بعد مرور شهر، كانت تقف بسيارتها على أحد الطرق الخالية من المارة في هذا الوقت من الصباح، تشعر أنها ستنفجر من كثرة الغيظ والضيق. هل هذا وقت نفاذ الوقود من السيارة؟ وفي هذا المكان الخالي من البشر. إنه اليوم الأول لها لعودة البرنامج من إجازته، وعدم وجود مراد يزيد من توترها وقلقها. استندت على السيارة وهي تتذكر ما حدث منذ أسبوع. أنها ظلت حبيسة غرفتها لمدة أسبوعين، ترفض لقاء أي أحد.
ولولا أن أدهم كان، ورغمًا عنها، يخترق خصوصيتها ولا يقبل أن يعتزلها هو الآخر، ويكسر ذلك كل يوم. بناءً على نصيحة سليمة له، بألا يتركها لهواجسها، وأن الفتيات حين يقلن "لا نريد أحد" فهنّردن كل من يحبوهن حولهن، يشعرونهم بحبهم وتمسكهم بها. وحين قررت الخروج من غرفتها، وصلها اتصال من مدير المحطة يسألها عن مراد. وأن موعد عودة البرنامج لم يتبقى له إلا أسبوعان، وعليهم التحضير لموسم جديد ويكون مميز.
لتغلق معه الهاتف وركضت إلى غرفتها من جديد تبكي. بخوف. هي لا تعرف شيئًا عن مراد منذ ما حدث. هي لم تسأل، وأدهم لم يقل شيئًا. حتى أنها كانت تتجنب جدتها لكي لا تعلم شيئًا عن عدنان وخطبته المزعومة من تلك الفتاة التي لا تذكر اسمها. اتصلت بأدهم وهي تبكي وتشعر بالانهيار، ليركض إليها سريعًا. وخلال جلستهم، اتصل بأكرم، الذي أخبره كل شيء يخص حالة مراد بالتفصيل.
"مراد مريض اضطراب الشخصية النرجسية، والمرض ده عبارة عن حالة مرَضية تؤثر على الصحة العقلية للمريض اللي ينتابه وقتها شعور مبالغ فيه بأهميته. ويحتاج إلى الاهتمام والإطراء من الآخرين بشكل زائد، ويسعى إلى ده بكل طاقته. ممكن يفتقر لقدرة فهم مشاعر الآخرين أو الاهتمام بيها. لكن ورا قناع الثقة المفرطة ده، فهو مش متأكد من تقديره لذاته، ويمكن أن ينزعج بسهولة من أقل انتقاد." صمت لثوانٍ، ثم أكمل بشيء من التوضيح والشرح:
"بيأثر اضطراب الشخصية النرجسية على الذكور أكتر من الإناث، وغالبًا بيظهر في سن المراهقة أو في بداية البلوغ. وممكن تظهر سمات النرجسية على بعض الأطفال، ولكن ده بيكون غالبًا عاديً بالنسبة لأعمارهم ومش شرط يعني أنهم يكونوا مصابين باضطراب الشخصية النرجسية لما يكبروا. لكن للأسف مراد، المرض العضوي مع مرضه النفسي، خلاه سجين الوحدة والخوف من إنه يتعالج، وقرر يعمل ستارة حلوة وجذابة تجذب الأنظار ليه، وفي نفس الوقت تبعد الأنظار برده عن مشكلته الكبيرة."
كانت ظلال تستمع لكلمات الطبيب وهي تبكي بصمت، وأدهم يمسك بيدها يضمها بين يديه بقوة يدعمها. ليكمل أكرم كلماته:
"مراد تقريبًا عنده كل الأعراض. يعني مثلًا، هو عنده إحساس عالٍ بشكل غير معقول بأهمية الذات، والحاجة إلى سماع عبارات الإطراء والإعجاب باستمرار وبشكل مفرط. والشعور بأنه يستحق امتيازات ومعاملة خاصة. متوقَّع ديمًا الحصول على التقدير والتكريم حتى بدون إنجازات. ديما تلاقيه بيضخم إنجازاته ومواهبه بشكل أكبر مما هي عليه. والانشغال بقى بتخيلات عن النجاح أو القوة أو التألق أو الجمال أو الرفيق المثالي. عنده إيمان ويقين بأنه متفوق
على الآخرين، وأنه لا يمكن قضاء أوقاته إلا مع أشخاص مميزين زيه، وميقدرش يفهمه إلا المميزين من أمثاله. كمان عنده طبع الانتقاد والتعامل بتعالٍ مع الأشخاص اللي ميشكلوش أهمية خاصة من وجهة نظره. متوقَّع ديما الحصول على خدمات خاصة، ومتوقَّع أن كل الناس هتعمله اللي هو عايزه، ومن غير ما يطلب. ده غير كمان استغلال الآخرين للحصول على مراده. كمان عدم القدرة أو عدم الرغبة في تمييز احتياجات الآخرين ومشاعرهم. يعني مش بيفرق معاه
الطرف الآخر هيحس بأيه. وكما حسد الآخرين واعتقاد راسخ أن الآخرين بيحسدوه. هتلاقوه ديما بيتصرف بطريقة متعجرفة وبيتباها ديما وواثق من نفسه لحد الغرور. كمان عنده إصرار على الحصول على الأفضل في كل شيء، كأفضل سيارة أو أفضل مكتب، أفضل زوجة على سبيل المثال."
خيم الصمت لعدة لحظات عليهم. عيون أدهم ثابتة على عيني أخته يدعمها بنظراته كما يدعمها بيده وقلبه. ليكمل أكرم كلماته: "طبعًا الأعراض دي ممكن تكون ظهرت ليكم، لكن مكنتوش تتخيلوا أنها مرض. لكن الحقيقة أن مراد وصل لمرحلة أنه ممكن يأذي أي شخص يقف في طريق تحقيق هدفه. وهنا بقى الخطورة. علشان كده مراد لازم يخضع للعلاج النفسي، وكمان علاج عضوي، علشان يوم ما نوصل لنوع ما من الشخصية السوية يقدر يعيش حياته بشكل طبيعي."
قطع أدهم استرسال أكرم وقال باستفهام: "حالته إيه دلوقتي وتقبل فكرة وجوده في المستشفى؟ "للأسف لا. ومن يوم الحادثة وإحنا بنحاول بس نخليه يتقبل الفكرة، والمستشفى ساكتة علشان الموضوع على مسؤوليتي. لكن للأسف لو فضل على رفضه ده هيخرج من المستشفى. لحد ما حصلت المعجزة وبدأنا فعلًا في العلاج." أغلقوا الهاتف والقلق يسكن العيون ولا يحتاج للأفصاح عنه. لكن أدهم قال بصدق:
"أنا مش عايزك تخافي. أنا في ظهرك ومش هقبل أن أي حد يأذيكي. ومراد لو قرب من خيالك هيكون آخر يوم في عمره." لتلقي بنفسها بين ذراعيه وهي تبكي بخوف، تتشبث به ولا تعرف ماذا عليها أن تفعل حتى ينتهي ذلك الأمر. وكان أدهم يتذكر حين اتصل به أكرم يطلب حضوره سريعًا إلى المستشفى. وحين وصل، كان مراد في حالة هياج ولا أحد يستطيع السيطرة عليه، وكل ما يريده هو أن يرى ظلال. حينها لم يكن أمام أكرم إلا الاتصال بأدهم.
أخبره أكرم بكل شيء، ثم أوضح قائلًا: "أنت هتدخل له وتتكلم معاه بشكل جاد جدًا. وتوضح له قد إيه هو غلط في حق ظلال، وإنها سافرت لأي حد من قرايبكم بره مصر علشان تنساه وتتخطى القصة." أومأ أدهم بنعم. وفجأة ارتسمت على ملامحه تلك الملامح التي رآها أكرم على ملامح أدهم يوم اختطاف ظلال. وسؤال ملح طرق باب عقل أكرم كطبيب: هل الشخصية الثانية لأدهم تحاول السيطرة على حياة أدهم بشكل كامل؟
دلف أدهم إلى الغرفة، حين كان مراد يجلس أرضًا يستند بظهره على الحائط، وعلى وجهه غضب كبير وصدره يرتفع ويعلو بسبب سرعة تنفسه. حين شعر بدخول أحد إلى الغرفة، رفع عينيه وكاد يصرخ به أن يخرج ويحضر ظلال. لكنه ابتلع كلماته وصراخه حين تلاقت عينه بعين أدهم. أقترب أدهم، خطوة ثم خطوة ثم خطوة أخرى، ووقف ينظر إلى مراد من علو. ليقف مراد أمامه وقال من بين أسنانه:
"المرة اللي فاتت أخذتني على خوانه وضربتني. لكن المرة دي بقا مش هسمحلك تمد إيدك عليا تاني." ثم تحرك مبتعدًا عنه وهو يصرخ بصوت عالٍ: "عايز أشوف ظلال. عايز أتكلم معاها." "ظلال مش طايقة تبص في وشك." قالها أدهم بهدوء يصل حد البرود، رغم أنه من داخله يشعر بشفقة كبيرة على ذلك الشاب الذي لا حول له ولا قوة. مرضه قد استولى على كيانه وبدأ في تدميره. بهتت ملامح مراد حين أكمل أدهم ببرود سقيعي:
"وأنا جاي أقولك كلمتين. يتبقى عاقل وتفهمهم وتنفذهم. يترسم دور الجنون كويس علشان لما الصحافة والإعلام توصلهم أخبارك، يبقى شكلك حلو في التقارير بتاعتهم." تراجع مراد للخلف خطوتين وهو يهز رأسه يمينًا ويسارًا برفض وخوف يصل حد الرعب. لكن أدهم أكمل حديثه متقمصًا لشخصية ثامر الوقحة:
"اللي زيك المفروض يستخبى. لحد ما يتعالج وبعدين يرتبط ببنات الناس. مش يفكر التفكير الإجرامي بتاعك ده. إنك تتجوز بنت من عيلة كبيرة تستخبى وراها وتداري فيها عجزك." شهق مراد بصدمة. وشعر أدهم بالغضب من نفسه. هو لم يكن يومًا هكذا. كيف يعاير رجلًا بمرضه الذي ليس له دخل به. لكن لا تراجع الآن، فأكمل بهدوء:
"انسى ظلال يا مراد. وخلي كل تركيزك إنك تتعالج وتبقى قادر بجد على مسؤولية جواز وزوجة. اتعالج من خوفك ونرجسيتك. اتعالج علشان ترجع مراد منير اللي الكل بيتمنى يبقى زيه." انحدرت دموع مراد. وعاد ليجلس على الأرض وهو يقول كطفل يعترف لأمه بأخطائه: "عارف إنّي غلطت في حق ظلال بس. بس أنا بحبها." "الحب تضحية." قالها أدهم قاطعة وحاسمة. ليككمل مراد: "مش هقدر أشوفها مع غيري."
"يبقى مش بتحبها. أنت عايز تملكها. ظلال بخفة دمها وشخصيتها القوية والهالة المميزة اللي حواليها. أنت عايز تمتلك كل دول. عايز تزيد هالة الضوء اللي حواليك علشان تخفي وراها عيوبك." ليُبكي مراد كالاطفال وهو يقول: "أنا بحبها. بحبها." أشفق أدهم على حاله، لكن ليس بيده شيء يقدمه له. فمصير أخته ومستقبلها على المحك، ولن يجعل شفقته على مراد تكون سبب لجرح جديد في قلب ظلال. ابتعد خطوة في اتجاه الباب ثم قال بإقرار:
"أخدت قرار إنك تتعالج أو لا. فكرت صح أو لا. ظلال ملهاش مكان في حياتك يا مراد. ولو فكرت تقرب منها بأي شكل من الأشكال، مش هيبقى ضرب. بس أنا عشان خاطر أحمي أختي مستعد أقتل." صمت لثوانٍ ثم أكمل ناصحًا: "ونصيحتي ليك فكر في مراد بس. اتعالج من كل الحاجات اللي أنت خايف منها. وأرجع أقوى وأحسن. ووقتها هتلاقي الإنسانة اللي تزيد نور حياتك وتسعدك. واللي هي أكيد مش ظلال."
غادر الغرفة ليجد أكرم يقف أمامه يبتسم ابتسامة صغيرة، لكن لها معنى لم يدركه. فقال باستفهام: "ممكن أفهم سبب الابتسامة دي إيه؟ "أنت قلت له الكلام اللي فعلًا محتاج يسمعه. صفعته عشان يفوق ويرجع لوعيه. والباقي عليا أنا إن شاء الله." أومأ أدهم بنعم وتحرك ليغادر بعد أن قال: "مش عايز حد يعرف بزيارتي ليه. ولو احتاج أي حاجة اتصل بيا فورًا."
أومأ أكرم بنعم ليغادر أدهم المستشفى. ودخل أكرم إلى مراد حتى يبدأ معه أولى جلسات علاجه النفسي. عاد أدهم من أفكاره، أخذ نفسًا عميقًا ثم قال: "إيه رأيك إنك أنتِ اللي ترجعي وتقدمي البرنامج وتقدمي حجة مناسبة لغياب مراد؟
يعني تحفظي مكانه لحد ما يرجع، ولو مرجعش يبقى أنتِ مخسرتيش مجهودك وتعبك. وفي نفس الوقت حافظتي على تعب مراد طول السنين اللي فاتت. وكل حلقة لازم تذكري اسمه بشكل مختلف. زي مثلًا "اشتقنا لوجودك مراد"، "متنظرين رجوعك". أو لو مراد كان موجود احتمال رأيه يكون كذا." كانت تستمع إليه بتركيز شديد. ونار خوفها هدأت قليلًا. واستعادت بعضًا من سابق عهدها بالهدوء والتفكير العقلي.
وها هي أول يوم عمل لها وتعطلت السيارة. والسائق قرر في إصرار غريب أن يذهب ليحضر الوقود. توقفت سيارة سوداء عالية أمامها، وانخفض الزجاج الذي بجهتها، وسمعت السائق يقول باندهاش: "آنسة ظلال؟! بتعملي إيه هنا في الوقت ده؟! لتنظر له باندهاش هي الأخرى. شاب أسمر عريض المنكبين بملامح خشنة وشارب كبير يزيد من هيئته الرجولية. ارتعد جسدها خوفًا، فذكرى ما حدث من مراد مازالت حية بداخله.
رجل من السيارة لترى بدلته الرسمية، فشعرت ببعض الراحة. لكن من أين يعرفها؟ أقترب منها وهو يقول ببعض القلق: "حضرتك واقفة كده ليه؟ ظلت صامتة تنظر إليه ببعض الخوف. ليبتسم ابتسامة خشنة صغيرة وقال وهو يضع يده على صدره: "أنا أوس صديق أدهم أخوكي." لم تصدقه. أو من باب الحذر ابتعدت خطوة للخلف. ليخرج هاتفه واتصل بأدهم. بعد لحظات أجابه أدهم بصوت ناعس ليقول أوس بصوت قوي وواضح:
"صباح الخير يا هندسة. أنا لقيت آنسة ظلال واقفة على الطريق العام وتقريبًا العربية فيها مشكلة. وعايز أعرض عليها خدماتي بس هي خايفة مني." صمت للحظة ثم قال: "تمام. هديها التليفون." وأبعد الهاتف عن أذنه ومد يده به في اتجاهها. ترددت للحظات لكنها أخذته في الأخير. نظرت إلى الاسم لتجده أدهم الخشاب. ورقم أدهم يظهر أسفل الاسم. وضعت الهاتف على أذنها ليأتيها صوت أخيها قلقًا: "فيه إيه يا ظلال؟ مالها العربية وفين السواق؟
ومتصلتيش بيا ليه؟ تنهدت براحة وهي تجيب كل تساؤلاته. ليقول لها بأمر: "خلي أوس يوصلك عشان متتأخريش على شغلك. وكمان مينفعش تفضلي واقفة في الطريق كده لوحدك. وحساب السواق معايا." أومأت بنعم وكأنه يراها. ثم مدت يدها بالهاتف في اتجاه أوس وقالت: "آبيه أدهم عايزك." استمع لكلمات صديقه وهو يومأ بنعم. ثم قال منهيًا الحديث: "متقلقش عليها. أنا هوصلها وهطمنك."
أغلق الهاتف. وفي اللحظة فتح لها باب السيارة. لتتأكد هي من إغلاق سيارتها بالمفتاح البديل وصعدت إلى سيارة أوس. أغلق الباب ودار حول السيارة وهو يقول لنفسه بسعادة: "يا أفكارك يا أدهم." ~~~~~~~ تجلس في مكتبها الجديد داخل مؤسسة الخشاب كسكرتيرة خاصة لعدنان بيه الخشاب. حتى الآن لم يعلن عدنان خطبته لها. لأسباب هو فقط الذي يعرفها. وهي لم تفكر للحظة أن تسأله عن سبب تأخير الإعلان.
انتهت الأوراق التي كانت تعمل عليها وحملتها وتوجهت إلى مكتبه. طرقت على الباب طرقة صغيرة ثم فتحت الباب ودخلت، لكنها لم تغلقه خلفه. لاحظ هو هذه الحركة منذ اليوم الأول لعملها هنا. وقبل أن يعقب، عقب أدهم الذي كان يجلس معه في مكتبه لمناقشة أمر ما: "سليمة كمان مكنتش بتقفل الباب لما تدخل ليا المكتب." إحساسه أنها كسليمة في بعض التصرفات يجعله يقتل وسواس خفي يأرقه من وقت لآخر.
فبعد موافقتها الذي كان يتوقعها من أجل ماله ومركزه. وحطمت هي كل هذه الأفكار حين رفضت المكوس في الفندق واختارت أن تأجر شقة صغيرة في إحدى البنايات القديمة في حي شعبي بسيط. وحين دفع لها الإيجار أخبرته أنها سترده له حين تجد وظيفة. ليقترح عليها أن تعمل معه في مؤسسة الخشاب، ولكونها ستكون قريبًا جدًا زوجته فلا ضرر في ذلك، وأنه لن يقبل أن تعمل في أي مكان آخر وتتعرض لما كانت تتعرض له سابقًا.
وافقت. ولكنها وضعت شروطها، أن تكون وظيفة حقيقية ليست مجرد وظيفة شكلية لكونها خطيبته، حتى يكون رزقها من تلك الوظيفة حلال. وبالفعل منذ عملت معه وهي متفانية. تعمل بكل طاقتها، حتى أنها تضع حدودًا في التعامل والحديث خلال ساعات العمل. لكن الشيطان رفض أن يتركه يرتاح. فبدأ يلعب بعقله ويصور له أنها وافقت على الزواج منه. حتى تفعل ما يحلو لها تحت مسمى هذا الزواج.
وبدأ يحيك له بوضوح خطتها الوهمية. أن تتزوجه وهي تعلم جيدًا أنه لن يكون زواجًا حقيقيًا، وليس فيه حقوق زوجية أو معاشرة وإنجاب أطفال. وتستغل هي هذا وتتعرف على رجال آخرين، تفعل معهم ما كان يجب أن يحدث بينهم. لذلك في بعض الأحيان يغضب عليها بشدة حين يلمحها تقف مع أحد الموظفين. أو حين يراها تتحدث في الهاتف ويشعر أنها تتحدث بالألغاز. يحاول قتل هذا الوسواس، لكن لا يعرف كيف.
كان شاردًا في كل هذا حين كانت هي تقف أمامه تبلغه ببعض الأشياء، لكنه لم يستمع لما قالت. وضعت الملف الذي تحمله أمامه على المكتب وقالت بهدوء: "أوراق المشروع كده كاملة. والتصاميم باشمهندس رامي هيخلصها ويسلمها النهارده. تحب حضرتك أحدد بكرة موعد مع شركة (... أومأ بنعم وهو يقول: "بس خليه بعد الساعة ١٢ عشان أناقش مع رامي في التصاميم." كتبت في مفكرتها ما قاله. ثم نظرت إليه وقالت: "أي أوامر تانية يا فندم؟
هز رأسه بلا لتغادر بهدوء. لكن الأفكار عادت إلى رأسه من جديد. وهي تتذكر ذلك اليوم الذي حضر إليها في الفندق حتى يعرف قرارها الذي كان متأكدًا منه. لكنها حين أبلغته بشروطها، تلك النظرة التي كانت تذبحها اختفت وأصبح مكانها نظرات عدم فهم واستيعاب. لكنها حقًا تشعر بالامتنان له على كل ما فعله من أجلها وما يفعله. رغم تصرفاته الغريبة في الآونة الأخيرة، لكنها ستتحمل. فما يقوم به لا شيء مقابل ما كانت تتعرض له سابقًا.
ثم أنها تعذره. وتشعر بالشفقة عليه. جلست خلف مكتبها وبدأت في عمل اتصالاتها لتحديد الموعد. وحين انتهت ارتفع رنين هاتفها، لتنظر إلى الاسم ببعض القلق. شُكران، تلك الجدة الحنون التي حضرت بعد أسبوع من انتقالها لشقتها في البناية القديمة حتى تخطبها. حين رأتها شعرت برهبة وبعض الخوف. أقترب حتى يحييها، ومدت يدها لها لترفع شُكران يدها التي تجعد جلدها بسبب السنين وظهرت فيها العروق بشكل واضح، لتنحني هوا تقبل تلك اليد بإحترام.
لتربت شُكران على رأس هوا بحنان. فقد خطفت قلبها بتلك الحركة وقالت بحنان: "عرفت تختار يا عدنان. جمال هادئ وأدب." جلسة كانت حميمية ناعمة. أخبرتها شُكران برغبة عدنان في الزواج منها. وبكونها الكنة الثانية لبيت الخشاب. وأن لها جناحًا كبيرًا في القصر خاص بها. وإنها من اليوم مسؤولة من عدنان وعلى اسمه، وعليها إدراك معنى هذا والحفاظ عليه. منذ ذلك اليوم هناك اتصالات متبادلة بينهم.
انتبهت من أفكارها التي لا تتوقف أبدًا وأجابت الاتصال ليصلها صوت شُكران غاضبًا بعض الشيء: "هو مش أنا طلبت منك تجيلي عشان نشوف الحاجات اللي أنتِ عايزاها عشان نشتريها لك؟ ابتسمت هوا وهي تقول ببعض الخجل: "إزيك الأول يا شُكران هانم؟ زمجر شُكران بغضب وهي تقول: "هانم إيه؟ قول يدي يا جدتي زي ما سليمة بتقول لي، أو قوليلي يا نانا زي ظلال. أنتِ خلاص بقيتي واحدة من عيلة الخشاب."
تجمعت الدموع في عيني هوا تأثرًا بحديث شُكران، لكنها لم تستطع التعبير عن ما تشعر به بالكلمات. لتكمل شُكران أوامرها: "هستناكي النهاردة." "بس أنا مش عايزة أتعبك معايا. أنا هشتري كل حاجة وإن شاء الله يعجبوكي." قالت هوا سريعًا في محاولة لرفع الحرج عن نفسها فيما تريده شُكران. فهي مؤكد لن تقبل أن تشتري لها شُكران أغراضها الخاصة، عليها أن تشتريها هي بمالها، حتى لا يزيد إحساس عدنان أنها قبلت به من أجل ماله.
وكأن شُكران سمعت ما يدور في عقلها فقالت ببعض اللوم: "أنتِ بنتي من أول لحظة شوفتك فيها، قولت إني كسبت بنت جديدة زي ما كسبت قبل منك سليمة. إزاي عايزة تمنعي أم من إنها تفرح ببنتها؟ "يعني حضرتك اشتريتي الحاجات دي لسليمة؟ سألتها هوا وهي تعلم الإجابة. وسألت هذا السؤال حتى تستطيع إقناع شُكران بعدم ضرورة ما تريد فعله. لكن شُكران أجابتها بما جعل الدموع تسيل فوق وجنتيها:
"سليمة مامتها موجودة وهتعمل لها كل اللي هي عايزاه. لكن أنتِ لوحدك يا بنتي. بلاش تقسي على نفسك أوي كده. اعتبريني أمك وبلاش تزعليني وتوجعي قلبك وقلبي." شق الأنفس منعت هوا خروج شهقات بكائها من فمها حتى لا تصل إلى شُكران. لكنها وصلت إلى ذلك الذي واقف عند الباب يستمع لحديثها مع جدته منذ البداية. إنها لمست قلبه حين رآها أول مرة وحركت به نخوته وحميته. وفي المرة الثانية حركت به شهامته وأوقدت نار رجولته.
واليوم أطفأت نيران الشك والحيرة وأشعلت نيران المسؤولية. أغلقت الهاتف بعد أن أخبرت شُكران أنها ستمر عليها بعد انتهاء العمل. لكن كان له هو رأي آخر. ~~~~~~~~ كان يغلق زرار قميصه وهو يجيب على تساؤلات أدهم عبر الهاتف الذي وضعه فوق طاولة الزينة. كانت تتابع ما يحدث من بعيد بابتسامة ناعمة رقيقة. استقرت حياتها أخيرًا. واستطاع عبدالله أن يصل إلى مرحلة التوازن في حياتهما.
أولادها أصبح لهم وقت خاص مع والدهم. وهي أصبح لها وقت خاص معه. ووقت خاص لنفسها. هو من قرر ذلك حتى تستطيع أن تفرغ كل شحنات الضغط النفسي، وبكل سعادة تستطيع إكمال مهامها. لذلك كل يوم ساعة كاملة لها بمفردها. تقوم بما تريد. تدلل نفسها. حتى هو أصبح يجد وقتًا لنفسه يخرج فيه طاقته السلبية وكل تلك الأشياء التي يستمع لها من مرضاه وتؤثر على أفكاره وروحه. ويعود كما كان بكل نشاط وحيوية.
الشيء الوحيد التي لم تستطع وضع وقت معين له هي اتصالات أدهم. وبعض حالات الذعر التي تحدث معه، فتوتر عبدالله لوقت. لكنها لن تيأس أبدًا. انتبهت من أفكارها على صوته وهو يقول: "صعبان عليا جدًا. الدنيا كلها فوق كتفه. ده غير إنه بيتخبط بين شخصيته وشخصية ثامر. تصدقي إنه بيغير على سليمة من ثامر." لتضحك بصوت عالٍ وهي تقول: "الله يكون في عون سليمة. الحقيقة مش عارفة هتلاقيها منين ولا منين." ابتسم هو الآخر وقال ببعض الاندهاش:
"الحقيقة هي كل مرة بتفاجئني برد فعلها. وتقبلها غير المشروط لأدهم ومرضه وشخصيته التانية. وازاي قدرت في وقت قصير تبقى ملجأ أدهم الآمن ورمانه ميزان حياتها." اقتربت منه وهي تقول بصدق: "الست موجودة في حياة الراجل عشان تبقى رمانة الميزان. ربنا لما خلق ستنا حوا خلقها عشان سيدنا آدم ميبقاش وحيد. عشان تعمل توازن عاطفي ونفسي في حياته." واقتربت أكثر وهي تكمل بكل صدق:
"الست لما بتحب يا عبدالله، مفيش حاجة في الدنيا تقدر تقف قصادها. حتى الشخص اللي بتحبه نفسه. هتكسر كل الحواجز. وتهد كل الأسوار. هي اللي بإيديها تخلق جنة حياتهم. أو تشعل نار جحيمهم." أحاط خصرها برقة. وهمس بحب: "وأنتِ رمانة ميزاني يا لبنى. ومن غيرك أضيع." أمسك يدها يقبلها بحب واحترام وتقدير، وأكمل بكل حب: "ربنا أكيد راضي عني عشان أنتِ في حياتي." لتضمه بقوة وهي تقبل جانب عنقه بشوق ولهفة. ليهمس بصوت متأثرًا
بلمساتها الحانية: "شكلي كده مش هروح العيادة النهارده." لتومئ بنعم وهي مازالت تخبئ رأسها في تجويف عنقه. لتلهب أنفاسها نيران رجولته، فعاد يفك أزرار قميصه من جديد. ~~~ تحمل الكثير من الحقائب وسير متهدلة الأكتاف خلف والدتها التي كلما رأت شيئًا أثار إعجابها على واجهة إحدى المحلات، تدخل ذلك المحل ولا تخرج منه إلا ومعها على الأقل خمس حقائب. وكلما اعترضت هي، وبختها أمها وقالت بتباهٍ وسعادة:
"أنتِ عروسة ولازم تدخلي مش ناقصك حاجة. وعندك بدل الحاجة عشرة." يئست تمامًا من أن تغير رأي والدتها في أن ما تقوم به مبالغ به وغير صحيح. لذلك آثرت الصمت وسارت خلف والدتها ككلب مخلص لسيدته تحمل الحقائب وتهز رأسها بنعم كلما سألتها والدتها رأيها في شيء ما. وفجأة تحول كل شيء حولها. اشتعلت النيران داخل عيونها. ونار أخرى تلتهم قلبها وروحها.
وعيونها ثابتة على نقطة ما، غير واعية لكلمات والدتها التي كانت تنهرها لوقوفها في منتصف الطريق بهذا الشكل. لكنها ظلت مكانها تنظر لما يحدث أمامها بعيون باكية. فأمام إحدى البنايات القديمة الشاهقة، يقف هو بشكله العابث دائمًا، يضع يديه الاثنان داخل جيوب بنطاله، ينظر إلى تلك الفتاة التي تقف أمامه وتنظر له بتوسل ببرود شديد. توقف الزمن. توقف الهواء. هي لا تعرف، لكنها تشعر بنفسها داخل دوامة كبيرة تسحبها إلى أعماقها دون رحمة.
وكأن قدميها ليس لها. تحركت بخطوات بطيئة في اتجاهه حتى أصبحت تجاورهما، ويصلها صوت تلك الفتاة بوضوح: "ليه يا ثامر؟ هو أنا قصرت معاك في حاجة؟ أنت عارف إني بحبك ورضيت منك بالوقت الصغير اللي كنت بتحدده ليا كل فين وفين. راضية بلحظات بين دراعتك بحس فيهم إني ست بجد. ليه عايز تبعد عني؟ طيب أعيش خدامة ليك طول عمري زي الجواري بتوع زمان؟ لا هقولك اتجوزني ولا هيكون ليا طلبات. بس خليني معاك يا ثامر."
شعر بالضجر من كلماتها المكررة وكاد أن يتحرك مغادرًا، لكن عينيه اصطدمت بعينيها الباكية وهمسها باسمه. ليجد نفسه يهمس باسمها بصوت مختنق. وفجأة صرخ بصوت عالٍ وهو يمسك برأسه وسقط أرضًا مغشيًا عليه. يتبع…
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!