وصل عدنان إلى بيت هوا، يسبقه قلبه ولهفته. لا يعلم ماذا سيجد أو سيحدث، لكنه يعرف أن اليوم هو اختبار جديد، أو أخير. وخلاله سوف يجد طريقه الذي ظل يبحث عنه طوال حياته. ضل كثيرًا وتاه كثيرًا، حتى استطاع أن يصل إلى طريق الحق ووجد نفسه. لكن من الواضح أن الاختبارات لم تنته بعد.
أوقف السيارة وترجل منها. أوقف أول شخص قابله وسأله على بيت هوا، ليشير له على البيت. لكن في الحقيقة هو لم يحتج أن يسأل؛ صوت صراخها يصل للقاصي والداني، لكن وكأن الجميع على رؤوسهم الطير، لا أحد يتحرك. ليركض إلى داخل البيت ليجد أمامه المشهد واضحًا كما وصفته له سابقًا. لكن ما يراه الآن أشد صعوبة. جمّدت الصدمة للحظات.
كانت شبه عارية بين ذراعي رجل ستيني يهذي ببعض الكلمات غير المفهومة، لكنها قذرة. وتلك العصفورة الصغيرة تقاوم بكل ما لديها من قوة واهية. وعلى أريكة قريبة منهم يجلس رجل في الستين أيضًا، يعد بعض المال. لعابه يسيل من كثرة شربه لذلك المشروب الرخيص الذي يريحه بين فخذيه، غير مبالٍ بصرخات تلك المكلومة. كان يحاول استيعاب ما يراه أمامه، لكن صوت صراخها الذي شق صمته وشلّ عقله أعاده إلى وعيه. خاصة حين قالت اسمه بكل توسل:
"عدناااااااااااان! وبخطوات واسعة كان يقف بجانبها. وبقدمه ركل الرجل عنها، ومد يده يمسك بذراعها حتى يساعدها على النهوض وقال أمرًا: "استري نفسك ولمي حاجتك."
لتركض إلى غرفتها سريعًا. حين اقترب هو من ذلك الرجل الذي يحاول الوقوف منذ ركله ولا يستطيع. لقد ذهب المشروب بعقله. وشيطانه الذي صوّر له أنه قد ينال تلك البريئة اليوم، فجعله يتناول بعض الأقراص الزرقاء. فلم يكن لديه القدرة على فعل أي شيء أو حتى الوقوف أمامه. ظل يركله ويركله. هيئة هوا وهي أسفله ذكرته بظلال وهي مع ذلك المريض مراد، غائبة عن الوعي. ظل يضربه وكأنه يضرب نفسه، أو يضرب مراد، أو يضرب أي رجل أخطأ يطلق على نفسه كلمة رجل وهو يستحل أعراض الناس.
ترك الرجل وتوقف عن ركله حين لاحظ أنه لم يعد يتحرك. ونظر إلى الرجل الذي كان مستمرًا في عد المال، رغم أنه ينظر له بخوف. فأقترب منه وأمسكه من ملابسه ولكمه في وجهه وهو يقول: "راجل رخيص.. عديم الشرف وعديم الإحساس والرجولة.. مش دي بنتك اللي أنت مربيها؟
كل ذلك واللكمات لم تتوقف على وجه الرجل العجوز الذي يبكي بقهر وحزن ويشعر بالغضب من نفسه وحاله. وأيضًا لا حول له ولا قوة. فقد أذهبت المخدرات وكثرة الشرب وقلة المال عقله وأخلاقه ودينه. عاش عمره كله رجلًا حقيقيًا مسالمًا، يعرف دينه جيدًا. ربّى يتيمة في بيته حتى تكون له من أسباب دخول الجنة، لكنه ضيع كل شيء. فقال بتوسل: "خدها من هنا.. كلاب الشوارع هيحافظوا عليها أكتر مني.. خدها."
في تلك اللحظة خرجت هوا من غرفتها ترتدي عباءة سمراء وحجابًا من نفس اللون. تمسك حقيبة كبيرة بين يديها. وجهها به بعض الخدوش، وعيناها من كثرة البكاء حمراء بشدة. نظراتها بها الكثير من الانكسار والخزي. والذي جعله يعرف بخروجها من حجرتها نظرات الرجل لها. ليلتفت لها لتخفض نظراتها أرضًا. ليشعر بالشفقة عليها. ليترك الرجل ويتوجه إليها يحمل عنها حقيبتها. وقال بصوت أمر لكنه خرج حانيًا مشفقًا:
"يلا بينا.. مبقاش ليكي مكان في البيت ده تاني." وبيده الأخرى أمسك معصمها وسحبها خلفه وغادر هذا البيت. خطواتها تلاحق خطواته. تنظر إلى بيتها التي لم تعرف بيتًا غيره طوال حياتها، والآن تغادره بلا رجعة. تغادره كسيرة، يغطيها الخزي من رأسها حتى أخمص قدميها. واكتمل الأمر حين وجدت عند باب البيت كان أهل الحي يجتمعون. الغضب واضح على ملامحهم. ليصرخ بهم عدنان:
"جاين دلوقتي.. صوتها مالي الشارع وصوتها أتنبح من كتر الصريخ وأنتم عاملين مش سامعين.. أنا هاخدها من هنا.. من بيت الراجل اللي رباها زمان زي بنته ودلوقتي بيبعها للي يدفع. وهخدها من الشارع ده كله اللي أهله فيهمش راجل واحد قدر يحميها ويدافع عنها."
وتحرك في اتجاه سيارته. فتح لها الباب لتجلس في الكرسي الأمامي جوار كرسي السائق. أغلق بابها. ثم فتح الباب الخلفي ووضع الحقيبة على الأريكة الخلفية. وأغلقه ببعض العنف. ثم دار حول السيارة ليصعد إلى كرسي السائق. وبكل قوته ضغط عتلة البنزين وانطلق.
ليدخل كثير من الرجال إلى البيت بغضب كبير، خاصة بعد كلمات عدنان التي عرتهم وكشفت ضعفهم. أخذوا الرجلين من الشقة وألقوا بهم في الشارع. صارخين فيهم ألا يعودوا إلى هنا مرة أخرى. لم يعد لهم مكان هنا. منذ صعدت إلى سيارته وغادروا الحارة بما فيها، وهي تريح رأسها على الزجاج تبكي بصمت. اهتزاز جسدها وتشنج يديها أخبره بحالها. يشعر بها وبما داخل قلبها من حزن وانكسار. لكنه لا يعرف ماذا عليه أن يفعل أو يقول؟
أي كلام سيقال يطيب قلبها ويجعلها تمحو تلك النظرة الكسيرة والاستسلام الذي سكن عينيها وجسدها. همس باسمها. لكنها لم تحرك ساكنًا. ليردد اسمها من جديد عدة مرات. ليلاحظ انكماش جسدها أكثر وأكثر. وكأنها تقول له: "لا أريد أن يتحدث إلي أحد". مؤكد تتمنى أن تختفي الآن من الوجود تمامًا ولا يتحدث أحد معها عن ما حدث. لكنه قال بهدوء:
"أنا هحجز لك في أوتيل علشان تقعدي فيه يومين ثلاثة لحد ما تفوقي من صدمتك وتقدري تقرري خطوتك الجاية إيه." أغمضت عيونها بقوة لتنهمر الكثير من الدموع وهي تفكر. ها هو قد تخلى عنها. لن يحقق وعده لها ولن يتزوجها. أخرجها من بيتها حتى يلقيها في مكان آخر حتى تلاقي مصيرها المحتوم. لكن على يد أشخاص لا تعرفهم. ماذا كانت تتوقع منه؟ وماذا كانت تنتظر؟ خاصة بعد ما رآها على تلك الحال.
وكان هو يفكر ويرتب أفكاره المبعثرة في كل اتجاه. مؤكد لن يتزوج ظلال ولن يضعها في هذا الموقف اللعين ويحرمها حياة طبيعية كاملة وأطفال تسعد بهم. وأيضًا حرام أن يظلم تلك الفتاة مستغلًا ظروفها. لكن ليأمن لها مكان أولًا وعمل آمن ثانيًا. ثم يخبرها بحقيقة أمره ويترك لها القرار.
تسير جواره منكسة الرأس. إنها لا تملك حق اختيار أو إبداء اعتراض على أي شيء يقوم به. لذلك تسير خلفه بصمت. وقف أمام الاستقبال وقام بكل الإجراءات. لكنها رفعت رأسها تنظر إليه بصدمة حين أجاب سؤال الموظف: "أنا خطيبها." والتفت لها بكل هدوء وقال: "هاتي بطاقتك يا هوا." أخرجتها له من الحقيبة وهي تشعر بعدم الفهم. ما سبب سؤال الموظف؟ ولما تلك الإجابة؟
لكنها لم تخرج أي شيء من أفكارها عن طريق فمها. كل شيء ظل يدور في دوائر حيرة عقلها دون هوادة أو رحمة. وعند باب غرفتها وضع العامل الحقيبة هناك. ووقف هو أمامها بعد أن فتح لها الباب وقال: "ادخلي خدي دش وأهدي ونامي شوية.. وبكرة هعدي عليكي نفطر سوا ونتكلم.. تمام." دون أن تنظر إليه أومأت بنعم. ليقول لها بصدق لمس قلبها:
"ارفعي راسك يا هوا.. أنتِ معملتيش حاجة غلط ولا حرام علشان توطي راسك بالشكل ده.. احمدي ربنا إني وصلت في الوقت المناسب وقدرت أخرجك من هناك.. وصدقيني أنتِ أمانة في رقبتي ليوم الدين." رفعت عيونها الحمراء والمتورمة من كثرة البكاء تنظر إليه بتوسل يقطع نياط القلب. ليكمل هو ببعض الشفقة:
"عارف إن الموضوع مش سهل.. والتجربة اللي أنتِ عيشتيها صعبة ومؤلمة.. لكن كله بيعدي صدقيني.. هتبقى ماضي وهتفتكريها كل فترة زي ما بتفتكري لما وقعتي وأنتِ صغيرة واتعورتي.. أو لما بتفتكري والدتك الله يرحمها.. ماضي وذكرى صحيح مؤلمة.. لكن هتبقى ذكرى صدقيني." أومأت بنعم بصمت. ليقول أمرًا:
"ادخلي يلا واعملي اللي قولتلك عليه.. ولو جعانة اطلبي رقم ٩ واطلبي الأكل اللي انتِ عايزاه.. وأهم حاجة صلي ركعتين شكر لربنا إنه نجاكي.. ونامي وارتاحي.. عايزك بكرة كده نشيطة ومصحصحة." عادت تهز رأسها بنعم من جديد. ليرفع يده بسلام وغادر. ظلت تنظر إلى ظهره وهو يتوجه إلى المصعد. وحين دخله التفت ينظر إليها وأهداها ابتسامة صغيرة شعرت بها على وجهها هي.
وحين أغلق المصعد دلفت إلى غرفتها وأغلقتها جيدًا. وكما طلب منها أن تفعل فعلت. لكنها لم تطلب طعامًا. تأكدت من إغلاق الباب جيدًا حتى الشرفة. رغم أنها في دور مرتفع. لكن من لدغ من الأحباب خاف من نسمات الهواء أن داعبت وجنتيه برفق. لكن ورغم كل هذا حين وضعت رأسها على الوسادة استسلمت جفونها لسلطان النوم. وكأن أي شيء يخص عدنان يجعلها تشعر بالأمان والراحة.
ظلت سليمة واقفة تنظر إلى والدها بخوف، خاصة وأن نظرات الغضب لاول مرة تراها واضحة وصريحة بعيون والدها الحانية ديما والمشجعة. اقتربت بخطوات صغيرة من والدها وحاولت فتح فمها حتى تتحدث. ليقول هو بغضب: "هو بقى اشترى الشقة علشان يشاغلك منها؟ ولا علشان يبقى قريب منك ويستغفلني؟ وعامل فيها راجل بيعرف إزاي يدخل البيوت من أبوابها؟ كانت تهز رأسها بلا مع كل كلمة يقولها والدها. وانحدرت دموعها وهي تقول:
"متقولش كده على أدهم وتظلمه يا بابا.. أدهم مش كده.. بس.. بس أدهم عيان." قطّب يونس حاجبيه وهو يقول: "عيان؟ إيه علاقته ده باللي أنا شوفته دلوقتي؟ اقتربت منه وأمسكت يده. ودلفت إلى الغرفة وأغلقت الشرفة جيدًا حتى لا يصل صوتهم إلى الخارج. حتى أنها أغلقت البرادي وكأنه ساتر آخر لعدم خروج الصوت مع احتمالية دخول ثامر إلى الشرفة في أي لحظة. وعادت تجلس جواره وهي تقول:
"أنا هحكيلك لحضرتك كل حاجة.. بس توعدني يكون سر بيني وبينك.. ماشي؟ واوعدني كمان إنك تحاول تفهمني."
هز رأسه بنعم. لتقص عليه كل ما تعرفه عن مرض أدهم. وكم هي تحبه ولا تجد بداخلها رفضًا لكونه صاحب شخصيتين. وكيف أن شخصيته الأخرى هي من تسكن في الشقة المجاورة لهم. وأن هذا دليل على حب أدهم الكبير لها. فحتّى شخصيته الأخرى أرادت أن تكون جوارها حتى لو لم يكن يشعر بذلك. وأنها تتعامل مع ثامر كصديق ومدير عمل حتى الآن. وحتى تجعله يريد هو الآخر أن يتزوجها.
"أنا بحاول أخلي شخصيته ثامر كمان تحبني. ما أنا مش هستحمل إن ثامر يحب واحدة تانية ولا يفكر يتجوزها.. مش هستحمل. ف لازم أخليه يحبني ويتجوزني هو كمان." ظل يونس صامتًا يتأمل ابنته التي تبكي من غيرتها وحبها الشديد لزوجها رغم صدمته من حديثها. ابنته ستتزوج اثنين. ولا يوجد قانون أو شرع يحرم هذا الموقف الآن لأنه وبكل بساطة هما نفس الرجل. ماذا عليه أن يقول الآن أو يفعل؟ هل يبعدها عنه ويحميها من كل هذا؟
أم يدعمها ويساعدها حتى تحقق هدفها؟ ربت على ساقها وهو يقول: "ربنا يشفيه ويعافيه." وأكمل ساخرًا: "والحق.. وقعي سي ثامر ده في حبك بسرعة.. بدل ما.." ولم يكمل كلماته وتركها معلقة في الهواء. فنظرت له برجاء وتوسل. ليقف أمامها وقال بصدق: "صعب يا بنتي أستوعب كل اللي أنتِ قولتي ده. وصعب عليا إني أأمن على بنتي مع شخص مريض نفسي وعنده شخصية تانية. وصعب أستوعب إنك هتبقي متجوزة اتنين. حياتك هتبقى عاملة إزاي؟
مستقرة ولا على كف عفريت؟ لكن في الحقيقة أنتِ فعلاً مراته. ده غير إن حتى الشخصية التانية واضح جدًا إنك بتحبيها كمان. مش عارف ده علشان أنتِ بتحبي أدهم أوي ولا هي شخصية تتحب فعلًا.. خليني بس كده أقعد مع نفسي شوية أفكر وأحاول أستوعب الموقف." وغادر الغرفة. ظلت جالسة في مكانها. تفكر وتحلل تتألم. وقلبها يرتجف الآن بخوف.
عاد عدنان إلى القصر مجهدًا وواضح على وجهه الحزن. شعرت به شكران كما شعرت بحالة ظلال الغريبة. لكن الأخيرة أخبرتها أنها تشاجرت مع مراد وتشعر ببعض الضيق ولا تريد الحديث عن الأمر. وحين سألتها عن أدهم قالت: "أدهم مش موجود دلوقتي.. الموجود على الساحة الشخصية التانية.. ثامر."
فلم تشعر شكران بالخوف على حفيدها الكبير. وتشعر بالخوف من حفيدتها الصغيرة. لكنها لم تعلق. فهي لم تعتد على ظلال هكذا. وهذا يدل على أن الأمر بينها وبين مراد جلل. جلس عدنان على الأريكة المجاورة لجدته بعد أن قبل رأسها ويدها. كانت ظلال تتجاهله بشدة. قالت شكران بقلق: "مالك أنت كمان؟ نظر لها وابتسم ابتسامة صغيرة. ثم قال ما فكر به طوال الطريق: "فاكرة البنت اللي حكيت لك عليها؟ أومأت بنعم وهي تقطب جبينها بقلق.
"والدها اتوفى النهاردة وحالتها صعبة أوي.. طول اليوم وأنا معاها علشان ملهاش أي حد خالص.. خلصت ليها كل الإجراءات ووصلتها ورجعت." رفعت ظلال عينيها تنظر إليه بصدمة وألم قوي كأن قلبها بين قبضة أحدهم يعتصره دون رحمة. في الوقت الذي قالت فيه شكران: "لا حول ولا قوة إلا بالله.. الله يرحمه ويصبرها." ثم سألت باهتمام: "طيب دلوقتي ناوي على إيه؟ أخذ نفسًا عميقًا وألقى سهمه الأخير في علاقته ب ظلال حتى يغلق بابها إلى الأبد. يجرحها؟
نعم. يؤلم قلبها؟ نعم. ينحر روحها؟ نعم. وهو كذلك كل هذه النعم يشعر بها أيضًا. لكن أحيانًا تقسو الأم على أولادها حتى تخرج بهم إلى بر الأمان. ومن الممكن أن تقوم بضربهم حتى تقومهم وتشردهم إلى طريق الصواب. "أكيد مش هينفع أسيبها تعيش لوحدها. بس تعدي الثلاث أيام دول بتوع العزاء علشان الناس والجيران يعني. وبعدين أفتحها في الموضوع.. ولو وافقت هنكتب. بس واجبها تعيش معانا هنا."
أومأت بنعم رغم أن ما يحدث لا يروق لها. لو كانت ظلال على خلاف مع مراد، تتركه وبالأمر تتزوج عدنان. وهذا الشاب مفعم الرجولة يتزوج بتلك الطريقة دون عرس كبير. لكن ماذا بيدها أن تفعل. العقد قد انفرط ويدها المرتعشة لا تستطيع تجميعه من جديد. أخذت نفسًا عميقًا وقالت بخفوت: "خير إن شاء الله." لتقف ظلال تنظر إليهم ببرود ظاهري. لكن هذا كان دليل على انهيارها الداخلي الذي ظهر في صوتها المختنق وهي تغني:
"كتير بنعشق ولا بنقول.. وكتير بنعشق ولا بنطول.. ومفيش حكاية بتستمر زي ما بدأت ليه على طول.. في عشق بيستنانا وعشق بنستناه وعشق بينسينا العشق اللي عشقناه." حتى اختفى صوتها بعدما وصلهم صوت إغلاق الباب. ماتت وانتهى أمرها. اليوم ذبحت بسبب الحب. وتعذبت بسبب الحب. وانتهكت أيضًا بسبب الحب. فإذا حدث لها كل هذا بسبب الحب، فماذا يحدث لو كرهتها الحياة وكرهها البشر. أغمض عينيه بألم. لتقول شكران ما بداخل قلبها:
"ليه تسيب بنت عمك وأنت عارف إنها بتحبك ومن زمانها؟ هو الباب الذي كان يخشى أن يفتح قد فُتح وعليه المرور منه رغم أنه مليء بالأشواك وعليه أن يسير فيه حافي القدمين. ابتسم في وجه جدته وقال: "ظلال أختي الصغيرة متربية على إيدي.. ليه أظلمها معايا وأتجوزها ومديهاش حقها من الحب اللي هي تستحقه يا جدتي.. وبعدين أنا بحب هوا." "هوا؟ وردت خلفه باندهاش. ليومئ بنعم. لتقول بابتسامة صادقة: "اسمها جميل وغريب."
بالفعل اسمها جميل وغريب. وجديد أيضًا على مسامعه. ومعناه رائع ومميز. وقف وهو يقول: "أنا هطلع أرتاح.. يومي النهاردة كان طويل أوي أوي ومحتاج أنام." "طيب وأدهم؟ سألته بقلق. ليقول لها ببعض المرح: "هو ثامر دلوقتي وقاعد جمب حبيبه القلب.. متقلقيش.. وسليمة هتعرف تخلي بالها منه."
ابتسمت شكران بسعادة حقيقية. ف تلك الفتاة سليمة سكنت قلبها منذ اللحظة الأولى. بنظراتها الصادقة تجاه أدهم وما عرفته من موقفها ودعمها له ولشخصيته الثانية أيضًا. أغمضت عيونها تدعو لأحفادها بصلاح الحال والسعادة. ثم اتكأت على عصاتها ودلفت إلى غرفتها حتى تنام. ظلت سليمة طوال الوقت تفكر ماذا عليها أن تفعل حتى تهون الأمر على والدها. وأيضًا ثامر.
وقفت مكانها فجأة وكأنها تذكرت شيئًا ما. وتوجهت إلى حقيبتها. أخرجت منها الهاتف واتصلت ب عبدالله الذي أجابها سريعًا متلهفًا وقلقًا. أخبرته بكل ما حدث وما قاله لها ثامر هذه المرة والمرة السابقة حين كان يريد أن يوهمها أنه يقدم على الانتحار. صمت عبدالله لعدة لحظات ثم قال: "التجاوب اللي بينك وبين ثامر حلو جدًا وهيوصلك للهدف اللي أنتِ عايزاه.. وأنا هتدخل متقلقيش." صمت مرة أخرى ثم أردف قائلًا:
"وبالنسبة لوالدك لو عايزني أتكلم معاه.. معنديش مشكلة.. أشرحله الوضع بشكل تفصيلي.. وأبسط استيعابه للحكاية وأخليه يقدر يتقبلها." "ياريت.. أنا خايفة أوي من رد فعله ومن كتر خوفه عليا يطلب مني أسيب أدهم." قالت بسرعة ولهفة. ليقول هو مطمئنًا: "متقلقش.. أنا هاجي وهتكلم معاه.. وإن شاء الله كل حاجة تبقى كويسة."
أغلقت الهاتف وهي تشعر ببعض الراحة. ألقت الهاتف على السرير. ونظرت إلى الشرفة وابتسمت. أدهم حتى الآن لم يتصل بها. إذا فمازال ثامر حاضرًا. فتحت الشرفة وخرجت إليها. لتجده يقف هناك. حين سمع صوت المزلاج يفتح وسمع صوت حفيف فستانها. ابتسم ابتسامته الجانبية الجذابة وقال: "اتاخرتي كده ليه.. كنت عايز أعزمك على قهوة." اقتربت من سور الشرفة وقالت بمرح: "يعني العزومة راحت عليا؟ ولا أنت اللي بخيل أصلًا؟
رفع حاجبه ينظر لها بمكر وغضب مصطنع. لتتسع ابتسامتها وهي تقول بصدق: "على العموم مش مهم القهوة.. المهم إني لحقتك قبل ما تنام." "ده أنتِ معجبة بقى؟ سألها بغرور واضح. لتضحك وهي تقول: "ده على أساس إن أنت كمان مش معجب بـ" صمت. يتأمل ملامحها على ضوء غرفتها الذي جعلها تبدو كطفلة صغيرة. وشيء بداخل قلبه يقول له بكل صدق: "معجب ومغرم وغارق في العشق". لكنه قال بغرور: "معجب بغفير الدرك ليه؟ معنديش نظر."
كلماته ثقيلة. لكنها تعرف وتفهم مقصده. لذلك قالت بثقة: "أعتقد واحد زيك يوم ما يفكر يحب ويتجوز هيتجوز غفير درك زي حالاتي كده.. ومع ذلك.. شوف بقى لو غفير الدرك وافق عليك أصلًا." وتحركت تعود إلى غرفتها بعد أن ألقت بالطعم الذي سيصيد لها حوتًا أبيض كبيرًا ومميزًا ك ثامر. رغم ضيقه من رحيلها السريع. إلا أنه ابتسم بسعادة. أنه يعشق لحظاته معها. وإن أراد أن يحسب عمره يريد أن يحسب فقط لحظاتهم سويًا.
ووجد نفسه يدندن ذلك السطر من أغنية سمعها في أحد الأفلام لمست قلبه رغم أن الأغنية بعيدة تمامًا عن قصته: "قصة حب ناقصها شرح والكلام لسه له باقي." يجلس يونس في غرفته يخبر فاطمة بكل ما عرفه من سليمة. لتشهق بصدمة في بداية حديثه. ثم تضحك بصوت عالٍ وهي تقول بمرح: "أنا كنت عارفة إن بنتك مش هتحب حد عادي أبدًا.. وأدهم مش حد عادي خالص." ثم ربتت على ساقه وقالت:
"متقلقش يا يونس.. ربك مش هيوجع قلب بنتنا لأنها طيبة وحنونة. ويمكن تكون هي فعلًا أنسب واحدة لأدهم لأنها قادرة تفهمه وتحتويه وتحبه وتحب شخصيته التانية كمان وتكون له صديقة وحبيبة وزوجة وحضن حنين يحتوي كل شخصياته." صمتت للحظات ثم قالت: "بس يارب الشخصية التانية دي كمان تحبها.. لأنها أكيد هتتوجع أوي لو حب واحدة تانية ولا فكر يتجوز واحدة تانية. وللأسف.. لا هنقدر نلومه ولا نعتبه.. مهو الموضوع مش بإيده."
"ما هو ده اللي أنا خايف منه يا فاطمة." قال بقلق وحزن. وكاد أن يكمل حديثه ويخرج مكنون قلبه. لكن صوت جرس الباب أوقف كلماته على طرف لسانه. فغادر الغرفة. ليفتح الباب وخلفه فاطمة وسليمة. وقفت عند باب غرفتها حين رأت والدها قد فتحه بالفعل. ليصدم الجميع ب أدهم يقف عند الباب ينظر إلى يونس بنظرات تحمل الكثير من المكر والغرور. وقال بابتسامة شرسة: "أنا ثامر جاركم وكنت جاي علشان عايز أخطب الآنسة سليمة."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!