في خارج المستودع وصل جاسم ورجاله الذين كانوا منتشرين في جميع أنحاء المكان، ومعهم الشرطة. ثم قاموا باقتحام المستودع بقوة شديدة. في داخل المستودع، كان على يقول لريم بجنون: "انتِ ليا أنا.. وأنا وبس. قوليها يلا، قولي أنا ملكك يا حبيبتي." هزت ريم رأسها بالنفي، مما زاد من جنون على. ليمسك شعرها بقسوة محاولاً أن يقبلها، إلى أنه وجد من يمسكه بقوة من الخلف مانعاً. فمن غيره، إنه جاسم.
صوت ضرب نار انتشر في جميع أنحاء المكان، لينقلب على رأسه في أقل من دقيقة. أما ريم، فحمدت ربها بشدة على أنه جاء في الوقت المناسب ليخلصها من هذا المجنون الذي أمامها. ظل جاسم يضرب على بقوة شديدة، ويلكمه عدة لكمات، ويسبه بأبشع الألفاظ التي يمكن تخيلها. لم يستطع على أن يقاوم أو يدافع عن نفسه، حتى اتجه بعض العساكر وقاموا بأخذ تيا، التي كانت تحاول أن تهرب. اتجه الضابط إلى جاسم وأبعده عن على بالقوة، ثم قال له محاولاً
أن يهدئه: "جاسم بيه، اهدى. أحسن يموت في إيدك. هو كده كده هيتعاقب ومش هيخرج، وأنا بضمنلك ده." أيدت ريم رأي الضابط، فهي أيضاً خائفة على جاسم بشدة. عليه، تركه جاسم مضضاً، ثم قال له بقوة وهو ينظر له بضيق وغضب، متمنياً أن يقتله: "تاني مرة مبقاش تبص لحاجة مش ملكك." ثم قام بلكمه لكمة قوية وأكمل حديثه:
"اللي يفكر بس يرفع عينه في مراتي أقلعهالها. وأنتَ أتماديت. أوعى تكون فاكر إني عبيط ومش عارف حاجة. لا، أنا عارف. عارف من قبل ما تنزل مصر حتى." ثم لكمه مرة ثانية، لكمة أقوى. أخذه الظباط وخرجوا به، وقاموا بوضعه في سيارة الشرطة. نظر جاسم إلى تيا، وقال لها بقرف وعبوس، مشيراً للعساكر المقيدة إياها أن تقف. ثم فك ريم، وقام بحملها متوجهاً ناحيتها، وقال لريم بنبرة آمرة قوية: "اضربيها يا ريم، زي ما ضربتك. يلا."
ترددت ريم وجاءت لتتحدث، ولكن أمرها جاسم للمرة الثانية وهو ينظر لها مطمئناً إياها. فضربتها ريم على إحدى وجنتيها بقوة، مما ثار جنون تيا. أما جاسم، فقال لها باحتقار، ضاغطاً على أسنانه بقوة كي يتحكم في غضبه: "احمدي ربنا إني مبمدش إيدي على ستات، وإلا كنت عرفتك قيمتك." ثم أخذ ريم، التي تشبثت في عنقه بقوة وخوف، وخرج بها بهدوء. وضعها في السيارة. أما الضابط، فاتجه إليه وقال له بهدوء واحترام:
"جاسم بيه، أنا أمرت العساكر ياخدوا تيا وعلي ويمشوا. وأظن أنت عارف إن جمال الديب في التحقيق في أمريكا اعترف على والدتك في كل حاجة عملوها. أعمالهم المشبوهة وقتل والدك، واعترف على علي كمان، وقبضنا عليه. فأنا متضطر أقبض على والدتك، وأنا هاجي معاك بدون شوشرة. القبض وبهدوء، اقبض عليها." هز جاسم رأسه بتفهم، وقال له بهدوء ونبرة تحذيرية:
"تمام. اتفضل. بس طبعاً عارف إن مش عايز أي مخلوق من الصحافة ياخد خبر. الموضوع هيبقى سري عشان سمعة العائلة." هز الضابط رأسه بتفهم. أما جاسم، فاتجه وركب سيارته، ثم طلب من أحد رجاله أن يسوق هو، وجلس في الخلف بجانب ريم. ثم أنزل الحاجز بينه وبين مكان السائق، وقام باحتضان ريم بقوة، الذي بادلته الحضن بشوق وخوف. أما هو، فظل يربت على ظهرها بحنان، مطمئناً إياها كي لا تقلق.
عند ماجدة، بعد ما سمعت حديثهم، اتجهت إلى ندى بقوة، وقالت لها بصوت عالٍ: "بقى انتِ يا زبالة تعرفي الزبالة ريم وصاحبتها وجاسم جايبك هنا؟ والله ما هسيبك." وانقضت عليها لكي تضربها، ولكن ندى كانت أقوى، ومسكت يديها بقوة، وقالت لها بهدوء وكبرياء: "لو سمحت احترمي نفسك. لولا إنك كبيرة وقد والدتي، كان زماني عرفاكي مين الزبالة." ثم تركتها. جاءت ماجدة أن تتحدث، ولكن قالت لها سعاد بحدة:
"خلاص يا ماجدة. بدل ما هتصل بجاسم أقوله، وأظن أنتِ عارفة هيعمل إيه." نظرت ماجدة إلى ندى، وقالت لها بتساؤل وسخرية: "بما إنك صاحبة زفتة ريم، قوليلي إزاي جاسم رجعلها بعد ما كانت هربانة منه بفضيحة؟ وجهت ندى بصرها على ماجدة، وقالت لها بقوة وحدّة: "احترمي نفسك. مين دي اللي زفتة؟ وبعدين أصلاً جاسم كاشف خططك كلها. ثم أكملت باحتقار وعدم تصديق: أنا مش قادرة أصدق إزاي انتِ تبقي والدة جاسم بيه. بجد مش قادرة أصدق."
بادلته ماجدة نظراتها بحقد وكره شديدان. حتى جاء ياسر من خلفهما، وقال لندى بتساؤل عندما رأى نظراتهما: "فيه إيه يا ندى؟ مالك واقفة كده ليه؟ ردت عليه ماجدة بعجرفة وخبث: "استنى يا ياسر، شوف الهانم اللي بتحبها. وقال إيه اتغيرت عشانها. طلعت صاحبة ريم، وجاسم قايلها تضحك عليكِ وتوقعك عشان ينتقم منك." فتحت ندى فمها بصدمة، وقالت لها بانفعال: "انتِ إزاي مش خايفة من ربنا وانتِ بتكذبي؟ أنا بس صاحبة ريم. ثم وجهت بصرها إلى ياسر،
وقالت بصدق: لكن جاسم مقاليش أي حاجة والله العظيم." رفعت ماجدة يديها لكي تصفعها، وهي تقول لها بغرور وتعجرف: "مين دي اللي كدابة يا قليلة الأدب؟ انتِ هتنكري كمان؟ ولكنها وجدت ياسر يمسك يدها المرفوعة بقوة واستحكام، ثم قال لها بحدة: "ماجدة هانم، لو سمحت مينفعش تضربيها." نظرت له ماجدة بصدمة، فهذه تعتبر المرة الأولى التي يعارضها ياسر ويتحدث معها بتلك الطريقة. وقالت له بسخرية: "وده من إمتى وانت بتتكلم كده؟
طب اهدي يا حبيبي، ماهو انت مش جاسم عشان أقولك حاضر. لا فوق ومتنساش نفسك." ضغط ياسر على أسنانه بقوة، محاولاً التحكم في تصرفاته معها، فهو بالفعل أصبح لا يطيقها منذ أن علم حقيقتها. ثم أخذ جدته وندى، تاركين إياها تقف بمفردها. ثم قال لندى بحب واعتذار: "ندى، معلش يا حبيبتي. أنا آسف بجد على اللي حصل." ابتسمت ندى، ومسكت يديه، ثم قالت له بهدوء وعقل:
"انت ملكش دعوة يا ياسر، متعتذرش. وأنا أكيد مزعلتش. كفاية إنك دافعت عني ومصدقتش كلامها." دخل جاسم وهو يحمل ريم النائمة، ويرتسم على ملامحها التعب. وضعها على الأريكة الكبيرة الموجودة في بهو الفيلا، والضابط خلفه، الذي اتجه نحو ماجدة، وقال لها بهدوء: "يا ريت تتفضلي معانا بهدوء وبدون شوشرة." رفعت بصرها نحو الضابط، وقالت له باستغراب وتساؤل، وهي تبلع ريقها الجاف بتوتر: "أتفضل معاك ليه؟ أنا عملت إيه؟
ثم اتجهت مهرولة بسرعة إلى جاسم، وقالت له بخوف: "جاسم، الحق يا جاسم. المجنون ده، شوف بيقول إيه." شاح جاسم وجهه بعيداً عنها، ثم قال لها بقسوة وصوت قوي حاد: "بيقول إيه؟ بيقول الصح. ما خلاص جمال اعترف عليكي وكل بلاويكي بقت عنده. قتل وتجارة وكله."
شعرت ماجدة بأن الأرض لم تعد تستحملها، فهي اليوم تحصد ما زرعته. كانت متوقعة أن لم يستطع أحد أن يكشفها، ولكنها انكشفت الآن بكل سهولة. حتى ابنها لم يدافع عنها. ولكن مهلاً، تقول عنه ابنها؟ فهي متى اعتبرته ابناً لها أو أعطته حنان الأم الذي احتاجه؟
هي لم تكن أماً لأي أحد. ابتعدت عن جاسم نهائياً بسبب حبه لوالده الزائد. أما ياسر، فدائماً كانت تحاول تعلمه الفساد وتسعى أن يمشي في طريقها بكل قوتها. وابنتها الصغرى شذى، لم تكن تعاملها من الأساس، فرقتها عن من أحبته وابتعدت عنها. لم تتعرف طعم الحب والحنان سوى من جاسم وجدتها. وها هي الآن سوف تعاقب على كل ما فعلته في حياتها. فهي تعلم بأن جرائمها سوف تأخذ بها إعدام. ليقوم الضابط بوضع شيء حديدي في يديها ويجرها خلفه.
رأتها شذى، التي كانت داخلة تضحك مع سيف. ثم جريت خلفها، ولكن الضابط لم يمهلها فرصة، وأخذ ماجدة ومشى. اتجهت شذى سريعاً إلى جاسم في الداخل، وقالت له بدموع وقلق: "ج.. جاسم.. ماما.. يا جاسم.. هو فيه إيه؟ قص لها جاسم ما فعلته، ثم قام بضمها إلى صدره بحنان وحب. أما هي، فظلت تبكي غير مصدقة ما فعلته والدتها.
وصعدت إلى غرفتها. صعد سيف خلفها محاولاً أن يتحدث معها كي يخفف عنها، وجدتها أيضاً. أما ندى، فاتجهت نحو ياسر، وربتت على كتفه بحنان، ثم ابتسمت له بحب. حمل جاسم ريم وصعد بها إلى أعلى، ووضعها على السرير برفق شديد. ثم قام بتدليل ملابسها لها، وجلس شارداً على الأريكة. استيقظت ريم وهي تشعر بالخوف والقلق، وعقلها يصور لها أنها ما زالت مخطوفة. فوضعت يديها على بطنها، وقالت برعب وكلام غير مفهوم: "لا.. جاسم.. أبعد عني."
فاق جاسم من شروده على صوتها. فاتجه إليها سريعاً، وقام باحتضانها، ثم همس داخل أذنها بحنان ودفء وحب: "هش.. اهدئي يا قلب جاسم. أنتِ معايا ومحدش يقدر يقربلك. اهدئي." فاقت ريم إلى واقعها، واحتضنته بشدة، ثم قالت له ببكاء: "جاسم، الحيوان ده... كان... كان عايز يتجوزني إزاي؟ إزاي قدر يخطفني؟ ابتسم جاسم لها، ثم قال لها بقوة وثقة:
"متخافيش يا حبيبتي. أنا أصلاً كنت عارف خطته من الأول، واستحالة اسمح لأي مخلوق لو مين ما كان إنه يأذيكِ." نظرت له ريم ببلاهة، ثم تساءلت بضعف: "كنت... عارف إزاي يا جاسم؟ إزاي؟ احتضنها جاسم، ثم قال لها بحب ولا مبالاة: "خلاص يا قلب جاسم. دي صفحة واتقفلت. مش لازم نفتحها تاني، وأصلاً ملهاش لازمة. أنا خلاص نهيت كل حاجة." هتفت ريم بإصرار: "لأ يا جاسم، فهمني بجد إزاي كنت عارف." ابتسم جاسم، ثم تذكر. فلاش باك.
بعد ما طلب جاسم قائمة الأسماء الذين سافروا أمريكا في آخر سنتين، وجد أسماء غريبة لم تكن مألوفة. ولكن تلك الأسماء اختفت بالفعل بعد نزولهم من الطائرة وخروجهم من المطار. لم يكن لهما أي أثر. فقد علم أنهم هما. ولكن قبل أن يتصرف، وجد اسم منهما. حجز تذكرة لكي ينزل لمصر، وبالفعل أرسل أحد من رجاله يصور له هذا الشخص، وقد تأكد أنه على. فكلف أحد من رجاله أن يزرع له جهاز تصنت، وبالفعل اتزرع الجهاز في هاتفه. وعلم جاسم أن تيا اتفقت
معه ويريدان أن يركبا جهاز في سيارته. وسهل لهما الأمر. وكان على علم بكل شيء. ولكن في تلك الأثناء، جاء له الضابط وقال له بأن جمال اعترف على والدته، وبالفعل معه أدلة ومطلوب القبض عليها. فقص له كل شيء، وقال له إنه سوف يساعده على أن يقبض على علي أيضاً. مقابل أن يكون أمر القبض على والدته ومحاكمتها سراً، كي يحافظ على سمعة والده. وكان عالم أيضاً بمكان المستودع، وأمر رجاله بأن يكونوا مأمنين المكان من كل الجهات.
باااااااااك. نظرت له ريم ببلاهة وفم مفتوح. ولكنها عندما وجدت أثر الحزن في عينيه، قامت واحتضنته بحب وقالت له بهمس: "ج.. جاسم. أنا بحبك أوي. بس فيه حاجة انت مكنتش حاسبها خالص. شكلك كده." نظر لها جاسم باهتمام، وقال لها بخوف وقلق: "إيه؟ فيه حاجة تعبانة؟ حصل حاجة وأنتِ مع علي؟ هزت ريم رأسها بالنفي، ثم أخذت يديه ووضعتها على بطنها، وقالت له بحب وفرحة:
"هو إني حامل يا جاسم. يعني هكون ماما وإنت هتكون بابا وأحلى بابا كمان. أنا واثقة من كده." لم يصدق جاسم ما قالته. فلو كان الحديث يقتل، لقتل جاسم الآن من شدة الفرح. ثم قال لها بعدم تصديق ولهفة، والفرحة واضحة في عينيه التي كانت تلتمع بشدة: "ا.. انت بتهزري يا ريم صح؟ أنا هكون أب. يعني انت حامل. ريم هزت رأسها بتأكيد وابتسمت بفرحة شديدة عندما رأت فرحته ولهفته بذلك الخبر. أما جاسم، فجذبها إلى صدره يضمها بحنان وحب شديدين.
ثم قال لها بخوف: "إحنا بكرة هنروح الدكتورة تطمنا عليكي." ثم قبلها بحنان وحب. *** بعد مرور شهرين.
كان اليوم فرح ياسر وندى، وشذي وسيف. فقد كان الشهر مليئاً بالأحداث، خاصة لياسر وجاسم وشذى. لكن ندى وقفت بجانب ياسر بكل ما أوتيت، وريم وقفت مع جاسم خطوة بخطوة، وكان دائماً يهون عنها أي شيء، ويخطط لحياتهم القادمة الخالية من المشاكل مع طفلهم أو طفلتهم القادمة. وسيف الذي وقف بجانب شذى محاولاً بأقصى جهده أن يخرجها من حزنها، متمنياً أن يحمله بدلاً عنها. فقد حكم على ماجدة وجمال بالإعدام، وعلى بالسجن المؤبد. أما تيا، فقد حكم عليها بثلاثين عاماً.
وقف ياسر يتأمل ندى التي خطفت الأنظار فور أن نزلت بفستانها الجميل الهادئ الذي يتناسب مع شكلها البراق. ثم اتجه إليها، وقام ممسكاً بيديها بحب، وهو يشعر بأن ندى مكافأة الله له على تغييره إلى الأحسن. "بحبك يا ندى يا قلب ياسر." ابتسمت ندى ثم قالت له بخفوت عكس طبيعتها: "وأنا كمان. بجد مش مصدقة إني ممكن أحب حد بالطريقة دي."
أما سيف، فمنذ أن وقع بصره على شذى، وهو لم يصدق عينيه. فبعد طول انتظار وعذاب لهما، قد أراد الله أن يجمعهما ببعض. فهو إلى الآن يشعر أنه في حلم وليس في واقع. واتجه إليها، فظل متأملاً إياها. "مش مصدق إني دلوقتي في فرحنا اللي عشت بحلم بيه طول عمري ونفسي يتحقق." احتضنته شذى بحب ثم قالت له: "ولا أنا يا سيف. أنت حلمي اللي اتحقق بعد معاناة. بعشقك يا قلب شذى."
كان جاسم يجلس بجانب ريم التي كانت تجلس على مضض. فهي تتمنى أن تقوم وترقص مع الجميع، ولكن جاسم كان خائفاً عليها. ظل جاسم ينظر إليها متأملاً منظرها وملامح وجهها الطفولية التي تدل أنها عابسة، ولكنها كانت جميلة بشدة، وكان لون الفستان يتناسب مع بشرتها. تمنى أنه يقوم بتقبيلها في تلك الأثناء، ولكنّه منع نفسه محاولاً التحكم في أعصابه. "في واحدة قمر تقعد زعلانة كده؟ عمرك شفتي قمر زعلان؟ ابتسمت ريم بخجل وهزت رأسها
بالنفي ثم قالت بطفولة: "بس أنا عاوزة أقوم أرقص، مينفعش كده." "طب ما انت كده هتتعبي. عاوزة البيبي القمر بتتعبي عشان ترقصي." ثم أكمل بوقاحة: "وبعدين، لما تولدي ابقي ارقصيلي أنا، ولا تزعلي نفسك يا قمري." ثم وضع يديه متحسساً بطنها التي برزت وكبرت قليلاً. "بس يا جاسم، انت قليل الأدب." "قليل الأدب بس بحبك وبعشقك، وبعشق الدنيا عشان اتجوزت واحدة زيك. أنا بفضل أحمد ربنا مليون مرة." ابتسمت ريم بفرحة شديدة
ثم ردت عليه بحب هي الأخرى: "وأنا كمان يا جاسم. بعشقك بجد." ***
تململت ريم في فراشها وهي تشعر بشيء غريب. ولكنها عندما استيقظت وفتحت عينيها، وجدت الغرفة خالية، لم يوجد أحد. عقدت حاجبيها باستغراب، ولكنها قامت بلا مبالاة، وجاءت تدلف إلى المرحاض، ولكن استوقفها شكلها في المرآة. لتجد أحد راسم على وجهها بعض الرسومات بألوان المياه. لتصرخ سريعاً، ثم هرولت بسرعة شديدة إلى أسفل، فهي تعلم بأن تلك الحركات لم يفعلها سوى ابنتها ريناد. فهي دائماً تفعل تلك الأشياء معها.
نزلت سريعاً لتجدها تجلس في الحديقة تلعب مع ريان، أخاها التوأم. أول ما رأتها ريناد، دخلت مسرعة تجري متجهة إلى والدها الذي كان جالساً في غرفة المكتب يعمل على بعض المناقصات الهامة. دلفت سريعاً ثم صعدت، جلست على ساقيه. عقد جاسم حاجبيه باستغراب، ولكن قبل أن يسألها، وجد ريم تدلف إلى الغرفة. حاول كبت ضحكاته على منظر وجهها. "انزلي وتعالي هنا." أشارت لها بإصبعها أمامها، وأكملت حديثها بغضب شديد، غير عابئة
بما حولها أو بما تتفوه به: "انت فاكرة لما تروحي لابوكي، هسكت أنا مثلاً ولا هخاف؟ والله ما هسيبك لو روحتي فين، قال بتتحامى في أبوها." ظل جاسم يحدق بها. فانتبهت ريم لما قالته، وقالت له مصححة حديثها: "احم احم. جاسم، اتفضل شوف ريناد عملت إيه. بص وشي، بتلعب بالألوان على وشي ليه؟ نظر جاسم لريناد التي قالت له ببراءة مزيفة وذكاء: "مش قصدي.. يا بابي، أنا بس قولت أخلي شكلها حلو. هي مامي على طول بتزعق ليه كده؟
حاول جاسم كبت ضحكاته. أما ريم، فانفجرت بها قائلة لها بغضب: "ماشي يا ريناد. هو أنا شكلي وحش، وكده بقا حلو؟ أنا هوريكي بزعق إزاي. ماشي، والله ما هسيبك." ثم نظرت لجاسم بطفولة، وقامت بضم يديها أمام صدرها، وقالت لجاسم: "اتفضل انت يا جاسم، اتصرف معاها." هز جاسم رأسه للأمام، ولكن فجأة دخل عليهم ريان وقال لريم بهدوء: "خلاص يا ماما، متزعليش منها. أنا قعدت أقولها لا لا، مرضتش تسمع كلامي."
ثم قام باحتضان والدته. ربتت ريم على ظهره بحب، وقالت بفخر لكي تغيظ ريناد: "حبيبي يا ريان، شاطر ومحترم وبتسمع الكلام، مش زي ناس وحشة ونوتي." اغتاظت ريناد بشدة، وقالت لجاسم: "بابي.. هو أنا وحشة ونوتي زي ما مامي بتقول، ولا أنا حلوة وجميلة؟ ثم نظرت إلى ريم بتحدي. لم يستطع جاسم أن يمنع نفسه من الضحك، فانفجر ضاحكاً. ثم قال لريان وريناد: "روحوا العبوا في الجنينة، وأنا شوية وهجيب مامي ونقعد معاكوا، عشان مامي دلوقتي زعلانة."
هزت ريناد رأسها يميناً ويساراً دليلاً على رفضها، ولكن قام جاسم بتقبيلها في خدها. فخرجت مع ريان. قام جاسم من على كرسيه، واتجه إلى ريم، ثم قال لها بخبث: "في إيه يا ريمي؟ إيه اللي معصبك عالصبح كده يا حبيبتي؟ ضمت ريم شفتيها إلى الأمام بتذمر، ثم هتفت بغيظ: "أيوه طبعاً، عجبك اللي بنتك عملته في وشي؟ بص مخلياني زي العفريتة إزاي." ثم قالت مقلدة ريناد بغيظ: "عشان أخلي شكلها حلو." ابتسم جاسم عليها، ثم قال لها بحب:
"تؤ تؤ. عفريتة إيه؟ ده انت قمر يا ريمي، قمر. قطع لسان اللي يقول عليكي كده. وبعدين ريناد لسة صغيرة مش فاهمة حاجة." ردت عليه ريم بغيظ شديد: "صغيرة إيه يا جاسم؟ دي عندها خمس سنين. وبعدين ما ريان قدها، اشمعنى هو مش بيعمل كده؟ على فكرة هي بتبقى قاصدة تغيظني وبتعاندني." انفجر جاسم ضاحكاً، ثم قال لريم بحب وهو يداعب أرنبة أنفها: "ريم، انت هبلة يا ريمي. انت بتغيري من ريناد بجد؟ أنا فاكرك بتهزري. تغيظك إيه دي؟
لسة صغيرة. وبعدين انت أمها، وهي بتحب تهزر. كم مرة بوظتلي أوراق شغل، وكان شغل مهم. ريان لمس آخر مرة كل الشغل اللي على اللاب توب، كان قاصد يغيظني. هما بيهزروا يا ريمي." ثم غمز لها بوقاحة قائلاً لها: "وبعدين، ما تسيبك من ريناد وريان دلوقتي وركزي معايا أنا. مفيش أي حاجة ليا؟ صباح الخير يا حبيبي؟ أي حاجة؟
ثم قام من على كرسيه واتجه إليها. أما هي، فظلت ترجع بخطواتها إلى الخلف وهي تشعر بالخجل الشديد، حتى التصق ظهرها بالحائط. شعرت بشيء صلب خلفها. استغل جاسم تلك الفرصة وحاوطها بيديه، ثم قال لها بحب وهو يطبع على شفتيها قبلة رقيقة سريعة: "صباح النور يا ريمي." عضت ريم على شفتيها بخجل شديد، ولكن ابتسم جاسم على فعلتها، وقال لها بمزاح: "إيه يا ريم يا حبيبتي؟ انت لسة لغاية دلوقتي بتتكسفي؟ آمال الاتنين اللي بره دول نتيجة إيه؟
عقدت ريم حاجبيها، وقالت له متسائلة ببراءة: "نتيجة إيه؟ مش فاهمة بجد. ما توضح كلامك يا جاسم." انفجر جاسم ضاحكاً بشدة حتى أدمعت عيناه. ثم اقترب منها وهمس داخل إحدى أذنيها بعدة كلمات. عضت ريم على شفتيها بخجل شديد واحمرت وجنتيها بشدة. ثم قالت له بخجل وخفوت وصوت متقطع، غير مجمعة ما سوف تقوله: "ج.. جاسم.. انت.. قليل الأدب على فكرة.." ابعد عني بقاضمها جاسم إلى صدره بحنان وقال بحب: عدى خمس سنين ولسة بتتكسفي يا ريمي؟
بس عارفة اللي يشوفهم يفتكرهم خمس دقايق. الحاجة الوحيدة اللي كبرت في الخمس سنين دول هو حبي ليكي. هو الحاجة الوحيدة اللي كبر واتضاعف وهيكبر بينا وبولادنا. ابتسمت ريم له بحب شديد. التقط جاسم شفتيها في قبلة حانية تحمل العديد من المشاعر والحب. فصل قبلتهما صوت دق على الباب. زقت ريم جاسم كي يبتعد عنها. ابتعد جاسم عنها بصعوبة واتجه كي يفتح الباب. وجد جدته أمامه ومعها الممرضة الخاصة بها. قالت له متسائلة بهدوء:
ها يا جاسم، كلمت سيف وياسر عشان يجوا يقعدوا معانا هنا ولا نسيت؟ نظر لها جاسم وأردف بهدوء وعقل: بصراحة كدة يا جدتي، ياسر وندى مستقرين ومش حابين يجوا. وكمان بيقولولك ولادهم كبروا واتعودوا على حياتهم. قاطعته سعاد بسخرية وعدم رضا: ولادهم إيه اللي اتعودوا؟ دة الواد ساجد عنده تلت سنين وهي لسة حامل، يبقى ولاد إيه؟ وسيف قالك إيه هو كمان؟ أجابها جاسم بهدوء:
هو قال إنه مرتاح كدة وحياته الخاصة وشذي كدة مرتاحة. وكمان لما بتيجي بتفتكر اللي حصل قبل كدة. وبعدين هما مرتاحين كدة، مش انت أهم حاجة عندك راحتهم؟ هزت سعاد رأسها وقالت له بتفهم: أيوه طبعًا أهم حاجة عندي راحتهم، بس كنت عاوزاهم جنبي وحواليا. الواحد مبقاش ضامن عمره. خرجت ريم من الغرفة على تلك الكلمة. قاطعتها ريم بحب ولهفة: بعد الشر عنك يا تيتة، ليه بتقولي كدة؟ أمال مين اللي هيربي معايا ريناد وريان؟
بصي ريناد عملت فيا إيه وجاسم بيشجعها على طول. ضحكت سعاد وقالت لها بمزاح: ما انت اللي هبلة مش عارفة تسيطري عليهم. ضمت ريم شفتيها للأمام بطفولة وعقدت زراعيها أمام صدرها ثم قالت مدعية الزعل: بقا كدة يا تيتة؟ أنا هبلة؟ ماشي براحتك، هي جات عليكي. ضحكت سعاد ثم ضمتها إلى صدرها بحنان وقالت لها بحب: ربنا يخليكي لينا، بجد ربنا يعلم أنا بحب ومعزتك في قلبي قد إيه. بادلتها ريم الحضن بسعادة وفرحة وقالت هي الأخرى
بدعاء وحب من أعماق قلبها: يارب ويخليكي لينا. عارفة طبعًا، وأنا بعتبرك جدتي اللي مشفتهاش. اقترب جاسم وهمس داخل أذنها بخبث: ريم، وشك انت نسيتيه ولا إيه. تنفست ريم بصوت مسموع ثم قالت لسعاد باستئذان وإحراج وهي تنظر أرضًا: عن إذنك يا تيتة، هروح أغسل وشي عشان زي ما انتي شايفة. وأشارت على وجهها الذي كان مليئًا ملطخًا بالألوان.
هزت سعاد رأسها بتفهم. فصعدت ريم مسرعة متجهة إلى غرفتها وهي تود أن تضرب ابنتها ريناد على ما فعلته بها. ولكن هذا ليس جديدًا عليها، دائمًا تستيقظ على كارثة من أفعال ريناد أو ريان. ويقفوا أمامها مدعين البراءة. أول ما دخلت غرفتها اتجهت إلى المرحاض ووقفت أمام المرآة تغسل وجهها بعدما تأفأت بانزعاج عدة مرات فالألوان قد نشفت على وجهها وبصعوبة شديدة.
عندما أزالت آثار تلك الألوان، أول ما خرجت من المرحاض تفاجأت بجاسم يجلس على الفراش منتظرًا إياها. عقدت حاجبيها باستغراب وقالت له بتساؤل واهتمام: في حاجة يا حبيبي؟ إيه اللي طلعك من تحت؟ جذبها جاسم إليه وأجلسها على ساقيه بإحكام ثم قال لها بحب وشرود وهو يهمس أمام شفتيها: بحبك يا قلب وروح وعقل جاسم.
ثم التقط شفتيها في قبلة بث فيها مدى حبه واشتياقه لها. بادلته ريم قبلته وحاوت ريم عنقه بذراعيها. تمنى جاسم أن يظلا هكذا طوال حياته. ولكن اضطر أن يبتعد عنها عندما أحس بحاجتها للهواء. وعندما ابتعد عنها ظلت ريم تأخذ أنفاسها بصوت مسموع. جذبها جاسم إليه مرة أخرى وظلت يقبل جميع أنحاء وجهها قبلات متفرقة رقيقة. ثم نزل على عنقها. تاهت ريم معه. لم يشعرا بنفسهما إلا عندما سمعوا صوت دق الباب.
قامت ريم سريعًا التقطت روبها الذي كان ملقى في الأرض بإهمال ولبسته سريعًا وأخذت تضبط شعرها. وذهبت لكي تفتح الباب. وجدت أولادها الاثنين واقفين أمامها باحترام. عقدت حاجبيها لهما باستغراب وقالت لهما بتساؤل: إيه مالكم؟ ثم أكملت بتخمين: حصل حاجة أو عملتوا مصيبة صح؟ هزوا رؤوسهم يمينًا ويسارًا عدة مرات دليلاً على النفي. وقال ريان بشجاعة: مفيش يا ماما، بس ريناد عاوزة تعتذر لك على اللي عملته الصبح في وشك.
هزت ريناد رأسها بتأكيد واقتربت من ريم وحضنتها بشدة. رفعتها ريم إليها وقالت ريناد بأسف طفولي: سوري يا مامي، أنا آسفة، مش كان قصدي أزعلك مني. أنا كنت بهزر بس.. وريان قالي وفهمني إن ده غلط وأنا مش هعمل كده أبدًا أبدًا. ابتسمت لها ريم وازدادت من ضمها ثم قالت لها بحب وهي تداعب وجنتيها: خلاص يا قلب مامي، هزري براحتك. هو أنا عندي كام ريناد يعني؟ ثم نزلتها واقتربت من ريان وقالت له بحب: حبيبي يا ريان. وقامت باحتضانه.
خرج جاسم عليهما بعدما ارتدى ملابسه وقال لريان بإعجاب وفخر وتشجيع: شاطر يا ريان، أيوه كده أفضل جنب أختك وفهمها لما تغلط. ثم وجه بصره لريناد وقال: وأنت يا ريناد، متضايقيش ماما تاني دي حبيبتنا. وقام باحتضانهم جميعًا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!