تحميل رواية «انذار بالقتل» PDF
بقلم نسمة مالك
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بإحدى ليالي الشتاء، ليلة أخفت غيومها أشعة شمس نهار يومٍ جديد، رغم بردوة الجو الشديدة إلا أن الدفء يستوطن القلوب، الشوارع هادئة تكاد تكون خالية، رائحة المطر المختلطة بأتربة الأرض تجعل البهجة تعتلي ملامح محبين هذا الفصل الممتع بأجوائه الساحرة. بضواحي القاهرة الكبري، بمكان يطلق عليه "عزبة الحداد"، منطقة تبدو شعبية، و لكن يقطنها عائلات ميسورة الحال. داخل منزل حديث الطراز يتكون من خمسة طوابق، يحتوي على حديقة واسعة بها مكان مخصص للخيول، الطابق الأول عيادة الدكتورة "تهاني الحداد"، طبيبة النساء والتوليد...
رواية انذار بالقتل الفصل الحادي عشر 11 - بقلم نسمة مالك
ساعة كاملة لم تتوقف "رقية" عن الحديث مع "آية"، توصف لها حالة شقيقها. أخبرتها أنه لم يكن بوعيه حين فعل فعلته الحمقاء بهم، وأن والديها حالتهما مستقرة، حتى أن والدتها استعادت وعيها وطلبت رؤيتهم. تستجديها أن تقف بجواره حتى يتخطى هذه المحنة بسلام.
كانت "آية" تستمع لها بملامح حزينة، ذابلة، وقد توقفت عن البكاء بينما قلبها لم يهدأ ضجيجه وبكاؤه أبدًا.
"آية أنتي لازم تشدي حيلك وترجعي معايا البيت النهاردة يا حبيبتي.. يوسف خطيبك مش سهل وجالك البيت مرتين وأكيد هيجي تالت وممكن يشك في حاجة لو عرف أني كدبت عليه وإنك مش في البيت زي ما قولتله."
أردفت بها "رقية"، لتجحظ عينيها حين قالت "آية" بغضب:
"يوسف دا أنا هفسخ خطوبتي منه."
شهقت "رقية" بصوت خافت مرددة:
"ليه بس يا حبيبتي.. إيه اللي حصل؟"
أخذت "آية" نفسًا عميقًا، زفرته على مهلٍ وهي تجيبها:
"من ساعة ما إسلام ضربني قدامه بالقلم وهو اتقلب 360 درجة لدرجة إنه قالي هيمنعني عن أخويا بعد الجواز، وحتى مش هيخليني أروح البيت عند ماما وبابا، واللي عايز يشوفني فيهم يجيلي بيتي.. تخيلي يا رقية!!"
"يا عبيطة دول أكيد كلمتين بيقولهم كده ساعة غضب، وبصراحة إسلام زودها لما ضربك قدامه، والحمد لله أنهم ممسكوش في بعض ساعتها، وخطيبك لو مزعلش علشانك لما يشوفك بتضربي قدامه يبقى مبيحبكيش يا آية."
غمغمت بها "رقية" وصمتت لوهلة وتابعت بتعقل:
"متتسرعيش واستني لما نطمن على باباكي ويقوم لنا بألف سلامة بمشيئة الله وأبقى أحكيله وشوفي رأيه إيه ساعتها."
"آية" ببوادر بكاء:
"عندك حق خلينا نطمن بس على بابا وماما الأول، وإسلام هو كمان."
ربتت "رقية" على وجنتيها بحنو حين لمحت شحوب ملامحها الشديد الذي يدل على فزعها وتحدثت بأسف قائلة:
"أنا عارفة أن الموضوع صعب، وصعب أوي كمان ليكي حق تخافي، بس اطمني والله هيعدي على خير بأمر الله مامتك فاقت الحمد لله وباباكي حالته مستقرة بفضل الله، وإسلام أنتي عارفة طبعه قبل ما أنا أعرفه، حافظة معدنه الأصيل وأكيد فاهمة أن اللي بيمر بيه دا ابتلاء من ربنا وإحنا لازم نوقف جنبه خصوصاً إنه حاول يموت نفسه بالسكينة اللي ضربتكم بيها ولحقته على آخر لحظة والله يا آية."
كانت تتحدث وهي تبكي بكاء يبكي الحجر.
"أهدي يا رقية.. كفاية عياط يا حبيبتي."
نطقت بها "آية" بهمس مجهد، وهي تربت على يدها بحنان مكملة بتنهيدة:
"هروح معاكي المستشفى أطمن على ماما وبابا وبعدين نروح على بيتنا."
صمتت لبرهةٍ، ترقرقت عينيها بالعبرات، وابتسمت ابتسامة باهتة وهي تتابع:
"بس خليني قبل ما أمشي أشكر الناس اللي أنا في بيتهم دول على كل اللي عملوه معايا."
ابتلعت لعابها بصعوبة حين شعرت بقلبها تتزايد دقاته، واندفعت الدماء بقوة نحو وجنتيها غزتهم بعنف عندما تابعت هامسة باسم منقذها:
"وخصوصاً نوح."
"رقية":
"عندك حق يا يويو.. نوح دا طلع جدع أوي ومش سايب إسلام من ساعة اللي حصل، وكمان اتبرع بالدم هو وأخوه مع إسلام علشان نلحق بابا وماما، وجاب ناس أصحابه كمان يتبرعوا معاهم. إسلام بيشكر فيه أوي على موقفه الشهم دا."
كانت تستمع لها باهتمام ولهفة نجحت في إخفائهم، ولكنها لم تستطع إخفاء لمعة عينيها التي برقت بإعجاب جعلت "رقية" تضيق عينيها وترمقها بنظرة عابثة مرددة:
"الله!! إيه يا يويو عيونك بيلمعوا لمعة جديدة خالص أول مرة أشوفها."
توترت "آية" وأسرعت بخفض عينيها وهي تقول بخجل:
"مافيش حاجة يا رقية.. دا أنا بس مبسوطة أن ماما فاقت الحمد لله، وبابا حالته مستقرة زي ما قولتي، وأخويا إسلام واحشني وعايزة أكون جنبه."
تهللت أسارير "رقية" وجذبتها لحضنها تضمها بقوة متمتمة:
"ربنا يفرح قلبك وميحرمكوش من بعض أبدًا يا حبيبتي، ويطمنا على بابا عبد الحميد ويقوم بألف سلامة هو كمان يارب."
بادلتها "آية" العناق ورفعت عينيها للسماء مرددة:
"يارب يا رقية.. ربنا يسمع مننا وميضرناش في حد فيهم يارب."
***
داخل غرفة العناية.
كانت "مني" تتحدث مع الطبيب المعالج لزوجها بعدما غادر "إسلام" الغرفة على مضض، تهمس بوهن شديد من بين شهقاتها مرددة:
"طمني عليه يا دكتور ربنا ميوجعش قلبك على غالي أبدًا."
"اطمني يا حاجة.. متقلقيش.. الحاج حالته بتتحسن."
نطق بها الطبيب بعملية أثناء فحصه لـ "عبد الحميد".
تطلعت من وجهه زوجها بأعين تفيض بالدمع، وبضعف قالت:
"عبد الحميد.. رد عليا يا غالي.. بحلفك بالله ما توجع قلبي عليك أكتر من كده.. فوق يا أخويا أنا وولادك محتاجنلك.. قوم يا عبدو إحنا ملناش غيرك بعد ربنا يا أخويا."
وكأن حياته كانت معلقة بها هي، "مني" زوجته الحبيبة التي وصل صوتها لسمع زوجها الغارق بغيبوبته أنعشت روحه المرهقة، وأعادت أنفاسه التي تنبع من أنفاسها هي.
"مني."
نطق بها "عبد الحميد" بصوت خافت بالكاد وصل لسمع الطبيب الواقف بجواره، والذي ظن لوهلة أنه ربما يتخيل، فلم يهتم كثيرًا.
بينما زوجته استمعت همسه هذا بقلبها، ظهرت الفرحة الغامرة على ملامحها الباكية، وبتقطع قالت:
"أنا هنا يا عبدو.. أنا هنا يا حبيبي."
نظرت للطبيب وتابعت بأنفاس متهدجة من شدة انفعالها:
"جوزي فاق يا دكتور.. عبدو فاق."
نظر لها الطبيب، وهو يغرس إبرة طبية داخل المحلول المعلق بيد "عبد الحميد" مغمغمًا بأسف:
"لسه يا حاجة.. ادعيلو؟"
توقف عن الحديث، واعتلت ملامحه الذهول حين وصل لسمعه هذه المرة صوت "عبد الحميد" الذي ردد اسم زوجته ثانيةً دون أن يفتح عينيه.
***
أمام غرفة العناية.
يجلس "نوح" بجانب "إسلام" الجالس أرضًا على قدميه، واضعًا رأسه بين كفيه ويتحدث بصوت مرتجف يظهر مدى ضعفه، وقلة حيلته.
"أمي سامحتني.. بس أبويا عمره ما هيسامحني على اللي عملته في أمي وأختي يا نوح."
رفع رأسه ببطء ونظر له نظرة يكسوها الحزن والندم مكملاً:
"هيسامح في حقه هو.. لكن حقهم هما مستحيل، ومعاه كل الحق. أنا أستاهل كل اللي يعمله فيا بس يفوق، ويقوم بألف سلامة، وأنا مستعد لأي عقاب حتى لو هيحبسني أنا موافق."
"أجمد يا إسلام، وبطل كلامك دا علشان الحيطان ليها ودان، والبوليس على وصول علشان ياخدوا أقوال مامتك."
قالها "نوح" بصوت خافت، وتابع مستفسرًا:
"إنت فهمت والدتك هتقول إيه لما يسألوها.. علشان يبقى كلامكم واحد."
حرك "إسلام" رأسه بالإيجاب. وبتنهيدة قال:
"هي من نفسها من قبل ما أقولها كانت ناوية تقول إن مش أنا اللي عملت فيهم كده."
هب "نوح" واقفًا، ومد يده لـ "إسلام" وساعده على النهوض وتحدث بتعقل قائلاً:
"إسلام اللي حصل دا درس ليك.. أتمنى يكون فوقك لنفسك ورجعك لعقلك، وتبعد بقى عن اللي شربوك مخدرات ووصلوك للي أنت فيه دا، وأوعى تكلمهم تاني."
"إسلام":
"فوقت.. والله فوقت يا نوح، واتربيت من أول وجديد واتعلمت الأدب ومن بكرة بإذن الله هرجع لوظيفتي، وهدور على شغل تاني جنبها علشان أقدر أسدد ديوني."
"لو على الشغل أمره سهل.. لو حابب تنزل معايا من بكرة في المصنع بعد ما تخلص وظيفتك."
قالها "نوح" بابتسامة بشوشة، وتابع بتساؤل:
"إنت بتخلص شغل على الساعة كام؟"
"إسلام" بلهفة غريق تعقل بأمل جديد ربما ينقذه من أعباء ديونه:
"بخرج من الشركة الساعة 3 ونص بالظبط.. ممكن أخلص وأجيلك على طول."
"نوح":
"روح الأول غير هدومك واتغدى وارتاح ساعتين وتعالى استلم شغل من الساعة 6 لـ 12 بليل، وهظبطلك المرتب، وبالنسبة للديون متشلش همها خالص قولي بس إنت عليك إيه وأنا هدفعهم وأبقى أخصم جزء من المرتب كل شهر."
ضحك "إسلام" رغم أن عينيه امتلأت بالعبرات، وبلحظة كان احتضن "نوح" بقوة وهو يقول:
"إنت أجدع صاحب قابلته في حياتي يا نوح."
"إنت اللي ابن حلال وربنا حب يسترها معاك بسبب دعاء والدتك ليك يا إسلام."
قالها "نوح" وهو يربت على ظهره، وابتعد عنه وتابع بغضب مصطنع:
"سيبني أتوكل على الله أنا بقى أروح شغلي.. لأني اتأخرت جداً، وهبقى أعدي عليك بالعصرية كده وقت الغدا."
"تمام يا صاحبي.. هستناك."
أردف بها "إسلام" وهو ينظر حوله يبحث عن "يوسف" مكملاً:
"هو يوسف لسه مجاش لحد دلوقتي ليه؟"
ظهرت ابتسامة مشاكسة على وجه "نوح" وأجابه وهو يستعد للسير بجدية مصطنعة:
"تصدق أنا تقريبًا اديته عنوان مستشفى غلط."
نظر له "إسلام" قليلاً ومن ثم انفجرا بالضحك سوياً، وهما يضربان كفهما بكف بعضهما.
***
بمنزل شرف.
خرجت "آية" من غرفتها على قدميها للمرة الأولى منذ أن دخلت هذا المنزل محموله على يد "نوح". ارتدت الثياب التي أحضرتها لها "رقية" المكونة من فستان رقيق من اللون الوردي، وحجاب من اللون الأبيض، وحذاء رياضي بنفس لون الحجاب.
هيئتها كانت جذابة للغاية رغم التعب الظاهر على ملامحها الفاتنة. تسير بخطي متثاقلة، عينيها تدور بالمكان من حولها تبحث عنه، كانت صامتة لا تتحدث بينما بداخلها ضجيج، خاصةً قلبها الذي يصرخ باسم منقذها "نوح" تتمنى لو تلمح طيفه فقط قبل أن تغادر.
"مستعجلة تسبينا وتمشي ليه بس يا آية."
قالتها "ندي" وهي تقترب منها وتضمها بحب مكملة:
"طيب استنى لحد ما أبيه نوح يرجع من الشغل علشان يوصلك هو."
كم تتمنى أن تنتظره حتى يعود، وجوده معها يشعرها بالأمان الذي فقدته مؤخرًا، أصبح هو فقط لا أحد غيره يجعل الاطمئنان يغزو قلبها.
"هو نوح بيرجع أمتى يا ندي؟"
همست بها "آية" بخجل شديد.
"هو بيجي متأخر.. بس ممكن أتصلك عليه هسيب كل حاجة ويجيلك على طول."
غمغمت بها "ندي" وهي تمسك هاتفها وأسرعت بطلب رقم شقيقها.
"أهو بيرن.. خدي ردي انتي عليه."
قالتها وهي تضع الهاتف بكف يدها، تسارعت نبضات قلب "آية"، حبست أنفاسها، ورفعت الهاتف على أذنها تنتظر سماع صوته بجسد ينتفض.
"أيوه يا ندي."
"أنا آية."
نطقت بها باستحياء، صوتها الناعم زلزل كيانه دفعة واحدة، لتزيد هي لهيب قلبه حين تابعت بنبرة راجية:
"نوح عايزة أشوفك قبل ما أمشي."
قبل أن تتم جملتها كان تحرك "نوح" من مكانه بخطي مهرولة، يود لو يسابق الرياح حتى يصل إليها، وقد سقط قلبه أرضًا حين تخيل المنزل من غيرها.
"دقايق وأبقى عندك.. أوعى تمشي لحد ما أجيلك يا آية."
قالها، وهو يصعد على ظهر دراجته البخارية وانطلق بها بسرعة الرياح.
بينما هي أجابته بكلمة واحدة بصوتها الهامس:
"مستنياك."
رواية انذار بالقتل الفصل الثاني عشر 12 - بقلم نسمة مالك
داخل عيادة "تهاني" الخاصة، جلست "رقية" تنتظر "آية" بعدما ساعدتها على تغيير ثيابها، وأخذ حمام دافئ، فجرحها لم يشفَ إلى الآن بسبب ضعفها الشديد، وقلة غذائها.
كانت تجلس أمام "تهاني" على المكتب بحجرة الكشف، وتجلس "نهاد" بالكرسي المقابل لها، بينما الصغير "حمزة" يلهو بجوارهم.
"خلي بالك من آية يا رقية.. البنت نفسيتها تعبانة جدًا، وكنت أتمنى أنها تفضل عندنا أكتر من كده علشان أطمن على جرحها لحد ما تكون كويسة."
أردفت بها "تهاني" بابتسامة بشوشة، وتابعت بتنهيدة حزينة.
"والله أنا زعلانة أنها هتمشي.. أنا حبيتها زي بناتي بالظبط."
بادلتها "رقية" الابتسامة، وتحدثت بامتنان قائلة.
"أنا مش عارفة أشكر حضرتك إزاي على كل اللي عملتوه معانا أنتي وأولادك ربنا يبارك لك فيهم ويحفظهم من كل شر يارب، واطمني آية دي أكتر من أختي والله، وأنا هشيلها جوه عنيا، وهخلي بالي منها."
رمقتها "تهاني" بنظرة عاتبة وهي تقول.
"بتشكريني على واجبنا يا بنتي.. بقولك آية دي بقت زي واحدة من بناتي.. بس بحلفك بالله أهم حاجة الفترة دي بلاش البنت تزعل خالص.. نفسيتها مش هتتحمل زعل أكتر من كده.. لأنها دخلت في نوبة فزع عندنا هنا أكتر من مرة.. خدي بالك منها يا رقية."
حديثها جعل القلق يزحف لقلب "رقية" فهي رأت "آية" بعينيها وقد فقدت الكثير من الوزن بأيام قليلة، ووجهها شاحب طيلة الوقت، وتسير بوهن، وإجهاد شديد حتى أن جسدها يترنح بصورة واضحة.
"بحول الله وقوته أنا هفضل معاها لحد ما ترجع أحسن من الأول.. اطمني يا دكتورة تهاني."
تصنعت "تهاني" الجدية، وتوجهت بنظرها نحو "حمزة" متمتمة.
"اممم.. بمناسبة دكتورة تهاني.. قوليلي مش ناوية تخلفي عن قريب، والمرادي بقى اعملي حسابك أنا اللي هولدك."
بهتت ملامح "رقية"، ابتلعت لعابها بصعوبة، وجاهدت لترسم ابتسامة زائفة على ملامحها التي كساها الحزن والألم فجأة حين تذكرت أن زوجها لم يقربها منذ عدة أشهر.
أطلقت زفرة نزقة من صدرها الذي ينتفض بقوة بسبب تسارع دقات قلبها الذي يشتاقه حد الجنون، وهمست بتمني قائلة.
"ربنا يرزقنا إن شاء الله عن قريب.. دعواتك بس نعدي من المحنة دي على خير الأول يا دكتورة."
مدت "تهاني" كف يدها، وربتت على يد "رقية" وهي تنظر في عينيها، وقد قرأت تعابير وجهها بخبرتها، وذكائها مرددة بيقين شديد بالله.
"هتعدي يا رقية.. بإذن الله هتعدي يا بنتي."
بالطابق العلوي.
كانت "آية" تجلس برفقة "ندي" تنتظر منقذها بنفاذ صبر، تفرك يديها ببعضهما، وتطلع للساعة الكبيرة المعلقة على الحائط أمامها كل بضعة ثواني.
"على ما يوصل أبيه نوح هكون عملت لك بقى كوباية عصير برتقال بالجزر يقويكي، ويزود مناعتك يا يويو يا قمراية أنتي."
نطقت بها "ندي"، وهي تهب واقفة، وتسير نحو المطبخ.
ابتسمت لها "آية" هامسة بستحياء.
"هتعبك معايا يا ندي."
"متقوليش كده مفيش تعب ولا حاجة يا آية.. ده أنتي منورانا والله ونفسي تفضلي معانا على طول."
غمغمت بها "ندي" عبر فتحة المطبخ المطلة على ردهة الشقة، ومن ثم تابعت إعداد العصير باحترافية كما علمتها والدتها.
كانت ملامح "آية" الشاحبة تستعيد إشراقها رويدًا رويدًا بفضل ابتسامتها الخجولة التي تزين ثغرها المزموم.
رغم كل ما تمر به إلا أن هناك جزء بقع قلبها الممزق تغمره الفرحة.
تلاشت ابتسامتها حين شعرت بتلك الحلقة الذهبية الملتفة حول أصبعها، لوهلة انقطعت أنفاسها كأنها ملتفة حول عنقها.
ارتعد قلبها بخوف حين تذكرت أنها مازالت خطيبة هذا الـ "يوسف" الذي لم يستطع أن يمنحها شعور الراحة والأمان منذ معرفتها به.
من المفترض أن يكون هو أول شخص بجوارها في مصيبتها هذه ولكن أين هو؟!
بل والأكثر استغل ضعفها بعدما صفعها شقيقها أمامه، وألقى على سمعها أقسى الكلمات، حتى وصلت وقاحته بأنه هددها بإبعادها عن شقيقها إلى الأبد.
وحاليًا هي هنا بمفردها، بدونه والشخص الذي أنقذها، ويقف بظهرها هي وشقيقها يعتبر غريب عنهما.
غريب!!
رباه أنها تشعر أنه أقرب إليها حتى من نفسها، بينما تشعر بالقوة أمام خطيبها، حتى أنها حسمت أمرها بإنهاء هذه الخطبة.
وبالفعل خلعت تلك الحلقة الذهبية فورًا من يدها، ووضعتها داخل حقيبتها البيضاء، حينها تنفست الصعداء وشعرت براحة شديدة تغزو قسماتها.
أيقنت الآن أنها لم تقع بحب هذا الـ "يوسف" يومًا.
لو كان مال قلبها له لحظة واحدة كانت شعرت بالضعف تجاهه، فالحب لم يكن في يوم ضعف، ولكن إن لم تشعر بالضعف أمام حبك فتأكد أنه لم يكن أبدًا حب.
أغمضت عينيها ببطء حين تسللت إلى أنفها رائحة عطر أصبحت تحفظها عن ظهر قلب.
وصل لسمعها صوت خطواته الراكضة على الدرج، حتى صوت أنفاسه المتهدجة تستطيع سماعها.
"نوح.."
همست بها بسرها حينها تزلزل كيانها كله دفعة واحدة، شيئًا ما جعل روحها تنتعش.
"آية.."
نطق بها "نوح" الذي دلف للتو مندفعًا كالسهم داخل الشقة يبحث عنها بلهفة، اشتياق ظاهر على محياه المنزعجة.
فتحت عينيها سريعًا، أخذت نفسًا عميقًا وهي تعتدل واقفة وسارت نحوه بخطوات هادئة، بينما هو قطع المسافة بينهما بخطوتين.
رفرف قلبها بشدة حين رأته مقبلًا عليها بلهفة هكذا ونظراته تشملها بتفحصٍ لا يخلو من الإعجاب حتى توقف أمامها مباشرةً.
"أنتي كويسة؟!"
كانت أول جملة تفوه بها بصوت يملؤه الخوف والقلق الحقيقي.
أصبحت هي على يقين أن ما نبض بداخلها الآن لم تشعر به من قبل، رغم برودة الجو من حولها إلا أنها شعرت بدفء شديد يغلف قلبها.
"كويسة الحمد لله."
غمغمت بها بصوتها الهامس، وهي تتجنب النظر لعينيه.
كان هو يتنفس بعنف أثر ركضه على الدرج، حتى لفحت عبير أنفاسه الساخنة برودة بشرتها فاندفعت الدماء نحو وجنتيها بقوة، خاصةً حين لمحت عينيه تنظر ليدها الخالية من خاتم خطبتها بابتسامته التي زادت وسامته أضعافًا مضاعفة.
ساد الصمت بينهما لوقت ليس بقليل، لم يتحدثان بلسانهما بل بنظرتهما لبعضهما، بأنفاسهما العالية، نبضات قلوبهما التي يستمع كلاً منهما لقلب الآخر بوضوح يحكي آلاف الكلمات بالنبضة الواحدة.
"امممم.. الله شكلكم يجنن يا أبيه."
كان هذا صوت "ندي" التي تقف بينهما حاملة كوبين من عصير البرتقال الطازج، وتتنقل برأسها بينهما بابتسامة بلهاء، ونظرة حالمة.
"عملتلكم اتنين ليمون.. قصدي برتقال بالجزر."
تورّدت وجنتا "آية" بحمرة قاتمة، بينما اتسعت ابتسامة "نوح" ومد يده حمل كوبًا من العصير، وأعطاه لـ "آية" مغمغمًا بصوته المدمر لحصونها.
"أشربي العصير.. ندي بتعمله حلو أوي وهيعجبك."
رفعت "آية" يديها، وأخذته منه بأصابع مرتعشة.
"تسلم إيدك يا ندى."
همست بها وهي ترفع الكوب على فمها، وارتشفتُ منه بضعة قطرات، أمام أعين "نوح" الذي ابتلع ريقه بصعوبة بالغة وهو يتابع حركة شفتيها التي نال الكوب لمسهما، وكم تمنى أن يتحول هو لهذا الكوب الآن لن يمانع على الإطلاق.
دار بعينيه بأرجاء المكان من حولها كمحاولة منه لتلجيم نفسه عنها حتى لا يخطف هذا الكوب من يدها ويحطمه في الحال، وينقض عليها بقبلة ربما تنزع شفتيها نزعًا.
"شكرًا يا ندي."
همست بها وهي تضع الكوب من يدها، ليوقفها صوت "نوح" وهو يقول بنبرة حانية.
"أشربي شوية كمان."
لا تعلم لما انصاعت لحديثه فورًا دون أن تنظر له، رفعت الكوب على فمها ثانيةً، وارتشفتُ منه قليلاً مدمدمة.
"اممم.. طعمه حلو أوي فعلاً.. تسلم إيدك؟!"
قالتها وهي تهم بوضع الكوب إلا أنها توقفت عن الحديث بصدمة حين مد "نوح" يده، وأخذ الكوب منها، عدل وضعه بحركة سريعة حتى أصبح مكان شفتيها مقابل له، ورفعه على فمه تناوله دفعة واحدة وهو غالق عينيه باستمتاع أمام عينيها الجاحظة.
فعلته هذه كادت أن تسبب لها إغماء من فرط خجلها.
بالمستشفى.
خر "إسلام" ساجدًا حين أخبره الطبيب أن والده استعاد وعيه، يشكر ربه مرارًا وتكرارًا بعينين تزرفان الدموع.
ومن ثم اعتدل واقفًا وتحدث بلهفة قائلاً.
"هو طلب يشوفني يا دكتور؟"
ظهر الأسف على وجه الطبيب، وحرك رأسه بالنفي وهو يقول.
"للأسف هو حالته اتدهورت جدًا وإحنا بنحاول نسيطر على وضعه دلوقتي، ومش هينفع الزيارات حاليًا.. رغم أنه طلب يشوف أخت حضرتك بعد ما اطمن على والدتك، ولما قولتله إنك موجود بره تعب زيادة ورفض يشوفك نهائي."
جملته هذه استمع إليها "يوسف" الذي دلف من الخارج للتو بوجه عبس بشدة يدل على مدى غضبه ووقف خلف شقيق خطيبته الذي لم ينتبه لوجوده.
خفض "إسلام" رأسه بخزي من نفسه، وتحدث بصوت تحشرج بالبكاء.
"طيب هو هيبقي كويس.. مش كده يا دكتور؟"
ربت الطبيب على كتفه مرددًا قبل أن يغادر من أمامه.
"بإذن الله هيبقي كويس.. اطمن وادعيله."
بدأ "إسلام" يبكي بنحيب، وهو يردد بتوسل.
"يارب.. يارب اشفيه وعافيه هو وأمي يارب."
هيئته، وندمه الظاهر عليه جعل "يوسف" يدرك أنه هو وراء كل ما حدث لوالديه.
"ينفع الحركة اللي عملها صاحبك الزبالة دي يا إسلام."
كانت أول جملة ينطق بها "يوسف" جعلت "إسلام" ينتبه لوجوده، فـ أسرع بمسح عينيه، واستدار له بوجهه خالي من التعبير، وجده يقف بعنجهية عاقدًا ذراعيه أمام صدره، ويرمقه بشرر يتطاير من عينيه.
"إسلام" بحدة.
"صاحبي مش زبالة يا دكتور يوسف.. هو اتلغبط في عنوان المستشفى مش أكتر.. يعني مش قصده."
نفخ "يوسف" بضيق، وهو يدور بعينيه يبحث عن "آية" مدمدمًا.
"اممم.. مش قصده.. ممكن برضوا، وفين آية... لسه ماجتش ولا إيه؟!"
"جاين في الطريق."
قالها "إسلام" وهو يسير باتجاه إحدى المقاعد، وارتمى عليها بتعب.
"تمام.. هروح أنا أتكلم مع الدكاترة اللي متابعة حالة والدتك ووالدك، وارجع لك على ما آية توصل."
قالها "يوسف" وهو يسير نحو الغرفة الخاصة بالأطباء أمام نظرات "إسلام" المتوترة الذي أخرج هاتفه وأرسل رسالة نصية لزوجته محتواها.
"انتي فين يا رقية.. اتأخرتي لحد دلوقتي ليه.. طمنيني عليكي، وتعالي بسرعة أبويا فاق ورافض يشوفني، ويوسف هنا ونظرته لي واضحة إنه شاكك فيا، تعالي يا رقية أنا محتاجلك جنبي."
"آية."
تحاول جاهدة إيجاد بعض من الكلمات حتى تتفوه بها، بدلاً من وقوفها أمامه الآن كمن فقدت القدرة على الحديث.
تدور بعينيها بجميع الاتجاهات حتى لا تنظر لعينيه التي تحاصرها، وتطلع بها بنظرة متيمة.
تنحنحت كمحاولة منها لإيجاد صوتها مردفة بخجل.
"احمم.. حبيت أشكرك قبل ما أمشي على كل اللي عملته معايا يا نوح."
تنهد هو بصوت مسموع، فصوتها وحده يأثره، خاصةً نطقها لحروف اسمه.
انحنى عليها كثيرًا فهو طويل القامة للغاية بالنسبة لها، وهمس بجوار أذنيها بتحذير.
"متقوليش اسمي دلوقتي تاني."
رفعت وجهها، ورمقته بنظرة مندهشة، تأمل هو ملامحها بافتتان حتى توقف بنظره على عينيها التي تفقده صوابه مكملاً ببطء.
"يا آية."
ابتعدت فورًا بعينيها عنه بتوتر ملحوظ، وقد بدأ جسدها يرتجف، وقلبها ينتفض بجنون بين ضلوعها حين نطق اسمها بكل هذا الشغف، ودون وعي منها همست.
"متقولش أنت اسمي تاني يا نوح."
قالتها، وهي تفر من أمامه نحو الخارج مسرعة بخطوات مهرولة، جعلت ابتسامته تزداد اتساعًا، وأسرع اللحاق بها، وهو يقول لشقيقته.
"حدفيلي مفتاح عربيتي يا ندي بسرعة."
رواية انذار بالقتل الفصل الثالث عشر 13 - بقلم نسمة مالك
ابتعدت فورًا بعينيها عنه بتوتر ملحوظ، وقد بدأ جسدها يرتجف، وقلبها ينتفض بجنون بين ضلوعها حين نطق اسمها بكل هذا الشغف.
ودون وعي منها همست:
"متقولش اسمي تاني يا نوح".
قالتها وهي تفر من أمامه نحو الخارج مسرعة بخطوات مهرولة.
جعلت ابتسامته تزداد اتساعًا، وأسرع اللحاق بها وهو يقول لشقيقته:
"احدفيلي مفتاح عربيتي يا ندي بسرعة".