهه خالي من التعبير، وجده يقف بعنجهية عاقدًا ذراعيه أمام صدره، ويرمقه بشرر يتطاير من عينيه. "إسلام" بحدة. "صاحبي مش زبالة يا دكتور يوسف.. هو اتلغبط في عنوان المستشفى مش أكتر.. يعني مش قصده."

نفخ "يوسف" بضيق، وهو يدور بعينيه يبحث عن "آية" مدمدمًا. "اممم.. مش قصده.. ممكن برضوا، وفين آية... لسه ماجتش ولا إيه؟! "جاين في الطريق." قالها "إسلام" وهو يسير باتجاه إحدى المقاعد، وارتمى عليها بتعب. "تمام.. هروح أنا أتكلم مع الدكاترة اللي متابعة حالة والدتك ووالدك، وارجع لك على ما آية توصل." قالها "يوسف" وهو يسير نحو الغرفة الخاصة بالأطباء أمام نظرات "إسلام" المتوترة الذي أخرج هاتفه وأرسل رسالة نصية لزوجته محتواها.

"انتي فين يا رقية.. اتأخرتي لحد دلوقتي ليه.. طمنيني عليكي، وتعالي بسرعة أبويا فاق ورافض يشوفني، ويوسف هنا ونظرته لي واضحة إنه شاكك فيا، تعالي يا رقية أنا محتاجلك جنبي." "آية." تحاول جاهدة إيجاد بعض من الكلمات حتى تتفوه بها، بدلاً من وقوفها أمامه الآن كمن فقدت القدرة على الحديث. تدور بعينيها بجميع الاتجاهات حتى لا تنظر لعينيه التي تحاصرها، وتطلع بها بنظرة متيمة. تنحنحت كمحاولة منها لإيجاد صوتها مردفة بخجل.

"احمم.. حبيت أشكرك قبل ما أمشي على كل اللي عملته معايا يا نوح." تنهد هو بصوت مسموع، فصوتها وحده يأثره، خاصةً نطقها لحروف اسمه. انحنى عليها كثيرًا فهو طويل القامة للغاية بالنسبة لها، وهمس بجوار أذنيها بتحذير. "متقوليش اسمي دلوقتي تاني." رفعت وجهها، ورمقته بنظرة مندهشة، تأمل هو ملامحها بافتتان حتى توقف بنظره على عينيها التي تفقده صوابه مكملاً ببطء. "يا آية."

ابتعدت فورًا بعينيها عنه بتوتر ملحوظ، وقد بدأ جسدها يرتجف، وقلبها ينتفض بجنون بين ضلوعها حين نطق اسمها بكل هذا الشغف، ودون وعي منها همست. "متقولش أنت اسمي تاني يا نوح." قالتها، وهي تفر من أمامه نحو الخارج مسرعة بخطوات مهرولة، جعلت ابتسامته تزداد اتساعًا، وأسرع اللحاق بها، وهو يقول لشقيقته. "حدفيلي مفتاح عربيتي يا ندي بسرعة."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...