عاد عبد الله إلى بيته وعقله منشغل تمامًا بما وصل له صديقه. وإلى أين سوف تذهب به هذه الشخصية؟ وماذا فعل سابقًا؟ وهل سيصل الأمر إلى تحكم كامل في حياته؟ وكيف يستطيع مساعدته وحل الأمر؟ الحيرة والخوف والقلق ينهشان عقله دون هوادة. لكن حين دخل إلى غرفته ووقعت عيناه على جسد زوجته التي تنام بوضع الجنين، قلبه وجعه بشدة واكتشف أن لديه مشكلة كبيرة أخرى عليه حلها بشكل سريع.
أقترب بهدوء منها وجثى على ركبتيه بجوارها ينظر إلى وجهها البريء، وآثار الدموع التي مازالت عالقة على أهدابها، وتلك الشهقة التي تصدر خافتة منها، دليل على بكاء طويل. أغمض عينيه بقوة واعتدل في جلسته أرضًا ثم قال بصوت هامس: "أنا آسف يا لبنى بجد آسف. عارف إني بعيد عنك ومقصر في حقك، وإني مش قادر أعمل توازن بين شغلي وبيتي، بس يمكن لأني مطمن بوجودك حاسس إن كل شيء في البيت كويس طول ما إنتِ موجودة."
كان يتحدث وهو ينظر أرضًا، لكن يده تمسك يدها المستريحة على السرير بجوارها. فلم يشعر بها حين فتحت عيونها تنظر له بحزن. أكمل كلماته الهامسة: "أنا اكتشفت إني دكتور شاطر، لكن زوج فاشل، ومش أب حقيقي لولادي. أنتِ بالنسبة لهم الأب والأم. أنا حتى معرفش هما في سنة كام، أو بيدرسوا إيه." ابتسم ابتسامة ساخرة وهو يقول: "أنا حتى معرفش عنك أنتِ أي حاجة. أنا آسف.. آسف."
"اعتذارك هيفيد بإيه وأنا بقيت حاسة نفسي سنجل رغم إني متجوزة وجوزي موجود." قالت كلماتها بصوت مبحوح، ليرفع عينيه إليها ليراه تلك النظرة اللائمة والحزن الشديد الساكن بداخل عينيها. لتكمل هي كلماتها بحزن وحسرة:
"أنت نسيتنا ومش بتفكر غير في شغلك وعيانينك. بتعالج نفسية الناس كلها وسايب نفسيتي ونفسية ولادي تتعب. بتملى فراغ في حياة ناس كتير، وسايب فراغ في حياة أهم الناس في حياتك. أنا زهقت يا عبدالله.. زهقت وتعبت. أنا شايلة كل المسؤولية لوحدي. خلاص وجودك من عدمه مبقاش فارق في حياتي وحياة ولادي."
أنهت كلماتها بابتسامة حزينة حين اتسعت عيناه بصدمة من كلماتها التي كانت تشبه الصفعات على وجهه، جعلته ينتبه من غفلته وضلاله. وقبل أن يقول أي شيء، رفعت الغطاء فوق رأسها وهي تقول: "ياريت تنام على الكنبة." خيم الصمت عليهم، هي تبكي بصمت وهو أيضًا انحدرت دموعه وهو يرى الخسارة تلوح له بسخرية. لينظر إلى يده الفارغة من يدها التي سحبتها بقوة ليغمض عينيه بحسرة. ***
في صباح اليوم التالي، استيقظت سليمة وهي تشعر بألم قوي في رأسها. لقد ظلت طوال الليل تفكر فيما حدث بين الطبيب وأدهم أو هذا ثامر. لكن لو كان عقلها قادرًا على التخيل والتصور، هي مؤكدًا لن تصل إلى ما عرفته من الطبيب الذي اتصل بها وأكد عليها موعدهم في الغد، لكنه شدد على عدم إخبار أدهم عن أي شيء أو سؤاله عن أي شيء. وأنه مريض باضطراب الشخصية المتعددة. أدهم مريض نفسي، ولديه شخصية أخرى، وتلك الشخصية هي ثامر.
لتكثر الأسئلة داخل عقلها: لماذا شخص مثل أدهم الخشاب يصاب بمرض كهذا؟ ولما شخصيته الأخرى اختارت أن تكون جوارها هي؟ وهل كان يعلم من الأساس أنها تسكن في نفس البناية؟ وإلى أي مدى خطورة هذا المرض؟ وماذا عليها أن تفعل الآن؟ هل تترك العمل في مؤسسة الخشاب؟ أم تنتظر لتفهم وبعد ذلك تحدد؟ الكثير والكثير من الأسئلة ولم تجد إجابة واحدة مرضية تريحها. لتغادر السرير بتثاقل وعقلها مازال يدور في دوائر الحيرة.
وقفت مكانها فجأة وهي تفكر: ماذا ستخبر والديها عن سبب تأخيرها بعد العمل؟ نفخت الهواء من صدرها وهي تقول: "يعني هكذب عليهم؟ أنا عمري ما كذبت. اعمل إيه بس؟ يارب ساعدني." ***
خرجت ظلال كعادتها صباحًا، ولكن حالها لم يتغير كثيرًا. عينيها منتفختان من كثرة البكاء، وتشعر بالخوف على أدهم الذي لم يعد إلى القصر منذ ليلته أمس. ولا تعلم ماذا كان سيصبح حالهم لولا اتصال عبدالله ليخبرهم أن أدهم بخير، لكنه يريد أن يبقى بمفرده قليلًا. فلقد كان عدنان على وشك الخروج للبحث عنه، وإن احتاج الأمر لأبلغ الشرطة.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة، لا تجد جدتها تجلس في مكانها المعتاد على رأس طاولة الطعام. كل شيء انقلب في حين غرة. لكن ما لفت انتباهها حال عدنان الغريب، خوفه الشديد على أدهم، المختلط بهدوئه العجيب. نظرة عينيه التي ذكرتها بنظرته لحظة وفاة والده: الاحتياج، لكن بعناد ورفض. رجاء بأن يضمه أحد إلى صدره، وكبرياء مجروح يرفض الاعتراف بهذا الاحتياج. ماذا يحدث معه؟
بداخلها صوت يصرخ أن عدنان يحتاج إلى المساعدة، لكن ما نوع هذه المساعدة هي لا تفهم. وصلت إلى الاستوديو، وقبل أن تترجل من السيارة، وضعت نظارتها الشمسية تخبئ خلفها عيونها المتورمة. لا تريد أن تظهر ضعفها وخوفها لأحد. أيضًا لا تريد أن تكشف سر مرض أخيها الغريب لأي شخص، حتى مراد. بل وبالتحديد مراد.
وعند الباب، وقفت تأخذ عدة أنفاس متلاحقة، ثم فتحته وخطت إلى الداخل كعادتها. ظهرها مستقيم، خطواتها ثابتة ورنانة. أنفها المستقيم مرتفع في شموخ، تحيي الجميع بإيماءة من رأسها. وحين جلست بجوار مراد قالت بهدوء: "صباح الخير." "صباح النور يا ظلال. عاملة إيه النهاردة؟ سألها مراد باهتمام وقلق. ابتسمت ابتسامة صغيرة جاهدت حتى ترسمها على ملامحها وقالت: "الحمد لله. كويسة وهبقى أحسن كمان إن شاء الله."
كانت نظراته تحمل الكثير من الإعجاب وخوف صادق شعرت به ولمس قلبها، وسبب لها تجمع الدموع في عينيها من جديد. لكنها قالت بعد أن أجّلت صوتها: "الحلقة النهاردة عن إيه؟ "عن الصداقة وأهميتها في حياتنا، وبالأخص الصداقة بين أي كابل." أجابها وهو ينظر إلى الأوراق أمامه. لتقول هي بإعجاب:
"حلو الموضوع ده. بابا وماما الله يرحمهم كان فيه بينهم نوع من أنواع الصداقة الغريبة. كانت بتسمعه وتفهمه حتى في أخطائه، وكانت تقدر تفرق بين الوقت اللي هو محتاجها فيه كزوجة والوقت اللي محتاجها فيه كصديقة." ابتسامته وهو يستمع لبعض من تفاصيل حياتها جعلتها تشعر بالخجل، خاصة حين قال: "الله يرحمهم. بتمنى شريكتي يكون بيني وبينها الرابط ده. تكون صديقتي وحبيبتي، بنتي وأختي، وأم أولادي، وشريكة سكن وطريق." واقترب منها قليلاً
وقال باستفهام: "تفتكري ممكن ألاقيها؟ نظرت له من خلف نظراتها، ولمعت داخل عيونها تلك النظرة التي كانت ستسعده بشدة لو رآها، لكنها قالت بهدوء شديد: "دور، وأكيد هتلاقي." وقبل أن يقول أي شيء، سمعوا صوت المخرج يطلب منهم الاستعداد، ويشير لهم ببداية الحلقة. لتقول ظلال بصوتها المميز رغم الحزن الواضح فيه:
"صباح الخير مستمعينا الكرام، معاكم ظلال حسام ومراد منير، وموضوع حلقتنا النهاردة عن الصداقة وخصوصًا بين الكابل. منتظرين اتصالاتكم ورسايلكم وايميلاتكم، ونسمع دلوقتي أغنية 'سلامك وصلني' لعمرو دياب." *** جلست سليمة على طاولة الطعام صامتة على غير عادتها. تفكر ماذا عليها أن تفعل الآن؟ ماذا ستقول لهم؟ عقلها السارح في كل ما حدث وسيحدث جعلها لا تسمع صوت والدتها التي تناديها منذ وقت. ليضع والدها يده فوق
يدها لتنتبه له ليقول بقلق: "مالك يا بنتي؟ أنتِ تعبانة ولا إيه؟ ابتسمت بصعوبة وقالت بخجل واضح: "لا يا بابا أنا كويسة، بس المدير بعت امبارح رسالة وقال إننا هنتأخر النهاردة في الشغل شوية. وكنت بفكر في السبب وإنه شغل زيادة بقى وكده." ليبتسم والدها بحنان وقال بمرح:
"معلش الشغل مش سهل ولا لعبة. دي مسؤولية كبيرة ولازم تكوني قدها. وبعدين كويس إنك هتتأخري، خليني أعرف استفرد باليمامة بتاعتي شوية، بدل ما إنتِ كابسة على نفسنا طول الوقت." لتشهق فاطمة بصوت عالٍ وضربت يده وهي تقول بخجل: "اختشي يا راجل! إيه اللي أنت بتقوله ده! ليغمز لها بشقاوة مرحة لتضحك سليمة بصوت عالٍ وهي تغادر الطاولة تقول ببعض البؤس: "أنا هلم مشاعري الوحيدة، وبؤسي وحزني وهرحل." تحركت في اتجاه الباب،
وقبل أن تغلقه خلفها قالت: "أنا ماشية أهو يا بابا. ماشية." ليضحك والدها وهو يقول: "مع السلامة والقلب داعي لك." لتغلق الباب واختفت الابتسامة عن وجهها، وهي تنظر إلى باب الشقة المقابلة لشقتها وهمست بسؤالها: "يترى هو لسه جوه ولا روح؟ لكنها لن تعرف الآن. فتحت باب المصعد وهي ترسل رسالة إلى عبدالله تأكد موعدهم، والذي أجابها في نفس اللحظة بالتأكيد وتكرار حديثه بعدم إخبار أدهم بأي شيء حتى يتحدث معها.
وضعت هاتفها في الحقيبة وأخذت نفسًا عميقًا لتعود وتغرق في دوامة الأفكار والأسئلة التي لا تنتهي. *** ظل بيبرس جالسًا على كرسي في رواق المستشفى طوال الليل، بعد أن عاد من منزل زيزي. نظرات والدها له جعلت شيء ما يتغير بداخله. الأستاذ حليم الذي كان يحاول دائمًا أن يعيده إلى الطريق الصحيح، ولكن الآن هو أخذ ابنته لتعمل راقصة في الملهى الليلي.
عاد من أفكاره وبداخله يزداد شعور الخوف عليها رغم أن الطبيب قد طمأنه، وأن الأمر في الأساس قد مر على خير. لكن حبه لها يزيد من خوفه، وخاصة بعد حديثه مع الجوكر وانفعاله. لم يتحمل أكثر من ذلك، ومع أول خيوط النهار غادر مقعده وفتح باب غرفتها يتطلع إلى جسدها الرقيق الممدد أسفل ذلك الشرشف الأبيض البغيض.
أغلق الباب خلفه وأقترب من السرير بخطوات بطيئة حتى لا يوقظها. جلس على الكرسي الصغير بجوار السرير ينظر إلى ملامحها التي يعشقها بجنون. خصلات شعرها الطويلة السوداء، حاجبيها المرسومان بشكل مميز يزيد من سحر عيونها وجمالهم، شفتيها المكتنزة وأنفها الدقيق. ملامح كان يتمنى أن يمتلكها، أن تصبح له. لكن بغبائه جعلها ملك للجميع، جعلها متعة لجميع الرجال، وكل من يراها يتمناها أو يشتهيها. وهو لا يستطيع الاعتراض أو الرفض. ماذا يفعل الآن؟
أقترب أكثر منها يقبل يديها بحب وهمس بألم: "أعمل إيه دلوقتي يا زيزي؟ الغيرة بتموتني بالبطيء، نار بتنهش في روحي وجسمي، وببقى عايز أخرم عين أي حد يبصلك، وأقطع لسان أي حد يكلمك. عايز أخبيكي عن كل الناس. كنت فاكر لما تشتغلي في الكباريه الحكاية بينا تبقى قربت وممكن تبقي ليا، لكن دلوقتي... "ياريتك منعتني، واتجوزتني، إن شاء الله أعيش خدامة في بيتك." همست بها زيزي بصوت ضعيف، ليرفع بيبرس رأسه ينظر إليها
بعدم تصديق ويقول بسعادة: "إنتِ فوقتي؟ حمد الله على السلامة." "ياريتك منعتني. كنت ضربتني كسرت عظمي وحبستني في البيت ولا إني كنت أقع في وحل الشغل في المكان ده. أنت متعرفش إيه اللي كان بيحصل، والجوكر خلاني أعمل إيه." سقط قلبه أسفل قدميه. ماذا حدث معها؟ وكيف؟ إنه لا يغادر مكانه ولا يبتعد عنها، وهي لم تغادر المكان أبدًا، هو موقن من هذا. ودون أن يشعر، ضغط بيده على يدها الصغيرة لينغرز المغزي أكثر في يدها، لتصرخ
بالألم وهي تقول بضعف: "محصلش اللي في راسك، لكن كان ممكن يحصل." صمتت لثوانٍ قليلة ثم قالت: "إيدك هي اللي مسكت فيها وأنا بقع في الوحل ده، بس يا ترى هتكون هي نفس الإيد اللي تخرجني منه؟ ارتخت يده عن يدها، وعينيه تنظر إلى عمق عينيها، وظل حديث العيون بينهم وكأنه عراك قوي بين قضيبين لا يستاهن بهم. عيونها عشقه، وعينيه أمانها، وكلماتها تضرب عقله بقوة: "واتجوزتني إن شاء الله أعيش خدامة في بيتك". ليقول بقوة
وثقة وهو يرفع يده أمامها: "عهد عليا لاطلعك منه، ولو مقدرتش أطلعك من الوحل ده هقطعها عشان هي اللي وقعتك فيه." لتنحدر دموعها دون توقف، تبكي سقطة لوثتها ولن تتطهر منها أبدًا. وكان هو يفكر في تلك الحرب التي سيخوضها، والمتوقع نتيجتها من الآن. لكنه قال بابتسامة صغيرة مترددة: "توعديني بعد ما نخلص من القرف ده إنك تتجوزيني؟
لتبتسم بخجل وأومأت بنعم، لتتسع ابتسامته وانحنى يقبل يدها بحب، لكن عينيه كان بداخلها قلق يصل إلى حد الرعب. لكن لا تراجع الآن. *** لم يستطع أن يغادر القصر قبل أن يطمئن عليها. في الحقيقة هو يريد أن يرمي بين ذراعيها، يشعر بحنانها، تربت على ظهره بيدها التي كانت دومًا رمز الحنان والأمومة بالنسبة له. طرق باب غرفتها وسمع صوتها تسمح له بالدخول. فتح الباب ورسم على وجهه ابتسامة طفولية وهو يقول بصوت باكي:
"ممكن حضن يا شوشو قبل ما أروح الشركة؟ فتحت له ذراعيها دون لحظة تردد. ليركض إليها كطفل صغير، تربى يتيم، والآن فقط وجد حضن أمه. أحاط خصرها بذراعيه ووضع رأسه على صدرها، ورغم عنه انحدرت عدة دموع، ومع كل دمعة يضمها أكثر. لتقول هي بقلق: "مالك يا عدنان؟ أنا أول مرة أشوفك في الحالة دي. كل ده خوف على أدهم؟ ولا فيه حاجة أنت مخبيها؟ أبتعد عنها سريعًا وكأن صاعقة كهربائية ضربت جسده وأبعدته عنها. وقال بصوت متردد:
"هو اللي أدهم فيه شوية يا شُكران. أنا كنت بشوف أدهم هو وتد لا يمكن يقع. كنت مطمن بيه كأن أبويا لسه عايش، ورجعت من تاني أحس بالخوف." تجمعت الدموع في عيني شُكران، لكنها قالت بقوة: "إزاي تخاف وكلنا حواليك؟ وازاي أدهم يخاف وأنت جِمبه؟ ربتت على يده بحنان وقال بحب: "لازم تكون قوي عشان تقدر تسند أخوك. المسؤولية عليك هتبقى كبيرة بس أنت قدها يا عدنان. أنا واثقة فيك وعارفة كويس حفيدي أسد وميتخافش عليه." "انحنى يقبل
يديها باحترام وقال بصدق: "متقلقيش. أدهم إن شاء الله هيخف وهيبقى كويس عشان خاطرك وخاطر ظلال كمان." وقف ينظر إليها بابتسامته المعهودة وقال بمرح: "الحق أروح الشركة. مش عارف هيجي الشركة أصلاً ولا لا." وتحرك في اتجاه الباب ثم وقف وقال: "هتصل بعبدالله أسأله عليه وهطمنك يا شوشو، عارف إنك قلقانة عليه." أومأت بنعم، ليرفع يده بسلام وغادر، ترافقه دعوات جدته له ولأبناء عمه. ليتنهد بألم، وهمس لنفسه:
"خبيت عن الكل إللي أنت فيه. خليك بطل لحد النهاية، والنهاية مش بعيدة يا عدنان. مش بعيدة خالص." *** أستيقظ من نومه على صوت هاتفه الذي لم يتوقف عن الرنين منذ فترة. مد يده وأمسك به مجيبًا دون أن ينظر إلى الاسم، ليصله صوت أنثوي ناعم يحمل الكثير من الدلال: "ثامر باشا. طلبتني امبارح. حقك عليا يا باشا، كان في إيدي حتة شغل كده بس إيه، عالي قوي. ومكنتش قادرة أرد عليك." "اخلصي يا غزل إيه الرغي ده كله على الصبح؟
قال ثامر بضيق ونفاذ صبر. لتقول غزل بدلال: "لسه ليك شوق يا باشا؟ "لا مش فاضي دلوقتي. عندي شغل." أجابها ببرود وأغلق الهاتف دون أي كلمة أخرى، وعاد يخبئ رأسه تحت الوسادة. وأغمض عينيه لعدة دقائق ثم اعتدل جالسًا وبدأ في تمديد رقبته وبعض من عضلات جسده وهو ينفخ بضيق. كان يريد بعض النوم الإضافي، لكن ليذهب إلى الشركة ويرى تلك الفتاة ويفهم ما وراءها. غادر السرير متوجهًا إلى المطبخ، ليصنع قهوته المميزة وأخذها ودلف إلى الحمام.
عادة لديه: حمام دافئ مع القهوة وبعدها يخرج بنشاط لا مثيل له. بعد أكثر من نصف ساعة خرج وهو يحيط جذعه بمنشفة طويلة عائدًا إلى المطبخ ليضع الكوب في المغسلة. وعاد إلى غرفته ليرتدي ملابسه. وخلال عشر دقائق كان يغادر الشقة والبناية بأكملها. *** في ذلك الوقت كانت سليمة تعد الأوراق، والفاكسات وبعض الإيميلات التي وصلت إلى الشركة في ملف حتى تعرضها على مديرها حين يصل. ولكن السؤال هنا: من منهم الذي سيحضر؟ الطيب أو الشرير؟
أدهم أو ذاك الوقح ثامر؟ وماذا ستفعل معه؟ لم تجد الفرصة لإيجاد إجابة لأسئلتها حين اقتحم أدهم المكتب بجسده الرياضي. لكن من أول نظرة عرفت جيدًا من يقف أمامها. ليتحفز عقلها جيدًا لأي كلمة منه. لكنه ابتسم وهو يقول: "الاروبة. صباح الخير يا شقية. قوليلي بقا عرفتي مكان بيتي منين؟ قري واعترفي ومش هعملك حاجة متخافيش." صمت لثوانٍ ثم قال بتعجب: "بس هو أنتِ صحيح كنتِ جاية ورايا بالاسدال؟ طيب إزاي؟
أوعى تكوني كنتِ عايزة تخليني أصلي بيكي إمام! كده يبقى عقلك سرح وراح لبعيد قوي." ومع آخر كلماته غمز لها بشقاوة. لتشعر بالغضب من معنى حديثه الذي لا يروق لها ويجرح كرامتها وكبرياءها ويجعلها.. تريد أن تصفعه بقوة على وجهه. لكنها لن تفعل بناءً على طلب الطبيب. فقالت بضيق واضح:
"أنا لا كنت جاية وراك، ولا كنت عايزة أخليك تصلي بيا إمام. في الحقيقة أنت اللي جيت ورايا لأني ساكنة في العمارة دي من يوم ما اتولدت وكنت لابسة الإسدال عشان كنت بحط أكل للقطة قدام الباب." جلست متجاهلة وقفته ونظراته، وبدأت في العبث بالجهاز أمامها متصنعة الانشغال.
ليبتسم بشقاوة وهو يتحرك ليدخل إلى مكتبه والأفكار تعصف به. ولكن حين أغلق الباب شعر بألم قوي وحاد في رأسه جعله يترنح في وقفته حتى أنه سقط أرضًا. همسًا باسمها قبل أن يغمض عينيه. *** تشعر بالخوف. هذا ما وصل لعقلها وهي تضع الأوراق الأخيرة داخل الملف حتى تدخل إليه. أن تلك الشخصية وقحة بشدة. ولكن ما يقلقها حقًا هو حالته وكيف يكون حين يتحول من تلك الشخصية إلى الأخرى؟ وماذا يحدث معه؟
وقفت أمام الباب تأخذ عدة أنفاس متلاحقة ثم طرقته وفتحت. لكنها ظلت مكانها تنظر إلى ذلك الجسد الممدد أرضًا بصدمة. ودون شعور ركضت إليه وهي تنادي عليه وجثت بجانبه دون أن تلمسه: "أدهم.. أدهم فيه إيه؟ إيه اللي حصل؟ لكنه لا يستجيب لها. كانت تحاول أن تجد حلًا لكن عقلها توقف تمامًا عن العمل. ولكن القدر أراد أن يرسل لها الحل دون تعب.
سمعت صوت خطوات تقترب لتقف سريعًا متوجهة خارج المكتب. لكنها وقفت مكانها وهي تدرك أن ما عرفته عن أدهم لا يجب لشخص آخر بالمؤسسة أن يعرف به. لتغلق الباب بسرعة بعد أن أحضرت هاتفها واتصلت بالطبيب. وحين أجابها بدأت مباشرة تخبره بما حدث. ليغلق معها الهاتف واتصل بعدنان الذي أجابه قائلاً: "كنت لسه هكلمك. أدهم فين؟ "إنت فين يا عدنان؟ سأله عبدالله بصوت عالٍ. ليجيبه عدنان بقلق بعد أن ترجل من السيارة: "قدام المؤسسة. فيه إيه؟
"اطلع بسرعة على مكتب أدهم. فاقد الوعي وأنا جايلك. بس بلاش تتكلم معاه بأي اسم. اتكلم معاه في المطلق من غير أسامي يا عدنان." وبخطوات واسعة وسريعة دخل عدنان إلى المؤسسة رغم أنه يريد أن يركض، لكن عليه أن يحافظ على صورته وصورة أدهم أمام الموظفين. حين وصل إلى المكتب اقتحمه بقوة ليجد سليمة تجلس جواره تنادي عليه. ليصرخ بها: "بس.. اسكتي متنطقيش اسمه." نظرت له برعب ليجلس جوار أدهم وبدأ يربت على وجنته برفق وهو يقول:
"فوق.. أصحى.. أصحى بقا أرجوك." ليفتح أدهم عينيه ينظر إلى ابن عمه باندهاش ثم قال بصوت منخفض: "فيه إيه؟ إيه اللي حصل؟ وحاول الاعتدال ليساعده عدنان وهو يقول: "اغمى عليك. يمكن مش نايم كويس أو مفطرتش ولا حاجة." ليمسد أدهم جبينه وهو يقول: "أنا حاسس فعلًا إني جعان جدًا." ونظر إلى سليمة وقال: "ممكن بعد إذنك يا آنسة سليمة تطلبي لي حاجة آكلها." تومئ بنعم واقتربت من عدنان وقالت بهمس: "ده أدهم مش الشخصية التانية. اطمن."
لتتسع عينا عدنان بصدمة من أين عرفت تلك بحالة أدهم. لكنه لم يستطع الكلام. *** وصل بيبرس إلى الملهى الليلي وبداخل عينيه الشر واضح. فهو لن يخرج من هذا المكان إلا وقد أنهى الأمر، حتى لو وصل الأمر إلى القتل. اقتحم مكتب الجوكر وفي لحظة واحدة انقلب كل شيء ولم يفهم ماذا حدث وكيف. يتبع…
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!