الفصل 31 | من 34 فصل

رواية أو أشد قسوة الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم سارة مجدي

المشاهدات
19
كلمة
5,116
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 91%
حجم الخط: 18

لم يستطع عدنان البقاء في العيادة أكثر من ذلك، قلبه يؤلمه ويريد أن يختلي بنفسه في غرفته أو صومعته الخاصة في حديقة القصر، يريد أن يبتعد عن الجميع. رغم أنه لا يعرف هل وحدته أفضل؟ أم بقاؤه في حضن عائلته أفضل؟ لكن رغم كل هذا، غادر دون أن يتحدث مع أي من أدهم أو عبدالله. قلبه وعقله يشعران بالخدر والألم، أن قلبه أصبح واهن كجسده الذي بدأ يضعف تحت تأثير مرضه الذي يأكله من الداخل دون رحمة.

طوال الطريق يحاول السيطرة على دموعه التي تحاربه حتى تغادر محبسها، لكنه يأبى أن يظهر ضعفه حتى لنفسه. وصل إلى القصر وهو ما زال سارحًا في أفكاره، يحارب أشباح نفسه وهواجسه. بين خوفه على أدهم وحزنه على ظلال، وشفقته على نفسه، حتى أنه في خضم كل هذا نسي هوا تمامًا. لم يستطع أن يدخل إلى القصر، فقدميه لا يشعر بهم وكأنها من هلام، والخطوات البسيطة لصومعته ثقيلة عليه. فكيف سيكون حاله حين يصعد إلى غرفته؟

مؤكد سوف يسقط في منتصف الطريق. ألقى بجسده على الأريكة الكبيرة، منهكًا وفاقد القوى. كانت تتحدث في الهاتف جوار النافذة حين رأت سيارته تعبر البوابة الحديدية الكبيرة، فقلبها قفز بداخل صدره بسعادة، وكادت أن تخبر شكران أنه وصل، لكنها تراجعت عن هذا حين لاحظت حالته وكتفيه المتهدلين، وتوجه إلى تلك التعريشة الكبيرة وليس إلى داخل القصر. أغلقت الهاتف وقررت الذهاب له.

في نفس الوقت، كانت ظلال تقف أمام النافذة في عادة أصبحت تلازمها طوال الشهر المنصرم، وشعرت بألم قوي ينحر روحها وهي تراه على هذه الحالة، التي لا تفهم سببها. هل سببها تلك الفتاة التي دخلت حياته ومنذ دخولها وحاله عدنان مختلفة تمامًا عن حاله سابقًا؟ وفي غمرة أفكارها، لاحظت اقتراب هوا من صومعة عدنان، شعرت بنار حارقة تنهش روحها وقلبها. لما تلك الفتاة أصبح لها ما كان من المفترض أن يكون لها هي؟

لكن الغضب غلب إحساسها، فأغلقت النافذة وألقت بجسدها على الكرسي القريب منها وهي تقول لنفسها: لماذا هي؟ لماذا؟ مغمض العينين يريح رأسه إلى الخلف بإرهاق واضح، وحزن يرتسم على ملامحه لا يخطئه الأعمى. شعرت بالشفقة عليه، يبدو كطفل صغير تائه ولا يجد من يمسك بيده ليطمئنه. ظلت على وقفتها أمامه وهي تفكر أنها تشعر بشيء خاص بذلك الرجل. تذكرت يوم أخبرها عن مرضه دون أن ينظر إليها أو يواجه عينيها.

شعرت بالشفقة عليه وبألم قوي داخل قلبها وبداخلها حين قررت أن توافق على عرضه. كانت تريد أن تكون أمًا له، تضمه إلى صدرها بحنان وتربت على ظهره تواسيه وتمسك بيده حتى تخفف ألمه. تتربت على يده بهدوء وهي تنادي بصوت هامس: "عدنان.. عدنان" فتح عينيه ينظر إليها، لتشعر بالصدمة حين رأت عيونه الحمراء والدموع التي تملؤها، كسهام نارية اخترقت قلبها. لتجثو على ركبتيها أمامه وهي تمسك يديه بقوة وقالت بلهفة ولوعة: "مالك يا عدنان؟ فيك إيه؟

ليه حالك كده؟ إيه اللي حصل؟ انحدرت دمعة واحدة من عينيه فوق وجنته وهو يقول بألم وحصرة: "هو أنا ربنا غضبان عليا ليه؟ قطبتين بين حاجبيها باندهاش وصدمة، ليكمل كلماته وكأنه ينزف: "غلطت آه.. عملت كبيرة من الكبائر.. آه.. لكن تبت والله تبت. ليه الاستمرار في العقاب؟ ليه أفضل عايش في خوف؟ ليه الخسارة ديما محوطاني؟ ألم قوي بقلبها وشعور لا يوصف بالقهر وهي تقول بحزن: "إيه اللي حصل عشان تقول كده؟

نظر لها بصمت، وبداخل عينيه الكثير من الحديث. لتبتلع ريقها الذي يشبه الشوك الآن وقالت بصدق: "أنا عايزة أسمعك.. طلع كل اللي في قلبك، اعتبر إنك بتتكلم مع نفسك." بلل شفتيه بلسانه وتنهد بصوت عالٍ، ثم قال بصوت متقطع:

"قلبي زمان اتعلق بيها.. شوفتها حلمي وحقي.. بس قولت هي موجودة مش هتروح في مكان، خصوصًا وأنا عارف ومتأكد إن قلبها ليها. علشان كده شطحت وافتكرت إن الدنيا كلها ليا.. أغلط براحتي وهلاقي اللي بتسامح وراضية وموافقة.. لحد ما ربنا قالي لو فاكر إنك في إيدك حاجة تبقى غلطان أوي.. وفجأة راجل رياضي حتى السجارة مش بيحطها في بوقه يجيله إيدز." ضحك بصوت عالٍ يحمل الكثير من السخرية ثم أكمل بتهكم:

"واللي كان فاكر إنها ملك إيديه مبقاش حتى يقدر يقرب منها ولا تكون ليه.. انكسر قلبه وقلبها.. وكل يوم ربنا بيعاقبه بأنه بإيده بيجرحها جرح جديد.. وهو ينزف مكانها. ودلوقتي بقى بيخاف يخسر حد تاني.. خايف على ابن عمه.. خايف على جدته.. حتى خايف عليكي يا هوا.. خايف أخسرك.. خايف أوجعك أو أظلمك.. بقيت عايش بس بالخوف." الدموع تغرق وجهها وهي تسمعه يتحدث بكل هذا الحب عن التي أخذت قلبه.

لكن بقلب الأم، اعتدلت قليلاً ورفعت ذراعيها تحاوط عنقه بقوة، وظلت تربت على ظهره بحنان ليرفع هو الآخر ذراعيه يضمها بقوة وكأنه يحتمي بها أو يبحث عن الأمان بين جنبات روحها ورائحتها. أخفى وجهه في تجويف عنقها وبدأ في البكاء بصوت عالٍ. لتشعر بالشفقة على حاله وتناست ولو مؤقتًا جرح قلبها وشفقتها على نفسها. ورغم كل شيء، كانت تلوم نفسها على هذا التفكير.

هو لم يقل لها يومًا أنه يحبها، لقد عرض عليها الزواج فقط حتى يؤمن لها حياة كريمة وفي نفس الوقت يتخذ منها غطاء ليخفي ما ستره الله بها. وفي النهاية هي من ستكون زوجته، هي من ستحمل اسمه، هي من ستبقى جواره ومعه حتى النهاية. أي نهاية لذلك، زادت من ضمها لها، حتى تشعره بالأمان وبكونها بجواره. ظل يبكي ويبكي حتى يخرج كل ما بداخله. بكى كطفل صغير، بكى خوفًا وحزنًا وقهرًا وعجزًا، بكى بعينيه وقلبه وروحه. لم تعد تتحمل

كل هذا وهمست جوار أذنه: "لقد وقعت في الحب معك ولا تسألني كيف؟ وأين؟ ومتى؟ لكنني أشعر بالجنون أن تخللت أصابعك بين أصابع غيري. أتسائل عن أسباب الخدوش في أطراف أصابعك. ألاحظ أبسط تفاصيلك. أعانقك عناق المكتفي بك عن جميع ما في الكون فلا تخذلني أنا بحاجتك." ليرفع رأسه ينظر إليها بصدمة واندهاش. لكن الصدق بعينيها جعل قلبه، وللحظة، لحظة خاطفة، نطق ثلاث حروف مختلفة عن الأربع حروف التي عاش عمرًا كاملًا يرددها. ***

تجلس فاطمة على الكرسي المجاور للأريكة التي تتمدد عليها سليمة، تمسك بيديها والدموع لا تتوقف. وكلما تلاقت عينيها بعين أدهم، أشاحت بوجهها عنه رغمًا عنها. شعر أدهم بإحساسها ويعطيها عذرها، فلم يشفع عندها جلوسه أسفل قدمي ابنتها وخوفه الظاهر على ملامحه. أقترب منها وهو على نفس جلسته أرضًا وقال بصدق: "أنا لو مكانك هكره اللي بيعمل فيها كده، حتى لو متأكدة من حبه ليها وحبها ليه." نظر إلى وجه سليمة للحظات ثم

عاد بنظرة إلى فاطمة وأكمل: "أنا بحبها.. أوي.. هي دنيتي اللي من غيرها هموت. لا في يوم فكرت أكون سبب في دموعها ولا حزنها ولا أتمنى في يوم أكون أنا سبب حزنها. وموتي أهون عليا من ده وربنا شاهد." صمت للحظات ثم قال وصوته يختنق ببكاء ترفض رجولته وكبرياؤه الذكوري بالسماح له بمغادرة عينيه: "لو شايفة إن بعدي عنها هو الحل.." صمت لم يستطع أن يكمل، واختنق صوته وانحشرت الكلمات في حلقه. لتمسح فاطمة دموعها وقالت بصوت متقطع:

"أي أم يا ابني بتبقى عايزة بنتها لما تتجوز.. تتجوز راجل حقيقي.. راجل بجد يحبها ويصونها ويحميها.. وميجرحهاش. وأنا عارفة إنك معملتش حاجة لبنتي.. هي حبها ليك اللي خلى الخوف يسيطر عليها.. مش أنت. وحتى لو كنت عملت حاجة أنا متأكدة إنه غصب عنه." أقترب منها أكثر وبيده الأخرى مسك كفها وقبلها باحترام وقال بصدق: "أفديها بعمري يا أمي.. ولو مصلحتها في بعدها عني أنا.." "أنت إيه؟

لم يكن هذا صوت فاطمة ولكنه صوت ساكنه قلبه، حبيبته، نبض قلبه وروحه. التفت لها وابتسامة راحة وسعادة تنطق من ملامحه، حتى أنه سار الخطوات التي اقتربها من فاطمة عائدًا على ركبتيه، وقال بلهفة: "حبيبتي أنتِ كويسة؟ حاسة بحاجة؟ هزت رأسها بلا ورفعت رأسها ليساعدها حتى تجلس ونظرت إلى والدتها التي تنظر إليها والدموع تغرق وجهها لتقول بصدق:

"أنا كويسة يا ماما.. أنا بس من خوفي على أدهم ولأنك كنتِ معذباني طول اليوم لف في الشمس اغمى عليه." لم تعلق فاطمة على كلمات ابنتها لكنها قالت: "الحمد لله إنك بخير يا بنتي الحمد لله." عادت سليمة بنظرها إلى أدهم وقالت بشر: "حضرتك بقى كنت بتقول إيه من شوية؟ ابتسم ابتسامة صغيرة واخفض رأسه أرضًا وهو يقول: "أنا مقدرش أبعد عنك يا سليمة.. لكن مصلحتك.."

"مصلحتي معاك.. لأني بحبك.. وزي ما بعدي عنك الموت وقتها أهون بالنسبة ليك أنا كمان موتي أهون من بعدي عنك." ابتسم بسعادة وهو ينظر إلى عينيها التي تخبره بكل اللغات إنها تحبه، ويضم بين يديه يديها التي طالما ربتت على جروح قلبه. مسحت فاطمة دموعها وهي تدعوا لهم بصلاح الحال ودوام الحب بينهم. *** غادر الغرفة حتى تستطيع سليمة أخذ راحتها لبعض الوقت حتى ترتب نفسها ليعيدها إلى المنزل.

جلس جوار عبدالله الذي كان يمسك أحد الكتب العلمية يقرأه. نظر لأدهم بطرف عينيه ثم عاد بتركيزه إلى كتابه الذي لم يقرأ منه حرف لكنه يختبئ خلفه من أسئلة أدهم التي لا يستطيع الإجابة عليها. لكن أدهم لن يتراجع، يريد أن يفهم ويعلم ماذا حدث؟ ولماذا رأى الألم والحزن والجرح داخل عيني سليمة؟ ولماذا يشعر أنه جرحها لسبب ما؟ فقد صبره وسحب الكتاب من يد عبدالله وهو يقول ببعض الغضب:

"ماسك الكتاب بالمقلوب أصلًا.. فمتحاولش تهرب علشان أنا عارفك كويس يا عبدالله." ليعتدل عبدالله ونظر له ببعض الضيق، لكن من داخله يشكر الله على صداقته بشخص مميز كأدهم، يفهم كل منهم الآخر ويدعمه دون شروط. لكنه قال بملل: "عايز إيه مني؟ هو مش كفاية إنكم منزلني من بيتي بدري عن معاد العيادة.. وكمان عمال ترخم عليا.. عايز إيه يا بارد؟ "إيه اللي حصل؟ جرحتها أنا حاسس بده.. أرجوك قلي الحقيقة."

لم يستجب أدهم لمزاح عبدالله وقال كلماته بحزن يقطر من كل حرف فيها، لمس قلب عبدالله الذي يشفق على صديقه من كل ما يمر به. أخذ نفس عميق وقال بصدق موضحًا: "بص يا أدهم غلط نخلط أحداث الشخصيتين في بعض.. كده إحنا بندي فرصة للشخصية التانية أنها تسيطر.. وممكن في مرة من المرات تتحول بشكل كامل لثامر." قطب أدهم حاجبيه بعدم فهم ليكمل عبدالله كلماته:

"اللي ضايقها هو ثامر وهي هتعرف تحاسبه على اللي عمله.. مينفعش تدفع تمن أغلاطك وأغلاطه.. وبعدين.." ربت على ساق أدهم وهو ينصحه قائلًا: "سليمة بتحبك بكل حالاتك.. بلاش ديما تعذب نفسك.. وتحاسبها وتلومها.. الحب مش كده.. هي فاهمة ومدركة ومتقبلة بلاش تعيشوا بعض في أدوار الضحية.. تقبل قدرك زي ما هي تقبلته.. وأفصل زي ما هي فاصلة." ضحك ضحكة قصيرة وقال بتشجيع:

"اشغل نفسك بتجهيز جناحك في القصر علشان تتجوزوا.. طول ما أنت أدهم أسعدها وفرحها وعيش معاها وبيها وعيشها وسيب ثامر بكل حواراته لوقت ظهور ثامر ول سليمة.. وارجع تاني واظب على العلاج.. والجلسات علشان نقنن ظهوره." أومأ أدهم بنعم وهو يفكر. كيف يبدأ؟ أراد أن يختم كلماته بشكل مميز فقال:

"مرة قرأت مقولة بتقول ‘الحياة يا صديقي وباختصار أيام تحبها، وأيام تبغضها، وأيام لا تفهمها، وأيام ترى حكمه الله فيها بوضوح…. وأيام تسحق أشياء كثيرة بك، وأيام تسعد قلبك وتطيب روحك، وأيام لا تدري لماذا كان عليك عيشها، وأيام تنتظرها ولا تأتي.’ ومع كل واحدة منها عشها بكل تفاصيلها.. لأنها بعد ما بتعدي يا بتكون ذكرى حلوة.. أو درس مهم." أومأ أدهم بنعم، وربت على ساق صديقه وقال بصدق: "شكرًا يا صاحبي.. ربنا يديم صداقتنا."

خرجت سليمة من الغرفة ليغادروا جميعًا، ليتنهد عبدالله وشبح ابتسامة ترتسم على شفتيه وهو يدعو لصديقه. *** على طاولة الطعام بقصر الخشاب كانت هوا منكمشة على نفسها، فبعد ما قالته له في صومعته في أشد لحظاته ضعفًا واعترافها بالحب ورد فعله الصامت الذي جعلها تشعر بالإحراج وغادرت سريعًا دون أن تقول أي شيء آخر. ظلت تحتمي بوجود شكران حتى لا تنفرد في مكان معه، وهو لم يحاول من الأساس أن يكون معها في مكان بمفردهم.

فحتى تلك اللحظة هو لا يستطيع إدراك أو فهم ما يشعر به. هل صدقها جعل كلماتها تترك أثرًا داخل روحه العطشة للعطف والحب والاهتمام؟ أو ضعفه في تلك اللحظة هو ما جعله يتأثر بكلماتها إلى هذا الحد. لكن أيًا كان ما حدث أو الأسباب خلف ما شعر به، هو يشعر بالسعادة لأول مرة، يشعر بالأمان لأول مرة، يشعر بالاهتمام لأول مرة وكأنه كان مجرد طيف يسير بين البشر لا يراه أحد ولا يشعر به. وفجأة أمسكت يده فتاة سمراء البشرة رقيقة

الملامح وقالت له بكل حب: أنا أراك، أنا أهتم بك، أنا بجانبك. انتبه من أفكاره على صوت شكران وهي تقول: "مش ناوين بقى تحددوا معاد الفرح؟ ارتعشت يد هوا التي تمسك بها الملعقة ليشفق على حالها عدنان وقال بهدوء: "أنا قربت أخلص الجناح.. بس بفكر أشوف أدهم لو قرب هو كمان يخلص نعمل فرحنا سوا." وأكمل مازحًا: "وأهو منها نوفر.. وتبقى بدل الفرحة فرحتين." نظرت شكران لهوا وقالت بابتسامة أم تحمل الكثير من الحنان والأمان:

"ياريت والله بس ده لو معندكيش مشكلة إن فرحك يبقى مشترك." نظرت هوا لوجه عدنان لعدة لحظات ثم قالت بابتسامة صغيرة: "معنديش مشكلة طبعًا.. وكمان طالما ده هيفرح عدنان ف أكيد أنا هعمله من غير تفكير." أجابتها ويالها من إجابة لمست قلبه المفتقد للاهتمام.

عدنان لم يكن يومًا ذلك الرجل المائع الذي ينتظر الدلال من أحد، لكن سره الكبير الذي يخفيه على الجميع هو ما يثقل كاهله، ويجعله كطفل صغير تائه في دروب الحياة وحيدًا، ولا يجد من يمسك بيده وهو يعبر الطريق، أو في الليالي الباردة يضمه ويحميه من لسعات البرد القارصة. وجاءت هي ببعض جمل تحمل الاهتمام الصادق لمست قلبه وجعلته بهذه الحالة التي لا يستطيع وصفها حتى لنفسه. حاول إخراج نفسه من كل هذا وقال لجدته:

"أنا وهوا هننزل أخر الأسبوع نشوف الأثاث.. ونختاره وعلى ما أخلص اللي باقي في الجناح يبقوا يبعتوه. ولو أدهم أموره تمام نعمل الفرح بعد شهر من دلوقتي." شعرت بالاحراج والخجل، رغم معرفتها بأن هذا الزواج سيكون على الورق فقط، لكن رغم كل شيء إنها فتاة، وهذه الليلة من المفترض إنها ليلة العمر. وقفت شكران وهي تقول: "إن هدخل آخد الدوا وأرتاح شوية.. البيت بيتك يا بنتي." وقفت هوا وهي تقول بخجل: "اتفضلي أنا أصلًا هروح لأني اتأخرت."

ربتت شكران على يد هوا بحنان وغادرت ليقف عدنان وهو ينظر إلى الساعة وقال باستفهام: "اتأخرتي على إيه؟ أخفضت رأسها بخجل وقالت بصوت منخفض: "متنساش إني عايشة لوحدي وفي مكان شعبي.. وكلام الناس كتير ومتنساش كمان إننا لسه معلنش عن خطوبتنا." شعر ببعض الضيق ولام نفسه على وسواسه الذي عذبه طوال الشهر المنصرم. ليقول هو بنوع من الاعتذار: "أنا بس كنت متلخبط يا هوا كل حاجة حواليا مش في مكانها و مكنتش متوازن خالص." قاطعته قائلة:

"مش محتاج تعتذر.. من حقك تاخد وقتك ومن حقك تعمل اللي أنت مرتاح ليه ومش مجبر تعمل أو تقول شيء مش حاسة أو مش مصدقه.. أنا فاهمة." شعر بالاحراج أكثر، وشعر بذنبه أكثر. هل ظلمها في أفكاره السوداء التي أثرت بشكل سلبي على تصرفاته معها؟ فمنذ أخذها من بيت زوج والدتها وهي لا يصدر عنها أي تصرف خاطئ يثبت أفكاره. إنها إنسانة بسيطة، عفيفة وخجولة. وبدون أن يعيد حديثه أو يوضح لها هي تلتزم بحدودها. ابتسم ابتسامة صغيرة

وهو يقول ببعض الاحراج: "كفاية آه يا هوا.. مش لازم تحسسيني إني صغير أوي كده." "أنا.." قالتها بصدمة، وأردفت قائلة: "عمري أنت صاحب فضل يا عدنان.. أنت عملت معايا اللي لا عمري ما تخيلت إن حد يعملوا معايا.. أنقذتني من جوز أمي.. استأمنتني على اسمك واسم عيلتك.. خليت ليا عيلة وبيت ومكان.. ووظيفة محترمة مكنتش أحلم بيها." كان يستمع إليها وبداخل عروقه دماؤه تفور من كثرة الغضب.

إنها تعد له كل ما فعله لها، دين خلف دين حتى أحاطت عنقها بطوق كبير لا فكاك منه، متجاهلة أنه يستغلها ويتخذها ستارًا ليخفي خلفه عجزه ومرضه. فرفع يده ليسكت سيل كلماتها وقال بغضب: "وواخدك ساتر وهحرمك من حياتك الطبيعية.. وهحرمك من إنك تكوني أم.. زي ما بتعدي الجمايل اللي عملتها فيكي.. عدي عيوبي.. وافتكري العذاب اللي هتعيشي فيه." والتفت إلى الجهة الأخرى ظلت تنظر إلى ظهره الذي يظهر عليه تشنج أعصابه وغضبه.

والأكثر من ذلك إنها تشعر بجرح رجولته، وهذا ما لم تستطع تحمله. فأقتربت خطوة واحدة ووضعت يدها على كتفه. أعادت عليه كلماتها التي قالتها في الصومعة: "لقد وقعت في الحب معك ولا تسألني كيف؟ وأين؟ ومتى؟ لكنني أشعر بالجنون أن تخللت أصابعك بين أصابع غيري. أتسائل عن أسباب الخدوش في أطراف أصابعك. ألاحظ أبسط تفاصيلك. أعانقك عناق المكتفي بك عن جميع ما في الكون فلا تخذلني أنا بحاجتك." ودارت حوله حتى واجهت عينيه وقالت بصدق:

"أرجوك فكر في كلامي ده كويس.. وبكرة هنتظر منك الرد." ولم تنتظر أن يخرج معها كما وعدها أنه سوف يوصلها لبيتها. تركته يفكر ويستوعب ما بداخل قلبها تجاهه. وكان هو كتمثال شمع، الكلمات تتردد داخل رأسه: "لقد وقعت في الحب معك ولا تسألني كيف؟ وأين؟ ومتى؟ " هل تقصد إنها تحمل مشاعر خاصة لي؟ "لكنني أشعر بالجنون أن تخللت أصابعك بين أصابع غيري.. هل تقصد إنها تغير؟ والغيرة دليل الحب."

"أتسائل عن أسباب الخدوش في أطراف أصابعك. الاحظ أبسط تفاصيلك.. هل تقصد إنها تحاول سبر أغواري ومعرفتي بشكل مفصل؟ … أعانقك عناق المكتفي بك عن جميع ما في الكون فلا تخذلني أنا بحاجتك.. هل تقصد إنها لا تبالي بمرضي، تكتفي بي فقط.. "تخذلني" ااااه من الخذلان أنا أكثر من يعرف هذا الشعور.. فكم خذلت وكم خُذلت.. أنا بحاجتك.. وأنا بحاجة لها." أخذ نفس عميق وكاد أن يرد على كلماتها لكنه صدم بعدم وجودها. لينتبه إنها قالت له شيئًا ما.

ظل صامتًا للحظات حتى تذكر إنها طلبت منه التفكير في كلماتها وإنها تنتظر ردًا منه غدًا. ومن سينتظر إلى الغد. ركض خارجًا من القصر وصعد إلى سيارته وضغط بقوة على عتلة البنزين حتى يلحق بها. لن يجعلها من اليوم حزينة. *** دخل إلى منزله بعد يوم عمل طويل وشاق. لم يجد ولو لحظة واحدة فقط حتى يتصل بها كما اتفق مع أدهم. وظل طوال اليوم يعمل بنصف عقل، فكل أفكاره كانت تدور حولها هي، هي فقط. جلس على أريكته الأثيرة وخلع حذائه بأرهاق.

وقبل أن يفعل أي شيء، لم يبدل ملابسه، ولم يتناول وجبة العشاء رغم شعوره القاتل بالجوع. لكن خطوة أخرى في طريقها أهم لديه من أي شيء آخر. أمسك هاتفه وأتصل بها. صوت الجرس كان يسمع صداه داخل قلبه. ومع كل لحظة تمر دون ردها كان يشعر بألم قوي وخوف. هو أوس رجل الشرطة قوي الجسد، الشجاع الذي لا يهاب المخاطر، ولا يفكر للحظة في أي مهمة يكون فيها خطر يلقي بنفسه دون خوف أو تردد.

لكن كل ما يتعلق بظلال يجعله يشعر بالخوف، ويعيده طفل صغير. انقطع الرنين لكنه لن يتراجع، فعاد وأتصل بها من جديد. *** تجلس على السرير تبكي بصمت. لقد استمعت لحديث عدنان وهوا، أن الفتاة تحب عدنان. رغم إنها تحمل له الكثير من الامتنان، هي لم تفهم ماذا تقصد بأنه أنقذها، ولم تفهم أيضًا ماذا يقصد هو بمرضه وحرمانها من الحياة الطبيعية. لكن الحب واضح بينهم، والتفاهم أيضًا. هي الخاسرة الوحيدة هنا.

خبأت وجهها بين كفيها تحاول كتم شهقاتها. رنين هاتفها لم يلفت انتباهها ولم يجعلها تبعد يدها عن وجهها. ظل الرنين يحاول لفت انتباهها وكأنه يخبرها: لا تبكي، هناك شيء ينتظرك، لا تبكي إذا خسرتي شيئًا ف هناك الكثير من الأشياء، لا تحزني ف هناك من يحبك بصدق وينتظرك. لكنها ظلت تبكي متجاهلة ذلك الرنين المزعج. لكن الإصرار جعلها تنظر إلى اسم المتصل، لكنها وجدته مجرد رقم.

تجاهلته، لكنها لم تخبئ وجهها هذه المرة، ظلت تمسح وجهها من الدموع وهي تتذكر كلمات أخيها لها، تشحن بها طاقة وقوة وأمل. ليعود الرنين من جديد لتنفخ الهواء بضيق وأجابت بغضب واضح: "الو.. مين؟ ابتسم أوس حين أجابته رغم عصبيتها وقال ببعض المرح: "معاكي أوس.. مين معصبك كده؟ صمتت تحاول استيعاب من يحدثها، ثم قالت ببعض الاندهاش: "أنت جبت رقمي منين؟ "من أدهم.. معروفة." أجابها بهدوء شديد وبساطة أشد أصابتها بالصدمة.

ليستغل هو صمتها وقال بصدق: "أنا مبعرفش أعمل حاجة في الدرا.. بعد ما نزلتك اتصلت بأدهم وقولتله أني هوصلك كل يوم زي ما اتفقنا.. وأني عايز رقم فونك.. وهو وافق.. واعتبرني يا ستي حارسك الشخصي." ظلت صامتة، لا تجد كلمات تقولها أمام بساطته وجرأته. لكنها تشعر بشيء ما، سعادة مختلطة بخوف وترقب لما هو قادم. ليكـمل هو كلماته مستفهمًا: "ممكن تقوليلي كنت متعصبة ليه؟ وصوتك بيقول إنك كنتِ بتعيطي.. مين اللي زعلك؟ أزدادت صدمتها

واندهاشها ليكمل هو أسئلته: "هو أنتِ زعلانة على مراد وبتفكري فيه؟ ظلت صامتة لعدة لحظات، ليس تفكيرًا في الإجابة، ولكن لتلك النبرة التي شعرت بها في صوته، أنه خائف من إجابتها وذلك صدمها والجم لسانها والإجابة على طرفه، وصمت هو أيضًا منتظر الإجابة. يده فوق قلبه، وروحه معلقة بكلماتها وحروفها. وبعد الكثير من اللحظات قالت:

"أنا مكنتش بحب مراد.. أنا لما وافقت عليه.. وافقت من مبدأ خد اللي بيحبك. اللي صدمني من اللي حصل هو إنك تكون بتأمن لحد وفجأة تكتشف إنه مش قد الثقة دي." تنهد براحة وصوت أنفاسه التي غادرت صدره وصلها ليزيد من حيرتها ويزيد من ذلك الإحساس التي تشعر به كلما تحدثت معه أو قابلته. ليسألها من جديد بكل حب ووصلها إحساسه بذلك السؤال: "طيب ليه ديما شايفة حزن جوه عنيكي.. وكأن جواكي جرح كبير وألم روحك بتصرخ بيه بصمت؟

انحدرت دموعها مع كلماته، كيف هناك شخص قابلته مرة واحدة فقط، ويشعر بها بهذا الشكل؟ هل أخبره أدهم شيء عن عدنان؟ لا، أدهم لن يقلل منها بهذا الشكل. ف كيف فهم أوس ألم روحها وجرحها؟ كيف شعر بها إلى تلك الدرجة؟ وكأنه سمع صوت صمتها فقال بصدق:

"مش صعب إن الإنسان يحس بحد غالي عليه.. وأنتِ يا ظلال غالية.. غالية أوي.. أكتر مما أنتِ نفسك ممكن تتخيلي. تعرفي أول مرة شوفتك فيها وقت ما الكاوتش بتاع عربية أدهم كان محتاج يتغير وأنتِ كنتِ شايلة الكوريك من شنطة العربية.. وقتها لما وقفت علشان أساعدكم مكنتش عارف إن القدر كان بيهاديني بأغلى ما على وجه الأرض. ومن وقتها كل النساء العالم وكأن بقى بيني وبينهم حجاب.. مبقتش بشوف غير ظلال وبس."

صوت أنفاسها العالية نبهته لما قاله، لكن لم يعد هناك مجال للتراجع. الخطوة معها بدرجة ثقة، يضيع الحلم بكل تفاصيله وإلى الأبد. ليكـمل كلماته بصدق لمس روحها الكسيرة: "من وقتها يا ظلال وأنا قافل قلبي عليكي.. بعدت علشان أحافظ عليكي.. صونتك في قلبي وحافظت على عرض الناس حتى بنظرة علشان ربنا يحافظ عليكي ليا." شهقت بصوت عالٍ يقول بأسف وقلب يتمزق من أجلها:

"أسف لو كلامي زعلك.. أنا مش هسحبه يا ظلال لأني قاصد كل حرف وكلمة.. وصادق فيهم.. ومستعد أجي أخطبك حالًا.. لكن أنا عايزك تاخدي فرصتك في إنك تعرفيني كويس.. تختاريني زي ما أنا اخترتك.. تحسي بحبي وتصدقيه وتأمني على نفسك معايا.. علشان كده عرفت أدهم علشان أقرب منك بشكل رسمي وبوضوح." كانت تبكي لا تعلم هل تبكي فرحًا؟ أو تبكي حزنًا على حالها وما حدث معها؟

أم تقارن بين أوس بخوفه عليها واختفاء جميع النساء في عينيه لأنه يحبها في المقابل عدنان الذي كان يثبت لها كل لحظة أنها أحد الحريم الموجودين في حياته. همس أوس باسمها مناديًا. لتهـمهم بصوت ضعيف، ليقول بحب وصدق:

"بكرة هعدي عليكي زي ما اتفقنا.. وكل يوم هعدي عليكي أوصلك للاستوديو.. وأنتظرك وأرجعك البيت واهي فرصة تتعرفي عليا.. وتدرسييني وتفهميني.. وتشوفي إذا كنت أليق بكِ ولا لأ.. أستحق شرف إنك تكوني مراتي وتشيلي اسمي وتبقي أم ولادي ولا لأ.. وأتمنى أن أنال الرضا." كانت تكتم صوت بكاها بكف يدها فلم تستطع الرد على حديثه الذي يداوي جروح وجروح نقشها عدنان بيديه فوق قلبها دون رحمة أو شفقة. ليقول هو بتوسل ورجاء:

"أرجوكي بلاش عياط.. دموعك غالية يا غالية. ظلال أنتِ كل ما فيكي ويتعلق بيكي غالي.. أوعي تدي الغالي للي ميستاهلش.. وأتمنى أكون أستاهل.. وزي ما أنتِ أغلى ما عندي أكون أنا عندك ولو جزء بسيط من اللي حاسه أنا نحيتك." ظلت صامتة. لكن صوت شهاقتها وإحساسه بدموعها جعله يقول:

"أنا وحش.. أوحش راجل على الأرض علشان كنت السبب في دموعك.. هقفل.. لكن أنا رهن إشارة منك يا ظلال.. رقمي بقى معاكي واتمنى لو حسيتي إنك محتاجة تتكلمي تتصلي بيا.. وأنتِ واثقة إن فيه إنسان يتمنى يسمعك." صمت لثوان أخرى، ثوان كثيرة يستمع لصوت أنفاسها التي كأفضل نغمات الموسيقى، رغم ألم قلبه من بكائها، لكنها لم ترفضه وهذا في حد ذاته شيء يطمئن. أجلّ صوته وقال بصوت حانٍ:

"أنا منتظر اتصالك في أي وقت.. وهتلاقيني قدام البوابة الساعة 6ص.. تصبحي على خير." وأغلق الهاتف وهو يتنهد بصوت عالٍ. شعر براحة كبيرة لاعترافه لها بكل ما بداخله. وهناك أيضًا خوف، لكنه يأمل في الله خيرًا. وظلت هي تبكي. تنظر إلى الهاتف، إلى رقمه بالتحديد، وتبكي. وسؤال واحد يدور في رأسها: أين كنت يا أوس منذ سنوات؟ لماذا تأخرت؟ يتبع...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...