وصل عبدالله إلى الشركة ووجد سليمة تقف خلف مكتبها تطلب وجبة إفطار خفيفة. لينظر لها باستفهام. لتغلق الهاتف ووقفت أمامه تقص عليه كل ما حدث. وقبل أن يسألها حين استيقظ كان بأي شخصية، أجابته هي قائلة: "لما فاق كان الباشمهندس أدهم، لأنه كان بيتكلم بذوق وأدب ونظرات عينيه ما فيهاش وقاحة." أومأ بنعم مندهشًا من قدرتها على التفريق بين سن الشخصيتين، خاصة وهي لا تعرف أدهم منذ فترة طويلة. توجه إلى مكتب أدهم الذي شعر بالاندهاش حين
وجده يقف أمامه ليقول بقلق: "عبدالله… غريبة.. هو عدنان اتصل بيك ولا إيه؟ "آه… كنت خايف عليك قلت يبقا موجود معايا." أجابه عدنان بسرعة ليجلس عبدالله بجوار أدهم. لكنه ظل صامت ليشعر أدهم أن هناك خطب ما، خاصة مع نظرات عدنان القلقة. ليسأل بحذر: "هو فيه حاجة حصلت؟ لكن طرقات على باب المكتب ودخول سليمة وبين يديها علبة صغيرة بها بعض الشطائر على حامل وجوارها كوب من العصير. أعطى بعض الوقت لعبدالله حتى يرتب ما يريد قوله.
وضعت سليمة ما بيدها على الطاولة أمام أدهم وقالت بابتسامتها التي خطفت نبضات قلبه منذ اللحظة الأولى: "أنا هلغي من قائمة المواعيد الموعد الأول لحد ما ترتاح حضرتك شوية، ولسة ساعتين على الموعد الثاني." "شكرًا يا آنسة سليمة." قالها أدهم بامتنان. لتغادر بهدوء. ليجلس عدنان على الكرسي المجاور للأريكة حين قال عبدالله: "أنا قابلت الشخصية التانية يا أدهم." لينتبه كل من أدهم وعدنان لكلمات عبدالله. لكن أدهم قال بصدمة: "إزاي؟
وإمتى؟ كذلك عدنان الذي شعر بالخوف للحظة. لكن عبدالله قال بهدوء: "اهدوا علشان نقدر نتكلم." وقص عليهم كل ما حدث منذ محادثة سليمة حتى تلك اللحظة. ليقف أدهم قائلًا بصدمة: "يعني أنا بشخصيتي التانية ساكن جنب سليمة وهي بقت عارفة كل حاجة." ليقف عدنان خلفه قائلًا بتردد: "علشان كده بعد ما فاق قربت مني وقالت متخافش ده باشمهندس أدهم، وبصراحة اتفاجئت من كلامه." ليقف عبدالله وقال موضحًا:
"في الحقيقة هي قادرة بكل بساطة تفرق بين الشخصيتين. قالت أكتر من مرة باشمهندس أدهم محترم، لكن ثامر قليل الأدب." "ثامر." نطقها أدهم وعدنان معًا. ليقول عبدالله موضحًا: "ده اسم الشخصية التانية." ليرفع أدهم يديه يمسد جبينه لعدة لحظات. ثم قال بعد أن نفخ الهواء من صدره: "يعني الشخصية التانية اسمها ثامر وساكن جنب سليمة.. وبيشرب ماريجوانا مخلوطة في القهوة.. شخص وقح وقليل الأدب.. وايه تاني؟
لم يجيب أحد على سؤاله. ليعود ويجلس على الأريكة ينظر إلى صديقه وابن عمه بتشتت وضياع. ليشفق عبدالله على حاله. فأقترب منه وجلس جواره وقال بهدوء وروية: "المهم إننا قابلنا الشخصية التانية وبدأنا نعرف تفاصيل عنها.. وبكده ممكن نقدر نسيطر عليها.. بلاش يأس أرجوك." ظل أدهم صامت لدقيقة كاملة. كان كل من عبدالله وعدنان يشعران بالشفقة عليه. لم يتحمل عدنان أن يراه على تلك الحالة. فأقترب منه وجلس على ركبته أمامه وقال بابتسامة صادقة:
"متخافش يا أدهم، كلنا معاك وحواليك.. حتى الآنسة اللي بره دي." وقال الأخيرة بغمزة شقاوة. ليبتسم أدهم للحظة. ثم ضربه بقوة على كتفه جعله يقع للخلف جالسًا. ثم قال: "ملكش دعوة بسليمة يا عدنان." ليرفع عدنان حاجبيه بصدمة مصطنعة ووضع يده على صدره وقال بحزن: "عيب عليك يا أدهم، دي هتبقى مرات أخويا." ليضحك عبدالله وعدنان بصوت عالي. وظل أدهم على عبوسه لعدة ثوان. ثم ضحك هو الآخر بصوت عالي.
لتصل صوت ضحكاتهم إلى تلك الجالسة بالخارج. لتبتسم براحة وبدأت في استكمال عملها براحة. *** أنهت ظلال البرنامج بمرحها المعتاد. فالمناقشات والجدال مع مراد والمتصلين جعلها تنسى ولو قليلًا ما حدث. وكان.. ويختفي حزنها وانغلاقها وانطلقت تجادل وتدافع عن رأيها بحماس كبير. كان يجمع أوراقه لكن عينيه لا تفارقها. "عارفة إنك إعلامية ممتازة." نظرت إليه باندهاش وابتسامة رقيقة ترتسم على محياها. ليكمل هو لكن وعينيه
تنظر إلى الأوراق بين يديه: "لأنك قدرتي تنسي كل اللي مضايقك وتعبك، وبقيتي بس ظلال المذيعة المحترفة والمتمكنة." اخفضت ظلال عيونها أرضًا وقالت بسعادة: "دي شهادة ووسام من إعلامي كبير زيك.. وتخليني أفتخر بنفسي." ينظر لها ونفس الابتسامة على ملامحه وقال بصدق: "صدقيني أنتِ ليكي مستقبل هايل.. وهتبقي إعلامية مميزة وممكن يكون ليكي فرصة كبيرة في التليفزيون." ظلت صامتة تنظر إليه بنظرات تختلط بها السعادة والإعجاب.. والاندهاش.
وظل نظره ثابت وكأنه يحاول سبر أغوارها.. تاركًا لها كل الوقت في استيعاب كلماته.. وأيضًا كل الوقت التي تريده في تأمله. شعرت بالخجل من نظراته وتأملها له. فخفضت عينيها وهي تقول: "هو أنت بجد يا مراد؟ ظهر الاندهاش على ملامحه خاصة مع تقطيبه حاجبيه التي لم تستمر أكثر من ثانية. وهو يسألها: "يعني إيه أنا بجد؟ رفعت عينيها تنظر إليه بثقة وقالت بثبات:
"أنت إعلامي كبير.. رغم طبعًا صغر سنك.. لكن محدش يقدر ينكر قدراتك وامكانياتك.. وقدام الخبرة الكبيرة واسمك الكبير في مجال الإعلام.. لكن ما فيش غرور.. متجدد.. بتقبل تسمع كل الآراء حتى لو عكس رأيك.. والأكثر من كده.. إزاي بتسيب ليا مساحة كبيرة في الحلقة.. مش عايز تبقى أنت بس اللي ظاهر.. لا أنت عايزني أنجح.. لو حد غيرك…" رفع يده يطالبها بالتوقف وأبتسم ابتسامة صغيرة لكنها صادقة. وأقترب قليلًا منها قائلًا:
"لو تعرفي كلامك ده بالنسبة ليا إيه.. خصوصًا إنه منك أنتِ بالتحديد يا ظلال… لكن أنا مش ملاك ولا شخص مثالي.. لكن أنا شخص واعي وفاهم إني لو فضلت متمسك بأفكاري بس هفضل في مكاني.. وهبقى دقة قديمة زي ما بيقولوا.. أنا لازم أجدد." صمت لثوان وتحولت ابتسامته لشيء آخر لم تستطع ظلال تفسيره. لكنه لمس شيء بداخلها.. جعل دقة بقلبها تختلف عن مثيلاتها. لتخفض عينيها. لكنها رفعتهم سريعًا حين قال:
"أنتِ مميزة بالنسبة ليا.. وفي مكانة خاصة جدًا… وعايز أشوفك ناجحة ومحققة حلمك.. اللي هو حلمي.. لإنك…" صمت غير قادر على الإكمال.. أو صمت حتى يجعلها تسأل.. هي ماذا؟ أو صمت ليثير فضول الأنثى بداخلها. ورغم كل هذا كاد أن يكمل. لكن دخول مساعده المفاجئ جعله يبتلع باقي كلماته غصبًا.. ويشعل نار فضولها أكثر. "أستاذ مراد مدير المحطة عايز حضرتك." كانت كلمات المساعد سريعة ويظهر على ملامحه الضيق. ليقف مراد بعد أن قال لظلال:
"استنيني علشان هنروح نفطر سوا.. أنا مش هتأخر." أومأت بنعم ليغادر مع مساعده الذي بدأ يخبره بما سمعه. لتتحول نظرات مراد التي كانت منذ ثوان قليلة سعيدة ومبتسمة لشيء أخر. تجعل كل من يراه الآن يشعر بالخوف. ***
تقف عند طاولة الطعام تضع الأغراض المدرسية في حقائب أبنائها. لكن عقلها شارد فيه. إنه لم ينم ولم يغادر مكانه من جوار السرير. ظل بعد حديثها له على نفس الجلسة دون حرام. ولم يتحرك إلا بعد الاتصال الذي وصله من عدنان. وفهمت منه أن أدهم صديق عبدالله الوحيد مريض وأنهم في حاجة إليه. لكن ما فعله قبل أن يغادر هو ما جعل قلبها يتأرجح من جديد.. بين فكرة إعطائه فرصة جديدة.. وبين قرار عقلها بضرورة إنهاء تلك المهزلة.. والاكتفاء بكل تلك الخسائر التي يشعرون بها.
أغمضت عينيها لثواني لتتذكر كلماته الأخيرة قبل رحيله: "عارف إني مستاهلش.. وعارف إني خسرت واستاهل أعيش بالخسارة والحسرة طول عمري.. بس أرجوكي يا لبنى أديني فرصة.. فرصة واحدة بس.. أنا بحبك يا لبنى وبطمن بوجودك.. ويمكن ده اللي خلاني فاكر إني مهما عملت عمري ما هخسرك.. وطلعت أكبر حمار.. أنا آسف حقك عليا.. بس ارجوكي فكري.. فرصة واحدة بس.. ارجوكي."
وانحنى يقبل رأسها وكتفها.. ثم ضمها بقوة كطفل صغير يحاول أن يحصل على بعض من حنان أمه الغاضبة منه. وغادر ليبدل ملابسه.. لكنه عاد من جديد. ولكن تلك المرة لم يتحدث. لكنه أمسك يدها من أسفل الغطاء وقبلها عدة مرات.. والأخيرة شعرت بها أنها قبلة توسل ورجاء لمست قلبها.. ألمته بشدة. لكنها لم تستطع رفع الغطاء عن وجهها والنظر إليه. ليغادر هو بصمت. وعادت هي إلى البكاء.
عادت من أفكارها على صوت مزاح ابنتها مع أخيها تخبره بفخر إنها قد نالت منه بسبب خسارته أمامها هي ووالدها بالأمس. لينظر لها بازدراء ولم يعلق. ثم أقترب من والدته وقال: "ماما أنتِ كويسة.. عينك؟! لم يكمل حديثه.. لتضمه لبنى بحنان وقالت: "الجو اليومين دول مش حلو فعملي حساسية في عيني." ثم ربتت على ظهره وهي تقول بتأكيد: "خلي بالك من أختك.. أنت راجلها اللي يحميها ويخاف عليها.. وأنا ببقى مطمنة عليها وأنت معاها."
أومأ بنعم وبداخل عينيه سعادة كبيرة وفخر رجولي رغم صغر سنه. وتحرك وهو يقول بأمر مرح: "يلا يا بنتي أنتِ سلامة ولازم أخلي بالي من كل." تضحك أخته بسعادة وتحركت خلفه بعد أن ضمت والدتها وأهدتها قبلة صغيرة. أغلقت لبنى الباب خلفهم وعاد عقلها لحيرته من جديد.. والدموع صديقه أيامها. *** أخذت الأوراق التي كانت جاهزة بالفعل وظلت تنظر إلى الباب بتوتر وقلق لعدة لحظات. ماذا عليها أن تفعل معه؟
هذا هو السؤال الذي يدور داخل عقلها. لكن كلمات عبدالله لها قبل رحيله تتردد في أذنها ترشدها لفعل الصواب: "أدهم عرف إنك عارفة.. اتعاملي عادي جدًا وياريت ميشوفش في عينك أي نظرة من نوع الشفقة أو عدم الاستيعاب أو الرفض.. علشان كل ده هيأثر جدًا في علاجه.. وإحنا على معادنا وهشرحلك كل حاجة بالتفصيل." وقفت بعد أن أخذت عدة أنفاس متلاحقة وطرقت الباب ودخلت بهدوئها المعتاد.
كان يتابع خطواتها وهي تقترب منه بترقب وقلق وكأنه طالب ينتظر نتيجة امتحان لم يبلي فيه حسنًا ويعلم أنه سوف يرسب. حين وقفت أمام المكتب مدت يدها بالأوراق وهي تقول: "خلينا نستغل الوقت الفاضي والراحة دي وحضرتك تمضي بقى على كل الإيميلات والفاكسات المتأخرة." أخذ منها الأوراق وأشار لها أن تجلس. لتتحرك وتجلس مكان ما أشار لها. لينظر للأوراق وهو يقول بابتسامة متوترة: "أكيد جواك أسئلة كتير.. وتخيلات وتوقعات."
لتنظر إليه بابتسامتها التي يعشقها.. تلك التي خطفت نبضاته. وقالت بصدق استشعره بكل جوارحه: "ده حقيقي طبعًا ولو قولت غير كده أبقى كذابة.. بس كمان أنا عارفة إن ده شيء شخصي جدًا ومش شرط أعرف كل التفاصيل. وإن ده قرارك وقت ما تحب تقول هتقول." أبتسم لها وهو يقول بمرح: "يعني نفسك تعرفي شوية تفاصيل." شعرت بالخجل وتلونت وجنتيها بحمرة لذيذة لعينيه. لكنه قال بصدق:
"صدقيني أنا كمان عايز أعرفك ومش بس شوية تفاصيل.. بس اصبري عليا أفهم أنا وبعدين هفهمك كل حاجة." شعرت أن كلماته تحمل معنى أكبر مما تبدو. ظلت تنظر إليه. لكنه أخفض عينيه إلى الأوراق وبدأ في القراءة والتوقيع حتى انتهى من كل الأوراق. رفع عينيه ينظر لها ومد يده بالأوراق وهو يقول: "مضيت على كل حاجة أهو.. مدير شاطر وبسمع الكلام.. من فضلك اطلبي لي فنجان قهوة أشربها علشان أفوق قبل أول موعد." وقفت وهي تبتسم على كلماته.
لكنها قالت بهدوء: "حاضر يا باشمهندس." وتحركت لتغادر. لكنها وقفت عند الباب ونظرت إليه وهي تقول بمرح: "بس حضرتك بتبقى مختلف تمامًا وأنت ثامر.. جريء كده وكلامك قليل الأدب ونظراتك جريئة.. بس هو إيه ثامر ده.. جبت الاسم ده منين؟! من قلة الأسماء يعني؟
ليضحك بصوت عالي.. غير مصدق. إنها حولت مأساته لفيلم كوميدي. تقبلها للأمر دون تعقيد.. وبلا نظرات شفقة.. أو خوف جعله يشعر إنه قادر على مواجهة أي شيء. حتى إنه للحظة تخيل إنها تجلس جواره تمسك بيده.. تربت عليها برقة وحنان وتشجعه. أخذ نفس عميق به بعض الراحة. وهمس لنفسه باندهاش: "شكلك وقعت يا أدهم ولا إيه؟ ***
إنها المرة الأولى التي يحضر فيها إلى الملهى نهارًا. هو معتاد على الحضور ليلاً. لذلك كان يشعر بالاندهاش من المكان وبعض الغربة أو الوحشة. لقد كان المكان خالي تمامًا من البشر. الطاولات غير مرتبة.. والكراسي موضوعة فوق الطاولات بشكل مقلوب.
خطواته تعرف طريقها جيدًا.. إلى غرفة الجوكر. سوف ينهي معه الأمر اليوم. عليه أن يخرجها من ذلك الوحل الذي أوقعها فيه بيده. يجب أن تعود زيزي من جديد تلك الفتاة البريئة صاحبة الابتسامة الرقيقة.. سيدة حيهم وسيدة قلبه. عليه أن يعيد كفتي الميزان لتتوازن. العقل يقول إنه هو من كان عليه التغير. عليه أن يرتقي بنفسه حتى يصبح لائق بها.. لا أن يسقطها هي من برجها العاجي.. ويغرسها في وحل الشرف.
وصل أخيرًا أمام باب غرفة الجوكر. لكنه وقبل أن يطرقه أو يفتحه وصله صوت الجوكر وهو يقول بصوت غريب أثار اشمئزاز بيبرس: "يا باشا هي يعني فيها إيه زيادة.. دي قفل.. أنا فاهم دماغك وديما بريحك.. ده أنت بتلف تلف وترجع لي أنا في الآخر." ليجيبه ذلك الباشا قائلاً بصوت أجش:
"صحيح أنت ديما بتريحني.. وفاهم دماغي.. وعارف إزاي تبسطني.. بس أنا ليا مزاج فيها.. البت دي بلدي.. جسم يهبل.. وعنيها النعسانه دي.. برائتها اللي عايز أنا بأيدي أقطفها.. وأكون أول واحد يدوق الشهد والعسل المصفى الطبيعي."
نار تشتعل بداخله تحرقه بلا رحمة. هو موقن أن حديثهم هذا يخص زيزي. لم يعد يحتمل. ليفتح الباب وبداخله قد قرر اليوم هو قاتل أو مقتول من أجلها. لن يغادر هذا المكان إلا وقد أنهى ذلك الأمر إلى الأبد. لكنه وقف مكانه غير قادر على الحركة. وكأنه تمثال من الشمع. عينيه جاحظة تكاد تغادر محجرهما. فمه مفتوح بصدمة. وانفاسه قد توقفت داخل رئتيه. لا هو قادر على إخراجها.. أو إدخال بعض الهواء لصدره عله يبقى على قيد الحياة.
توقف الموقف على الجميع. والصدمة واضحة على الوجوه الثلاث.. بل الأربعة. كان الجوكر وذلك الرجل المدعو الباشا في وضع حميمي يهتز له عرش الرحمن. وترتر يجلس في أحد الأركان جوار الأرجيلة وبعض الطعام. هو أيضًا مجرد من ملابسه. صدمة ما يراه أمامه الآن هو صدمة لا يستطيع عقله تصديقها أو استيعابها.
لكنه تدارك نفسه سريعا وقرر استغلال الأمر لمصلحة زيزي. أخرج سلاحه الذي سلمه له الجوكر مع أول يوم عمل في هذا المكان. وأغلق الباب بهدوء وأبتسم ابتسامة ثقة. تحمل الكثير من الاشمئزاز والتهديد. ليقول الباشا بصوت مرتعش: "أنت.. أنت…" "أنت بتهته ليه.. اهدى كده ومتخافش.. أنا مش هفضحكم بس ليا شروط عايزها تتنفذ وهمشي من هنا ومش هتشوف وشي تاني." قال بيبرس بهدوء حذر. والجدية ترتسم على ملامحه الخشنة. وحاجبيه المرفوعين بشر.
ليقول الجوكر بصوت عالي: "أنت اتجننت يا بيبرس.. أنت نسيت نفسك." "طيب بدل ما تزعق كده ما تحاول تستر نفسك.. ولا عادي وقفتك قدامي كده؟ نظر الجوكر إلى نفسه لينتبه أنه كان بلا ملابس. ليتحرك خطوة حتى يحضر ملابسه. ليرفع بيبرس سلاحه في وجه الجوكر وهو يقول بأمر: "اقف مكانك يلا ومتتحركش.. هتفضلوا بمناظركم دي كده لحد ما آخد اللي أنت عايزه وأمشي." ثم أخرج هاتفه وبدأ يلتقط لهم بعض الصور. ثم قال: "ده بس علشان ضمان الحق."
ليقول الباشا بتوسل: "عايز كام وتنهي الموقف ده وتمسح الصور.. اللي تطلبه هتاخده." ظل بيبرس ينظر إليه بتقزز. ثم قال موجهًا حديثه لخامس (الجوكر) "أنا مش عايز فلوس.. أنا عايز عقد زيزي.. وعقدي.. واوعدك همشي من هنا ومش هتشوف وشي نهائي.. حتى أنا بوعدكم إني هنسى نهائي إني شفت خلقكم."
ظل خميس صامت ينظر إلى بيبرس بغضب. الآن يخسر كل ما كان يسعى إليه ويتمناه. لقد حلم بالكثير من خلف زيزي. والآن يأتي هذا القذر يهدم له أحلامه. ويحطم له كل الآمال في مكاسب كبيرة. الآن عليه الخضوع لبيبرس وترك تلك الغزال الشارد يفلت من يده. هو لن يقبل بهذا. ليصرخ به الباشا: "أنت لسه بتفكر.. نفذ له اللي هو عايزه.. خلينا نخلص.. ولا أنت عاجبك وقفتنا قدامك كده؟ نظر خميس إلى الباشا. وقال باستسلام: "أوامرك."
وتحرك إلى الخزنة الموجودة بجوار المكتب فتحها وأخرج عقد زيزي. ليقول بيبرس بأمر: "والعقد بتاعي كمان." لينظر له خميس بغضب وغل. لكنه عاد يبحث في الأوراق حتى أخرج عقده هو الآخر. وقبل أن يتحرك. قال بيبرس بابتسامة سمجة: "هو مفيش مكافأة لنهاية الخدمة المقرفة دي؟ ليخرج الجوكر عن السيطرة وصرخ به بعد أن نطق لفظ نابى: "أنت بتلعب في عداد عمرك يا بيبرس."
"أنا لعبت فيه من يوم ما اشتغلت في المكان القذر ده.. ومن يوم ما بأيدي سلمت زيزي لواحد قذر زيك.. وأهو بصلح غلطي." قال بيبرس بصوت عالي. ثم أشار له وأكمل: "حط بقى كل الفلوس اللي في الخزنة جوة شنطة حلوة كده مع العقود علشان أمشي أنا وأسيبكم بقى تكملوا القرف اللي انتوا بتعملوه ده.. أو يمكن ربنا يتوب عليكم وأبقى كسبت فيكم ثواب بدل ما تتحشروا يوم القيامة مع قوم لوط وتتشووا في نار جهنم."
ليتحرك خميس يضع المال والعقود بالحقيبة. واقترب من بيبرس الذي خطف الحقيبة بقوة وألقى عليهم نظرة خاطفة وهو يقول: "أول ما أخرج من هنا وعد همسح الصور بتاعتكم.. وهكسر التليفون وأرميه علشان مش عايز حاجة تفكرني بيكم." وسار عدة خطوات لكن للخلف حتى تبقى عينيه عليهم ولا يقوم أي منهم بحركة مفاجئة. حين أغلق الباب أطلق ساقيه للريح راكضًا إلى الخارج. والابتسامة تزين ملامحه.. غافلاً على ما ينتظرهم من أهوال منذ تلك اللحظة. يتبع…
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!