قالولي إنك طالبني من بدري… خير يا مراد؟ التفت مراد، الذي كان واقف قدام النافذة الزجاجية ينظر للحديقة الواسعة اللي بتطل عليها غرفته. رغم الظلام اللي بيخفيها دلوقتي، مبانتش بوضوح تحت الإضاءة الخافتة المنتشرة فيها. الإرهاق واضح على ملامحه، والتفكير كمان. شعر أكرم إن فيه شيء هام مراد عايز يتكلم عنه، فاقرب منه وهو بيقول: مالك يا مراد؟
مراد كان سارح في أفكاره، واللي حصل معاه طول الشهر اللي فات. جلسات العلاج اللي اتكلم فيها كتير، واخرج فيها كل اللي كان بيعانيه طول سنين وحدته الجبرية اللي فرضها على نفسه، ووهم نفسه بكونه مميز ومفيش حد يليق بصداقته أو الاقتراب منه، عشان يظهر وهن روحه قدام مرآة حقيقته. حتى إنه وافق على العلاج، والدكتور قاله إنه رغم تأخره في العلاج، إلا إن فيه أمل لو كان عنده القوة إنه يتابع بدون توقف، وما يفقدش الأمل في الله. وقريبًا هيصبح رجل حقيقي قادر على الزواج والإنجاب.
اقرب مراد من أكرم وقال بهدوء: الموسم الجديد من البرنامج بدأ النهاردة. أكرم كان عارف ده، ومراد كان عارف إنه عارف. هو بس مكنش بيخبره. عشان كده، ظل أكرم صامت ينتظر باقي كلام مراد، اللي اردف وهو بيجلس على الأريكة: مغيروش اسم البرنامج… وظلال أهدتني أغنية الطير المسافر وقالوا إني مسافر وكلهم مستنيين رجوعي. برضو أكرم كان عارف ده، لقد استمع للبرنامج. عشان كده، ظل صامت وجلس جوار مراد بهدوء، ليكمل الأخير كلماته:
رغم اللي عملته فيها… واللي كنت ناوي أعمله… هي لآخر لحظة بتحافظ على مجهود السنين وعلى اسمي. اتعاملت بأخلاقها وأصلها وبحرفية كمان. وده مفرحك ولا مزعلك؟ رفع مراد نظراته لأكرم وظل صامت للحظات، ثم قال: مفرحني بيها ومزعلني من نفسي. مش فاهم. رغم إنه كان عارف الإجابة كويس، لكنه سأل. فمن الضروري إن مراد يقول الكلمات دي بنفسه عشان يدركها قلبه وعقله، وتتقبل روحه كل ده.
فرحان بيها لأنها إعلامية ممتازة تستحق النجاح، وإن نجمها يعلى واسمها يسمع. ظلال عندها كل متطلبات المهنة.. الثقة والحضور والأخلاق. لأن مهنتنا دي لو خسر الإعلامي أخلاقه، يبقى عليه السلامة، خسر كل حاجة. صمت للحظات، ثم قال بألم.. ألم واضح على وجهه وبين طيات حروفه:
وزعلان على نفسي لأني فهمت متأخر إني مكنتش صح، إني كنت بفكر غلط. كنت شايف إن طالما صورتي قدام الناس حلوة، تبقى أي حاجة تانية مش مهم. كمان زعلان من نفسي إزاي كنت بقول إني بحب ظلال وأنا بفكر أدمر حياتها، أتعبها بإيدي، أخليها تفضل معايا يا إما بالغصب أو بشفقة. إزاي كنت بفكر كده.. إزاي؟! ظل أكرم صامت، تارك لمراد كل المساحة والوقت اللي بيحتاجه للتفكير أو الكلام أو حتى لوم نفسه. لكنه فاجئه قائلًا:
أنا عايز أتكلم ظلال… عايز أعتذر لها. وقبل ما أكرم يعترض، قال مراد متوسلًا: أرجوك يا دكتور، أنا محتاج أتكلم معاها وأعتذر لها. وهي كمان تستحق ده. من حقها تسمع مني كلمة آسف.
كان أكرم بيشعر بالاندهاش. هو لم يتوقع أبدًا إن التصرف ده يصدر عن مراد. فالشخصية النرجسية لا تفكر ولو للحظة في الاعتذار من أحد. لكنه وجد إن من الصواب إنه ينفذ طلبه بدون الرجوع لأدهم. فكل اللي قاله مراد حقيقي. هو يحتاج إنه يعبر من النفق المظلم ده، وهي من حقها إنها تعتذر لها عن أخطاء في حقها، عشان تعبر هي كمان نفق إحساس القهر والظلم والخداع.
اخرج هاتفه من جيب سترته واتصل بها، ومد يده بالهاتف تجاه مراد، اللي امسك الهاتف بثبات وثقة وإصرار على فعل ما انتواه. *** مازالت تجلس في مكانها تنظر لهاتفها. وكلمات أوس بتتردد في عقلها: "مش صعب إن الإنسان يحس بحد غالي عليه.. وأنتِ يا ظلال غالية.. غالية أوي.. أكتر ما أنتِ نفسك ممكن تتخيلي."
"مكنتش عارف إن القدر كان بيهديني بأغلى ما على وجه الأرض.. ومن وقتها كل النساء في العالم وكأن بقى بيني وبينهم حجاب.. مبقتش بشوف غير ظلال وبس." "آسف لو كلامي زعلك.. أنا مش هسحبه يا ظلال لأني قاصد كل حرف وكلمة.. وصادق فيهم.. ومستعد أجي أخطبك حالًا.. لكن أنا عايزك تاخدي فرصتك في إنك تعرفيني كويس.. تختارييني زي ما أنا اخترتك.. تحسي بحبي وتصدقيه وتأمّني على نفسك معايا.. عشان كده عرفت أدهم عشان أقرب منك بشكل رسمي وبوضوح."
دموعها عادت من جديد تسيل فوق وجنتيها، لكن المرة دي دموع خوف. مراد كان بيخبرها أحيانًا إنها غالية، وأغلى ما امتلك. لكن أوس لم يقل إنه يمتلكها.. إنه يتمنى وصالها.. قربها.. رضاها وقبولها به. ركضها هي خلف عدنان لسنوات، وأوقعها مراد في براثن جاذبيته ووسامته وعشقه المنمق بغرور المشاهير. لتجد في نهاية المطاف أوس، اللي كان بيختبئ لها بين أشجار جنة غناء، ينتظر إنها تنظر لما بين يديه من زهور، وكأنها هي الحاكم الأول والأخير.. هي اللي ستحيي زهور قلبه أو تقتلها في مهده.
رن هاتفها أخرجها من دوامة أفكارها. رقم غير معروف. هل هو أوس من رقم آخر؟ فكرة راودتها وشعرت بالسعادة وهي تتخيل صدقه. لذلك أجابت سريعًا، لكنها قفزت عن السرير حين وصلها صوت مراد يقول: ازيك يا ظلال؟ أنا مراد.
ظلت واقفة شاخصة البصر بصدمة، وهو يتحدث بدون توقف. وتصلها صوته قوي ذو بحة مميزة، كما كانت تسمعه قديمًا في الراديو قبل أن تكتشف حقيقته المؤلمة. ظلت صامتة، وكأنها تمثال من الشمع، غير قادرة على الحركة أو الحديث. ولم ينتظر هو ردها، فأكمل قائلًا: مش محتاجة تردي.. ولا مجبرة تسمعيني.. بس أنا عايز أقولك حاجة مهمة.. أتمنى تسمعيها.
صمت للحظات. وكانت هي، رغم صدمتها، هادئة. وكأن جرعة الحب الكبيرة والصادقة التي أعطاها لها أوس منذ قليل، جعلتها تفهم جيدًا أنها أبدًا لن تكون بخير إلا إذا أغلقت أبواب الماضي إلى الأبد. ليكمل مراد كلماته:
أنا آسف يا ظلال.. مش آسف بس على الموقف الأخير اللي حصل. لا.. أنا آسف إني قربت منك وأنا مستحقكيش. آسف إني كنت بفكر، ولو بدون قصد، في استغلالك.. وظلمك. آسف لأنك تستحقي كل السعادة اللي في الدنيا. أنا كنت عارف وحاسس بحبك لعدنان، وعلشان كده فكرت أتخلص منه وأبعده عنك للأبد. شهقت بصوت عالي. لكنه أكمل، وكأنه يجلس في غرفة الاعتراف:
أنا حبيتك بجد يا ظلال.. لكن بطريقة غلط. كنت فاكر إني الأفضل.. لكن اكتشفت وفهمت حقيقتي وحقيقة الحياة بسببك. الآن دموعها سالت، لكن برفق وهدوء فوق وجنتها. وكذلك هو، تجمعت الدموع في عينيه وهو يقول: أنا برضه هفضل الأفضل.. والاحسن.. هفضل مميز.. لكن مش ليكي يا ظلال. يمكن بعد شوية وقت، لما أكمل علاجي.. وأتوازن نفسيًأ، هلاقي المميزة اللي تليق بي وتليق بيا. رغم إنه أكيد مفيش واحدة مميزة قد ما أنتِ مميزة.. لكن هلاقي.
صمت. وظلت هي صامتة. هو لم ينتظر منها ردًا، لذلك قال بصوت مختنق: الوداع يا ظلال.. ومن كل قلبي أتمنى لك السعادة. وأغلق الهاتف سريعًا. لتجلس على السرير وهي تبكي. لكن رغم الدموع، كانت هناك ابتسامة ترتسم على شفتيها. وبغرفته بالمستشفى، ظل ممسكًا بالهاتف لعدة لحظات، ثم مد يده به لأكرم وقال: شكرًا. وبعد لحظات، قال دون أن يلتفت إليه: هنتكلم بكرة عن اللي حصل.. بس أنا دلوقتي عايز أقعد لوحدي شوية.
ربت أكرم على كتفه بدعم وغادر. حين أغلق الباب، ألقى مراد بجسده على الأريكة، وانحدرت دموعه، لكنه تنهد براحة. *** في صباح اليوم التالي. وقفت على باب القصر تنظر إلى البوابة الحديدية، وسؤال معروف يدور داخل رأسها: هل ينتظرها؟ وجاءتها الإجابة حين تقدم منها الحارس وقال بأدب: آنسة ظلال.. فيه شخص واقف قدام البوابة اسمه أوس.. في انتظار حضرتك.
ابتسمت له ابتسامة صغيرة. لكن قلبها كان يضحك بسعادة. تحركت بخطوات ثابتة في اتجاه البوابة، لكن قلبها يرتعش قلقًا وترقبًا. حين لمحها، ترجل من السيارة وعلى وجهه ابتسامة رجولية تخطف الأنفاس والأنظار. يتابعها بعين عاشقة. ولو كان بإمكانه أن يخرج قلبه الذي يرتجف داخل تجويف صدره ويضعه بين يديها، لأشفقت عليه حقًا ورأفت بحاله.
وكانت هي تشعر بمشاعر مختلطة بين خوف وحذر وسعادة ورهبة.. وراحة مغلفة ببعض الشكوك. من داخلها تتمنى أن تفعل مثل مراد، تتحدث إلى عدنان وتخبره بكل ما بداخلها، حتى يتطهر جرحها المتقيح من سنوات عشقه التي كانت تعذبها لا أكثر. حين وصلت إليه، قالت بابتسامتها التي تخطف القلب: صباح الخير. صباحك أنتِ. أجابها بنبرة خرجت بها بحة من تأثير جمالها عليه. لتتورّد وجنتيها بخجل فطري. ليدور حول السيارة، يفتح لها الباب وهو يقول: اتفضلي.
صعدت إلى السيارة. وحين جلس جوارها، قالت: أنا كده هتعبك معايا وهعطلك كمان. توقفت يده الممسكة بمفتاح السيارة في الهواء للحظة واحدة، ثم قال وهو يدير السيارة: أنا بحلم بالعطلة دي من زمان أوي.. ويا ستي، آخد لك إجازة.. هو أنا عندي كام ظلال يعني؟ كلماته مختلفة.. ردوده مختلفة.. كله بكل تفاصيله مختلف. شعرت ببعض التوتر، لكنه توتر لذيذ ويجعلها تشعر بالسعادة. بعد أن ابتعدوا عن قصر الخشاب، قال بهدوء وثقة:
أنا على فكرة مستعد أجاوبك على أي سؤال.. واعتبري الوقت اللي بنقضيه سوا هو فترة اختبار ليا.. تفهميني فيه.. وتقدر تحكمي عليا أنفعك أو لا. ظلت صامتة للحظات، ثم قالت: أنت أصلًا منين؟ أنا صعيدي.. من "... أجابها بهدوء شديد. لتردد خلفه باندهاش: صعيدي!! نظر لها بابتسامة واسعة وقال بمرح: واللي تخلي صعيدي يحبها، يبقى يا غلبها.. أيوه صعيدي.. متستغربيش كده ليه؟ لتضحك بمرح وهي تقول، موضحة سبب اندهاشها:
أصل اللي أعرفه إن الصعايدة مش بيعبروا عن حبهم بالشكل ده.. يغني بيكونوا مختلفين خالص عن اللي أنت بتعمله ده. ليه مش بني آدمين وليهم قلب؟ الصعيدي بيحب بكل كيانه، روحه وقلبه وعقله.. لكن هو ليه قواعد، لكن ملوش حدود في العشق لأنه غيور.. ودمه حامي.. ويحب كلامه يتسمع.. بس مش ديكتاتور. ابتسمت ببعض الخجل. ثم قالت بهدوء: يبقى اللي تخلي صعيدي يحبها، يبقى يا غلبها. ضحكا بصوت عالي، واستمر في الحديث حتى وصلوا. وقبل أن تترجل،
قال بتأكيد: أنا منتظرك هنا.. ولو معندكيش مانع، آخد الإذن من أدهم نروح نفطر سوا.. أعرف عربية فول في السيدة خطيرة. رفعت حاجبيها باندهاش وهي تردد خلفه: عربية فول في السيدة! أومأ بنعم، لتبتسم وهي تقول: لو أدهم وافق، أنا كمان موافقة. وغادرت سريعًا، وبداخلها إحساس واحد فقط.. الراحة. ***
تجلس هوا خلف مكتبها تعمل بنشاط كعادتها. لكن تلك المرة، هناك ابتسامة رقيقة صغيرة ترتسم على محياها الرقيق وتزين ثغرها الصغير. يدها تعمل بنشاط وتركيز فوق جهازها اللوحي، وعقلها يتذكر ما حدث بالأمس.
غادرت قصر الخشاب، دموعها تغرق وجهها. حتى إنها لم تنتبه للحارس الذي سألها إن كانت بحاجة للمساعدة، ولم تهتم لعرضه بأن يحضر لها سيارة أجرة. كانت تريد السير على قدميها، تريد أن تلفح نسائم الليل وجهها، علها تمنع دموعها من الهطول، وعلها تطفئ نار قلبها المشتعلة من بين غيرة وشفقة على نفسها وعليه.. وحزن وانكسار. مشاعر كثيرة لو اجتمعت كلها في قلب إنسان لقتلته دون رحمة. لكن للأسف، مازالت حية.. مازالت تتنفس.. مازال بداخل صدرها نبض.. نبض بحروف اسمه.. نبض مؤلم. فكيف لها ألا تحبه؟
هو من سترها.. وكفارس نبيل أنقذها من ذلك المصير الأسود التي كانت على وشك الوقوع فيه. وبكل شهامة ورجولة عرض عليها مساعدته.. بأكثر مما كانت تحلم به. اسمه.. وياله من اسم له صيت ومركز وعائلة. ويالها من عائلة.. لها وزنها واحترامها.. وقدرها بين الناس. وفي ليلة وضحاها تحولت من فتاة فقيرة معدمة دهستها الحياة أسفل عجلات قطارها.. إلى هوا خطيبة عدنان بيه الخشاب وزوجته المستقبلية.
كانت تعتقد حين عرض عليها الزواج أن السبب فقط هو سترها واتخاذها ستارًا لما لديه. لكن أن تكتشف أنه قرر التضحية بها هي بدلًا من تلك التي سكنت قلبه، ألمتها وعادت توبخ نفسها على تلك الفكرة. وهي تذكرها بأنه لم يجبرها، وأخبرها إنها لو رفضت الزواج منه، سيظل بجوارها يدعمها ويحميها. لكنها هي من اتخذت القرار.. هي من وافقت. وكيف لها أن تحاسبه على اعتراف لولا حالة الانهيار التي تتلبسه الآن لما قاله لها يومًا. أغمضت عينيها
للحظات وهمست لنفسها: أنتِ عايزة إيه يا هوا؟ إيه اللي يهمك؟ يهمك اللي ساكن قلبه ولا يهمك إنه معاكي؟ تجيب نفسها بأسى: كان نفسي يكون ليا بقلبه وكل كيانه.. كان نفسي أعيش الحب اللي حلمت بيه طول عمري.. كان نفسي أتحب. لكن هو بيعاملك كويس. جادلت نفسها، لتبتسم بسخرية وهي تقول: أيوه بيعاملني كويس.. كسكرتيرة.. كواحدة محتاجة مساعدة أو بيشفق عليها.. كإنسانة في العموم.. لكن مش كإنسانة بعد أيام هتبقى مراته، حتى لو على الورق بس.
الأفكار تنهشها كالوحش الضاري، ودموعها تغرق وجهها. وفي لحظة خاطفة، جذبها أحدهم من ذراعها بقوة، لتدور حول نفسها ثم اصطدمت بصدر عضلي ضخم، لكن ذراعيه منع سقوطها. رفعت عينيها إلى عينيه، لتجده يلهث بقوة. فقد أخذ المسافة ركضًا حين أخبره الحارس إلى أي اتجاه سارت. ظلت عيونهما معلقة ببعضها لعدة لحظات، حتى قال هو من بين لهثه: فاكرة نفسك رايحة فين؟
لم تستطع الإجابة. فلم تتخيل أبدًا أن يلحق بها، ولم تكن تتوقع في أشد أحلامها خيالًا. ليقول لها وهو يهزها قليلاً: خطيبة عدنان الخشاب تمشي في الشارع كده لوحدها.. من غير حرس.. وسواق. قطبت جبينها ظنًا منها أنه يقلل منها، لكنه قال بابتسامة حانية: آسف إني سبتك تمشي لوحدك.. وآسف إنك فكرتي للحظة إني ممكن أعيد تفكير في ارتباطي بيكي.. وآسف على دموعك اللي نزلت بسببي.. بس.
كانت تنظر له بصدمة وعدم تصديق. عدنان يقول لها آسف على ماذا؟ عدنان يتحدث معها بحب.. كيف؟ لكن مع كلمته الأخيرة، قالت بخوف: بس؟! اقترب أكثر منها وظل محافظًا على تواصل عينيه بخاصتها، وقال:
أنا مش هقدر أقول إني بحبك.. لأن الكلمة دي لما بتتقال معناها عهد مينفعش يتخان. لكن أنا مرتاح معاكي يا هوا.. ولأول مرة من يوم ما عرفت بمرضي، عمري ما حسيت بالراحة دي. وجودك في حياتي خلاني أحس إن الدنيا لسه فيها حاجة حلوة مستنياني.. حاجة أستحقها.. حياة ممكن أعيشها بجد. انهمرت دموعها رغم ابتسامتها الواسعة وهي تقول: الكلام ده ليا أنا؟ هز رأسه بنعم وقال بصدق: وفيه أكتر.. بس أنا مش عارف أقوله.
أمسك يدها وسار بها عائدًا إلى القصر، وأكمل قائلًا: هنرجع القصر نجيب العربية عشان أوصلك.. ولازم نعرف الناس هناك كلهم إنك خطيبتي.. وأننا هنتجوز قريب جدًا. كانت تنظر إليه بعدم تصديق. إنها تحلم.. مؤكد تحلم. وقفت مكانها، لينظر لها باندهاش، لتقول بصوت مرتعش: أنا بحلم صح؟ أكيد أنت لسه كنت بتقول… ليمسك بكلتا يديها وانحنى يقبلهما، وهو يقول: طيب.. وكده لسه بتحلمي؟ أومأت بنعم، ليضحك بصوت عالي وعاد يسحبها خلفه وهو يقول:
خليكي احلمي.. الأحلام حلوة برضه. ظلت تسير بجواره وعينيها على يديها التي تحتضنها يده، غير مصدقة لكل ما يحدث معها. عادوا إلى القصر ومباشرة إلى جراج السيارات، فتح لها الباب لتصعد وعيونها مازالت معلقة به، غير مصدقة لكل ما يحدث معها. دار حول السيارة وصعد إلى كرسي السائق وهو يقول: تحبي تسمعي إيه بقى؟ ولا أقولك هسمعك على ذوقي. "بالهداوة يا حبيبي بالهداوة، بالهداوة اسقيني واشرب بالهداوة يا حبيبي حب واشبع حب، لكن بالهداوة
هو حد يحط سكر ع الحلاوة يا حبيبي هو حد يحط سكر ع الحلاوة يا حبيبي بالهداوة يا حبيبي، يا حبيبي حبنا مش بس هي الليلة يا حبيبي، يا حبيبي لسه قدامنا ليالي ألف ليلة وليلة يا حبيبي، يا حبيبي حبنا مش بس هي الليلة يا حبيبي، يا حبيبي لسه قدامنا ليالي ألف ليلة وليلة حب حبة وخلي حبة لبكرة خلي يا حبيبي العمر كله نعيش نحليه هو حد يحط سكر ع الحلاوة يا حبيبي هو حد يحط سكر ع الحلاوة يا حبيبي غبالهداوة"
كانت تستمع إلى الأغنية، التي تأكد لها إنها تحلم. عدنان يستمع إلى شادية.. لم تتخيل يومًا هذا. حين وصلوا إلى الحي التي تسكن به، أوقف السيارة أمام بوابة البيت وترجل منها، ولحقته هي والسعادة تكاد تقتلها. سمعت كثيرًا عن من ماتوا قهرًا وظلمًا، وكادت أن تكون هي منهم لولاه هو. والآن تشعر إنها ستموت من السعادة. نظرات الرجال في الشارع، والسيدات في شرفات المنازل، جعلتها تشعر بالخوف. لكنه وقف أمام بوابة بيتها
وألقى السلام بصوت عالي: السلام عليكم جميعًا. ليرد عليه الرجال الجالسون في المقهى. واقترب منه صاحب المقهى القريب من البيت وقال: أهلًا يا باشا.. هو حضرتك مين ولا مؤاخذة؟ عدنان يده للرجل وقال بثقة: عدنان الخشاب، خطيب هوا.. وإن شاء الله الفرح خلال شهر. ابتسم الرجل وهو يقول: أهلًا وسهلًا بيك.. بس خطيبها يعني مينفعش تطلع معاها فوق. ومين قالك إني هطلع؟
أنا بس كنت بوصلها.. وكنت عايزكم تتعرفوا عليا.. وأعرف الناس اللي هي ساكنة في وسطهم وأطمن عليها. ليبتسم صاحب المقهى وهو يقول: اطمن عليها.. هي وسط أهلها.. وربنا يتمم على خير. إنها لم تعد على الأرض.. هي الآن تسير فوق السحاب. كل ما كانت تتمناه.. حدث اليوم. عدنان أخبرها إنه يرتاح معها.. قبل يدها.. أعلن خطبتهم.. ماذا تريد أكثر من ذلك؟
كل هذا كانت تفكر فيه وعدنان يكمل حديثه مع صاحب المقهى وبعض الرجال الذين تجمعوا حولهم، يضحكون.. ويمازحون بعضهم. وحين انتهى، اقترب منها وقال بابتسامة: رجالة حقيقي.. اطمن إنك قاعدة في وسطهم وف أمانهم لحد ما نتجوز. لم تستطع الرد، فالكلمات الآن تعجز عن وصف ما تشعر به. ليقول هو بأمر: يلا.. اطلعي وبكرة أشوفك في الشركة.. واعملي حسابك تلبسي حاجة مريحة في رجلك عشان هنلف على الحاجات بتاعتك.
كالمغيبة، أومأت بنعم وتحركت خطوة واحدة، ثم عادتها وهي تقول برجاء: عدنان.. احلف إني مش بحلم. ابتسم وهو يدفعها برفق حتى تصعد الدرج، قائلًا بمرح: اطلعي شقتك وابقي اضربي نفسك قلمين كده، يمكن تصحي من النوم وتبطلي أحلام. ابتسمت بخجل وصعدت عدة درجات، ثم قالت: أشوفك بكرة. أشار لها بيده وغادر عائدًا إلى سيارته. وصعدت هي إلى شقتها.
عادت من أفكارها حين وصلها صوت أحد المهندسين يرغب في الدخول إلى عدنان. لتأخذ له الإذن وعادت تكمل عملها، والابتسامة لا تفارق وجهها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!