الفصل 21 | من 34 فصل

رواية أو أشد قسوة الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم سارة مجدي

المشاهدات
22
كلمة
6,364
وقت القراءة
32 د
التقدم في الرواية 62%
حجم الخط: 18

وصل الجميع إلى بيت سليمة.. في أبهى صور كان الجميع يتزين، فاليوم يوم مميز، أن أدهم من وهب حياته لعائلته يقع أخيراً في الغرام والحب، واليوم خطبته على من سكنت قلبه، خاصة بعد اكتشافهم لمرضه، ومقابلتهم للشخصية الأخرى في الكثير من المواقف ومعرفتهم بكم المعاناة التي يعيش فيها.

شُكران ليست راضية أن تكون خطبة حفيدها الأكبر وكبير عائلة الخشاب بسيطة هكذا.. لكن سعادة أدهم الواضحة على ملامحه تجعلها تقبل وترضى، ويرفرف قلبها من كثرة السعادة، خاصة وهي تشعر أنه يدبر لشيء ما، فهذه هي المرة الأولى الذي تسير خلفه سيارات حراسة، ست سيارات بمراكات عالمية، إحداهن مزينة بشرائط ملونة وزهور بيضاء رقيقة.. تصطف أسفل بيت سليمة المزين الآن بزينات الأفراح والإضاءات المختلفة، بعد أن ملئوا عنان السماء بأصوات البوق دليل على وصول العريس.. وصوت الزغاريط الذي يصدر من شرفات البيوت المجاورة لتزيد الأمر بهجة وسعادة.

وقف الحج يونس على باب البيت يرحب بهم ويستقبلهم بابتسامة بشوشة، وجواره بعض رجال عائلته.. حين دخلو جميعاً وجدوا صالة البيت قد خلت تماماً من أثاث البيت.. وأصبح هناك عدة طاولات صغيرة فوقها مفرش أبيض وعليه باقة صغيرة من الزهور.. وحول كل طاولة أربع كراسي مزينين بالساتان الأبيض.. وفي إحدى الجوانب وضع كرسيان مختلفان في الشكل للعروسين، والحائط من خلفهم مزين بالأزهار والشرائط الملونة.. كان أدهم يشعر بالسعادة وهو يرى كل هذا، وزاد هذا من سعادة شُكران، التي ربتت على

كتف حفيدها وهي تقول برضى: "مبارك يا حبيبي." لينحني يقبل يدها باحترام وحب وهو يرد على مباركتها بامتنان.. اقترب عبدالله يناغش أدهم قائلاً: "طبعاً كل ده بالنسبة ليك فلكلور يا ابن الأكابر." لينظر له أدهم بغضب مصطنع ليقول عدنان ببشاشة: "أحلى فلكلور والله.. مافيش أحلى من البساطة.. وبصراحة ما شاء الله البيت بقى ولا أجمل قاعة أفراح." يومأ أدهم بنعم وهو يقول موضحاً:

"أنا مش فارق معايا الخطوبة هنا ولا في أفخر أوتيلات البلد.. اللي يهمني سليمة وأنها النهاردة تكون سعيدة وفرحانة وراضية." ليطلق عدنان صفيرًا بصوت عالٍ وهو يقول بمرح: "البوب وقع ولا حد سمع عليه.. صحيح الحب بهدلة." كانت لبنى تتابع كل ما يحدث بانبهار وعدم تصديق.. إذا كانت تعتقد إنها تعرف زوجها جيداً فاليوم تكتشف به أحد الجوانب التي لم تراها سابقاً.

كانت ظلال ترتسم على وجهها ابتسامة رقيقة سعيدة ويدها بيد خطيبها.. تنظر لكل ما حولها بعيون مختلفة.. أن البساطة أحياناً تكون خاطفة للعيون ومريحة للقلب دون تكلف ومبالغة.. لكن مراد كان متحفظ بعض الشيء.. يشعر بالخوف من أن يتعرف أحد عليه.. فلا يعلم لماذا يشعر بهذا القلق إذا كان رجل الصناعة ابن الخشاب الابتسامة والثقة لا تفارقه.. وهو من خطب من هذا الحي الشعبي البسيط.. وغداً سيكون هذا الخبر بالبنط العريض في كل الجرائد والمجلات.

خرجت فاطمة من إحدى الغرف ترتدي فستاناً من الأزرق الغامق.. يزينه بعض الفصوص الفضية وحجاب فضي مميز يزين وجهها.. ترحب بهم ببشاشة وسعادة.. وأقتربت من شُكران تقبلها وتأخذ بيدها حتى تجلسها على أريكة صغيرة قريبة من الطاولة التي يجلس عليها كل من عدنان وظلال ومراد. وحين جلست قالت لها فاطمة بحب: "أنا جبتلك الكرسي ده مخصوص علشان تقعدي عليه براحتك وميتعبش ظهرك ورجلك." لتربت شُكران على يد فاطمة بمحبة وقالت بصدق:

"كلك ذوق يا أم سليمة.. ألف مبارك علينا نسبكم." بسعادة بالغة قبلت فاطمة كتف شُكران غير قادرة عن التعبير عن سعادتها بتلك الجملة. يتابع أدهم ما يحدث وهو يشعر بالسعادة حقاً.. سليمة بقلبها الكبير وصدقها ملكت قلبه.. وعائلتها بأصلهم الطيب وطيبة قلبهم ملكوا قلوب عائلته.. هو لا يريد أكثر من هذا.. عائلة حقيقية تحاوطه بحب صادق ونابع من القلب.

جلس عبدالله ولبنى وأولادهم على الطاولة المجاورة لطاولة عدنان يداعب وجنة ابنته بمشاغبة.. ويهمس لابنه أن يستعد للرقص والاحتفال.. ويغمز لزوجته بمرح ويهمس بجوار أذنها بشيء لتنظر له بلوم مع ابتسامة خجل.. وبعد قليل حضر بعض من أفراد عائلة سليمة.. وتم التعارف بينهم وبين العريس وأهله. كانت الأجواء يملؤها الصدق والحب الصادق فقط دون مبالغة أو تكلف.. أو مجاملات ومصالح. بعد قليل أخذ أدهم الحاج يونس جانبًا وقال بطريقة مباشرة:

"أنا عايز أكتب الكتاب يا حج يونس." لترتسم الدهشة والصدمة على ملامح الحج يونس ليكمل أدهم كلماته موضحاً:

"بصراحة كده أنا بحب سليمة ومش هقدر أبعد عنها.. وبكل صراحة عايز أطمن إنها بقت مراتي.. وأصلاً إحنا مش هنطول في فترة الخطوبة.. أنا بدأت أجهز الدور الثاني في القصر علشان يكون خاص بيا أنا وسليمة.. وهيكون جاهز إن شاء الله خلال ثلاث شهور بالكثير.. فعلشان نكون على حريتنا أنا وهي ونقدر نشتري الحاجات ونتحرك براحتنا وهي تقدر تعمل كل اللي نفسها فيه في الجناح.. وحضرتك تكون مطمئن." ظل الحج يونس صامتاً لعدة لحظات ثم قال:

"يا ابني الناس كلها عارفة أن دي خطوبة بس.. وكتب الكتاب يعني إشهار." ليبتسم أدهم بشقاوة وهو يقول مقاطعاً لكلمات الحج يونس: "يعني هي دي حجة حضرتك ومفيش اعتراض تاني؟ خلال عشر دقايق المأذون هيكون موجود وميكروفون متركب على الشباك علشان الإشهار وكتب الكتاب هيكون على عينك يا تاجر." وتركه واقفاً في مكانه وخرج وهو يضع الهاتف على أذنه قائلاً: "يلا دلوقتى."

وخلال ربع ساعة كان المأذون يجلس في صالة بيت سليمة.. التي تنظر الآن لوالدها بصدمة وهو يخبرها بقرار أدهم المفاجئ.. تشعر بالسعادة.. الصدمة.. الخوف.. لكنها تبتسم كالبلهاء.. ليضمها والدها بحب وهو يقول: "مبارك يا حبيبتي.. مبارك.. أدهم بيحبك بجد.. حبه باين في عينيه.. وده مطمني عليك."

تومأ بنعم وهي تخبئ وجهها في صدر والدها الذي يضمها بقوة حانية.. فصغيرته.. وحيدته سوف تتزوج.. كبرت وسوف تغادر بيته لتسكن بيت شخص آخر يأخذها بكلمة الله.. لتنير بيته وحياته.. وبعدها يكون هناك الكثير من النسخ المصغرة منها. وخلال لحظات كان قد تم عقد القران وعلى صوت المأذون الذي يصل للقاصي والداني في الحي وهو يقول "بارك الله لهما وبارك عليهما وجمع بينها في خير".

لتنهال المباركات على الثنائي المميز.. وصوت الزغاريط الذي يدل على السعادة والفرح ليس داخل البيت فقط ولكن على طول الشارع.. فالجميع يحب الحج يونس وفاطمة ويعتبرون سليمة ابنتهم.. وزادت البهجة حين بدأ رجال أدهم الذين يقفون أسفل البيت يوزعون العصائر على المارة بسعادة وابتهاج.

وفي وسط كل هذا كانت نظرات سليمة الخجلة تعانق نظرات أدهم السعيدة.. حين كان يردد الكلمات خلف المأذون كان قلبه يرفرف بسعادة.. ها هي سوف تصبح زوجته.. لحظات لحظات فقط وأنتهت كلمات المأذون وأعلنهم زوجين أمام الله والناس.. ليركض إليها يضمها إلى صدره بقوة.. يمرغ وجهه بين طيات حجابها يريد أن يشعر بكل بها بكل كيانه.. لكن ارتفاع صوت الأغاني وبدء عدنان وعبدالله في الرقص بسعادة جعله يبتعد عنها رغمًا عنه.. لكنه لم يبتعد بل ظل ممسك

بيدها بين يديه وهم يستقبلون التهاني.. يقف عدنان أمام عبدالله يتمايل بحركات راقصة شبابية مميزة.. فكانت لبنى لأول مرة ترى زوجها في هذه الحالة.. وبدأ إياد يقلد والده في الحركات.. حتى أن مراد تحمس ووقف يحاول تقليد بعض الحركات وسط الشباب الذي يشارك عدنان وعبدالله الرقص.

كل هذا لم يكن يلفت انتباه أدهم رغم أنه يتابعهم بعينيه.. فعقله وروحه منذ اللحظة الأولى كانت مع من ملكت روحه وأصبحت زوجته.. لم تستطع عينه المقاومة أكثر.. فنظر لها أصبح لا يرى سواها.. برقتها التي تخطف نبضات قلبه دون مجهود.. بفستانها الذهبي الباهت.. الذي يظهر رقتها وصغر حجمها.. ويجعلها لا تبدو أكثر من أميرة غادرت كتاب الحواديت الآن.. كانت تشعر بالخجل من تأمله لها.. ويده التي تمسك يدها وكأنه يخشى أن تختفي أو تتركه وترحل.. لكن السؤال الذي يشغل عقلها تريد أن تفهم السبب.. رفعت

عينيها إليه وقالت بخجل: "ليه؟ ليقطب جبينه رغم الابتسامة العريضة التي تزين شفتيه.. هو يفهم سؤالها غير المنطوق.. فأجابها بهدوء: "علشان مسمحلكيش تبعدي عني.. أنا واحد مريض عندي شخصية تانية مشاغبة ومتعبة.. وخايف تغيري رأيك وتفسخي الخطوبة.. لكن لو السما انطبقت على الأرض ولو مهما ثامر عمل ملكيش مهرب مني.. انتِ كل حياتي ولو سبتيني هموت."

لتضحك بسعادة وهي تنظر له بخجل وحب.. حب كبير تتمنى أن يشعر به ويراه.. كان الحفل مميز ويخطف القلوب من رقته وجماله.. والبساطة جعلت كل شيء مميز والجميع سعيد.. حتى حين أخرجت شُكران العلبة المخملية التي تضم شبكة سليمة.. كانت حقاً رقيقة ومميزة.. أسوارة من السوليتير وخاتم نفس الشكل والحلق أيضاً.. وسلسال صغير نهايته قلب ماسي لامع يخطف الأنظار.. والدبلة من الذهب الأبيض مزينة ببعض الفصوص من الألماظ الحر.. شبكة تليق بابن عائلة الخشاب.. ورقيقة كالعروس.

بعد أن أغلق السلسال حول عنقها وضع الأسوارة في معصمها والبسها خاتمها والحلقة الذهبية.. وانحنى يقبل يدها بحب وهو يقول: "مبروك عليا إنكِ بقيتي مراتي.. مبروك عليا وجودك في حياتي.. مبارك عليا أنتِ يا سليمة." الخجل جعلها لا تستطيع الرد على كلماته التي لمست قلبها.. وجعلت روحها تسبح بين تيارات الحب المنعشة بحرية وانطلاق.

وبيد مرتعشة ألبسته خاتمه ليعود ويقبل يدها من جديد.. وبمشاغبة من عدنان وقفا الاثنان في منتصف الصالة في رقصة تجمع العروسين وحولهم كل من يحبهم بصدق يدورون ويصفقون.. والحج يونس يقف في أحد الأركان تتجمع دموع السعادة في عينيه.. وفاطمة لا يتوقف لسانها عن الدعاء لله أن يحمي ابنتها وزوجها من العين والحسد. توقف الزمن في تلك اللحظة التي وجدها ممدة أرضاً تصرخ بصوت عالٍ.. هل سيتحول الحفل الذي أراد فيه إسعادها لحزن وألم؟

هل مازال هناك ألم جديد وحساب عليهم دفعه؟ كانت حنان تقف في أحد أركان الغرفة تنظر لجسد زيزي الممد أرضاً تستمع لصوت صرخاتها وعلى وجهها ابتسامة مرتعشة.. ونظراتها بين الانتصار والخوف خاصة والأصوات البعيدة تأتي إليها كأنها حلم.. من يصرخ طلباً للإسعاف.. وهناك من يطلب الشرطة.. لمن الشرطة؟ لها هي.. لماذا؟ ماذا فعلت؟

هي فقط كانت تأخذ حقها ممن أخذت كل شيء لنفسها.. الجمال.. الأدب.. حب الناس.. وقلب بيبرس.. منذ سنوات وسنوات كان بيبرس هو حلمها الكبير.. لكن بسبب عمله والدها كان دائماً يتحدث عنه أنه فاسد ولن يجد من يقبل بأن يزوجه ابنته.. فهمت أنه لن يكون لها يوماً.. فوالدها لن يقبل به.. لذلك قبلت بذلك العريس الذي تقدم لها.. لكن أن يصبح بيبرس لزيزي.. أن يحبها.. أن يعطيها ما كان من حقها.. قلبه.. هي لن تقبل أبداً.. هو لها فقط.. والآن سوف يبتعد عن زيزي.. لقد شوهتها ولم تعد جميلة.. الآن سيتركها.. لتضحك بصوت عالٍ جعل الجميع ينظر إليها باندهاش وصدمة واحتقار.. رافضين ما قامت به.

وبعالم آخر كان هو جاثياً بجانبها لكنه بوادٍ آخر.. هل هذا هو عقاب الله له؟ أن يحرمه منها ويخسر كل شيء.. لماذا؟ هل هذا العقاب الذي يستحقه بعد توبته؟ مؤكد لا.. إن الله رحمن رحيم قابل التوبة.. غفور ومؤكد يعلم صدق توبته.. لكن لماذا الآن.. لماذا؟

صوت بعض الناس من حوله يحاولون إبعاده عن جسدها حتى يقوم رجال الإسعاف بعملهم.. لكنه كان في قاع بئر سحيق يبتلعه لا يستطيع أن يرى النور أو يجد مخرجاً له.. وبقوة أبعده أحد الرجال.. ليقترب رجال الإسعاف يحملون جسد زيزي على السرير النقال.. وبدأ أحدهم في عمل الإسعافات الأولية لها.. وبدأوا في حملها وغادروا سريعاً.. لينتبه بيبرس لابتعادها.. ليركض خلفهم.. ورغم ضخامة جسده إلا أنه حشر نفسه داخل السيارة ينظر إليها وهي فاقدة للوعي.. وطبيب الإسعاف يكمل عمل الإسعافات الأولية.

كان الحديث دائراً بين رجلي الإسعاف أن الحالة ليست خطيرة.. لكن هو كان بعالم آخر.. ينظر لفستانها الأبيض التي أكله الأسيد.. ويتخيل شكل جسدها وما حدث به بسبب تلك المادة الحارقة.

دموع عينيه تسيل فوق وجنته.. ولسانه لا يتوقف عن الدعاء.. بحياته وبطول سنينها لم يقم بفعل مشابه.. لم يذكر الله ويرجوه شفاء شخص.. أو أن يترفق بقلبه ويرحمه من هذا الألم الحاد.. لكنه ظل يقول بكلمات غير مرتبة "أحميها يارب.. اشفيها يارب.. لو ده عقاب ليا أنا هي ملهاش ذنب.. أنا الشيطان اللي يستاهل ينطرد من جنتك ونعيمك.. لكن هي بريئة طاهرة.. نظيفة يارب.. أنا اللي كنت عايز أوسخها.. لو ده كله علشان قربي منها أبعد بس هي تكون بخير يارب.. يارب.. يارب".

وظل يردد كلمة يارب طوال الطريق.. يارب كلمة توسل لخالقه يتقرب بها إلى الله لعله يرحمه ويرحمها.. كلمة تحمل كل ما بداخل قلبه ولا يعرفه ويشعر به إلا الله.. هو موقن أن الله رحيم غفور.. لكن كبر ذنبه.. بعده عن الله طوال حياته يجعله يشعر بالخوف.. خائف من غضب الله.. خائف من عقابه.. موقن برحمته.. يرجو غفرانه.

وصلوا المستشفى أخيراً ومباشرة دخلوا بها إلى غرفة الطوارئ وأغلق الباب في وجهه حتى أنه لم يعرف أنهم أخذوها إلى غرفة العمليات.. لم تعد قدماه تحملانه ليجثو على ركبتيه أمام الباب ينظر إليه بضياع وتشتت.. رفع يده ووضعها على الباب وهو يقول: "يارب تبقي بخير يا ست البنات.. يارب تبقي بخير يا ست زيزي." وأحنى رأسه يبكي بقهر وقله حيلة.

بعد مرور أكثر من ساعة كان يجلس هو أرضاً بجوار باب الغرفة التي تضمها ولا يعرف عنها شيء.. حين لمح الطبيب يقترب منه وقف سريعاً ينظر إليه بصمت ورجاء.. لا يسعفه صوته الذي حشر في حنجرته على النطق والسؤال عن حالها.. ليشفق الطبيب على حاله وقال مباشرة: "الحمد لله الحالة كويسة.. الأسيد اللي اترمي عليها من نوع ردي جداً.. ف على ما حرق طبقات الفستان والملابس اللي تحته.. تأثيره على الجلد كان ضعيف ده غير أنه نوعه سيء فمفعوله أقل."

ليفتح بيبرس فمه وبشق الأنفس نطق سؤاله: "يعني إيه؟ مش فاهملي." ليقول الطبيب ببعض التوضيح: "المنطقة اللي اتشوّهت هي منطقة الكتف من فوق وجزء صغير من الذراع.. والتشوه مش كبير.. أنا هكتبلها مجموعة مراهم لازم تواظب على استخدامهم وان شاء الله هتكون بخير.. وبعدين عمليات التجميل دلوقتي تقدر تشيل كل ده ببساطة وترجع أحسن من الأول.. بس أكيد مش دلوقتي خالص." "يعني هي كويسة.. وشها؟

سأله بيبرس بعدم فهم وإدراك.. فصدمته حين رآها ممدة أرضاً فستانها قد احترق.. وصوت صراخها الذي مازال داخل أذنيه ويدها التي تغطي وجهها يجعله في حاله عدم توازن.. ليقول الطبيب بصبر: "وشها كويس.. الأسيد وقع على كتفها بس.. ألف حمد الله على سلامتها."

وتركه وغادر.. ليجد نفسه وبدون لحظة تفكير يسجد لله شكراً.. وكل المارة ينظرون له باندهاش.. لكنه لم يهتم ولم يكن مدركاً لأي شيء.. ظل يبكي لبضع لحظات يحاول تمالك نفسه قبل أن يدخل لها.. وبعد بضع لحظات توجه إلى غرفتها.. فتح بابها ودخل بهدوء.. الموقف مشابه لموقف حدث منذ فترة.. حين أجرت جراحة الزائدة الدودية.. دخل إلى الغرفة وكانت أيضاً تنظر في اتجاه النافذة.. تنظر إلى السماء عبرها ومؤكد تبكي.. لكن في ذلك اليوم ظلت صامتة.. اليوم فاجئته

وهي تقول قبل أن تراه: "أنا فهمت الرسالة.. وقابلة عقاب ربنا." لم يفهم مقصدها من الحديث.. لكن ألمه قلبه وهو يظنها تقصد به هو بذلك العقاب.. وقبل أن يقول أي شيء صدمته وهي تكمل:

"الجسم ده اللي ربنا أمرني إنه مينكشفش على حد أنا كشفته وعريته لأي حد.. وكنت مبسوطة بنظرات الإعجاب والرغبة والشهوة اللي كانت جوة عيونهم.. كنت بحس بيها كده إني نجحت.. خصوصاً وهما بيدفعوا ثمن نظرتهم لجسمي بالنقطة اللي كانت بتترمي عليا.. فربنا شوهه.. قالي أهو الجسم اللي كنتي فرحانة بيه في لحظة بقى حتة لحمة محروقة وكل اللي هيشوفها هيشمئز منها.. قالي شوفي نار الدنيا بتوجع إزاي ما بالك بقى بناري في الآخرة."

مع آخر كلماتها كان يجلس جوارها على السرير ينظر لتلك الضماضة الكبيرة التي تغطي كتفها بالكامل وجزء من ذراعها وقال بصوت مختنق: "وأنا اللي كنت السبب إنكِ تكشفي جسمك ده للناس.. يا ترى عقابي هيكون إيه؟ نظرت له بانتباه لكلماته وظهر التفكير على ملامحها.. لكنها ابتسمت ابتسامة صغيرة وهي تقول:

"بسم الله الرحمن الرحيم "وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۗ إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ ۚ وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ ۚ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (18)

" صدق الله العظيم".. محدش هيتحاسب عن ذنوب حد.. أنت أذنبت لما ساعدتني أشتغل هناك.. لكن مأجبرتنيش.. أنا اللي طلبت منك واترجيتك.. أنا شايلة وزري وانت شايل وزرك.. ولازم نتوب عنه ونستغفر.. والله غفور رحيم." انحنى يقبل ظهر يدها المستريحة فوق السرير وقال بسعادة حقيقية: "حمد الله على السلامة يا ست البنات." على صوت ضحكتها انتبه من أفكاره لتقترب منه وهي تقول: "افتكرت اللي حنان عملته فيا يوم كتب كتابنا."

يومئ بنعم.. لتضع يدها فوق كتفها المشوهه وقالت بصدق: "رغم إني مش قادرة أسامحها.. لكن كمان من كل قلبي بشكرها.. الحرق ده بيفكرني بذنبي كل شوية وبيخليني ديما أفتكر ذنبي القديم وأرجع أتوب عنه وأستغفر.. ويثبت رجلي على طريق الحق طريق ربنا." وضع يده فوق يدها وقال من الآيات التي بدأ يحفظها:

"بسم الله الرحمن الرحيم "وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ ۖ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ۖ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ۖ وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (43) " ربنا يثبتنا يا زيزي." "يارب يا قلبي زيزي." واقتربت منه أكثر وهي تقول بدلال:

"فاكر أنت عملت إيه بعد ما خرجت من المستشفى." ليضحك بخجل رجولي وهو يومئ بنعم. ليعودوا معاً لذكرى ذلك اليوم وما حدث لهم بعده.

بعد يومان من الحادث كان الطبيب قد طمئن بيبرس على حالة زيزي.. وبإصرار منه قرر هو خروجها.. ف يوم الحادث اتصل برجال الحي وطلب منهم أن يتركوا كل شيء كما هو ويكملوا ما بقى من عمل.. فعرسهم سيقام خلال يومين.. وقد كان.. أخذها من المستشفى إلى إحدى صالونات التجميل.. وهناك وجدت كل شيء مجهز ومعد لها.. وبرفق كان الجميع يتعامل معها وكأنها دمية مدللة.. وكل هذا بسبب الجرح الموجود في كتفها.. كانت سعيدة بكل ما يحدث معها من اهتمام ورعاية ودلال.. فهناك من تهتم ببشرة وجهها وفتاتان كل تمسك يد وتقوم بالكثير من الأشياء بها.. وكذلك قدميها.. فتوصيات بيبرس التي يقوم بها الجميع بكل طاعة والتزام هي أن تكون ملكة متوجة.

وبعد عدة ساعات كان ينتظرها بالخارج بأسطول من السيارات السوداء المزينة.. وقف أمام باب صالون التجميل بهيئته التي تخطف الأنفاس بحلته السوداء وأسفلها قميص أسود أزراره الأولى محلولة فزادت هيئته خشونة وفوضوية محببة لعينها التي تتأمله الآن بحب كبير.. وكان هو الآخر يتأملها بعيون العاشق بفستانها الذي يحدد جسدها برقة ونعومة.. ومن أسفل صدرها ينحدر باتساع بسيط حتى الأرض.. وطرحتها فوق رأسها تنافس بياضها سواد خصلاتها الناعمة وتمتد

خلفها على الأرض.. مد يده لها فوضعت يدها الصغيرة في حضن يديه ونزلت درجات السلم بهدوء.. وحين وصلت إلى الدرجة الأخيرة اقترب منها يقبل جبينها بحب والعيون تقول الكثير من الكلام لكن الألسن لم تنطق بحرف.. لكن القلوب شعرت.. نزلت الدرج الأخير لتصدم من عدد السيارات التي تقف أمام صالون التجميل.. مزينة جميعها ببعض الورود.. لكن السيارة الخاصة بهم بها الكثير من الورود بيت الأبيض والأحمر وباقة كبيرة على مقدمة السيارة من نفس

الألوان.. وباقة مشابهة على مؤخرة السيارة.. وكل سيارة يقف بجوارها رجل ضخم الجثة وبعض أهل الحي.. شباب وفتيات وبعض من الرجال أصدقاء والدها وزوجاتهم في تقليد في تلك الأماكن الشعبية أن يحضر الكثير من الناس لإحضار العروس من صالون التجميل.. وبعد أن ساروا خطوتين فقط.. ظهرت من العدم فرقة موسيقية تعزف النغمات والأغاني الشعبية المعروفة.. وبدأت تلك الكتل العضلية وبعض الشباب في الرقص بحركات مميزة أمامهم.. لينظر لها بيبرس بابتسامة

صغيرة وهمس بجوار أذنها بشيء ما لتبتسم بخجل وعيونها تخبره كم هي سعيدة.. مرتاحة.

بالقليل من الوقت كانوا داخل السيارات متجهين إلى حيهم.. وهناك كان في انتظارهم فرقة أخرى تسير أمام سيارتهم.. تجعل حركة السيارة بطيئة وعلى الصفين أهل الحارة يباركون ويطلقون الزغاريط.. لكم ما لم تكن تتوقعه أن تترجل من السيارة لتجد والدها أمامها.. يجلس على كرسي متحرك ويرتدي حلة سوداء مميزة.. ينظر لها بابتسامة سعيدة ودموع السعادة تتلألأ داخل عينيه.. لتقترب منه سريعاً تضمه بسعادة وعدم تصديق.. اليوم فرحتها اكتملت.. اليوم عرسها ووالدها معها بجوارها يفرح بها.. ومعها.

وبعد لحظات كثيرة ظلت هي جاثية فيها أمام كرسي والدها.. قال أحد رجال الحي: "حنان اتقبض عليها.. واعترفت إنها كانت عايزة تشوهك وأبوها وأمها سابوا الحارة ومشوا." ارتسم الحزن على ملامحها لبضع لحظات.. لكنه لن يسمح بهذا.. اليوم لها.. لن يقبل أن يرتسم الحزن بهذا الشكل في عينيها وأن تختفي ابتسامته.. ليقترب منها وقال بأمر:

"اللي حصل خلاص عدى وخلص والنهاردة ليلتك.. ليلتنا يا زيزي.. مفيش النهاردة غير فرح وسعادة وبس.. ولا إيه رأيك يا ست البنات؟ أومأت بنعم وهي تقف على قدميها جواره.. ليدفع هو كرسي الأستاذ حليم حتى وصلوا إلى الطاولة الكبيرة المزينة بالساتان الأبيض والزهور الحمراء.. الموجودة في منتصف الشادر.. ويجلس في منتصفها المأذون. وبعد لحظات قال المأذون وأهل الحي تردد من خلفه "بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكم في خير". ليضمها إلى

صدره وهو يهمس بجوار أذنها: "الحمد لله.. الحمد لله.. وعد قدام ربنا أصونك وأحميكي وأشيلك فوق راسي." لتنحدر دمعة واحدة من عينيها.. دمعة فرح وسعادة.. أين كانت؟ وأين أصبحت؟ وكل شيء بقدر.

ابتعد عنها لتقترب هي من والدها تقبل يديه وجبينه.. وفعل بيبرس بالمثل.. لتبدأ فقرات الحفل التي لم تنته إلا قبل أذان الفجر بنصف ساعة فقط.. ليعيد الأستاذ حليم إلى البيت.. وحمله وصعد بها إلى بيتهم كتقليد لبدء حياتهم الجديدة معاً وأن يحملها طوال حياته.. وبعد لحظات نزل من جديد ليصلي الفجر جماعة في المسجد ويعود سريعاً لعروسه.. وسط اندهاش وتعجب أهل الحي جميعاً من هذا التغير الكبير الذي حدث له.. رغم خوفهم منه ونظراته التي تجعل الرعب يسكن قلب أكبر الرجال.. لكن ما يحدث حقاً معجزة بكل ما للكلمة من معنى.

حين صعد إليها كانت قد بدلت لوالدها ملابسه وأطعمته وأخذ دوائه ونام.. وجلست هي تنتظره حتى يعود بفستانها.. لو سألها أحدهم ما أكثر شيء قد لمس قلبك وأسعدك في هذا اليوم المميز الجميل.. ل قالت تركه لها وذهابه لصلاة الفجر في المسجد.. إنها تنتظره الآن حتى تصلي الفجر خلفه.. وليصليه هو مرة أخرى.. لحظات وكان يملأ فراغ الغرفة بجسده الضخم لتقول هي سريعاً: "عايزة أصلي وراك." ظهر التوتر على ملامحه.. لكنها قالت له برفق:

"عايزين نتفق من النهاردة.. إن أي صلاة وانت موجود في البيت هنصليها سوا.. ماشي." ابتسم لها وقبل جبينها وهو يقول بسعادة: "ماشي." ورغم توتره وقلقه.. ف هذه المرة الأولى التي يكون فيها إمام.. لكن هي كانت في قمة سعادتها.. وهي الآن تقف بين يدي الله خلف زوجها وحبيب عمرها الذي عاد إلى الله أخيراً.. وكانت هي أحد الأسباب.

بعد شهر.. يجلس معها على طاولة الطعام.. الهم.. يرسم على ملامحه.. لا أحد يقبل به ويريده في أي وظيفة.. هو لم يحصل على تعليم ولا يستطيع القراءة والكتابة.. وضعت أمامه الطعام وجلست جواره وهي تقول باستفهام: "مالك بس يا بيبرس.. طول بالك.. طريق الحلال صعب صحيح.. لكن إن شاء الله جبر ربنا ليك ملوش حدود." تنهد بتثاقل وقال بهدوء رغم كل شيء:

"عارف يا زيزي.. لكن مش هينفع نفضل عايشين كده من معاش أبوكي وبس.. بعد ما تبرعنا بكل الفلوس اللي أخدتها من الجوكر." "أكيد مش هناكل بفلوس حرام واحنا بندور على رضا ربنا يا بيبرس." قالت موضحة ومؤكدة على كل حرف.. ليضع يده الحرة فوق يدها التي تمسك بها يده الأخرى.. وقال بصدق وإيمان: "عارف وفاهم ومنقشتش في الموضوع.. أول ما فتحتيه معايا ونفذت فوراً.. بس أنا بفكر معاكي بصوت عالي."

ظلت صامتة لبضع لحظات بعد أن انحنت تقبل يده بحب ودعم.. لتلمع عينيها بفكرة.. ابتسمت وهي تقول: "أنا لقيت الحل." نظر لها باهتمام لتقول هي بحماس: "إحنا نبيع البيت ده.. وبيتك.. وبالفلوس نشتري شقة حلوة.. ونفتح مطعم أو كوفي شوب.. أنا أكون مسؤولة عن المطبخ.. وأنت الإدارة وشغل الصالة.. إيه رأيك؟ لمعت عينيه بإعجاب شديد ورفع ذراعه يحاوط كتفها وهو يقول بإعجاب: "فكرة تجنن وهنفذ من دلوقتي." وغادر طاولة الطعام سريعاً لتقول له بلهفة:

"طيب أقعد كل الأول." "بعدين يا زيزي.. بعدين.. لازم أكلم عامر السمسار علشان ننجز في التنفيذ البيع والشرا." وخلال شهر كانوا قد افتتحوا المحل الجديد في نفس البناية التي يقطنون فيها.. مطعم وكوفي شوب "ست البنات".. فأصبح الأمر سهل على زيزي مراعاة والدها ومساعدة زوجها. وضعت يدها على وجنته لتجعله ينتبه لها من أفكاره.. ينظر لها بعشق لتقول له بلؤم: "بطل ذكريات وأطلع شوف الزباين.. عندنا شغل يا بيه." ليبتسم وهو يقول بخضوع

كما تقول لها الفتيات: "أوامرك يا ريسة." وتحرك يضع الأطباق والأكواب على الحامل وغادر المطبخ.. في نفس الوقت التي دلف عاملان آخران يحملان الصحون والأكواب الفارغة ويعاودوا الخروج ومعهم صحون وأكواب مملوءة بالطعام والشراب.

وفي هدوء الليل وعلى درجات السلم الخلفي للبناية التي يقطن بها.. كان ينزل درجات السلم بسرعة.. ليس خوفاً فقط من أن يراه أحد.. أيضاً لكونه يخشى المرتفعات ويشعر بالاختناق وهو ينظر لدرجات السلم صعوداً وهبوطاً.. وهو معروف بين جيرانه أنه لا يغادر بيته ليلاً إلا للضرورة القصوى.. لكن أن يغادر مرتان في الأسبوع وبهذه الطريقة لشيء مريب وسيفتح عليه وابل من الأسئلة.

وقف عند الباب الحديدي الصدئ ينظر في كل الاتجاهات يتأكد من خلو الشارع.. وبخطوات واسعة قطع المسافة بين البوابة والسيارة.. وبحركة سريعة كان يجلس داخل سيارة الأجرة التي تنتظره هنا في نفس المكان كل مرة.. ليتنفس الصعداء والسيارة تغادر الشارع وتخرج للطريق العام.. وحين وصلت السيارة إلى وجهتها.. وبالتحديد عند ذلك الشارع المظلم.. ترجل من السيارة بعد أن تأكد من خلو الشارع.. وبخطوات سريعة غادر السيارة ودلف إلى البناية المقصودة.. ومباشرة لتلك الشقة المفتوحة من أجل استقباله.. وفوق بابها لوحة معدنية كتب عليها "العيادة النفسية".. وأسفل تلك الكلمة اسم الطبيب "د. أكرم".

يقود سيارته يريد أن يختلي بنفسه.. يرثي حالة ووحدته الأبدية.. فبعد أن احتفل بخطبة أدهم وتم كل شيء على أكمل وجه وتكفل مراد بتوصيل جدته وظلال إلى القصر.. قرر هو أن يذهب إلى أي مكان خالٍ تماماً من البشر.

أغلق النوافذ وشغل مكيف السيارة.. ووضع بعض الموسيقى الصاخبة علها تغطي على صخب قلبه وعقله.. ورغم كل هذا لم يكن يقود السيارة بسرعة كبيرة.. لقد تعلم من الحادث الماضي الدرس جيداً ومؤكد لن يعيده مرة أخرى.. فلا يلدغ المؤمن من جحر مرتين.. كان يدندن مع الأغنية وبأصابعه فوق المقود يعزف الألحان.. يحاول أن يعيش لحظته الخاصة.. يتقبل القدر الذي مازال يصفعه.. مازال يخبره وبأقسى الطرق أنه مذنب وعليه التكفير عن ذلك الذنب.. لكن أمله.. وكما قال له أدهم يوماً "على الأقل هترجع لربنا نظيف يا عدنان".. فليتعذب إذاً في الدنيا ولا مشكلة لديه.. وليذهب إلى الله نظيف.. وهذه الأمنية أقصى ما يتمنى.

انعطف يميناً لكنه ضغط على المكابح بكل قوته حين ظهر شبح أسود يركض أمامه.. ظهر من العدم. وبصعوبة كبيرة أوقف السيارة وظل يحدق أمامه بصدمة.. ثم ترجل منها بلهفة وقلق.. ليجد جسداً مكموماً أسفل السيارة.. جثا على إحدى ركبتيه لتظهر ملامح ذلك الشبح على ضوء السيارة.. إنها فتاة لا يستطيع معرفة سنها أو شكلها.. فالمكان مظلم وضوء السيارة مع وضعيتها أرضاً لا تسمح له بذلك.. ليقول بقلق: "أنتِ كويسة؟ بتعملي إيه هنا؟ ظهرتيلي منين؟

كانت تنظر إليه والدموع تغرق وجهها ولا تجيب على أي سؤال.. لكنها تضم جسدها بقوة.. ليقول بخوف حقيقي: "فيه حاجة بتوجع؟ قومي طيب أوديكي المستشفى." لتخفض عيونها قليلاً ثم قالت بصوت مختنق بسبب بكائها: "أنت مخبطنيش.. أنا كويسة." ظل ينظر إليها وإلى جلستها أرضاً.. والدموع التي تغرق وجهها.. ليقول باستفهام: "طيب بتعيطي ليه؟ خوفتي؟ هزت رأسها بلا.. وعلى صوت بكائها وذلك جعله يشعر بقلق.. ليقول من جديد: "طيب مالك؟

تراجع للخلف حين أجفلته وهي ترفع يدها تغطي بها وجهها وهي تبكي بصوت عالٍ.. ليشعر بالصدمة وعدم الفهم.. لكنه ظل صامتاً ينظر إليها ولا يستطيع فعل أي شيء.. لا يعلم إذا كان عليه أن ينتظرها حتى تهدأ أو يهدئها بنفسه؟ هل يتحدث إليها أم يظل صامتاً حتى تتحدث هي؟

لكنهم في منتصف الشارع.. هي تجلس أرضاً أسفل سيارته.. وسيارته متوقفة في منتصف الطريق.. ولكن مع حركتها الخفيفة لاحظ ذلك التمزق في كتف بلوزتها.. لتجحظ عينيه بصدمة وبدأ يتجول بعينيه فوق باقي جسدها.. ليلاحظ اتساخ يديها وبعض الجروح عليها.. وهناك فردة من حذائها مفقودة وحجابها منحصر عن شعرها.. وبعض الشعيرات مشعثة بشكل فوضوي يدل على بعض العنف.. خاصة مع اتساخ وجهها.. ليجد نفسه يقول بصوت غير مفسر:

"من الواضح أن وراكي حكاية كبيرة.. تعالي أوصلك لأي مكان أنتِ عايزاه وتحكيلي يمكن أقدر أساعدك." نظرت إليه بأمل ورجاء وتألمت وهي تعتدل جالسة على ركبتيها وهي تقول بصوت مرتعش ما جعل عين

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...