ظل بيبرس يتابع ما يقوم به الطبيب بترقب وقلق. إنه منذ سمع صوت ارتطام جسدها بالأرض ورأها ممدة أرضًا بلا حول ولا قوة، سقط قلبه مهشمًا أسفل قدميه بخوف يصل إلى حد الرعب. فما زال بداخل قلبه شعور الذنب وعظمة ما كان يقوم به، وخوفه الكبير من العقاب الذي يعلم جيدًا أنه يستحقه. رغم يقينه الكامل برحمة الله ولطفه، لكن يبقى ذلك الهاجس الذي يهمس له بأن مازال هناك عقاب لابد أن تناله لتنال المغفرة كاملة.
انتبه من أفكاره على صوت الطبيب وهو يقول بهدوء وعملية: -لا خير إن شاء الله. اقترب منه وهو يقول بتوتر واضح: -طمني لو سمحت. أغلق الطبيب حقيبته وقال موضحًا: -أنا مش لاقي أي مشكلة عضوية… احتمال تكون حامل… علشان كده هتحملوا التحليل ده. ومد يده بورقة بها اسم التحليل واردف مكملًا: -ولو النتيجة إجابية يبقى تشوفوا دكتورة نسا وألف مبروك.
كان يبتسم ويعود ليقطب جبينه، ينظر إلى الورقة بين يديه والطبيب الذي غادر، ويعود ينظر إليها وهي نائمة والذهول يرتسم على ملامحه، وسعادة تطفو في أفق حياته تجعله يريد أن يصرخ بصوت عالٍ حتى يسمع الكون كله بما يشعر داخل قلبه. لكنه بدلًا من ذلك سجد لرب الكون وهمس لمكان سجوده بالحمدلله، فسمعها الله فوق سبع سماوات. حين اعتدل من سجوده، أمسك هاتفه واتصل بالمطعم يخبرهم أنه وزيزي اليوم إجازة.
وأمرهم أيضًا بإخراج عدد من الوجبات توزع على المحتاجين. ثم ترك الغرفة وهو يتصل مرة أخرى بمعمل التحاليل يطلب أن يحضر أحدهم إلى البيت ليأخذ منها العينة. دلف إلى المطبخ وظل يدور حول نفسه. السعادة والنشوة التي يشعر بها لا يستطيع وصفها حقًا. فكم كان فضل الله عليه عظيم. كيف كان ينتظر عقابًا جديدًا يكفر به عن خطأه العظيم ليجد رحمة الله تتغمده ويعطيه هدية عظيمة مثل هذه الهدية "ولد من صلبه ويخرج من رحم زيزي".
أي الهداية هذه وأي العطايا وأي كرم ورحمة من رب كريم رحيم. فتح البراد ليخرج منه زجاجة العصير وافرغ منه القليل في كوب وأعاده إلى المبرد من جديد. وعاد إلى غرفتها. حين دخل وجدها تفتح عيونها وترفرف بأهدابها في هدوء. اقترب منها وهو يقول بحب: -كده تخوفيني عليكِ. نظرت له وسؤالها الغير منطوق ظاهر في عينيها. ليكمل هو بمحبة بعد أن وضع كوب العصير على الكومود:
-ساعة ما اغمى عليكي كنت حاسس إن قلبي هيقف من الخوف… لكن بقا لما جبت الدكتور… -دكتور؟ قاطعته مندهشة. ليمُسك يدها ويقبلها بحب جارف وشوق لا ينتهي وعاطفة متأججة لا تهدأ يومًا، وقال: -أيوه دكتور… كنت هموت من الخوف… وحسيت إني كل حواسي وقفت ومرجعتش تشتغل تاني غير لما قالي خير إن شاء الله المدام حامل. شهقت بصوت عالٍ. ليقترب بوجهه من وجهها وأكمل شارحًا: -طلبت المعمل علشان حد يجي ياخد منك عينة دم علشان نتأكد.
وانحنى يقبل يدها بتقديس أسري. قشعريرة في جسدها بأكمله خاصة وهو يقول بصدق: -شكرًا يا زيزي… أنتِ كنت باب التوبة اللي انفتح في وشي… طاقة النور اللي بددت عتمتي وقفت بيبان الخوف وفتحت أبواب النعيم والصدق والجمال في روحي… ودلوقتي ربنا بيهاديني بطفل مني ومنك… طفل من صلبي ومن رحمك فيه مني ومنك… فيه مني ومنك… فيه جمال وسعادة وفرح أكتر من كده. الدموع تسيل فوق وجنتيها تأثرًا بحديثه الذي مس شغاف قلبها.
ودموع فرح من ذلك الخبر الذي جعلها تشعر بالسعادة وأن هناك ما هو يكمل حياتهم وعائلتهم الصغيرة. ضمها إلى صدره بحنان وهو يحمد الله بصوت واضح. لتردد هي أيضًا خلفه: -الحمدلله. *** تجلس خلف مكتبها تشعر وكأنها ضمت شجرة صبار كبيرة وانتشر الشوك في جميع جسدها. ألم حاد منتشر في كل أنحاء جسدها. لا هي قادرة على الجلوس ولا على الوقوف ولا على الشعور بالراحة بأي شكل من الأشكال. تقوم بما عليها من أعمال بنصف عقل ونصف تركيز.
فقلبها وعقلها مع ذلك الذي خرج من باب مكتبها منذ أكثر من خمس ساعات وحتى الآن لا تعلم عنه شيء ولم يطمئنها بكلمة. وتخاف أن يتأخر عن موعد انتهاء عملها. أمسكت هاتفها تريد الاتصال به لكنها تراجعت خشية من أن تكون بسبب اتصالها إزعاج غير محبب الآن. لتنتظر اتصاله هو. وظلت تبحث في عقلها على حجة مناسبة تخبر بها والدها حين تذهب إلى السيدة شكران. وأيضًا حجة أخرى تخبرها بها عن غياب أحفادها وذهابها لها.
وظلت الأفكار تتلاطم داخل عقلها بين القلق والخوف وبين محاولة تذكر ذلك الشخص الإعلامي المعروف الذي حضر حفلة خطبتها. وكم كان منمق وصاحب ابتسامة ساحرة تخطف الأنظار. وكيف كان ينظر إلى ظلال بحب وعشق كبير. لكن هل الحب الشديد قد يصل بالإنسان إلى أذية من نحب؟ وبعيدًا عن كل قلقها وخوفها على أدهم، لكن ذلك السؤال ظل يتردد في عقلها طوال اليوم. *** ظل أدهم يتقدم داخل الشاليه ومراد يتراجع إلى الخلف.
وجه أدهم خالي تمامًا من أي تعبير يوحي لمن ينظر له بما بداخله. والتوتر والقلق يرتسم بوضوح على ملامح مراد الذي بدأ يهذي ببعض الكلمات: -كنت هكلمك… أصل ظلال مكتئبة… أقصد أنا مكتئب شوية وهي… يعني هي قالت… نغير جو. أوقف تراجعه الحائط الذي أصبح يستند إليه الآن بظهره يواجه نظرات أدهم. أو هكذا كان يظن. أما أدهم، رأسه جه اليمين وهو يقول ببعض التسلية: -يعني أنت اللي كنت مكتئب… ولا هي؟! علشان بس أبقى فاهم. فتح مراد فمه حتى يجيب،
لكن أدهم أكمل حديثه: -مش هتفرق… في جميع الأحوال أنا معتبر اللي حصل ده محاولة اختطاف. لتلجظ عيون مراد وحاول فتح فمه مرة أخرى ليدافع عن نفسه. لكن ثامر قال بغضب واضح: -وخطف يعني شرف وعرض… يعني أنت كبيرك عندي طلقة في نص دماغك ومش هاخد فيك يوم واحد. شعر عدنان بالخارج أن الأمور تكاد تخرج عن السيطرة وأن حضور ثامر جعل الغلبة لهم دون شك.
لكن لو نطق مراد اسم أدهم، ربما يتحول الأمر ويظهر التوتر وقلق على ملامح أدهم ويتحول الأمر عليهما. اقترب قليلًا من أوس وهمس ببعض الكلمات. لينظر إليه أوس بصدمة وعاد بنظره يتابع ما يحدث وعقله يحلل ويفكر. ثم تذكر أن معهم طبيب نفسي. عاد برأسه للخلف قليلًا وقال بهمس: -واقف وراك دكتور نفسي اسأله… لو كده ندخل فورًا ومنستناش الإشارة. التفت عدنان لأكرم واخبره بالأمر سريعًا. ليفكر أكرم لثوان ثم قال:
-أعتقد أن الأمر مش هيكون بالتأثير اللي أنتو متخيلينه كمان هو مسيطر على الوضع وممكن دخولنا هو اللي يقلب الموازين. عادوا بتركيزهم إلى ما يحدث داخل الشاليه. كان ثامر لا يفصله عن مراد أي شيء. يحاوطه بكل جسده. يسند بيده على الحائط ويحاصره بينهم. ينظر إلى وجه مراد الذي لا يفصله عن وجه ثامر سوا سنتيمترات قليلة: -عارف أنا هعمل فيك إيه؟ هز مراد رأسه بلا وهو يفكر. هل هذا هو أدهم الذي كان يظن نفسه قادر على خداعه؟
ها هو أكثر من يخيفه الآن. وفي خضم أفكاره فاجئه ثامر بلكمة قوية في وجهه لحقها بلكمة أقوى في معدته. ليسقط مراد أرضًا مستندًا برأسه على ركبة أدهم. الذي تراجع خطوة للخلف. ليتمدد مراد أرضًا غير قادر على الحركة. لكن ثامر لم يتركه. فركله في معدته بقوة حتى إنه دار حول نفسه ومرة أخرى تمدد على وجهه وهو يتأوه بشدة. لم يحتمل أوس أكثر من ذلك.
فأشار لهم أن ينتظروا ودار حول الشاليه ودخل من الباب يحاول منع أدهم من ضرب مراد مرة أخرى وهو يقول متجنبًا نطق اسمه: -خلاص مبقاش فيه نفس… خلينا نقعد ونحدد هنعمل إيه. وأشار إلى جسد ظلال. نظر له ثامر بنظراته القوية الثاقبة والتي تحمل الكثير من الانفعالات والتي بالفعل تختلف كثيرًا عن نظرات أدهم الهادئة. لكنه تراجع إلى الخلف رغم أنه يتنفس بصوت عالٍ ونظراته ثابتة على جسد مراد.
ثم بعد لحظات نظر إلى أوس وكأنه يستوعب وجود أوس هنأ. تراجع للخلف خطوة أخرى. ليشير أوس لعدنان أن يأتوا هو وأكرم. وحين دخلوا إلى المكان كان الدور على عدنان الذي رفع مراد عن الأرض وعاد يلكمه ويضربه. ليقول أوس بغضب: -خلاص بقى سيبوه متنسوش إن أنا ظابط ومش هسمح باللي بيحصل ده خصوصًا إننا لحد دلوقتي مش عارفين موقفها إيه. أنهى حديثه وهو يشير إلى ظلال مرة أخرى والتي تجلس الآن تنظر إليهم جميعًا بصدمة وتشوش.
لم يتحرك أدهم من مكانه. فشخصية ثامر ما زالت تسيطر عليه. ليقترب عدنان منها وجثى على ركبتيه أمامها وهو يقول بقلق: -أنتِ كويسة؟! نظراتها الضائعة والمشوشة جعلتها تتأخر في الرد لعدة لحظات. وكان القلق يعصف بالجميع. حتى قالت: -إيه اللي حصل؟! أنا فين؟ دارت بعينيها على جميع الوجوه حتى وقعت عينيها على مراد الفاقد للوعي ووجهه الملطخ بالدماء. وبدأت ذاكرتها في الانتعاش وتذكر ما حدث. ليسألها عدنان بقلق وخوف واضح:
-أنتِ قوليلنا إيه اللي حصل يا ظلال. دارت بعينيها من جديد على كل الوجوه. ثم همست بصوت ضعيف: -مراد اتصل بيا زي كل يوم الصبح قبل ما بننزل الاستديو. لكن المرة دي طلب مني أعدي عليه علشان هو تعبان ومش قادر يسوق. فعلاً عدينا عليه. لكن قبل ما يركب معايا طلب مني أخلي السواق يرجع الڤيلا وهو هيسوق علشان يبقى فيه شوية خصوصية. وفعلاً خليت السواق يروح. وبعد ما اتحركنا بالعربية شوية فضل يتكلم عن إنه مخنوق وتعبان ومحتاج إجازة.
وبعدين… صمتت تحاول تجميع شتات أفكارها وأكملت بصوت مرهق: -وبعدين اداني إزازة برفان وسألني إيه رأيي فيه. شميته وقولتله حلو. قالي رشي شوية على إيدك وشميه كويس. عملت كده. وبعدها حسيت إن دماغي تقيلة جدًا. وآخر حاجة شوفتها وهو بيرش البرفان على وشي تاني. تغلي الدماء في عروق ثامر. ليقترب خطوة واسعة من جسد مراد وركله. ليقترب أكرم من ثامر وقال بتعقل: -أرجوك كفاية. ولاحظ أنه مريض نفسي وتصرفاته غير محسوبة. ابتسم ثامر بسخرية.
وتحرك ليغادر الشاليه وهو يقول: -أنا مهمتي خلصت هنا… اعملوا اللي يعجبكم. أنا في العربية. وغادر دون أن ينتظر رد من أي منهم ودون أن ينظر ولو نظرة واحدة لظلال. رغم إحساسه بألم قوي في قلبه لا يفهم سببه تجاهها. انحدرت دموع ظلال وهي تشيع أخيها بنظرات كسيرة. إنه غادر الآن دون نظرة واحدة لها. ليقترب منها عدنان وقال بعطف: -ده مش أدهم يا ظلال. نظرت له باندهاش. ليقول بإقرار: -ده ثامر… متزعليش. أومأت بنعم.
ليمُد يده لها حتى تقف بعد أن وضع حذائها أسفل قدميها. وقفت وهي تشعر بدوار شديد. لينظر عدنان إلى أوس وقال: -أنا هخرج أنا وظلال وأنت اتصرف معاهم. -هتقدموا بلاغ؟! سأله أوس بحيرة. ليجيبه عدنان قبل أن يغادر من الباب: -رتب مع دكتور أكرم هو هيعمل معاه إيه… على ما يرجع أدهم ونشوف رأيه. شعر أوس بالشفقة على أدهم وما أصابه. لكنه لم يعلق بشيء. فقلبه يؤلمه على طفلته التي سقطت في براثن ذئب ملون ومبهر بالشهرة وخداع الحب.
لكنه لم يظهر أي من هذا لأحد. وانتبه لما يقوم به أكرم مع مراد. بعد لحظات كان ثامر ينهب طريق العودة والصمت يخيم على الجميع. لتغمض ظلال عيونها في محاولة للنوم والاسترخاء رغم ذلك الألم القوي الذي ينهش قلبها دون رحمة. وظل عدنان يتابع الطريق وكل لحظة وأخرى ينظر إلى ظلال ليطمئن إنها بخير. وفي اللحظة الأخرى ينظر إلى وجه أدهم يحاول أن يتبين منه هل عاد لطبيعته وشخصيته الأصلية أم ما زال ثامر حاضر في الأجواء.
لكن الإجابة وصلت إليه واضحة دون جدال. حين ارتفع رنين هاتفه. ليقطب ثامر حاجبيه وهو يجيب ببعض الغرور: -هو علشان وقفنا اتكلمنا كلمتين في البلكونات خلاص بقينا أصحاب وبتتصلي بيا… جبتي رقمي منين يا غفير الدرك. شعر عدنان بالاندهاش والصدمة من كلماته وأسلوبه. إنه يختلف شكلًا وموضوعًا عن أدهم. والسؤال من هي تلك الفتاة الملقبة بغفير الدرك. وعلى الجه الأخرى فهمت سليمة أن من يتحدث لها هو ثامر. فابتسمت وهي تقول:
-أنت اللي اديتني رقمك… علشان لو احتجت حاجة في الشغل. ليضحك بصوت عالٍ وهو يقول: -كلهم بيقولوا شغل وفي الآخر بيطلع إعجاب… المهم عايزة إيه؟ ضحكت بصوت عالٍ. هي لن تنكر أبدًا أنها اشتاقت لذلك المشاغب ثامر. أسلوبه وكلماته. حركاته وانفعالاته. صراحته التي تصل حد الوقاحة. وجرأته التي كانت تسبب لها الحرج والخجل. والآن تجعلها تشعر ببعض الخصوصية بينهم. وكان هو يستمتع حقًا بصوت ضحكاتها الناعمة. لكنه أراد أن ينهي الأمر.
لقد بدأ يتأثر بها حقًا وهذا لا يعجبه. -ما تخلصي احنا هنقضيها ضحك. صمتت فجأة وقالت بجدية رغم أنها ما زالت ترتسم على ثغرها ابتسامة ناعمة: -لا يا فندم. أنا بس كنت عايزة أعرف حضرتك راجع إمتى. صمت لثوان ثم قال بهدوء: -أنا راجع من الساحل… ومفتكرش هقدر أعدي على الشركة… تقدري تروحي. -حضرتك قربت توصل على القاهرة؟ سألته بلهفة. ليقول بمشاغبة: -وأنتِ مالك يا حشرية… بس تقريبًا ساعة وأدخل القاهرة. تنهدت براحة ثم قالت:
-تمام توصل بالسلامة. هروح أنا بقى. أغلقت الهاتف وهي تبتسم براحة. صوته المرح وكلماته القليلة التي فهمت منها أنه عائد الآن إلى القاهرة أي أنه بخير. لكن هل ظلال أيضًا بخير؟ نفخت الهواء من صدرها وهي تفكر. هل تتصل بعدنان؟ أو تنتظر ساعة أخرى. ارتاح قلبها للاختيار الثاني. وعلى هذا الأساس غادرت الشركة بعد موعد انتهاء العمل مقررة العودة إلى بيتها وتنتظره هناك في شرفتها. ***
بعد مرور أكثر من ساعة أوقف ثامر السيارة أمام بوابة قصر الخشاب. لينظر له عدنان وقال بابتسامة: -شكرًا على وقفتك معانا… مش عارف من غيرك كنا هنعمل إيه. ابتسم ثامر ابتسامة تحمل الكثير من الغرور وقال بتعالي: -عفوًا. هز عدنان رأسه يمينًا ويسارًا بتعجب. ثم ترجل من السيارة وفتح الباب لظلال. والسؤال واضح داخل عيونها. لكنه أشار لها أن تسير في صمت. عبروا البوابة لينطلق ثامر بالسيارة متوجهًا إلى شقته. فغفير الدرك ينتظره. ***
وقفت ظلال أمام عدنان وهي تقول بقلق: -أنا خايفة على أدهم… وخايفة منه شخصيته التانية دي. صمتت لا تعرف بماذا تعبر عما تشعر به. ليربت عدنان على كتفها وهو يقول بقلق: -أنتِ شاغلة بالك بأدهم… ومقولتيش أي حاجة عن اللي حصل. وحاسس إنك كأنك مش فاهمة اللي مراد عمله. ابتسمت ببعض السخرية وقالت بحزن شديد: -مصدومة يا عدنان… اللي بنحبهم محسوش بينا وجرحونا كتير ولسنين… واللي حبونا طلعوا مستعدين يأذونا علشان بس يثبتوا ملكيتهم لينا.
حالي بقى عامل زي ما شيرين بتقول “في عشق بيستنانا وعشق بنستناه وعشق بينسينا العشق اللي عشقناه. القلب اللي بيجرحنا فيه حاجة أكيد جارحاه وجراحنا بتفكرنا بالقلب اللي جرحناه”. بس أنا بقى لا فيه عشق بيستناني ولا عشق بستناه وقلوب جرحتني رغم إني مجرحتش حد. وتركته واقفًا في مكانه. ابتسامة حزن ترتسم على وجهه. خاصة وهو يستمع لصوت تحطم قلبه بداخل صدره. صغيرته تتألم. تلومه دون لوم. تذبحه دون سلاح حاد ودون أن ينزف قطرة دم واحدة.
قتلها رغمًا عنه وابتعد عنها حتى يحميها. لتقع في من يؤلمها أكثرًا. وكانت طعنتها الأخيرة. حين نادته قائلة: -عدنان تفتكر أنا مستحقش إن حد يحبني بجد… مستحقش ألاقي القلب اللي يستاهل قلب ظلال. لكنها لم تنتظر منه إجابة. عادت ابتسامة السخرية ترتسم على ملامحها. وبخطوات سريعة قطعت الحديقة الكبيرة ودخلت إلى القصر. وظل هو واقفًا في مكانه يتألم ويفكر. ويتوهم. ويتحسر ويلوم نفسه. لكن قطع كل هذا رنين هاتفه.
ليخرجه من جيبه ليجد اسم هوا يملأ شاشته. يذكره بوعد قد قطعه على نفسه. وفتاة في حاجة إليه حتى يخرجها من بيئتها الموبوءة. ماذا يفعل الآن؟ وماذا يفعل أساسًا؟ فأجاب على اتصالها وهو يتحرك في اتجاه باب القصر. لكن بخطوات صغيرة بطيئة. لكن تسمرت قدميه في الأرض حين سمع صوت صراخها الذي يصل إليه من مكان بعيد كأنها في مكان والهاتف في مكان آخر. ليتحرك سريعًا إلى جراج القصر وأخذ أول سيارة قابلته وخرج تسابقه أفكاره السوداء وقلق قلبه.
غافلًا عن تلك التي تقف في شرفتها كعادتها تراقبه من خلف الستائر والدموع تغرق عينيها. *** وصلت سليمة إلى البيت لتجد والديها في انتظارهم هي وأدهم لتناول الغداء. جلست على كرسيها على طاولة الطعام ونظرت إلى والديها بأسف وقالت كاذبة ومعتذرة: -معلش أدهم مقدرش يجي. أصل ظلال حصل معاها مشكلة كبيرة في شغلها ومشي بدري من الشركة. هو بيعتذر لكم ومش عايزكم تبقوا زعلانين. ليربت يونس على يد ابنته وقال بابتسامة حانية:
-مفيش مشكلة يا بنتي. المهم أخته بخير. أومأت بنعم وقالت توضح بعض الأمور دون الإفصاح عن الحقيقة: -اتخانقت هي وخطيبها… وبسبب كده وقفوا البرنامج متحججين بإجازة البرنامج السنوية. وهي كانت تعبانة أوي ف أدهم مكنش ينفع يسيبها لوحدها. ابتسمت فاطمة وقالت بفخر حقيقي بزوج ابنتها: -أدهم راجل حقيقي وطبعًا أخته مسؤليته ولازم يقف جنبها ويدعمها ويسندها. ابتسمت سليمة بسعادة أنها استطاعت أن تداوي الأمر دون أن يحزن والديها من أدهم.
تناولت طعامها سريعًا وقالت وهي تغادر الطاولة: -أنا تعبانة جدًا ومحتاجة أنااااااام. ليضحك يونس بصوت عالٍ وهو يقول: -طبعًا طبعًا عايزة تناااااااامي وتطمني على أدهم. أقصد يعني أخت أدهم. ضحكت سليمة بخجل وغادرت ترافقها ضحكات والدها ودعوات والدتها بالسعادة. *** دلفت إلى غرفتها واغلق الباب خلفها. ومباشرة إلى الشرفة. اتسعت ابتسامتها وهي تراه يقف هناك. يرتدي بنطال أسود وتي شيرت من نفس اللون.
وبين أصابعه سيجارته الغير بريئة وبيده الأخرى كوب القهوة. ظلت تتأمله بسعادة. لكنه أجفلها حين قال: -مش عيب بنت زيك المفروض إنها ملتزمة يعني تقف تتأمل راجل غريب كده. تجاهلت كلماته وقالت مستفهمة: -أنت شلت فاصل الأرابيسك ليه؟ أجابها بهدوء بعد أن أخذ رشفة من كوب قهوته: -علشان تعرفي تتأمليني. والتفت ينظر إليها جيدًا ثم قال: -أنتِ إيه حكايتك معايا ها؟! عايزة إيه مني؟ اقتربت من سور الشرفة وقالت بهدوء:
-مش عايزة حاجة… أنا كنت فاكرة إن بعد آخر مرة اتكلمنا فيها إننا بقينا أصحاب. ابتسم ابتسامته الجانبية التي يتشابه بها مع أدهم والتي خطفت نظراتها ونبضاتها منذ أول مرة رأتها فيه. لم يعلق على كلماتها لكنه قال بهدوء: -مش عايزة تسأليني كنت بعمل إيه في الساحل. نظرت له وقالت ببعض الشك: -هو أنا لو كنت سألتك كنت هتجاوب؟ هز رأسه بلا. وابتسم وهو يقول: -صراحة لا… وعلشان مسألتيش عايز أحكيلك. -وأنا مستعدة أسمعك. قص عليها كل ما حدث.
وكانت تستمتع له وقلبها يؤلمها على حاله وحال ظلال. لكنها انتبهت من أفكارها حين قال بتفكير وحيرة: -أنا مش عارف أنا ليه روحت معاهم أصلًا… وعلاقتي بالبنت دي إيه؟ عدنان أعرفه من الشغل… لكن مين الناس التانية اللي موجودين معانا… وليه أنا اللي كنت متصدر المشهد مش فاهم حاجة… ليه كانت فيه نار قايدة في عروقي بدل الدم… مش فاعل. شعرت بالصدمة من حديثه الذي يخرج من قلبه وبضعف شديد وحيرة يعاكس هيئته المغرورة والمتكبرة.
وفكرت أن عليها التحدث مع الدكتور عبدالله في هذا الأمر. لكنها رغم كل أفكارها قالت بهدوء: -أنا معرفش حاجة عنك يا ثامر علشان كده مش هقدر أفيدك في إجابة سؤالك. لكن أنت ممكن تعرف كل حاجة لو عايز من جواك تعرف بجد. نظر لها وظهر على وجهه التفكير لعدة لحظات. ثم ابتسم وهو يقول: -دي تاني مرة أرتاح جدًا بعد الكلام معاكي… فيكي سحر غريب بيطمني وبيحسسني إن كل حاجة ممكن وسهل تتحل. أنتِ مين؟ -سليمة. أجابته بابتسامة حلوة ورقيقة.
ناعمة كنعومة ملامحها. لتتسع ابتسامته التي تأثر بنبضاتها واعتدل واقفًا وهو يقول: -المرة الجاية يا سليمة هعزمك على قهوة وهعملها لك بإيدي. أومأت بنعم. ليتحرك حتى يعود إلى شقته. لتوقفه وهي تنادي عليه: -ثامر. التفت ينظر إليها فقالت بابتسامة قذفت داخل قلبه سهم الحب: -أنا مبسوطة أوي بصداقتنا… أنت صديق متميز ومختلف. من جديد أهداها ابتسامته الجانبية ورفع إصبعيه في تحية كتحية الكشافة ودخل إلى شقته.
التفتت لتتدخل غرفتها لتجد والدها يقف هناك جوار الباب ينظر إليها بشك وغضب واتهام واضح. ليسقط قلبها أسفل قدميها. *** هل جربت مرة ووقفت لترى طائر بريء يُذبح بيد من كان يطعمه ويسقيه؟ هل رأيت يومًا شخص يتحول لوحش لا يشبه وحوش الغابة في شيء بل هو أكثر وحشية وغدرًا؟ أهلاً بك في الواقع المرير. أهلاً بك في عالم أشد قسوة من عالم الغاب.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!