دخلت بسمة حجرتها وظلت تجوب فيها إيابا وذهابا وهي تشعر بالحيرة، أتقوم بإعلام كرم أم أنه لن يصدقها وسيظن أنها تريد التخلص من وجود والدهم؟ ثم بدأت تتذكر حديث والدها مع هذا الشخص الغريب حينما كانت تمر من أمام حجرة. محسن: "يا مصطفى باشا، أنا والله مش مقصر وبحاول معاه بس الواد راكب دماغه ومش عاوز يبيع البيت." الشخص: "...
محسن: "لألألألأ، هو ما يعرفش حاجة، أنا مفهمه إني مديون بيهم لمراتي، دا لو عرف الحقيقة هيركب دماغه أكتر ومش بعيد يبلغ البوليس وساعتها هنروح في داهية." الشخص: "... محسن: "حاضر والله ياباشا، هحاول معاه تاني بس اديني انت فرصة واحدة بس." الشخص: "... محسن بلهفة: "لا ياباشا بلاش بالله عليك تأذيه، هو إن شاء الله هيرضى." بسمة في نفسها: "ياترى مين دا اللي كنت بتكلمه يابابا؟ وليه عاوز منك تخلي كرم يبيع البيت؟
وليه هيأذيه لو رفض؟ أنا حاسة إن دماغي هتفرقع، حرام عليك ظهرت ليه في حياتنا تاني؟ جاي وجايب معاك القلق والخوف والخراب، أنا عمري ما هسامحك أبداً لو أخويا جرى له حاجة. بس دلوقتي لازم أفكر في طريقة عشان أعرف بيها الحقيقة وأنقذ أخويا كرم منه ومن شره."
ظلت تفكر وتفكر إلى أن شعرت بأن قواها أُنهكت وقد حلت عليها نسمات الصباح ولم يغمض لها جفن، فذهبت لتوقظ أخيها كرم حتى يستعد للذهاب إلى عمله، ثم قامت بإعداد طعام الإفطار وجلست هي وأخيها ووالدها يتناولون الطعام، وكل شخص منهم يفكر بشئ في عقله. فكرم يشغل باله كيف سينقذ والده من براثن تلك الأفعى وتسديد دينه، ومحسن يفكر كيف سيقنع ابنه كرم ببيع المنزل حتى يرضى الشخص المجهول. أما بسمة فكان كل ما يشغل تفكيرها هو كيفية انقاذ أخيها والتخلص من ذلك الأب الذي لا يبالي بحياة أولاده، وقد قررت أخيراً بأن تقوم بمراقبته حتى يتسنى لها معرفة من الشخص المجهول الذي يريد منزلهم ويكون في يديها دليل قوي تستطيع إدانة والدها به أمام أخيها.
انتهى الجميع من تناول طعامهم وذهب كرم وبسمة إلى عملهم، بينما ظل محسن في المنزل. كانت بسمة تقوم بأداء عملها ولكنها كانت تشعر بدوار نتيجة عدم نومها طوال الليل وتفكيرها المستمر، وكان هناك من يراقبها عن كثب ويشعر أنها تعاني خطباً ما. وخلال لحظة اختل توازن بسمة وكادت أن تسقط أرضاً لولا أن لحقها مسرعاً وتلقفها بين ذراعيه، فنظرت له بوهن ودهشة. بسمة بوهن: "مستر يونس!! يونس بلهفة وقلق: "بسمة انتي كويسة... حاسة بإيه؟
ثم قام بإسنادها وأجلسها على أحد المقاعد وأحضر لها كوباً من الماء، فتجمعت بعض زميلاتها حولها لمحاولة مساعدتها والاطمئنان عليها. بسمة بوهن وهي تضع يدها على جبهتها: "متقلقش يامستر يونس أنا كويسة، هي شوية دوخة بس لأني مطبقة من امبارح ولسه مانمتش." يونس بتساؤل متناسياً من حوله: "وإيه بقا اللي كان مسهرك طول الليل وخلاكي متناميش؟ أوعي تكوني مرتبطة بحد ودا سبب سهرك."
شعرت بسمة بصدمة من كلام يونس واحمرت وجنتاها بشدة خجلاً من زميلاتها الملتفات حولها ونظرت له بدهشة وأعين جاحظة، فشعر يونس بفداحة ما نطقه فاستدرك كلامه بابتسامة مشاغبة. يونس: "ولا كنتي بتتفرجي على فيلم كرتون وشدك؟ أصل أنا عارفك عاملة زي الأطفال."
نظرت الفتيات إلى بعضهن وهن يبتسمن بخجل على تصرفات مديرهم، والتي أظهرت لهن اهتمامه ببسمة التي كانت تشعر بالخجل الشديد، فهي أدركت أنه يحاول حفظ ماء وجهه حتى لا يظن أحد بها السوء نتيجة كلامه، فجعل كلامه وكأنه مزحة. بسمة بخجل: "لا أبداً مفيش حاجة من دي، كل الحكاية إن كان عندي أرق بسبب حاجة في البيت عندي، وبعتذر لحضرتك، أنا هقوم أغسل وشي دلوقتي وهبقى كويسة إن شاء الله."
يونس بحنان: "متشغليش بالك بحاجة دلوقتي غير صحتك وقومي يلا، أنا هوصلك وبلاش تيجي الشغل بكرا ارتاحي الأول ولما تحسي إنك كويسة ابقي تعالي، هو إحنا يعني عندنا كام بسمة عشان نهتم بيها." انتبه يونس لما قاله فأغمض عينيه ثم تنحنح بحرج وأكمل قائلاً: "حد فيكم يابنات ييجي يساعدها وواحدة تيجي معانا وأنا بوصلها." بسمة بحرج: "مالوش لازوم يامستر يونس، أنا هروح لوحدي مش عاوزة أتعب حضرتك معايا."
يونس بحزم: "أظن أنا قولت كلمتي وانتِ عارفة كويس إن كلمتي واحدة ومبحبش أكرر كلامي. ثم التفت إلى الفتيات وأكمل قائلاً: ياريت تتفضلوا على شغلكم وكفاية عطلة لحد كدا، واستني انتي ياريهام عشان تساعدي بسمة." أومأت ريهام برأسها وذهبت باتجاه بسمة لتساعدها وذهبت الفتيات لاستكمال عملهم. كما ذهب يونس إلى سيارته منتظراً بسمة وريهام. ريهام لبسمة: "بت يابسمة انتي أخدتي بالك من كلام مستر يونس؟
بسمة باستغراب: "ماله هو قال حاجة وأنا ما أخدتش بالي منها؟ ريهام بغمزة: "واضح كدا والله أعلم إن مستر يونس عينه منك." بسمة بحدة وتوتر: "عينه مني إزاي يعني؟ ماتخلي بالك على كلامك ياريهام، الراجل ما قالش حاجة غلط ولا رفع عينه فيا وكلنا عارفين قد إيه مستر يونس راجل محترم ومؤدب، فبلاش تلميحاتك دي أنا معنديش استعداد يطلع عليا سمعة بطالة بسبب هزار سخيف."
ريهام بتبرير لموقفها: "يابوسى أنا مقصدش حاجة وحشة والله، أنا بس قولت اللي شوفته واللي كلنا خدنا بالنا منه، لكن انتي مركّزتيش كويس، شكل مستر يونس معجب بيكي، وبعدين دي مش حاجة وحشة، مش يمكن عاوز يتقدملك وتبقى من نصيبه وساعتها تبقي صاحبة الهيلمان اللي إحنا فيه دا وترتاحي وتبقى سيدة القصر."
بسمة بحزم: "لو سمحتي ياريهام قفلي على الموضوع ده، أنا أصلاً دماغي مش فايقة للحاجات دي، خليني في اللي أنا فيه ويلا بينا بقا مستر يونس مستني بقاله كتير." ذهبت بسمة وريهام وركبا مع يونس في سيارته، وقام بإيصالها إلى منزلها، ثم عاد هو وريهام إلى السنتر لاستكمال عملهم. صعدت بسمة إلى منزلها وحينما دخلت قابلها والدها، فاستغرب من مجيئها مبكراً على غير عادتها، فاقترب منها قائلاً.
محسن بتساؤل: "إيه اللي جابك بدري يابنتي فيكي حاجة ولا إيه؟ بسمة بضيق: "أظن دا شئ ما يخصكش، وياريت بلاش تعيش معايا دور الأب اللي قلقان على بنته، لأنه مش لايق عليك." محسن بانكسار: "أنا عارف إني مكنتش أب كويس، لكن والله أنا بحبكم ومقدرش أشوفك كدا وما أطمنش عليكي، دا انتي بنتي."
بسمة بزهق: "يوووه، ولا تطمن عليا ولا أطمن عليك، الشويتين اللي بتعملهم دول مش داخلين ذمتي بتعريفة، فياريت توفر عليا وعلي نفسك الاسطوانة المشروخة دي لأني مش مصدقة منها أي حاجة." ثم تركته وذهبت إلى حجرتها لتنال قسطاً من الراحة.
جلس محسن على الأريكة في صالة المنزل ينظر في أثرها بحزن ويلوم نفسه على ابتعاده عن أولاده ويتحسر على فقدانه لمحبتهم، وأن كل ما يجمعهم الآن هو مجرد عطفهم عليه وكأنه شخص مسكين يستحق الشفقة. وفي أثناء شروده أتاه اتصال هاتفي، فنظر إلى الهاتف بابتسامة ثم تحدث قائلاً. محسن بابتسامة: "وحشتيني ياروح قلبي، كدا متكلمنيش من امبارح؟ فريال أنا مشتاقلك موووت ونفسي أجلك أوى."
فريال بلهفة: "أوعى تعمل كدا أصل كل اللي عملناه يبقى مالوش لازمة، اصبر شوية لحد ما نخلص من السبوبة دي وبعدين يتلم شملنا تاني يا عيون فريال وقلبها." محسن: "أمري لله هصبر بس عشان رضاكي عليا يا حياتي." فريال بدلع: "ياراجل السبوبة تستاهل، دا خير بالكوم، حد يقول للرزق لأ، وابنك لو عرف اللي فيها مش هيسكت، دا وش فقر من يومه أنا عارفاه، بومة زي أمه الله يجحمه مطرح ما راحت."
محسن وكأنه مسلوب الإرادة: "والله يافريولتي أنا مكنتش عايش، أنا كنت مدفون بالحياة وانتِ اللي رديتي فيا الروح." فريال: "طيب أوعى تنسى تشرب العصير اللي بعتوهولك، وأوعى تخلي حد من المقاطيع اللي عندك يدوقوه، خسارة في جتتهم." محسن بتلذذ: "تعرفي إني مبقتش أعرف أشرب أي عصير غير اللي بتعمليهولي بإيدك ياقلبي، عشان كدا قبل مابخلص ببعتلك تجيبيلى تاني."
فريال بدلع: "طبعاً ياحبيبي، دا أنا بعملهولك مخصوص مخلوط بحبي ليك، بقولك إيه اقفل دلوقتي لحد يسمعك وانت بتكلمني ويعرف السر اللي بينا." محسن: "عندك حق، دا البت بسمة رجعت النهاردة بدري ومتلقحة جوا." فريال بعصبية: "وبتكلمني ياموكوس وهى عندك؟ انت عاوز تودينا في داهية ولا إيه؟ اقفل يلا بسرعة ومتكررهاش تاني وتكلمني بس لما تكون لوحدك، انت فاهم."
في منزل جنة مساءً، كانت جنة تجلس في الشرفة تشعر بالملل، فلم تعد لديها الرغبة في دخول المكتبة لما تشعر به من رهبة، فما عاشته ليس بقليل ولا هين. دخلت علا عليها ووجدتها شاردة، أمامها كوب الشاي الذي برد، نظرت للكوب ثم لها وجلست بجوارها وتحدثت بهدوء. علا بهدوء: "مالك ياجنة سرحانة في إيه؟ دا حتى شايك برد." جنة بزهق: "زهقانة ومتضايقة، دا حتى المكتبة مبقتش حابة أدخلها ولا جايلى نفس أقرأ."
علا بتساؤل: "وإيه اللي اللي مزهقك ياست البنات؟ جنة: "مش عارفة، بس أنا لا بخرج ولا بروح ولا باجي قاعدة زي أي كرسي في البيت، مفيش حاجة تسليني، هو... يعني... ممكن تديني الموبايل تاني؟ ووالله مش هسهر عليه تاني عشان خاطري وافقي، أنا بجد زهقانة وكان هو مسليني، وحياتي ترضى."
علا بعد تفكير: "ماشي ياجنة، بس ياريت تلتزمي بكلامك المرة دي، واعرفي يابنتي إني عملت كدا وأخدته منك عشان كنت خايفة عليكي، أنا هقوم أجيبهولك ياحبيبتي، على العموم هو مقفول ومرمي في الدولاب من يوم ما أخدته منك."
أحضرت علا الهاتف وأعطته لجنة التي فرحت كثيراً وظلت تقفز كالأطفال، تركتها علا وسط فرحتها ودخلت إلى حجرتها. وقامت جنة بفتح هاتفها فوجدت الكثير والكثير من الرسائل التي قام خالد بإرسالها، ففتحتها وبدأت في قرائتها وتهللت أساريرها وقرعت دقات قلبها كالطبول، وظلت مترددة أترد عليه أم لا، فها هو ظل متذكرها، ظلت هكذا إلى أن قطع شرودها تلك الرسالة التي أرسلها خالد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!