الفصل 1 | من 34 فصل

رواية أو أشد قسوة الفصل الأول 1 - بقلم سارة مجدي

المشاهدات
30
كلمة
5,053
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 3%
حجم الخط: 18

بخطوات ثابتة وهيبة لا يستطيع أحد أن يخطئها، يدلف إلى مقر شركته. يقف الجميع احتراماً له، ولكن هو لا يلتفت يوماً وينظر لأحد. تلاحقه العيون.. منها من يعشقه، ومنها من يراه قدوة ومثل، ومنها من يحسده ويتمنى أن يكون مكانه. لكنه لا يهتم لكل ذلك. هو يعلم جيداً بما داخل قلوبهم، ويعلم من يحبه حقاً ومن يتعامل معه بشكل عادي لكونه صاحب الشركة وهم موظفين. ويعلم أيضاً من يكره، لكنه أبداً لم يُظهر اهتماماً بأحد.

دلف إلى مكتبه وخلفه السكرتيرة الخاصة به، وبين يديها دفترها الصغير. خلع الجاكيت وعلقه في مكانه، وجلس على الكرسي الخاص به وهو يقول: –ألغِ أي مواعيد النهارده، وبلّغي رؤساء الأقسام أن في اجتماع طارئ الساعة ٢. سجلت ما قاله وهي تقول: –أوامر حضرتك. أنهت كتابة ما قاله ورفعت عينيها إليه وقالت: –أي أوامر تانية؟ دون أن ينظر إليها قال: –اتصلي بدكتور عبدالله وحوّلي لي المكالمة. أومأت بنعم وقالت وهي تغادر: –حالاً يا فندم.

دقائق ورن هاتف المكتب ليرفع السماعة ليصله صوت عبدالله وهو يقول: –مالك يا أدهم؟ –عايزك دلوقتي يا عبدالله.. دلوقتي حالاً، ابعتوهولي. أجابه سريعاً وبصوت يحمل الكثير من العصبية ليقول عبدالله بهدوء: –حاضر يا أدهم، هبعتهولك حالاً. بس أنا قولتلك ده مش حل. –خلاص يا عبدالله، أما أشوفك نبقى نتكلم.

قطع حديث الدكتور عبدالله وتحدث بعصبية وبيده الأخرى يضرب على المكتب. فما يشعر به الآن لا ينبئ بخير أبداً.. لكن غروره وكبرياؤه يرفضان تماماً السماح له بإظهار ضعفه الإنساني المتمثل في الخوف لأحد. أغلق الهاتف وأراح رأسه إلى ظهر الكرسي، لكن يده تلقائياً تحركت لمكان المشكلة وظلت هناك كأنه يتمسك به ألا يتركه ويذهب. مرت نصف ساعة وهو رافض تماماً أن يدلف أي شخص إليه، حتى يصل مرسال الدكتور عبدالله.

وبالفعل، طرقات على الباب جعلته يقف سريعاً. حين دلفت رجاء وبين يديها كيس صغير، خطفه أدهم من يدها وأشار لها بالمغادرة. وعاد يجلس خلف مكتبه وهو يفتح العلبة ويأخذ منها قرصاً صغيراً وضعه في فمه وأراح رأسه إلى الخلف وأغمض عينيه. يحاول أن يصبح بخير.. فما يعانيه لا يستطيع أن يتشاركه مع أحد سوا طبيبه الخاص. ***

عائد من عمله مع أول خيوط النهار كعادته كل يوم، لكن ذلك اليوم يختلف عن باقي الأيام. قبل أن يدخل من بوابة بيته، سمع همسة رقيقة باسمه. ليلتفت يبحث عن صاحبة الصوت ليجدها زيزي، جميلة الحارة وسيدة قلبه. تقف خلف بوابة بيتها ولا يظهر منها سوى نصف وجهها وتشير له أن يقترب. تحرك عائدًا إليها حتى وصل أمام بيتها ووقف أمامها وعلى شفتيه ابتسامة صغيرة قائلاً: –أمّريني يا ست زيزي. بعينيها دارت على جميع أرجاء الحارة ثم قالت:

–عايزة شغل يا سي بيبرس.. أبويا تعبان أوي وعلاجه كل يوم بيزيد والمعاش بتاعه مش مكفي أي حاجة. أخفض رأسه وعيناه تدور في محجرها وكأنها تبحث عن شيء. تتابعه هي بعيونها والقلق والترقب واضح على ملامحها. ظل صامتاً لعدة دقائق ثم قال بحرج دون أن ينظر لها: –هو أنتِ عارفة أنا بشتغل إيه؟ حركت رأسها بمعنى نعم وقالت بصوت مرتعش: –شغال بودي جارد في كباريه. شعر بالخجل ولا يعلم السبب. هل لأنها نطقتها بلسانها؟

هل اكتشف أن عمله شيء مخجل الآن؟ ظل رأسه منحني ولم يستطع أن ينظر إليها. لتكمل كلماتها التي جعلته يشعر بحقارته أكثر: –أنا مش هبيع شرفي ولا همشي في الحرام، بس أنا ممكن أشتغل رقاصة وأنت تاخدني من هنا وترجعني وتبقى مسؤول عني وعن أماني وأن محدش يقرب مني ولا يضايقني.. ها، قولت إيه؟!

رفع رأسه ونظر إلى وجهها البريء وملامحها التي وشمت على قلبه منذ سنوات، لكنها كانت بعيدة بعد السماء عن الأرض. هي ابنة الأستاذ حليم مدرس اللغة العربية، حاصلة على دبلوم التجارة، وهو بيبرس اليتيم الذي لم يتلقى تعليماً يوماً منذ صغره. عمل في كل شيء محرم، ولولا بنيان جسده القوي وخشونته وقلبه الذي دفن مع والديه ورهبة أهل الحارة منه لكان طرد منها منذ سنوات.

والآن المسافات تتقلص وتريد أن تعمل راقصة في "الكباريه". ولن يكون هناك فرق بينهم. يعلم إنها سوف تقوم بهذا العمل من خلف والدها ولن يعلم أهل الحارة بذلك، لكن يكفي أنه هو يعلم. ابتسم وقال بعد ثوانٍ: –خلاص، هكلم مدير الكباريه النهاردة بالليل وبكرة زي دلوقتي استنّيني هنا علشان تعرفي الرد. وضع يده داخل جيب بنطاله وأخرج بعض الأوراق المالية ومد يده بهم في اتجاهها وقال: –خلي دول معاكي علشان دوا الأستاذ حليم.

ظلت تنظر إلى المال وشعرت بالخجل من أخذهم. ليفهم ما تفكر به فقال: –دول دين، أبقى سديهم لما تشتغلي. بيد مرتعشة وعيون ممتلئة بالدموع مدت يدها تمسك المال. ليقول برفق: –متتكسفيش يا ست زيزي، ربك كريم. وغادر دون كلمة أخرى منه أو منها. ظلت تتابعه بعيونها والدموع تسيل فوق وجنتها. لا تعلم كيف توصف شعورها. هل كانت تنتظر منه أن يرفض ما قالته ويصرخ في وجهها وينهرها؟ أم أنها سعيدة أنه وافق على مساعدتها؟

ظلت واقفة في مكانها، الأفكار تعصف بعقلها بين أمواجها العاتية التي ترفض ما فكرت فيه، وبين يأسها من إيجاد حل آخر توفر به دخل سريع يسد حاجتها وحاجات والدها. خرجت من أفكارها على صوت رجال الحارة العائدين من المسجد بعد أدائهم لصلاة الفجر، لتغلق البوابة وتصعد ركضاً إلى الأعلى تخبئ المال في ملابسها. ***

في بيت بسيط وبالتحديد داخل غرفة صغيرة تملأها أشعة الشمس العابرة من تلك الشرفة الكبيرة المفتوحة، تقف أمام طاولة الزينة فتاة رقيقة ترتدي ملابسها وهي تبتسم بسعادة. فأخيراً وجدت الوظيفة المناسبة. إنها حقاً تعبت من العمل في محلات الملابس.. أو المصانع وهي الحاصلة على شهادة جامعية تؤهلها للعمل في أكبر الشركات.

لكن اليوم تحقق الحلم بعد أن وجدت بالصدفة إعلان مؤسسة الخشاب للهندسة تطلب موظفين حديثي التخرج. وياللهول أن تطلب مؤسسة كبيرة كمؤسسة الخشاب حديثي التخرج. وهي لن تضيع تلك الفرصة أبداً مهما تطلب الأمر.

تأكدت من هيئتها أمام المرآة ثم غادرت غرفتها لتجد والدها يجلس في مكانه المعتاد جوار الشرفة وبين يده الجريدة التي لا تعلم من أين يأتي بها في هذا العصر الإلكتروني بجدارة. بجواره طاولة صغيرة فوقها كوب من الشاي، وخلفه مباشرة راديو قديم ينبعث منه أنغام مميزة لأغنية قديمة. اقتربت منه بهدوء وانحنت تقبل رأسه وهي تقول: –صباح الخير يا سي بابا. –صباح النور يا روح قلب بابا. أجابها وهو يغلق الجريدة ويضعها فوق المنضدة. ونظر

إليها بنظرة تقييمية وقال: –الشياكة والحلاوة دي كلها رايحة فين؟ جلست على ذراع الكرسي وقالت بهمس: –عندي مقابلة شغل في مؤسسة الخشاب.. بس متقولش حاجة لماما علشان متتعشمش وترجع تزعل وضغطها يعلى لو محصلش نصيب. ليبتسم والدها وهو يعود يقرأ الجريدة من جديد، ولكن قلبه يدعو لها بالتوفيق. لتظل تتأمله لعدة ثوانٍ ثم توجهت إلى المطبخ. لتقول والدتها بلوم: –على طول تقعدي تتودودي مع أبوكي وأنا لأ. لتقترب سليمة منها تضمها وهي

تبتسم بمرح وقالت بشقاوة: –أنتِ الخير والبركة يا طمطم، بس يعني أنا بحب كلام بابا كده راجل خبرة ومثقف، لكن أنتِ الحنية والطيبة والحضن الحنين. لتبتسم فاطمة وهي تقول لها بعد أن ضربت كتفها برفق: –بكاشّة. لتقترب سليمة تقبل كتف والدتها ثم يدها وقالت: –همشي بقى، دعواتك يا طمطم. وغادرت سريعاً تلحقها دعوات والدتها بالتوفيق والنجاح. لكن بداخل العيون هناك الكثير من الأشياء الحزينة التي تؤلم القلوب وتخبئها بداخلها. ***

وصلت إلى مقر مؤسسة الخشاب وظلت واقفة أمامها تنظر إليها بانبهار هامسة لنفسها: –يارب يجعلي نصيب بالشغل فيكي يا مؤسسة الخشاب. وبخطوات ثابتة توجهت في اتجاه حلمها. ورغم أن قلبها يرتعش إلا أن خطواتها ثابتة وواثقة. حين صعدت إلى المكان الذي سيتم فيه المقابلة وجدت الكثير من الفتيات تجلس هناك. ولكن ما أشعرها بالرهبة الماركات التي يرتدونها والملابس الكاشفة. وورد لذهنها سؤال ملح.. هل لها فرصة مع هؤلاء الفتيات؟

لكنها جلست على ذلك الكرسي الشاغر بصمت لتأتي موظفة وأعطتها ورقة وقالت بأمر: –اكتبي بياناتك. سجلت بياناتها وجلست تنتظر دورها وقلبها كطبول الحرب والتوتر يكاد يقتلها. ***

تتابع دخول الفتيات إلى المقابلة. وكلما مر بعض الوقت كان يزداد بداخلها شعور الغربة والرفض. إنها لا تقارن بجانب ما تراه أمامها. وما يصل إلى سمعها من حديث.. فهناك من هي خريجة الجامعة الأمريكية، ومن حصلت على الكثير من الدورات التعليمية وتستطيع التحدث بأكثر من أربع لغات غير العربية. وهناك من معها شهادات خبرة من أكبر الشركات. فأين هي وسط كل هذا؟ تنهدت وهي تبتسم بسخرية وعقلها يردد: "هتروح فين يا صعلوك بين الملوك".

لكنها ظلت متمسكة بالفرصة رغم كل شيء. مر الوقت وقلبها لم يتوقف لحظة عن الدعاء، ولديها ثقة بالله تجعلها تحلم وتتوقع تحقيق الحلم. حان دورها لتأخذ نفس عميق وبخطوات واثقة رغم ارتعاش جسدها سارت في اتجاه المكتب. طرقت الباب برفق وفتحته بهدوء وجلست أمام الرجل الذي يجلس خلف المكتب بوقار. وحمدت الله أنه لم يرفع عينيه عن الأوراق التي أمامه.

لكنه رفعها لتبتسم بخجل حين لاحظت نظرة الاندهاش والصدمة الواضحة في عينيه. لتشعر أن الأمر قد انتهى. إن هيئتها بالنسبة له مرفوضة.. فستان واسع وخمار يناسب وجه خالي من الزينة. مؤكد لن يقبلوا بها. اختفت ابتسامتها وشعرت باليأس يتغلل إلى قلبها. لكن لمع الأمل من جديد حين قال بهدوء: –الـ CV بتاعك مفيش فيه شهادات خبرة. أول مرة تشتغلي؟ هزت رأسها بلا وقالت بصوت هادئ: –اشتغلت كتير، لكن في وظائف مكنش ممكن آخد منها شهادات خبرة.

إجابتها أثارت فضوله ليقول باستفهام: –يعني إيه؟ شبكت يديها ببعضهم وقالت بهدوء وصراحة من بدأ: "ما هي كده كده بايظة": –اشتغلت بياعة في محل، عاملة في مصنع. ودول بعد ما بنشيب الشغل ما بيكونش فيه شهادة خبرة. أومأ الرجل بنعم مع ابتسامة جانبية ثم قال: –ليه عايزة تشتغلي في مؤسسة الخشاب؟ لتلمع عيونها وهي تجيب:

–الشغل في مؤسسة كبيرة زي مؤسسة الخشاب فرصة حقيقية لأي حد عايز يبني مستقبل ويحقق ذاته ويبدأ من مكان له أساس وخبرة.. من الآخر، الشغل هنا شرف أتمنى إني أحظى بيه. أومأ بنعم والإبتسامة أصبحت واضحة على وجهه. سألها ببعض المكر: –لو مديرك عصبي وخلقه ضيق هتتصرفي إزاي معاه؟ ظلت صامتة لعدة ثوانٍ ثم قالت بهدوء:

–هقوم بعملي على أكمل وجه ومش هقصر فيه وهحاول إني مكنش سبب في تأخير العمل أو تعطيله أو فشله.. وهتحمل عصبيته طالما في حدود العمل، لكن مؤكد لن أقبل الإهانة. أومأ بنعم وظل صامتاً لعدة لحظات ثم قال باندهاش: –اسمك سليمة.. اسم غريب. معناه إيه؟ ابتسمت بسعادة وهي تجيب بحماس: –معناه الناجية، الخالصة، السالمة من العيوب والآفات وصالحة الضمير، الخالية من المرض. ضحك بصوت عالٍ لتشعر بالخجل، لكن حين هدأت ضحكاته قال بصدق استشعرته:

–جميل.. الاسم لايق عليكِ جداً. تورّدت وجنتيها بخجل. رفع سماعة الهاتف وطلب حضور شخص ما، وحين دلفت الموظفة قال لها بهدوء: –الآنسة سليمة اتعينت في الوظيفة. لو لسه في بنات برة مشّيهم، وبعدين فهميها الشغل. كانت تنظر إليه باندهاش وصدمة. ليقول لها بابتسامة: –أنا مدير صعب، والغلطة عندي ملهاش عذر. لكن أنا واثق فيكِ.

كانت تشعر أنها في حلم. هي تجلس الآن أمام أدهم الخشاب مدير مؤسسة الخشاب يخبرها أنها قُبلت في الوظيفة وأنه يثق بها. وفي هذا الوقت كان أدهم يتفحصها بدقة. تفاصيل وجهها، عيونها الناعسة بلونها الرمادي، وجهها الخالي من مساحيق التجميل لكنه براق وخالي من العيوب. ملابسها المحتشمة، والأهم أفكارها وطريقة حديثها واعتزازها بنفسها. كل هذا يجعلها مؤهلة لتصبح السكرتيرة الخاصة به.

أشارت الموظفة لسليمة أن ترافقها لتقف سليمة وهي تنظر إلى أدهم بخجل طبيعي وقالت بصوت يرتعش من السعادة: –إن شاء الله أكون قد ثقة حضرتك وقد المسؤولية. يومأ بنعم وهو يقول: –أنا متأكد إنك ستبذلين أقصى مجهود. لتسير مع الموظفة التي أشارت لها على أحد المكاتب وقالت: –اقعدي هنا على ما أمشي باقي البنات وأرجعلك علشان أفهمك الشغل.

أومأت سليمة بنعم وجلست خلف المكتب وعلى وجهها ابتسامة واسعة بالسعادة والرضا. وظلت تحمد الله على التوفيق وتدعو أن يعينها على المسؤولية. عادت الموظفة إلى الغرفة وهي تقول ببشاشة: –أنا اسمي رجاء، كنت سكرتيرة مستر أدهم لمدة ٣ سنين، لكن هتجوز وهسافر مع جوزي وعلشان كده هسيب الشغل هنا. –مبارك وربنا يتمم لكِ على خير جواز العمر إن شاء الله. ابتسمت رجاء وهي تؤمن. خلفها ومباشرة بدأت في شرح طبيعة الوظيفة ومتطلباتها. ***

لم تتوقف عن البكاء منذ حديثها مع بيبرس صباح اليوم. وكل دقيقة وأخرى تنظر من النافذة وكأنها تنتظر خروجه من بيته حتى تخبره أنها قد عادت إلى رشدها ولن تقوم بذلك الجنون. لكن عقلها يعود من جديد ويذكرها بكل ما وراءها من مسؤوليات وهموم. والعملية التي يتوجب أن يخضع لها والدها في أقرب وقت.

تتمسح دموعها بظهر يدها وبنفس اليد تتحسس المال الذي أعطاه لها بيبرس. تشعر به يحرق جسدها وكأن به نار.. نار حارقة كتلك النار الذي كان يصفها لها والدها وهي صغيرة حتى يرهبها ويجعلها تلتزم في صلاتها. لتعود الدموع من جديد تغرق وجهها. ولكن تلك المرة لطمت خديها وهي تقول: –هتعملي إيه في نفسك يا بنت الأستاذ حليم.. هتعري جسمك للناس.. هتقفي ترقصي وتهزي جسمك للرجالة، فاضل إيه.. فاضل تبيعي شرفك وتتنقلي من حضن راجل للتاني.

ليأتي في تلك اللحظة دور شيطانها الذي بدأ يوسوس لها وتخرج كلماته على لسانها: –بس أنتِ مش هتعملي كده.. في بدل رقص مش هتبين لحمي.. وكمان بيبرس هيحميني وأكيد مش هيقبل يبقى قرني يعني ويخليني أروح مع الزباين. آه.. وبعدين يعني هو أنا لقيت شغلانة تانية وقولت لأ. والشغلانة دي بالليل وأبويا نايم ومش بيحتاج مني حاجة. وأهو أقوله أني اشتغلت في أي مستشفى وأخترت الشفت بتاع بالليل علشان أقدر أخلي بالي منه بالنهار.

المبررات لم تنتهِ وشيطان نفسها لم يتوقف عن تجميل الصورة أمام عيونها. وذكّرها أيضاً بذلك الدواء الخاص بوالدها الذي يجب شراؤه الآن. لتأخذ العباية من فوق المشجب وأرتدتها سريعاً وتوجهت إلى غرفة والدها الذي أصيب من عام بجلطة دماغية تركت أثرها على كامل جسده ولم يعد يستطيع الحركة. ربتت على ذراعه وهي تقول: –أروح أجيب الدوا اللي خلص وهرجع على طول.

غادرت البيت متوجهة إلى الصيدلية لتقابل في طريقها حنان جارتها وزميلتها من أيام المدرسة. وقفت أمامها وهي تقول: –أنتِ مش بتسألي عليا ليه يا بت يا حنان؟ –عارفة إني مقصرة معاكي بس يا أختي مسحولة في الجهاز وعلي عايزنا نتجوز آخر الشهر ومش ملاحقة. أجابتها وهي تحرك يديها في جميع الاتجاهات وصوت الأساور التي تملأ ذراعيها يسمعه القاصي والداني. لتبتسم زيزي رغم الألم التي تشعر به في أعماق روحها وقالت بصدق رغم كل شيء:

–ربنا يعينك وألف ألف مبروك يا حنون. ثم ربتت على يدها وهي تقول: –معلش بقى عايزة ألحق أجيب الدوا لأبويا وأرجع له علشان سايباه لوحده. لتقول حنان بلهجة ساخرة: –ربنا يشفيه يا حبيبتي ويرزقك بواحد زي علي كده يسترك ويهنيكي.

ابتسمت زيزي ابتسامة صغيرة ثم تركتها وغادرت دون أن تعلق على حديثها وما تقصده من خلفه. لقد جاء اليوم الذي تتعامل فيه معها الفتيات على كونها أقل منهم بعدما كان الجميع يلتف حولها ويتمنى رضاها. والآن ينظر إليها على كونها عانس وتحتاج لرجل يعطف على حالها ويتزوجها يرحمها مما هي فيه. بلعت تلك الغصة التي تؤلم حلقها وأشترت الدواء لوالدها وبعض الأغراض وعادت إلى البيت وبداخلها إصرار على العمل ولم يعد هناك مجال للتراجع. ***

انتهى يومها الأول بالعمل وكم كانت سعيدة وتعمل بنشاط وانطلاق. خاصة وأن رجاء لم تترك أمر لم تخبرها عنه ولم تبخل عليها بكل أسرار الشركة التي تفيدها في عملها ويجعلها مميزة فيه. كان أدهم يتابعها طوال اليوم بصمت ودون أن يقترب منها أو يوجه لها أي أوامر. اقتربت منها رجاء وهي تقول: –خلصنا شغل يا سليمة؟ يلا بقى علشان نروح. بكرة آخر يوم ليا معاكي هنا وبعد كده أنتِ المسؤولة يا حلوة. لتشعر بالتوتر وقالت ببعض المزاح:

–العدو أمامنا والبحر من خلفنا. لتقترب منها رجاء وقالت بهمس رغم ابتسامتها الواسعة: –لو مستر أدهم سمعك وأنتِ بتقولي العدو دي هيعملك تمثال على باب الشركة. لتقف وهي تأخذ حقيبتها وقالت بخوف مصطنع: –وعلى إيه؟ الطيب أحسن. وغادرا سوياً دون أن يلاحظوا ذلك الذي يقف خلف الباب واستمع لكل ما حدث وعلى وجهه ابتسامة شريرة. ***

فتح عينيه بتثاقل. لأول مرة منذ سنوات لم يكن نومه مريحاً ولم يستطع النوم بعمق. كلماتها وصوتها، هيئتها، كل هذا يؤلم قلبه العاشق.. الذي لم يضعف يوماً إلا من أجلها. كان اليوم ألمه أشد.. حتى أنه جعل جسده وكل خلية فيه تتألم بشدة. كيف وافق على طلبها؟ كان عليه أن يصفعها على وجهها البريء ويصرخ بها رافضاً. وإذا كان أصابها الجنون أو مس من شيطان نفسها فتعود لعقله.

لكنه وافق.. وكأنه كان يريد أن يسقطها في وحل الخطيئة حتى يستطيع أن يكون جوارها وتقتصر المسافة بينهما. لقد سّول له شيطانه سقوطها ويده تمتد لتمسك بها وكأنه بطل مغوار غفر ذنبها الكبير وتقبلها على عيبها، وهي بعيون كسيرة تشكره على كرمه وشهامته ورجولته. التي ستسقط عنه مع كل مرة يراها تتمايل في ذلك الملهى. اعتدل جالساً وهو يفكر ببعض العقل. هل يذهب إليها يطلب يدها للزواج ويمنعها من العمل؟ أم أنها سترفضه وتجرح كبرياءه؟

نفخ الهواء من صدره بضيق وغادر السرير ببعض العصبية. فتح نافذة غرفته التي تطل على بيتها وظل ينظر إلى البيت وكأنه ينظر إليها وهمس بلوعة: –ليه يا زيزي؟ ليه فكرتي كده؟ وأيه الصح؟ أشغلك ولا أرفض؟ أمنعك من الطريق ده؟ ولا أمسك إيدك وأمشيه معاكي؟ في تلك اللحظة قطع تفكيره صوت أحد شباب الحارة وهو يتحدث لصديقه:

–أنا عايز أخطب زيزي بس أمي مش راضية علشان أبوها يعني.. عارف لو أبوها يموت كنت اتجوزتها وخبيتها عن كل الناس.. أصل البت زيزي دي عاملة زي لهطة القشطة.

شعر بالغضب يتصاعد ورغبة قوية في ضرب ذلك الشاب الذي لم يتبين ملامحه. وعقله يصور له تعليقات الرجال في الملهى الليلي وهم ينظرون إلى جسدها الممتلئ لكن بتناسق ويلتهمونه بعيونهم. ويعلقون عليها بكلمات أكثر جرأة من كلمات ذلك الشاب. مؤكد لن يحتمل.. وسوف يقتل كل من ينظر إليها أو يتحدث عنها. ابتعد عن النافذة ليصطدم بصورته في المرآة وظل ينظر إلى نفسه عدة ثوانٍ ثم بصق على المرآة وهو يقول: –اتفو عليك فاكر نفسك راجل وأنت..

وترك جملته معلقة دون أن يكملها. تحرك سريعاً ليرتدي ملابسه. سوف يذهب إليها ويخبرها أنه لم يستطع توفير عمل لها. سوف يرفض أن تعمل كراقصة.. حتى لو رفضت الزواج منه لن يسمح لها بالعمل. غادر البيت مقرراً التوجه إليها، لكن أوقفه رنين هاتفه. ليشعر بالاندهاش وهو يرى اسم الجوكر يتوسط شاشة هاتفه. أجابه بتوجس ليصله صوت الجوكر وهو يقول مباشرة:

–بيبرس.. الرقاصة اللي عندنا اتمرّعت وفاكرة نفسها بقت حاجة. أنا عايز رقاصة جديدة النهاردة.. فاهم يا بيبرس؟ النهاردة. وأغلق الهاتف دون أن ينتظر لسماع رد بيبرس. ليعيد بيبرس الهاتف إلى جيب بنطاله وعاد إلى بيته، لكنه لم يصعد إلى شقته بل جلس على السلم وهو يطالع بيت زيزي بتفكير واستسلام. ***

في فيلا الخشاب وعلى طاولة الطعام الكبيرة.. والعريقة كتاريخ تلك العائلة، تجلس الجدة شكران على رأس الطاولة بهيبتها ووقارها. تنظر إلى أحفادها الذين يجلسون حولها. على ذراعها الأيمن يجلس عدنان، ابن عم أدهم، ويشبه كثيرًا في الشكل لكنه أكثر مرحًا. ولأنه بطل في الملاكمة لديه الكثير من المعجبات كنجوم السينما.

وعلى ذراعها الأيسر تجلس ظلال، أخت أدهم الصغرى، وغارقة في عشق عدنان. لكنه لا يلتفت لذلك العشق الواضح في عيونها. رغم أنهم أصدقاء مقربين، يخبرها بكل شيء ويستشيرها ويستخدمها أحياناً في إثارة غيرة بعض البنات، وهي تعلم كل ذلك لكنها بسبب عشقها له لم تعترض يوماً. تنتظر اليوم الذي يشعر فيه بحبها ويفهم أنه يحبها أيضاً. –مش ناوي تنزل تساعد أدهم في المؤسسة يا عدنان؟ أنت كبرت بما فيه الكفاية وخلاص بقى لازم تتحمل المسؤولية.

قالت شكران كلماتها وهي تنظر إلى حفيدها بنظرة تفحص. ليترك عدنان هاتفه حيث كان يتحدث إلى إحدى المعجبات عبر تطبيق الرسائل وقال بابتسامة واسعة: –شكلي مزعلك يا شوشو.. ليه الكلام اللي يضايق ده؟ لتضع ظلال يدها أسفل ذقنها تتابع ما يحدث بينهم ككل ليلة باستمتاع، خاصة حين قالت شكران بابتسامة صفراء: –حالك كله مزعلني.. وشكلي هغضب عليك.. وأنت عارف كويس غضبي ممكن يوصل بيك لفين.

كانت أخر كلماتها مصحوبة بإشارة إلى باب القصر. ليقطب عدنان حاجبيه وقال بضيق حقيقي: –ليه كل شوية تهدديني إنك ممكن تطرديني من القصر والشركة ومن عيلة الخشاب كلها.. على فكرة يا نانا أنا مش بتتهدد وممكن حالاً أمشي من هنا. اعتدلت ظلال تنظر إلى جدتها بقلق والخوف يطل من عينيها. إن الحديث اليوم اختلف عن كل مرة. عدنان لم يقل تلك الكلمات من قبل. أنه يعلم جيداً كيف يجعل شكران هانم راضية عنه رغم أنه يقوم بما يريد. لكنها

ظلت صامتة حين أكمل هو: –وبعدين أدهم هو المسؤول عن المؤسسة والورث من يوم يومه من أيام جدي وبابا وعمي.. وفاهم في كل حاجة ومش محتاجني يعني ولا عمره طلب مني أشتغل معاه. لتقول ظلال بتوتر: –لا يا عدنان أبيه، أدهم طلب منك أكتر من مرة وآخر مرة قالك فيها "أنا تعبت من كتر ما بتحايل عليك تيجي تشتغل معايا.. الشركة أنت ليك فيها زي ما أنا ليا ووقت ما تقرر تيجي تدير معايا المؤسسة هتلاقي أبوابها كلها مفتوحة ليك". نظر لها عدنان

بغضب ثم قال من بين أسنانه: –عارف يا أم العريف، بس أنا مليش في شغل الاستيراد والتصدير ولا حتى شغل الهندسة ومليش دماغ حقيقي لكل ده. –أومال ليك في إيه؟ في البنات والمرقعة الفاضية؟ قالت شكران بغضب وصوت عالٍ. ليشعر عدنان بالصدمة أنها المرة الأولى التي تثور فيها جدته بتلك الطريقة. إذاً فعليه مهادنتها ولملمة الأمر. غادر مقعده وأقترب من مقعد جدته وجلس على إحدى ركبتيه يقبل يدها وهو يقول: –إيه اللي مزعلك مني كده بس يا شوشو؟

أنا عملت إيه؟ لتربت شكران على وجنته برفق وهي تقول بحزن: –عايزة أطمن عليكم يا عدنان.. العمر بقى ورايا مش قدامي.. خايفة كل واحد منكم ماشي في طريق لوحده.. والحمل تقيل على أدهم وبقالوا فترة متغير وقلبي بيقولي أن فيه حاجة. لتشعر ظلال بالخوف وهي تقول: –مالوا آبيه يا نانا؟ ليرفع عدنان عيونه لها وقال ليطمئنها:

–أدهم كويس يا ظلال متقلقيش. حمل الشغل تقيل عليه والمسؤولية كمان.. علشان كده أنا هنزل معاه الشركة من بكرة. المهم أن شوشو حبيبتي تبقى راضية عني. لتبتسم شكران رغم الحزن الساكن بعيونها والخوف الكامن بقلبها. *** في إحدى شوارع القاهرة كان يسير والليل يغلف الكون بهدوئه وجماله. بين يديه سيجارته المحشوة ويده الأخرى تمسك الجاكت الخاص به فوق كتفه. رغم ظلام ذلك الطريق إلا أنه كان يعرف الطريق جيداً ويعلم إلى أين يذهب.

وعند أحد مفترق الطرق ظهرت تلك الفتاة التي ترتدي ما يكشف جمال جسدها. تقترب منه وهي تقول بدلال: –اتأخرت عليا أوي يا ثمورتي. –ثمورتي؟ رددها خلفها بتقزز. لتقول بدلال أكبر وهي تداعب ذقنه: –ثمورتي دلع ثامر. ليبعد يدها عن وجهه وقال بأمر: –طيب يلا يا أختي.. قال ثمورتي قال.

لتضحك بدلال وهي تسير جواره، ذراعها يحاوط خصره وذراعه يستريح فوق كتفيها. حتى وصلوا إلى مدخل بناية قديم. صعدوا درجات السلالم حتى الدور الأخير وبالتحديد تلك الغرفة الصغيرة فوق سطوح البناية.. غرفة صغيرة لا يوجد بها سوى سرير واحد صغير يكفي لقضاء ليلتهم وفعل ما يريدون.. وفقط. حين انتهى منها غادر السرير يرتدي ملابسه. لتقف خلفه تلمس ظهره بأطراف أصابعها وهي تقول: –هشوفك تاني امتى يا ثامر بيه؟ لينظر إليها بطرف عينه وقال بخبث:

–من امتى بتسألي الأسئلة دي؟ ومن امتى أنا بجاوبك على أي سؤال؟ لوت فمها بضيق وعادت تتمدد على السرير من جديد وهي تقول: –أنت هتمشي بجد يعني خلاص كده؟

لن يجيبها وأكمل ارتداء ملابسه وحذائه ووضع بعض المال على الوسادة جوار رأسها وغادر الغرفة. تشيعه نظراتها الحزينة. إنها تحبه لكن هو لا يراها إلا مجرد جسد.. يعبث معها قليلاً ويرحل. يأتي وقتما يشاء ويغادر وقتما يشاء وليس لها حق الاعتراض أو الرفض. ليس خوفاً منه ولكن قلبها المتعلق به هو من يجبرها على قبول كل هذا الظلم. مدت يدها تمسك الأوراق المالية وهمست بصوت متهدج: –هو ده قيمتي عنده؟ ساعة في السر وشوية فلوس.

وكان هو يسير في الطرقات المظلمة يشعر بالاختناق. كل مرة يلتقي بها رغم شوقه لجسدها إلا أن ضميره يظل يعذبه. *** أخذته خطواته لذلك القصر الكبير وبالتحديد أمام تلك اللوحة المعدنية التي كتب عليها بحروف ذهبية "ال الخشاب". ظل يتأملها دون ملامح واضحة حتى انتبه لصوت حركة من خلفه وشخص يقول حين فتحت البوابة: –حمد الله على السلامة يا أدهم بيه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...