الفصل 20 | من 34 فصل

رواية أو أشد قسوة الفصل العشرون 20 - بقلم سارة مجدي

المشاهدات
23
كلمة
5,477
وقت القراءة
28 د
التقدم في الرواية 59%
حجم الخط: 18

عادت من أفكارها عن تلك اللحظة المؤلمة والتي استمر أثرها معها طوال ذلك اليوم. كانت حزينة ولا تعرف ماذا تفعل أو تقول. لكنها حين عادت إلى بيت ألقت بنفسها بين ذراعي والدتها تبكي بصوت عالٍ، وكأنها تريد إخراج ذلك الألم الذي يعتصر قلبها وروحها مع تلك الدموع التي تغادر عينيها. ظلت والدتها تضمها إلى صدرها وتربت على ظهرها بحنان، وتسألها بقلق: -مالك يا بنتي فيه إيه؟ ليه كل الدموع دي؟

-أحضنيني بس يا أمي، محتاجة حضنك، محتاجة أحس بالأمان بين إيديكي وبس. سالت من بين شهقاتها وهي تتشبث بملابس أمها بقوة، لتضمها فاطمة بحنان وبدأت في تمسيد ظهرها برقة وهي تقرأ بعض آيات الذكر الحكيم. وبعد قليل من الوقت قالت سليمة بصوت مختنق تحاول طمئنة والدتها:

-متقلقيش يا أمي، كل الحكاية حصلت مشكلة كبيرة النهاردة في الشغل. وكنت خايفة أوي ومكنتش عارفة أتصرف. علشان كده لما خلصت وكل الأمور اتحلت حسيت إني محتاجة أعيط في حضنك وأحس بالأمان. لتربت فاطمة على وجنة ابنتها وهي تقول بابتسامة حانية: -حبيبتي الصغيرة البريئة، الشغل كده يوم فوق ويوم تحت ضغط ومشاكل. ولازم تبقي قد المسؤولية اللي أنتِ شيلاها. وأبعدتها قليلًا عن حضنها وأكملت وهي تربت على صدرها بثقة، وتنظر

إلى عينيها بحنان وحب: -لكن كمان هنا مكانك وقت ما تحتاجيه. هنا عيطي وافرحي، هنا بيتك ومكانك ليوم ما أموت. لتضمها سليمة بقوة وهي تقول: -بعيد الشر عنك يا أمي، ربنا يبارك في عمرك وصحتك وتفضلي ديمًا منورة حياتي وبركة بتنورلي طريقي ودعوة بتحميني من كل شر. وبعد بعض الوقت جلستهم بين ذراعي والدتها تتمتع ببعض الدفء والأمان. تركتها ودخلت إلى غرفتها تحتمي فيها من كثرة التسائل ونظرات القلق، ولتكون فيها على طبيعتها حزينة حائرة.

صوت حركة من اتجاه الشرفة جعلها كالمنومة، تتوجه إليها لترى ما هذا الصوت. أمن الممكن أن يكون أدهم أتى إليها ليعتذر لها عما قاله. بخطوات مترددة وقلب متلهف فتحت أبواب شرفتها تنظر إلى الخارج بحذر. لتجده يجلس على سور شرفته وساقه إلى الخارج عاري الصدر وبنطال بيتي أسود. وشعر مشعث ينظر إلى السماء بشرود. لتشهق بصدمة وخوف وبلهفة وقلق. دخلت سريعًا إلى شرفتها وهي تقول: -أنت قاعد كده ليه هتقع؟

إحنا في الدور الرابع. انزل بسرعة انزل أبوس إيدك. نظر لها بعبث وحاجبين مرفوعان وقال ببعض الغرور: -معتقدش إنك خايفة عليا بجد ولا حتى مهتمة. أنتِ مش بتحبيني. وبعدين أنتِ مالك أصلًا؟

حاولت أن تهدأ، وتبحث في عقلها على ما تقوله له حتى يتعقل ويعود لوعيه وينزل عن السور. إن من يجلس أمامها الآن هو ثامر بكل غروره وعناده. لكنها ظلت لثوانٍ عديدة تنظر إليه بعيون متسعة، والكلمات حشرت داخل حلقها، وكأن عقلها أصبح خاويًا تمامًا من الكلمات. لينظر لها بطرف عينيه وقال بنزق: -ادخلي ادخلي ومتعمليش فيها مهتمة. أصلًا أنا حياتي مش مهمة لحد. لا ليا أصحاب ولا أهل. ولا حبيبة. أعيش لمين؟ -ليك.

أجابته سريعًا وبلهفة. لينظر لها بصدمة. لتكمل كلماتها وهي تقترب من سور شرفتها: -عيش ليك أنت، مش لازم تعيش عشان خاطر حد. أنت مهم لنفسك. ده غير بقى إن الانتحار حرام، وأكيد مش عايز تقابل ربنا وأنت عامل الذنب الكبير ده. كان ينظر إليها ويستمع إلى كلماتها بصوتها الحاني المرتعش. يلمس ذلك الشيء الموجود في تجويف صدره ويجعله ينبض دون سبب. والأكثر الآن أنه ينبض بلهفة للاستماع أكثر وأكثر لصوتها وكلماتها.

وكأنها كانت تشعر برغبته وتسمع صوته الداخلي. أكملت بهدوء: -مش كل الحاجات اللي بتروح مننا بتكون خسارة. ممكن يكون خسارتنا ليها مكسب لينا. ربك عالم ومطلع وعارف وهو أدرى بالخير فين. ارضى وهتلاقي كل حاجة حلوة بعد كده. ظل ينظر إليها طويلًا حتى ظنت أنه يفكر في كلماتها وقد اقتنع بها. لكنه ابتسم بسخرية وهو يقول:

-ذنب إني أموت نفسي ده هيكون أبسط الذنوب اللي أنا ارتكبتها. أنا زنيت. سرقت وافتريت. خربت بيوت ناس كتير أوي يا قطة. فدور الواعظ ده اعمله مع حد تاني غيري. أنا أبواب الجحيم مكتوب عليها اسمي.

لاشهق بقوة من قسوة التشبيه والخوف الذي يسكن قلبها من أن يكون قد فعل كل هذا فعلًا. لكن عاد ذلك الصوت يخبِرها من جديد. “ده ثامر مش أدهم. ثامر الشخصية اللي أدهم ملوش تحكم فيها ولا في تصرفاتها. أدهم مريض يا سليمة. مريض ومحتاجك. هو قالك كده؟ قالك محتاجك. هتسبيه يا سليمة؟ لتجد نفسها تجيب بشكل قاطع: -لا. لتبتسم وهي تقول: -إن الله غفور رحيم. تقدر تتوب. وترجع لربنا. عارف هحكيلك قصة.

نظر لها باهتمام وعلى وجهه ابتسامة صغيرة متسلية. لكنها لم تهتم. إنها فقط تريد أن تشغل عقله عن فكرة الانتحار. -في قصة عن سيدنا موسى عليه السلام إنه سأل ربه يومًا يا رب.. ماذا تجيب عبدك العاصي إذا ناداك قائلًا يا رب؟ فقال المولى سبحانه وتعالى لنبيه موسى: يا موسى.. أقول: لبيك عبدي لبيك عبدي لبيك عبدي. ثلاثًا. ثم سأله موسى: يا رب.. وماذا ترد إذا ناداك عبدك الصالح قائلًا: يا رب؟ فقال المولى سبحانه وتعالى: يا موسى..

أقول: لبيك عبدي. فقال موسى عليه السلام: يا رب.. ناداك عبدك العاصي فقلت لبيك عبدي ثلاثًا.. وناداك الصالح فقلت لبيك عبدي واحدة؟ فقال المولى عز وجل: يا موسى.. حينما ناداني عبدي الصالح اعتمد على عمله. وحينما ناداني عبدي العاصي اعتمد على رحمتي؟ وفيه أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم زي مثلًا عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول

الله صلى الله عليه وسلم: لله أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فيئس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد يئس من راحلته، فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك. أخطأ من شدة الفرح.

وقال صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم. رواه مسلم من حديث أبي هريرة. وقال الله عز وجل في حديث قدسي: يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي… الحديث رواه الترمذي.

شوفت بقى إن رحمة ربنا ملهاش حدود. ومينفعش إنك تقنت من رحمة الله. مهما عملت مهما كانت ذنوبك استغفر ربنا بقلب صادق وارجعله هتلاقيه فاتح لك بابه ومرحب بيك وفرحان كمان. ودع مش معناه إنك مش هتغلط تاني. لا هتغلط وتتوب وربنا يغفرلك ويسامحك.

اختفت تلك الابتسامة المتسلية التي كانت ترتسم على شفتيه وحل محلها ابتسامة رائقة هادئة. ودون شعور منه وجد نفسه يستغفر بصوت مسموع. ليقشعر بدنه برهبة وبدأ يدرك أين هو ولماذا صعد إلى هذا المكان؟

كان عائدًا من الخارج يشعر أن هناك شيئًا ما يخنقه. يشعر أن هناك شيئًا حدث معه يضايقه لكنه لا يتذكر. أعد قهوته الخاصة ومن شدة غضبه غير المفهوم سقط الكوب من يده وأعاد إعدادها من جديد وتناولها علها تهدأ من ذلك الألم الذي يحتل صدره لكنه لم يشعر بالراحة. توجه إلى الشرفة ينظر إلى خاصتها. يريد أن يراها لكنه وجد الشرفة مغلقة. وبدون لحظة تفكير صعد ليجلس في ذلك الشباك الصغير. لقد حشر جسده حرفيًا فيه. وليزيد خطورة الأمر أخرج رأسه وذراعيه للخارج أيضًا. بتلك الوضعية الخطيرة وكأنه كان يشعر إذا فعل هذا سيراها.

تحرك ونفذ دون تفكير ولم يخب إحساسه. لكن الآن وبعد حديثها هذا بدأ يعتدل وأنزل قدمه اليمنى وخلفها اليسرى. وحين استقام واقفًا تنهدت هي براحة واضعة يدها فوق خافقها متمتمة بالحمد لله. ليبتسم بسعادة لا يفهم سببها. لكنه نظر لها عبر فتحات الأرابيسك وقال بصدق استشعرته كل خلاياها:

-شكرًا. أنا أول مرة حد يكلمني كده وأحس بخوف حد عليا كده. طول عمري لوحدي. حتى أنا مش فاكر مين أهلي ولا أي حاجة عن طفولتي ولا شبابي. تجاهلت كل ده وعشت بالطول والعرض. تعرفي يمكن أنا محتاج حد في حياتي يقولي ده حلال وده حرام. كده صح؟ لا كده غلط. أدار وجهه للجهة الأخرى وهو يقول بخجل رجولي غريب على شخصية ثامر التي تعرفها جيدًا: -شكرًا يا سليمة.

وتحرك ليغادر الشرفة حين سمع رنين هاتفه. لتتحفز كل حواسها لذلك الاتصال. وكأنه شعر بها أو أراد أن يريحها. هو لا يجد تفسيرًا لذلك الشعور الذي اجتاحه حين قرأ اسم نفس الفتاة التي حدثته يوم كان في المؤسسة وجعله يتصرف بتلك الطريقة. وقف عند باب الشرفة وأجاب بصوت حاد بعض الشيء: -قولتلك متتصليش تاني. وأغلق الهاتف ودون أن ينظر إليها دخل إلى شقته. لتبتسم ببعض الراحة وعادت إلى غرفتها من جديد.

في صباح اليوم التالي وصلت الشركة لتجده هناك حضر باكرًا. ومن مكتبها كانت تستمع لصوت سقوط شيء ما. أو كسر كوب يلحقه بدخول عامل المطبخ للتنظيف. إذًا هوعصبي بعض الشيء. لكن السؤال هنا. من الذي بالداخل؟ ثامر أم أدهم؟ ومهما كان لماذا هو غاضب؟ ابتسمت ببعض الشقاوة وهي تدخل إليه. فمن مهام السكرتيرة أن توفر سبل الراحة لمديرها مهما كانت شخصيته. الهادئ الرزين. أو العابث المشاغب.

ودون أن تطرق الباب دلفت إليه لتجده يقف أمام النافذة الزجاجية الكبيرة يتطلع إلى الشارع. يديه معقودتان خلف ظهره. شعرت بتحفزه لحظة دخولها. لكنها ظلت صامتة تتأمل وقفته لعدة لحظات ثم قالت ببرود: -أدهم بيه حضرتك عندك معاد بعد نص ساعة مع شركة (..) . أأكد المعاد ولا ألغيه؟ التفت لينظر إليها بنظرات مبهمة لكن الغضب أحد تكوينات نظراته. هي تشعر به. وهناك شيء آخر لكنها لم تستطع تحديده ماهيته بالتحديد. هل هو حزن أم خوف؟

ظل الصمت سيد الموقف لعدة لحظات حتى قال بهدوء ظاهري: -ألغيه. -تحت أمر حضرتك. أجابته بعملية شديدة. لكن نظراتها كانت تحمل حزنًا استشعره بكل ذلك الحب الذي يسكن قلبه من أجلها. تحركت لتغادر ليتحرك خطوة واحدة مصاحبة لرفع ذراعه وكأنه يحاول الإمساك بها. لكنه لم يكمل. ظل واقفًا في مكانه ويذكر نفسه إنها تستحق شخصًا سويًا بلا عقد نفسية. لكنها هي توقفت عند الباب قبل أن تفتحه لثانية واحدة فقط ثم عادت تنظر إليه وهي تقول بصوت حيادي:

-أنا اتكلمت مع ثامر امبارح. ظهر القلق على وجهه وكاد أن يبرر أو يوضح. حتى أنه كان يريد الاعتذار. حتى قالت سريعًا: -كان عايز ينتحر من بلكونة شقته اللي جنب شقتي. كان حاسس إنه مضايق وفيه حاجة ناقصاه. حتى قالي إنه مش فاكر أهله مين أو حاجة عن حياته اللي فاتت. مفتقد حد يعرفه الحلال والحرام والصح والغلط. شكرني لأني اتكلمت معاه ونصحت. يعني تقدر تقول بقينا أصحاب. حتى البنت أيها دي لما اتصلت بيه زعق لها وقالها متتصلش بيه تاني.

أنهت حديثها وهي تشعر بالاستمتاع وهي ترى نظرة الاندهاش والصدمة على ملامحه. وأكملت ببعض المشاغبة: -يعني أي حاجة بيني وبين ثامر تخصني أنا وثامر وبس يا باشمهندس أدهم بيه. لقت كلماتها الأخيرة بلوم واضح. يشوبه كبرياء. تخبره أنها لا تبالي. إذًا أرادت أن يتراجع فيما قاله لها.

كانت تستمتع كثيرًا بتعابير وجهه المصدومة. لكنها لم تنتظر لوقت طويل حتى يقول أي شيء لها. دارت بهدوء وعلى وجهها ابتسامة صغيرة. ها هي فجرت قنبلتها وعليه الآن أن يكون بشجاعة ثامر. ظل صامتًا وابتسامة صغيرة ترتسم على ملامحه. إنه بشخصياته الاثنين وقعا في غرامها وذلك حقًا يسعده. جلست خلف مكتبها وهي تفكر ماذا سيفعل الآن؟ لكنه صدمها. فبعد خروجها بدقائق قليلة غادر مكتبه ودون أن ينظر لها قال: -ألغي مواعيدي كلها النهاردة.

وغادر المكتب بل والشركة بأكملها. وحتى موعد انتهاء العمل لم يعد. شعرت بحزن شديد وألم قوي في قلبها. لقد تعلقت به. قلبها الذي كانت تخبئه داخل علبة مغلقة استطاع هو بهدوء أن يتسلل داخل تلك العلبة ليلمس قلبها برفق. وبكل قوة وشجاعة كانت تراه يحارب هاجس مرضه. لكنه الآن. الآن. شعرت بالعجز من إيجاد كلمة مناسبة تليق بوصف حالته. بداخلها صوت يقول "ما يمر به ليس هين". وصوت آخر يقول "لابد أن يكون قوي. من أراد الحب عليه أن يكون فارس فوق صهوة حصانه لا يخاف الموت".

كان طريق عودتها إلى البيت ثقيلًا. لقد ظلت طوال اليوم تفكر ماذا عليها أن تفعل. وكان القرار الأخير هي أن تترك العمل. وهذا القرار رغم أنه يريح كرامتها. إلا أنه يؤلم قلبها جدًا. طرقت على باب بيتها طرقات متتالية تريد أن يفتح أمها الباب حتى تختبئ داخل غرفتها. تبكي بحرية. رفعت رأسها الذي كان منحنيًا حين فتح الباب لتصدم به يقف أمامها. أدهم. بوجهه المشرق وابتسامته التي تعشقها. وهيبته التي تضغى على كل شيء وتجعل من ينظر إليه يهابه دون سبب. لكنها تفهم السبب. ظلت نظراتها معلقة به. والغباء في أبهى صوره يرتسم الآن على محياها. هل من يقف أمامها ثامر؟

أو أدهم؟ ليقول بهدوء قاطعًا عنها حيرتها. ومجيبًا على سؤالها غير المنطوق: -هتفضلي واقفة كده كتير مش ناوية تدخلي ولا إيه يا آنسة سليمة. عمي وطنت مستنينك جوة. -أدهم. لم يكن همسها باسمه نداء ولكنه أجاب السؤال الذي كان يدور في رأسها. صوت والدها أخرجها من صدمتها حين قال برفق وابتسامة سعادة: -تعالي يا سليمة. الباشمهندس أدهم جه النهاردة علشان يطلب إيدك. وكنا مستنين رجوعك علشان نعرف رأيك. طالما رفضتي تبلغيه بيه في الشركة.

نظرت إلى أدهم بصدمة واستفهام لتتسع ابتسامته المشاغبة. وهو يبتعد عن الباب والتفت إلى والدها وقال: -أدهم على طول يا عمي إن شاء الله. أنا هبقى ابنك بعد ما نسمع موافقة آنسة سليمة إن شاء الله. وبسبب صدمتها من الموقف وتلك الحركة غير المتوقعة. خاصة بعد تفكيرها السلبي طوال اليوم. لم تستطع الرد. لتتكفل والدتها بإنهاء ذلك الموقف وهي تضمها إلى صدرها بحنان وتقول ببشاشة: -السكوت علامة الرضا.

ولحقها بزغروطة تحمل الكثير من السعادة والفرح. بعد ذلك تحول الموقف لجلسة ودية رقيقة. وسعيدة. بها ألفة غريبة. لقد وجد أدهم في والدها شيء كان يفتقده. وجد والده رحمه الله. وشعر براحة وحب بسبب طبيعة أمها الحنونة. ولم يغادر قبل تحديد موعد لزيارة أخرى يحضر فيها عائلته. وحينها تم تحديد موعد الخطبة بعد خطبة ظلال ومراد لرفض سليمة أن تكون خطبتها معهم في نفس اليوم. ليس لشيء سوا خوفها وخجلها من جو الإعلام والصحافة والصور الذي سيتسم به حفل خطبتهم. وأحترم أدهم رغبتها وبكل حب.

عادت من أفكارها على صوت والدتها تخبرها أن تذهب إليها لتأخذ رأيها في الضيافة. فـ أيضًا لم تريد سليمة حفل صاخب وأجلت ذلك لعقد القران والعرس. وأدهم رغم رغبته في إسعادها بحفل يليق بها لكنه لم يعترض أيضًا.

خرج من الباب المطبخ لذلك المطعم البسيط يحمل بين يديه حامل كبير فوقه بعض صحون الطعام وكذلك بعض المشروبات. يدور على الطاولات يضع المطلوب عليها بابتسامة بشوشة ويغادر للطاولة الأخرى. حتى ينتهي كل ما فوق الحامل ويعود من جديد إلى المطبخ. لكن حين دخل اتسعت ابتسامته وهو يراها تقف هناك تشرف على إحدى الفتيات وهي تعد أحد الصحون وتعدل عليها بهدوء. رغم أن هناك بعض الضيق داخل عينيها لكنها هادئة رغم كل شيء.

أسدل جفنيه وهو يتذكر كل ما حدث معهم خلال الثلاث شهور الماضية وبالتحديد بعد يومين من قتله للجوكر. فتح عينيه صباحًا ليجد الطبيب يقوم بمعاينته وخلفه يقف ضابط شرطة وعسكري. ابتلع

ريقه ببعض الخوف وهو يهمس: "كنت عارف". لكن لا يهم. يكفي أنه أنهى معاناة زيزي حتى لو كان الثمن حياته. هي تستحق وهو كان نذل كبير وافق على سقوطها في الوحل ظنًا منه أنه يقلل المسافة بينهم. ولهذا لا يهم أي شيء. بمجهود مضني حاول الاعتدال. ليساعده الطبيب ثم غادر الغرفة ليقترب الضابط ويجلس على الكرسي القريب من السرير وقال بهدوء: -حمد الله على السلامة. المستشفى بلغت إنك أصبت بطلق ناري. تفتكر مين اللي عمل فيك كده؟

شعر بالغباء للحظات من السؤال غير المتوقع. لكنه تدارك الموقف وقال بهدوء صادق: -معرفش. أنا في حالي من شغلي للبيت. ليومئ الضابط بنعم لكنه سأله من جديد: -إيه علاقتك بخميس السيد الشهير بالجوكر؟ ابتسم بيبرس بسخرية وقال بضيق واضح: -كنت شغال جارد في الملهى بتاعه. لكن هو كان عايز مني أعمل حاجات تانية غير الحراسة. وعشان كده سبت الشغل من فترة. أومأ الضابط بنعم وقال بهدوء مستفهمًا: -كان ليه أعداء كتير؟ -هو مين؟

سأله بيبرس باندهاش مصطنع لم يلاحظه الضابط. ليجيب تسأل بيبرس موضحًا: -الجوكر. هز بيبرس رأسه بلا معنى وهو يجيب بإرهاق:

-أنا كل شغلي كان حراسة باب الملهى. وأنا والجوكر مش أصحاب عشان أعرف تفاصيله أو علاقاته الشخصية أو حتى خلافاته مع مين. حتى لما طلب مني إني أوصل بنات للزباين واستناهم عشان أرجعهم رفضت وسيبت الشغل. هو صحيح قعد يزعق ويقولي مش هلاقي شغل وهلف. هارجعله وساعتها لو بوست جزمته مش هيرحمني. لكن أنا لو هموت من الجوع مش هبقى قرني. لمؤاخذة. صمت لثوانٍ ثم قال باستفهام: -هو إيه اللي حصل عشان كل الأسئلة دي يا بيه؟ ليجب الضابط بتوضيح:

-امبارح تم قتل الجوكر وعامل عنده اسمه ترتر في مكتبه الأول. وكان فيه صور بتدل على وجود علاقة محرمة بين الجوكر ورجل الأعمال المعروف بالباشا اللي اتقتل في نفس اليوم. صحيح أنت بعيد عن الشبهات لكن كان لازم أسألك. ليرسم بيبرس تعابير الصدمة والاندهاش على ملامحه ولم يعلق. ليقف الطبيب وهو يقول: -حمد الله على سلامتك. وأكيد هنبلغك بنتائج التحقيق. وإن شاء الله نوصل للجاني اللي عمل فيك كده.

تنهد بيبرس براحة حين غادر الضابط. ابتسم وهو يقول براحة لم يكن يومًا يحلم أن يشعر بها. أن الله يعطيه فرصة جديدة: -الحمد لله. يارب أقبل توبتي. واغفر ذنبي وارحمني. صفحة جديدة يارب. صفحة جديدة ومن أول السطر.

مر يومان وخرج بيبرس من المستشفى. ومباشرة من المستشفى إلى بيت زيزي. ولكن لم ينسى أن يأخذ معه شيخ الجامع بعد أن تحدث معه أكثر من ساعة يخبره عن توبته ورغبته في الزواج من زيزي. وبالفعل خلال طريقهم إلى بيت زيزي. قابلوا والد حنان في طريقهم. ليطلب منه الشيخ الذهاب معهم. كنوع من تعويض ورد لاعتبار زيزي وبيبرس التي حاولت ابنته تشويه سمعتهم. جلسوا في غرفة الأستاذ حليم يتحدثون إليه وهو ينظر إليهم بنظراته الحزينة طوال الوقت منذ ما حدث معه. لكنه حين دخلت زيزي إلى الغرفة اقتربت من السرير وجلست بجوار والدها وقالت

بصوت هامس بجوار أذنه: -بيبرس راجل حقيقي يا بابا. تاب عن الطريق الوحش وعايز يعيش حياة نظيفة. وأنا كمان عايزة اللي يحميني من الناس ويقدر يقف في وش أي حد. أنا تعبت يا بابا. تعبت وأنا بحارب الدنيا لوحدي. وكل من هب ودب بيحاول ينهش فيا. ده غير إنه بيحبني وهيصوني ويشيلك معايا.

كانت الدموع تتجمع في عينيه وهو يستمع لكلماتها التي كانت تجلد روحه كل ليلة. لا يحمل هم شيء أكثر من همها وخوفه عليها. حين كانت تقوم بخدمته ورعايته ويرى الدموع تتجمع في عينيها. حين كان يستمع لصوت بكائها وهي تظن أنه نائم. حين كان يستمع لنواحها وهي تتوسل لله أن يسترها وأن تستطيع أن تجد المال حتى تأتي بعلاجه. أدار عينيه في اتجاه بيبرس الذي ينظر في اتجاههم بوجل وخوف. القلق يرسم على محياه. ترقب للموافقة ورجاء وتوسل ألا يغلق بابه في وجه. ليغمض عينيه ويفتحها أكثر من مرة.

ليقول والد حنان بسعادة: -مبروك يا بيبرس. ألف مبروك يا زيزي يا بنتي. ووجه حديثه للشيخ قائلًا: -إحنا يوم الخميس الجاي نكتب الكتاب. ما هو مينفعش يبقوا مخطوبين وهي تعتبر عايشة لوحدها بردك. أومأ الشيخ بنعم ليقول بيرس بشر وهو ينظر لوجه والد حنان:

-أنا داخل البيت من بابه. والست زيزي مقامها عالى. ومحدش يجرؤ يقرب منها غير بحلال ربنا. وأنا أكتر واحد في الدنيا عارف قيمتها كويس واللي هيجيب سيرتها هقطع حسه من الدنيا كلها مش بس هقطع لسانه. ليبتلع والد حنان ريقه بخوف وقال بابتسامة مرتعشة: -آه آه آه طبعًا أومال إيه. هو أنا قولت غير كده. ليبتسم بيبرس بجانب فمه ثم نظر إلى الشيخ وقال:

-يوم الخميس بعد العصر نتجمع هنا عشان كتب الكتاب. وأنا هتكل بالفرشة والزينة وفستان العروسة وكافة شيء. قال آخر كلماته وهو ينظر إلى زيزي التي تنظر إليه بسعادة مخلوطة بقلق. وعدم فهم. ليقفوا الرجال حتى يرحلوا ليشير لها أن تقترب وقال بهدوء وصوت منخفض: -هاتلي تليفوني. أول ما أطلع بيتي هكلمك وهفهمك كل حاجة. أومأت بنعم وركضت إلى غرفتها لتحضر هاتفه. وعادت وهي تقول: -كان فصل وأنا شحنته. كلمني هموت من القلق. ابتسم لها وقال بصدق:

-متخافيش ربنا معانا. أروح آخد دش كده وأصلي وأكلمك. وغادر سريعًا لتبتسم بسعادة. هل قال سيصلي؟

هل ما سمعته حقيقة. أنها تحتاج أن تشكر الله. لكن أولًا. نظرت إلى غرفة والدها وتوجهت إليها. جثت بجوار سريره تنظر إليه بابتسامة صادقة وحقيقية. ابتسامة غابت عنها منذ سنوات. يراها الآن بوضوح. ابنته تحب بيبرس هذا واضح. تفتقد إلى الأمان. تحتاج إلى من يسندها في تلك الحياة. وهو قادر على هذا. لقد لمس حبه لها في نظراته الصادقة الموجه إليها بلهفة وشوق. لينتبه من أفكاره على صوتها وهي تقول بصدق وسعادة:

-قالي هيروح يصلي يا بابا. قالي متخافيش ربنا معانا. بيبرس بيتغير. عايز يبقى نظيف. أنا فرحانة أوي أوي. وانحنت تقبل يد والدها وهي تقول برقة: -ربنا يخليك ليا يا حبيبي. هروح أصلي ركعتين شكر لله وأرجعلك على طول. حين انتهت من صلاتها سمعت رنين هاتفها. لتقف سريعًا تلملم أطراف أسدالها تمسك بالهاتف وهي تجيب بلهفة. ليصمت لثوانٍ يستمع إلى صوتها المتلهف له. والسعادة الرنانة به. ليرفرف قلبه بسعادة لا مثيل لها. ابتسم حين قالت:

-طمني بقى عايزة سعادتي تكمل. يقص عليها كل ما حدث دون أن يغفل عن أي جزء. وكانت هي تستمع بوجل وترقب. وفي نهاية حديثه. قال بصدق: -أنا نويت أتوب يا زيزي. وهعمل كل حاجة عشان ربنا يغفرلي ذنوبي كلها. أنا عملت كتير وقتلت الجوكر والباشا وترتر. لكن لو مكنتش عملت كده كانوا هما اللي هيقتلونا يا زيزي. تفتكري ربنا هيقبلني؟ والله كانت نيتي إني أحميكي وأكفر عن ذنبي في حقك.

كانت دموعها تغرق وجهها وهي تستمتع لكل ما قام به من أجلها. أن قتل النفس شيء لا يستهان به. وأن لهدم الكعبة أهون عند الله من قتل النفس. لكن ماذا كان سيفعل؟ إنه كما وصفه بالتحديد. إن لم يقتلهم لكانوا قتلوه وأصبحت هي تحت رحمتهم وكانت وقعت إلى الأبد في وحل لا طهارة لها منه. عاد من أفكاره حين سمع صوتها وهي تقول ببعض الغضب: -هو أنت واقف كده ليه؟ ولا عاجباك البنات وهي رايحة وجاية قدامك؟ ليبتسم وهو ينظر إليها بحب وقال بصدق:

-أنتِ عارفة كويس أوي إن مفيش واحدة غيرك تملى عيني وقلبي. وبعدين أنا كنت سرحان بفتكر اللي فات. ليرتسم على وجهها ابتسامة رقيقة وهي تقول: -مين كان يقول إن ربنا يكرمنا الكرم ده كله. تمتموا بالحمد لله وهم يتذكران ما مضى بابتسامة رضى رغم الألم.

يوم الخميس وبعد صلاة الظهر بدأ بيبرس وبعض رجال الحي بتجهيز شادر كتب كتاب زيزي وبيبرس. اليوم وأمام الجميع سوف يرفع شأنها وسط الجميع. سوف يكيد الأعداء ويفرح قلبها في كل لحظة بهذا اليوم. وها هو يعلق بيديه كل الأضواء التي سوف تضيء ليلتهم اليوم. وكل من يمر عليه يحيه ويباركه والنساء تتهامس على العريس الذي يعلق "كهرب" فرحة بيده. وكل هذا لم ينسى تلك الهدية الكبيرة التي أحضرها لزيزي اليوم. فستان عرس مميز. وكل الأغراض التي ستحتاج إليها. والأكثر فتاة متخصصة من مركز التجميل حتى تزينها وتدللها. وتكون اليوم في أبهى صورها.

لكن وسط كل هذا كان هناك عيون حاقدة تشاهد ما يحدث بغل وكره. تنظر إلى ما بين يديها وابتسامة شر واضحة ترتسم على محياها الذي تحول من جمال بريء إلى وجه قميء.

تركت نافذتها وتوجهت إلى خزانتها تخرج تلك العباءة الملونة ووضعت وشاحها فوق رأسها وتوجهت إلى بيت صديقتها القديمة وعدوتها اللدودة وهي ترسم ابتسامة واسعة. وعند باب بيت زيزي بدأت تزغرط بسعادة واضحة للجميع. صعدت إلى الأعلى والزغاريط التي تطلقها تردها بعض نساء الحي والفتايات الموجودات في البيت يساعدون زيزي ويرتبون البيت ويجعلوه جاهزًا لاستقبال العريس المنتظر. ظلت تدور بعينيها في المكان وهي تفكر. لماذا؟

سؤال كان يؤرقها طوال حياتها ولا تجد له إجابة. ما الفرق بينها وبين زيزي؟ ما الذي يميزها ويجعلها دائمًا تتفوق عليها؟ لماذا يتحقق لزيزي كل ما تمنته هي لنفسها وكأن قدرها قد كتب لزيزي ولم يتبقى لها سوى الفتات وفقط. تأكدت أن كل الفتيات مشغولان ويعملون بجد واجتهاد. اقتربت من غرفة زيزي وفتحت الباب وهي تبتسم بسعادة كبيرة. قائلة بمبالغة: -ألف مبروك يا صاحبة عمري ألف مبروك يا حبيبتي. تستاهلي كل خير والله.

نظرت لها زيزي عبر المرآة وهي تقول بهدوء حذر رغم الابتسامة الصادقة على وجهها: -الله يبارك فيكي يا حنان. عقبال ليلتك يا حبيبتي. اقتربت منها وضمتها بقوة وهي تربت على ظهرها ببعض الخشونة وأكملت قائلة: -أحلى عروسة في الدنيا والله. يا بخت بيبرس بيكي. تقول زيزي بسعادة وخجل: -يا بختي أنا بيه. تقول الفتاة التي كانت تقوم بتزيين زيزي: -لو سمحتي يا آنسة بس عشان أخلص شغلي أنا متأخرة أساسًا. لتبتعد حنان قليلاً وهي تقول

بابتسامة واسعة مبالغ فيها: -آه يا حبيبتي ومالو. معلش بقى أصل فرحتي بصاحبة عمري متتوصفش.

وقفت بجوار الكرسي الخاص بزيزي تتابع ما يحدث أمامها عن كثب. وفي لحظة غادر الفتاة حتى تحضر بعض الأغراض من الخارج. وكل شيء تحول في لحظة من زغاريط فرح وسعادة ليرتفع صوت صراخ زيزي الذي جعل بيبرس يترك ما بين يديه ليسقط أرضًا مهشمًا وصعد إلى الأعلى ساقية تسابق الريح. ليجد الفتيات مجتمعات أمام باب غرفة زيزي التي مازالت تصرخ. ليخترق ذلك الجمع دون مراعاة لأي شيء ليجدها ممدة أرضًا تخبئ وجهها بكفيها والفستان من أول الكتف قد اختفى تمامًا وأثر حرق كبير يحتل مكانه. ليسقط قلبه أسفل قدميه والصورة بالكامل تتضح أمامه. لقد خسر.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...