ظل على جلسته يفكر ماذا سيفعل الآن، لكن لم يكن هناك الكثير من الاختيارات. عاد ليغادر بوابة بيته من جديد، وبعينه كان يبحث عما يريد حتى وجده. أقترب بهدوء من تلك الطفلة الصغيرة التي تلعب أمام بيتها، وقال بصوته الخشن: -تعالي يا شاطرة. نظرت له الصغيرة بخوف، ليشير لها بيده أن تقترب، لكنها ظلت واقفة في مكانها. ليقترب منها هو: -متخافيش، تعالي عايز أديكي حاجة.
أقتربت الصغيرة على استحياء، رأسها منخفضة، لكن عيونها تنظر إليه. ليخرج من جيب بنطاله ورقة مالية صغيرة، ومد يده بها أمامها وهو يقول من جديد: -أشتري حاجة حلوة. مدت يدها لتأخذ المال ببعض التردد، لكنه ظل ممسك بالمال وهو يقول: -لكن الأول أطلعي للست زيزي، قولي لها عمو بيبرس عايزك ضروري.
أومأت الصغيرة بنعم، ليترك لها المال، لتركض سريعًا مبتعدة عنه ومتوجهة إلى بيت زيزي. ليرفع عينيه يبحث حوله عن متلصص، لكنه لم يجد. وتلك ميزة حيهم، الكل يدلف إلى بيته بعد أذان العشاء والصلاة، ولا يخرج منه إلا للضرورة القصوى.
أقترب من بوابة بيت زيزي وأستند عليها، رافع قدمه على البوابة الحديد تدعم وقته. وثواني وغادرت الصغيرة البوابة دون أن تنتبه إليه. وبعدها بثواني سمع حفيف ثوب زيزي وصوت خفها الخفيف وهي تقترب منه. وكما كانت تقف صباحًا، وقفت خلف البوابة، لا يظهر منها سوى نصف وجهها والذي يغطيه وشاحها الخفيف. -خير يا سي بيبرس! قالتها بقلق. لم يتحرك من مكانه، ولكنه قال بصوت منخفض: -خير يا ست زيزي… بس مدير الكباريه أتصل… وبصراحة كده…
صمت وكأنه لا يجد كلمات يقولها، أو قلبه لا يطاوعه في أن يقول لها أن تستعد حتى تذهب معه اليوم وتبدأ عملها كراقصة في إحدى الملاهي الليلية. لكنها عادت تسأل من جديد بلهفة يشوبها حزن: -هو رفض أني أشتغل؟! ألتفت إليها وظل يتأمل الجزء الصغير الواضح من ملامحها على ضوء مصباح عتيق علق على باب البيت لعدة ثواني، ثم قال وهو يحرك رأسه يمينًا ويسارًا: -بالعكس، ده عايزك تنزلي شغل من النهاردة.
ظلت صامتة، لا تعرف هل تشعر بالسعادة لموافقة صاحب الملهى، أم تشعر بالخوف لما هي مقدمة عليه من فعل. تعرف جيدًا أن والدها لو كان بصحته لقتلها قبل أن تخطو خطوة واحدة خارج البيت لتنفذ ما تريد. ودون شعور منها، رددت خلفه: -النهاردة. أومأ بنعم، لتقول من جديد بقلق: -الساعة كام يعني؟ نظر إلى ساعته وقال بهدوء: -خلال ساعتين تكوني جاهزة ومستنياني على أول الشارع.
أومأت بنعم، وعيونها بين خوف وتردد وبعض الحماس. ليغادر من أمامها وبداخله كل المشاعر المتضاربة، رفض وموافقة… خوف وحماس… أقتراب وأبتعاد… لكن أكثر ما يشعر به الآن هو أن ما سيحدث الآن هو أكبر أخطائه، ومؤكد سيكون الثمن غالي. *** صعدت إلى شقتها بعد رحيل بيبرس، لكنها كانت شاردة. خوف قوي سكن قلبها، خاصة حين وقفت أمام غرفة والدها النائم بلا حول ولا قوة.
تجمعت الدموع في عيونها وهي تلوم نفسها على فكرتها المجنونة التي أوصلتها لهذا الحال. لكن شيطانها لم يكن غائبًا عنها ليعود وهمس لها أنها لن تفعل شيء خاطئ. ما المشكلة من بضع ساعات تتمايل فيها على نغمات الموسيقى وتحصل في المقابل على الكثير من المال؟ وأين هي المعضلة في المكان؟ فكل أماكن العمل بها مخاطر، فأين المشكلة الآن؟ على الأقل عملها في ذلك الملهى لن يكون به مخاطر جسيمة، خاصة في وجود بيبرس.
بيبرس التي لا تعلم كيف تشعر تجاهه الآن. هل تشكره؟ أم تلومه لأنه وافق على عملها؟ أخذت نفس عميق وهي تسير بخطوات ثقيلة إلى غرفتها حتى تستعد. هي لا تعلم ماذا عليها أن تفعل بالتحديد، لكن لابد أن تقوم ببعض التجهيزات. ***
مرت ساعتان، وها هي تسير في ذلك الطريق الطويل الذي سيصل بها إلى المكان الذي ينتظرها به بيبرس. لكنها كانت تتلفت حولها كل دقيقة وأخرى خوفًا من أن يراها أهل حيها. لكن الأمور مرت على خير، وها هي تجلس بجانبه في السيارة. الصمت ثالثهما، لكن الأفكار تعصف بكليهما، وكل منهم لديه ما يقوله ويؤلم قلبه، لكن لا يجد الكلمات التي تعبر بدقة، فيفضلون الصمت. أوقف السيارة في مكانها المخصص بجراج الملهى، وقبل أن يترجل منها
نظر إلى زيزي وقال بأمر: -مليكيش دعوة بحد جوا. تخلصي فقرتك وتدخلي أوضتك ومتخرجيش منها لحد ما أرجعك البيت. وأي حاجة أنا إللي هتصرف فيها. كلامي مفهوم؟ أومأت بنعم وهي تنظر إليه بخوف. إن قلبها يشبه طبول الحرب تقرع بقوة وينبئ عن خوف شديد. لكن نظرة عين بيبرس ووجوده بصفة عامة جعل شيء من الأمان يتسلل إليها. ترجلت من السيارة ومن باب خلفي دلفت خلفه، ومباشرة إلى غرفة مدير الملهى. ***
وقفت في الخارج تنتظر بيبرس الذي دلف إلى المدير وأغلق الباب خلفه. عيونها تتأمل الرواق الطويل المليء بالغرف، وكل غرفة بجوار الباب لافتة نحاسية. أستطاعت من مكانها أن تقرأ الكلمات التي نقشت على بعض منها، حتى وقعت عيونها على إحداهم والتي كتب عليها "غرفة الراقصة".
إنتفض جسدها وهي تربط تلك الكلمة بنفسها. إن تلك الكلمة بعد قليل ستصبح وصفها ووظيفتها. رعشة أخرى سارت في عمودها الفقري وغصة مؤلمة في حلقها جعلتها تتحرك لتغادر ذلك المكان. لكن باب غرفة المدير الذي فُتح وصوت بيبرس يدعوها للدخول جعلها تقف مكانها وكأنها مغيبة، تعود أدراجها وتدلف إلى الغرفة لتقابلها نظرات ذلك المدير بنظراته المتفحصة لكل أنش في جسده. نظرت إلى بيبرس التي احمرت أذناه وانتفخت أوداجه وهو يقول:
-نالت الرضا يا جوكر. ينظر إليه ذلك الرجل وهو يجيبه وقد سال لعابه: -إكسترا يا بيبرس. إكسترا. دار حول مكتبه وهو يقول: -سلمها لترتر بقى وتعالى. حينها كان يقف أمام زيزي ولا يفصل بينهم سوى خطوة واحدة. وأكمل وهو يرفع يديه يحاوطانها دون أن يلمسها وقال وهو يرسم قدها في الهواء: -قوله الجوكر عايز كتلة الأنوثة دي تبقى زي حبة الكراميل، شهية وجذابة من برة ومثيرة من جوه.
كلمات تذبح رجولته، لكنه لا يستطيع الاعتراض. فالحديث يبدو في صميم العمل، لكن باطنه يسيء لرجولته ويشعره بألم في رأسه يشبه ذلك الألم في أفلام الكرتون حين يتم ضرب الشخصية بشيء قوي على رأسها ويخرج ذلك البروز. ليجد نفسه يفتح الباب وهو يقول ببعض الغضب: -اتفضلي يا ست زيزي. لتتحرك بسرعة وخوف من أمام ذلك الجوكر، لكن أين المفر؟ من خوف إلى خوف… والبقية تأتي. ***
بعد العشاء توجه عدنان إلى الحديقة، يريد أن يجلس في خلوته يفكر في حال جدته وأدهم. أدهم الذي يشعر أن به شيء غريب أحيانًا، يرى عيونه زائغة، تائه وكأنه لا يعرف أين هو. وأحيانًا يراها قاسية، غير عيون أدهم الحانية بطبعها رغم قوة شخصيته. لكن حقًا هناك شيء خاطئ وعليه أن يفهمه. أراح رأسه على الحائط خلفه وأغمض عينيه، يشعر بها تقف هناك في إحدى الزوايا تتابعه بصمت كما اعتاد.
يشفق عليها حقًا، يعلم بحبها له، لكن هي بالنسبة له إبنة عمه فقط. يتمنى أن تتوقف عن ملاحقته، أن تعبر ذلك الطريق المظلم بحبه إلى نور شمس جديدة تشرق بحب جديد يستحقها وتستحقه. لذلك، ورغم ضيقه من هذا… ودون أن يفتح عينيه، أمسك هاتفه وطلب رقم موجود بالأساس على قائمة اتصالات الطوارئ ووضعه على أذنه، وقال حين وصله ذلك الصوت الناعم: -عدنان باشا بنفسه. -قلبي عدنان… جهزي القعدة أنا جاي وعايز أدلع.
قالها وهو على نفس الوضع، ليصله شهقتها التي كتمتها سريعًا، ليبتلع تلك الغصة المؤلمة في حلقه وهو يقف ليغادر خلوته وهو يقول: -حان وقت المرح. تنحدر دموعها وهي تراه في طريقه إلى إحدى فتياته، وما أكثرهم. وضعت يدها فوق خافقها وهي تقول بألم: -رغم كل الوجع ده، لكن أنا متأكدة إنك بتحبني، حتى لو أنت نفسك متعرفش يا عدنان. ***
تنظر إلى انعكاس صورتها في المرآة وهي تسأل نفسها من تلك التي تطالعها الآن بتلك الزينة القوية وتصفيفة الشعر التي لم تجرب مثلها من قبل؟ ذلك الفستان الذهبي الذي يكشف عن ذراعيها وبه فتحة طوليه تظهر ساقها بسخاء؟ هل هي تلك الفتاة البريئة، ابنة الأستاذ حليم؟ أم هي فتاة أخرى تلونت كحرباء تجيد التخفي بألوانها وسط الأشياء؟ ليس لديها إجابة، وتعتقد أنها لن تجد يومًا. طرقات على باب غرفتها، ثم دخول ذلك الرجل المدعو ترتر
وهو يقول بصوته المائع: -جهزتي يا ست الكل؟ الناس في الصالة برة زهقوا من كتر الغنا وجالهم صداع. ألتفتت إليه وملامحها شاحبة بخوف قرأه ذلك الرجل بوضوح، فقد عمل مع الكثير من الراقصات ويعلم جيدًا معدن كل منهن. أقترب منها وقال بصوته المائع: -واضح أن دي أول مرة ليكي. لكن متقلقيش، الناس إللي قاعدة بره دي من نظرة عقلهم بيطير. ومع أول هزة من وسطك هتلاقيهم كلهم تحت رجليكي. ومن بعد أول خمس دقايق رجلك هتهز الأرض بثقة.
أقترب خطوة أخرى ووضع يده على خصرها وقال بإيحاء: -المهم الدلال. وتظهري أنوثتك المتفجرة دي صح. أنهى حديثه بغمزة، لترتجف أكثر وهي تقرأ معاني كلماته. لتقول بصوت مرتعش: -هو سي بيبرس فين؟ -في الصالة يا ست الكل. ده مكانه وإنتِ مكانك دلوقتي على المسرح. قالها وهو يمسك يدها ويغادرا الغرفة. كانت تشعر أنها تساق إلى حذفها. وقفت خلف الستار تستمع لصوت المقدم وهو يقول:
-مع النجمة المتألقة… الست إللي هزت وسطها بقوة سبعة رختر… الزلزال إللي بيتحرك على رجلين… زيزي! وعلت الموسيقى مع دفع ترتر لها، لتجد نفسها على وسط المسرح وكل الناس بالصالة يصفقون لها. لكن عيونها كانت تبحث عنه هو، كأنها تريد أن ترى في عينيه نظرة تشعرها بالأمان، أو أن تجد بها نظرة رادعة تجعلها تركض إلى الداخل هربًا. لكن وجهه الخالي من التعابير وصوت الناس من حولها جعلها تبدأ بالتمايل.
لتعلوا الصيحات لتزداد حركتها، خاصة حين أقترب شخص ما وبدأ نثر بعض الأوراق المالية أسفل قدميه. ليلحقه شخص آخر وآخر، لتلمع عيونها بانبهار وبدأت في التمايل بسعادة متناسية كل خوفها… وأفكاره… وخلعت عنها ثوب الاحتشام والفضيلة وتعاليم أستاذ حليم وإرشاداته.
ومن مكانه كان يتابعها يشعر بثورة غضب قادرة على تحطيم كل شيء. لكنه الآن أصبح مقيدًا ولا يستطيع الاعتراض أو الرفض. حتى أنه لا يستطيع أن يبتعد عن هنا… أن يغمض عينيه عن جمالها الذي ينظر إليه الجميع الآن. لماذا يرى جمالها يتضائل؟ والغريب أنه يشعر أن رجولته أيضًا تتضائل. ***
في صباح اليوم التالي، استيقظت سليمة بنشاط وسعادة. ما أجمل ذلك الشعور وهي تسير في طريق أحلامها بوظيفة تستحق العناء وراتب سيغير مسار حياتها ويساعدها في تحقيق كل ما تريد. تناولت وجبة الإفطار مع والديها بمرح وسعادة وغادرت باكرًا حتى لا تتأخر على عملها. تريد أن تكون ملتزمة من اللحظة الأولى. كانت تنظر لوجه البشر من حولها وهي تسير في الشارع، تود لو تصرخ بصوت عالٍ حتى تخبر الجميع أنها تعمل بمؤسسة الخشاب.
اهتمت بملابسها وهيئتها اليوم، أنه يعتبر أول يوم عمل. إلا أن سعادتها كانت تصل إلى عنان السماء بسبب سعادة والدتها حين أخبرتها بما حدث بالأمس. وقفت عند النافذة تزغرد بسعادة حتى أن جميع من بالحي كان يظن بأنها قد خُطبت. وصلت الشركة وبخطوات ثابتة توجهت إلى مكتبها، لكن عيونها كانت تنظر لكل شيء حولها. إن الموظفين يعملون كخلية نحل، كل يقوم بعمله في صمت وبإتقان.
وصلت إلى مكتبها لتجد رجاء تجلس خلف مكتبها تجمع أغراضها، لتلقي عليها التحية بابتسامتها الطيبة: -صباح الخير يا رجاء. رفعت رجاء عيونها إليها وقالت بابتسامة مشابهة لخاصتها وهي تجيبها: -صباح الفل. جاية في معادك أيوة كده. -أنا في الانضباط معنديش، يا أما ارحميني. ليضحكا ببعض المرح، وبدأت سليمة في العمل تحت إرشادات رجاء. لكن ما كان يثير دهشتهم هو عدم وصول مديرهم حتى الآن. والذي علقت عليه رجاء بصدمة:
-أول مرة يتأخر كده… ربنا يستر. لتشعر سليمة بالإندهاش، لكنها لم تعلق، وبدأت في ترتيب المكتب حولها بطريقتها الخاصة والتي تسهل عليها العمل. *** فتح عينيه يشعر بألم حاد في رأسه. جسده يؤلمه وكأنه كان يخوض نزال ملاكمة. أعتدل جالسًا وهو يئن بألم، لكنه تأخر كثيرًا وهو لم يعتاد على التأخر. توجه إلى الحمام، أخذ حمام دافئ حتى يعيد إليه بعض نشاطه. وسريعًا أرتدى ملابسه. لكن حين وقف أمام المرآة جحظت عينيه بصدمة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!