يجلسون داخل أحدى المطاعم الهادئة في ذلك الوقت من الليل، المكان التي رسيت عليه رحلتهم الغريبة. في تلك الليلة الغريبة بكل المقاييس، ينظر إليها الآن بوضوح أكبر وتفحص بعد أن ظهرت ملامحها له في الإضاءة الواضحة للمكان. فتاة سمراء، لكن تلك السمرة المحببة للعين، بعيون عسلية صافية. على ملامحها يرتسم الخوف مختلط ببرائة واضحة لعينيه الخبيرة بالفتيات. ويرى بوضوح أيضًا أن خلفها الكثير.
وبداخله إحساس يصرخ بصوت عالٍ أن تلك الفتاة بوابه توبته الحقيقية، وإنها رسالة أو اختبار من الله. أجلّى صوته وقال بهدوء بعد أن قرب منها كوب الماء الذي وضعه النادل منذ لحظات، ورحل بعد أن طلب منه أن يحضر لهم وجبة خفيفة وعصير. حدثه يخبره أيضًا ولا يعرف من أين أتى هذا الحدث أنها بحاجة للطعام. "اشربي شوية ميه واحكيلي حكايتك على ما الأكل يجي."
رفعت عيونها المروغة بالدموع ونفذت ما قال، فهي بالفعل تشعر بجفاف حلقها، وتريد من كل قلبها أن تخبر أي شخص بما يجيش بصدرها من خوف وضيق. حين أنهت الكوب وضعته فارغًا على الطاولة وأسبلت أهدابها وهي تقول بصوت ضعيف: "اسمي هوا، عندي 23 سنة. يتيمة الأب والأم، ومليش أي حد خالص. عايشة مع جوز أمي اللي معرفش حد غيره في حياتي كلها." رفعت عيونها إليه وأكملت بصوت مختنق:
"أكيد متوقع باقي الحكاية. جوز أم شرير بيحاول يعتدي على بنت مراته. ده حقيقة، لكن هو مكنش كده زمان. كان طيب ومش بيسيب فرض. كان بيعاملني كويس حتى بعد موت أمي. حتى كنت بقوله يا بابا، هو اللي علمني الصلاة ولبسني الحجاب. لكن فجأة كل شيء اتغير وأتحول."
"ومعرفش ليه وأزاي. فجأة ساب شغله وقعد في البيت وبقى عصبي وبيزعق طول الوقت. وبعدين بدأ يضربني بسبب ومن غير سبب. وبعدها بقى فيه ناس غريبة بييجوا يقعدوا معاه واتحولت القعدات دي لسهر وشرب. وفي مرة بعد الناس دي ما مشيت حاول يعتدي عليا."
اختنق صوتها وغصة بكاء مريرة تؤلم حلقها، وانحدر دمعتان من عينيها لتسيل على طول وجنتيها. كان يشعر بنار حارقة داخل صدره، ليست شيئًا سوى حمية رجل يرى أمامه أنثى ضعيفة تواجه الحياة بكل مساوئها بمفردها. أكملت بصوت باكي:
"الراجل التقي اللي بيصلي بقى بيلعب قمار، ويشرب خمرة وستات غريبة في البيت وقذارة ليل نهار. وكل ده وأنا ببقى حابسة نفسي في الأوضة. لحد ما في يوم لقيت باب الأوضة بيتفتح بيدخل عليا. وفي ظهره راجل شكله وحش كان داخل من الباب وهو موطي راسه. وبكل بساطة قاله هي ملكك وخرج وساب وقفل الباب وراه. طلع كان بيلعب عليا وخسر والمقابل إن الراجل اللي كسب يقضي معايا الليلة."
غضب ونار حارقة اشتعلت في جسده وهو يتخيل الموقف. ضم قبضته حتى ابيضت مفاصله. اختنق صوتها أكثر بالبكاء وهي تكمل كلماتها التي تقطر ألمًا: "قادر تتخيل الموقف؟ الراجل اللي رباني واللي المفروض يكون أمان هو اللي يحميني ويحافظ عليها يلعب عليا قمار ويخسرني. أنت متخيل." "حصل إيه؟ سألها بلهفة وقلق يريد أن يفهم ما حصل معها وإلى أين وصلت الأمور. لتمسح دموعها وهي تقول بقهر: "هجم عليا
الراجل الغريب وهو يقولي: 'ليني يا حلوة وخليكي شاطرة كده وأسمعي الكلام علشان ملكيش مهرب مني'." أغمضت عينيها للحظات ثم أكملت:
"لسه لمساته القذرة حاسة بيها على جسمي ومحاولاته إنه يقلعني كل هدومي. بكل طاقتي كنت بحاول أقاوهمه وأبعده، لدرجة إنه ضربني بالقلم أكثر من مرة علشان بقاومه. لكن إزاي ومنين لقيته بيبعد عني. مكنتش قادرة أشوف كويس أو أسمع من كتر الضرب اللي انضربته على ودني. لكن اللي قدرت أستوعبه إن الجيران سمعوا صوت صريخي وهجموا على البيت وأنقذوني ودفعوا للراجل الغريب فلوسه وحكموا على بابا إنه لو جاب حد تاني البيت يبقى حكم على نفسه إنه
يسيب البيت والحارة كلها. ومن وقتها بقى الخطر كله هو. علشان كده بفضل في شغلي لحد بليل علشان أبقى بره البيت طول اليوم وأرجع بليل أقفل على نفسي الباب وأحط كرسي كبير ورا الباب علشان ميقدرش يدخل عليا الأوضة. وبفضل طول الليل نايمة مغمض عين ومفتحة التانية."
صمتت لثوان ثم قالت: "هي دي حكايتي." قاطعها قائلًا بغضب مكتوم: "والمنظر اللي كنتي فيه النهاردة ده إيه؟! لتنحدر دموعها من جديد وهي تقول بحزن وقهر: "ركبت الميكروباص علشان أروح. كان ثلاثة راكبين والسواق. وفضل واقف كتير علشان يحمل لكن مفيش زباين جت. واحد من الثلاثة قاله: 'يلا اتحرك يا اسطى، وان شاء الله تلاقي زباين في الطريق'. وسكت شوية كده وبعدين قاله جملة مفهمتهاش." "جملة إيه؟ نظرت له بابتسامة حزينة منكسرة:
"فهمت معناها بعد اللي حصل. قاله: 'معاك صيدة حلوة وليلتنا فل'. وبعدها طلعوا على الطريق ده اللي مش خط سير الميكروباص. وبعدها ربنا بعتك ليا علشان تنقذني منهم. نور عربيتك خلاهم يخافوا. وده اداني فرصة علشان أهرب منهم. ومكنش عندي حل غير إني أرمي نفسي قدام عربيتك. يا تموتني وأرتاح من الدنيا واللي فيها، أو تنقذني منهم."
صمتت وظل هو صامتًا ينظر إليها بتفحص. بخبرته يعلم جيدًا أنها لا تكذب. وبداخله يراها فرصة يأمن لها حياة جيدة بعيدًا عن كل هذا الخطر وفرصة له ليخلق له حياة. ولكنه سيضع شروطه، وبعد ما سمعه هي لن ترفض، هو موقن من هذا. أحضر النادل الطعام ليشير لها أن تأكل. وبعد أن انتهت قال بهدوء: "هوصلك علشان أعرف عنوانك. واديني رقم تليفونك وهكلمك علشان نتقابل ونتفق على كل حاجة." رددت خلفه بغباء: "نتفق على إيه؟ "على الجواز."
رد بإقرار لتجحظ عيونها بصدمة، رغم أنها هي من طلبت، لكن أن يقولها هو شيء آخر. عاد إلى بيته وهو ساهم وشارد، لا يظهر على ملامحه أي شيء، لكن تفكيره لم يتوقف لحظة منذ خروجه من عيادة أكرم. كل ما يفكر به هو كلمة أكرم: "ظلال مش بتحبك." خلع القبعة ووضعها في مكانها على الرف داخل الخزانة، كذلك ساعته. ثم خلع حذاءه ووضعه في مكانه. أبدل ملابسه وأخذ حمامًا دافئًا بعد أن وضع كل ملابسه في سلة الغسيل. تمدد على السرير ينظر
إلى سقف الغرفة وهو يردد: "ظلال مش بتحبني.. ظلال مش بتحبني.. ظلال بتحب عدنان." لم يستطع النوم طوال تلك الليلة حتى أشرقت شمس اليوم الجديد. اعتدل جالسًا حين سمع صوت المنبه. أنزل قدميه أرضًا وأسند ذراعيه على ركبتيه وبين كفيه وضع رأسه وظل جالسًا على هذه الوضعية لعدة لحظات. ثم أمسك الهاتف واتصل بها كعادته. لتجيبه بصوت نشيط كعادتها: "صباح الخير." صمت لثوان ثم قال بأرهاق واضح: "صباح الخير يا ظلال."
كان دورها أن تصمت وهي تشعر بالقلق. وقالت معبرة عن قلقها هذا: "مالك يا مراد؟ أنت تعبان ولا إيه؟ يجيب على تسألها بهدوئه المعتاد: "مرهق شوية بس." ثم سألها ببعض الشك: "هو أنا ممكن أطلب منك طلب؟ لتجيبه بتأكيد: "أكيد." دلك جبينه بأطراف أصابعه وهو يقول: "ممكن تعدي عليا لأني مش قادر أسوق." "طبعًا يا مراد. ساعة وهكون عندك."
وأغلقت الهاتف ليغادر هو السرير وتوجه إلى الحمام. وضع ملابسه في سلة الغسيل وأخذ حمامًا دافئًا وارتدى بنطالًا أسود وقميصًا رماديًا، وساعته الفضية، وحذاء رياضي أسود اللون. وصفف خصلاته كالعادة ووضع عطره المميز وزاده تلك المرة قليلًا. وتحرك إلى المطبخ يعد فنجان قهوته عله يهدئ ذلك الصداع الذي يكاد يفتك به من قلة النوم وكثرة التفكير وصوت أكرم الذي يتردد داخل عقله بوجوب العلاج. لكن أي علاج؟
العلاج النفسي أم العلاج الجسدي وإيجاد حل لضعفه الجنسي؟ أخذ نفسًا عميقًا محملًا برائحة القهوة. وبدأ في تناولها وهو يقف خلف زجاج الشرفة ينظر إلى الأفق بشرود. لم يقطعه سوى رنين هاتفه وصوتها حين أجابها تخبره أنها خلال خمس دقائق ستكون أمام بيته. ليغسل الكوب ويوضعه في مكانه وغادر المنزل وبداخله قد أخذ قراره، ولن يتراجع عنه. ظلال له هو مهما كان الثمن، ولن يقف أحد أمام هدفه.
عاد أكرم إلى بيته والأفكار تعصف برأسه. أن مهنته كطبيب نفسي جعلته يرى أغرب الحالات والأشخاص. الآن لا يجد ما يثير حيرته أو اندهاشه، رغم أنه ما زال يشعر بالصدمة مع كل حالة جديدة. أنه رأى الكثير من الحالات الصعبة. من اغتصب ابنته وأنجب منها. ومن تسبب في موت أخيه وابن أخيه وجعل زوجة أخيه تعمل بالدعارة. وهناك من صدم في زوجته التي خانته بعد سنوات كثيرة من العشرة والحبال.
الواقع أصبح بشعًا وذلك سبب صدمته في كل مرة. وأكثر مما كان أحد يتخيل أو يتصور. في أشد الأفلام والروايات سوداوية الأفكار لم يكن أحدًا يتصور ويتخيل كم الانحطاط الأخلاقي. والتدني الفكري ونسيان الدين والأخلاق.
حين فتح باب بيته وجدها تجلس أرضًا جوار علا تلون معها شيئًا ما. وحمزة الصغير يلعب جوارهم بسيارة الشرطة وبيده الأخرى مسدس أسود لامع يطلق طلقات صوتية ويتحدث بقوة وهو مقطب الجبين وكأنه ضابط شرطة يطارد مجموعة من المجرمين.
ابتسم ببعض الراحة. هنا بين جدران ذلك البيت جنته الصغيرة والآمنة. هنا فقط يشعر بالأمان والراحة. يشعر أن الدنيا ما زالت بخير. وأن هناك أناسًا جيدة ما زالت تعيش تحت سماء تلك الأرض. ابتسم بشرود وهو يتذكر كلمات تمام النادي له في آخر زيارة لهم للبلدة:
"يا دكتور أكرم، الدنيا لسه فيها الخير وإلا القيامة كانت قامت لأنها هتقوم على أشر الناس. وكل اللي بيحصل ده علشان الأرض بتتجهز للحدث العظيم. كل إنسان دلوقتي عنده خيارين ملهمش تالت. يتمسك بجمرة دينه، أو يعيش بحرية ناسي كل حاجة حتى نفسه. أزرع في ولادك كل أساسيات الدين والأخلاق. وأروي زرعتك بالحب والحنان والثقة. وتوكل على الله واستودعهم عنده واطمئن."
كلمات ذلك الرجل الذي حين تراه تشعر بالهيبة وحين تتحدث معه تشعر بحب كبير له ورهبة. رجل ندر أمثاله في هذه الحياة بقصة حبه لزوجته التي ما زالت تتناقلها الألسن. وعلاقته بوالديه وأولاده. خاصة بعد استشهاد أخيه. لذلك هو أخذ بنصيحته وبالفعل بدأ في فعل ما قاله وسعادته هي بكل ما شربته من عادات تلك الأسرة الكبيرة والأصيلة.
شعرت به فالتفتت تنظر له والابتسامة تزين وجهها لتجده شاردًا. تركت الأقلام من يدها ووقفت على قدميها وتوجهت إليه. السؤال واضح داخل عينيها لكنها لم تنطقه. مد يده ليغلق الباب بالقفل الكبير. وأخذ يدها وسار إلى غرفتهم. أغلق الباب وأجلسها على السرير وهو يقول: "من غير تفاصيل عايز آخد رأيك في حاجة." أومأت بنعم. ليقول ببعض التوتر وهو يفرك يديه:
"لو فيه شخص مرتبط ببنت وسبب حادثة لابن عمها علشان كان فاكر إن فيه بينهم حاجة. ومستعد يقتل أي حد لو فكروا يبعدوها عنه. ده غير إنه يعني، مش راجل أوي يعني. مش عارف أقولك إيه. هو مش شاذ لكن مش بيجذب للستات. مش مهم ده دلوقتي. أنا دلوقتي المفروض أعمل إيه؟ ألقى بكل ما لديه مرة واحدة ومع كل كلمة كان يقولها كانت عيونها تتسع بصدمة. حتى آخر كلماته لتشهق بصوت عالٍ. ليكمل هو كلماته:
"أنا خايف على خطيبته دي من أي تصرف أهوج منه. وإنه يفكر يأذيها أو يأذي أي حد. ويوقع نفسه في مشاكل كبيرة." ظلت صامتة لعدة لحظات ثم قالت: "لو ليها أب أو أخ. قولهم من غير تفاصيل كتير. يعني نبّههم واتفق معاهم إنك خلال فترة علاجك ليه إنهم ينتبهوا ليها ويحموها. دي مش خيانة لمهنتك ولا لأسرار المريض. بس طالما فيه خطر منه يا تبلغ الشرطة يا تقول لأهلها. علشان متحصلش كارثة في لحظة مش محسوبة." أشار لها بيده مؤيدًا لكلماتها.
وقال ببعض الشرود: "معاكي حق. بكرة هروح لأخوها وأبلغه. وربنا يستر." وقفت من جديد واقتربت منه ربتت على كتفه بدعم وقالت بصوت حانٍ: "غير هدومك على ما أحضر العشا. الولاد مستنينك من بدري." أومأ بنعم بعد أن قبل يدها المستريحة فوق كتفه بحب لتهديه أجمل ابتسامة تذيب الثلج من حول قلبه المحمل بكثير من الهموم. وهي وحدها من تستطيع أن تسقط كل تلك الهموم من فوق كتفيه. التفت ينظر لها حين قالت ببعض المرح:
"ولا مش مهم العشا دلوقتي وأجي أعملك شوية مساج كده يريحك." ابتسم وهو يتذكر كم من مرة كان عائدًا من العيادة مرهق الفكر والجسد ليجدها تنتظره بابتسامتها التي تمحي همومه في لحظة. وحين يلقي بجسده على الأريكة يجد الماء الدافئ مختلطًا ببعض العطور لتضع به قدمه. وبعد لحظات تدلكها بزيت خاص يجعل جسده بأكمله يسترخي ويرتاح.
لمس يدها اهتمامها. وحبها الكبير له هو سر الراحة الذي يشعر بها. اهتمامها الصادق الذي ينبع من قلبها هو سرها السحري. خاصة حين ينتهي الأمر بهم برأسه مستريح فوق فخذها ويدها تداعب خصلاته برفق ليغمض عينيه براحة وهدوء. عاد من أفكاره وهو يقول بصدق: "تسلميلي يا علياء. أنا مش عارف إيه هي الحاجة الحلوة اللي أنا عملتها علشان ربنا يكافئني بيكي. ربنا يبارك لي فيكي يا حبيبتي." لتعود إليه تقبل وجنته بحب وقالت بصدق:
"انت هو الحاجة الحلوة اللي في حياتي. وأنا اللي محظوظة إني مراتك يا أكرم." أحاط خصرها بذراعه الأيسر وبيده اليمنى داعب وجنتها بحب وانحنى يقبلها بشغف كبير. استسلمت له طواعية حتى احتاج كلاهما للهواء ليبتعد عنها وابتسامة راحة ترتسم على محياه. وقال بمشاغبة: "تموتي في الانحراف. يلا يا ماما روحي جهزي العشا أنا جعان." لتضرب صدره بقبضتها وهي تضحك بخجل وقالت بدلال: "أمرك يا سي السيد." وغادرت سريعًا ليقول هو بمرح:
"أنا أكرم مش سيد." استيقظت من نومها على صوت هاتفها الذي لم يتوقف عن الرنين. دون أن تنظر إلى الاسم أجابت بصوتها الناعس: "السلام عليكم." "زوجتي العزيزة صباح الخير." قالها أدهم بصوت ضاحك سعيد. لتبتسم بتلقائية وهي تقول بمرح: "أسعد الله صباحك يا زوجي العزيز." ليتنهد بصوت عالٍ وقال بعده لحظات:
"أنا النهاردة أسعد راجل على وجه الأرض. أنتِ بقيتي مراتي يا سليمة. مراتي ومن حقي أكلمك في أي وقت. وأبص في عينك من غير خوف ولا كسوف. أضمك لصدري بحب." شعرت بالخجل وتلونت وجنتيها بحمرة الخجل. ولم تستطع أن ترد على كلماته ليكمل هو بحب: "شوفي بقى يا زوجتي العزيزة. هعدي عليكي كمان نص ساعة نروح نفطر في مكان حلو أوي وبعدين نروح الشركة سوا. ماشي." "ماشية."
أجابته بخجل فطري. وبعد لحظات أغلقت الهاتف في وجهه حين أرسل إليها قبلة أسماها قبلة الصباح المؤقتة حتى تصبح في بيته. خبأت وجهها في الوسادة لا تعلم هل تخبئ ضحكتها التي فضحت سعادتها؟ أم تحاول أن تخفي خجلها من سعادتها بما يقوم به من حركات جريئة؟ أم من حقيقة شعورها أنه يحبها وهي تبادله نفس الشعور؟
بعد لحظات غادر السرير وفراشات الحب تطوف حولها وداخل قلبها. وخلال نصف ساعة كانت قد استعدت. تقف أمام المرآة تنظر إلى نفسها بتأمل. تشعر أن بها شيء مختلف. هل ازدادت جمالًا؟ عيونها تلمع وتزداد تألقًا؟ هي لا تعلم حقًا لكنها في أسعد لحظات حياتها الآن. غادرت الغرفة حين سمعت صوت جرس باب البيت. وقفت عند باب غرفتها لتجده يقف أمام والدها يضحكان معًا وكأنهما أصدقاء منذ زمن بعيد أو عشرة عمر. وحين اقتربت منهم سمعت والدها يقول:
"خلاص ماشي. بس هنستناك على الغدا النهاردة. وده مفيهوش نقاش." ليبتسم أدهم وهو يقول بسعادة: "وأنا مش هتناقش أصلًا ولا هفكر. هو الكلام ده فيه تفكير. هو فيه أحلى من الغدا مع حضرتك ومع ماما فاطمة." ليبتسم الحج يونس براحة وهو يستمع لكلمات زوج ابنته المتواضع والحاني. وزاد شعوره بالاطمئنان على ابنته مع ذلك الرجل. نظر أدهم إلى سليمة وقال بمشاغبة: "صباح الخير يا آنسة سليمة."
تلونت وجنتها بحمرة الخجل وأجابته بصوت ضعيف. شعر بسعادة كبيرة وهو يراها أمامه الآن زوجته. وبعد لحظات سوف يخرج معها بموافقة والدها ومباركته. أشار إلى سليمة أن تسبقه إلى الباب. لتقبل رأس والدها وغادرت بابتسامة مشرقة تنير وجهها. لحقها أدهم ليغلق يونس الباب خلفهم وهو يدعو لهم بالسعادة والفرح. لكنهم لم يغادروا. وقفا الاثنان ينظران إلى الباب المقابل وسؤال واحد يدور داخل عقلهم. ماذا سوف يحدث إذا علم والديها بوجود ثامر؟
لتتحول الابتسامة إلى قلق وخوف في عينيه لتمسك سليمة يده تطمئنه بنظراتها لتعود ابتسامة صغيرة فوق شفتيه وتوجها إلى المصعد. استيقظ على يد جدته التي تربت على كتفه بخشونة. فتح عينًا واحدة ينظر إليها وقال بمشاغبة: "إيه الإزعاج ده يا شكران. أنا راجع متأخر امبارح وعايز أنام." لتضربه على رأسه وهي تقول بغضب: "قوم يا ولد عايزة أتكلم معاك." كانت تتحدث بجديه ليعتدل جالسًا يفرق عينيه ثم قال ببعض الضيق:
"صحيت يا شكران. وكلي أذان صاغية." "كنت فين امبارح يا ولد؟ هو مش كنا خلصنا خلاص من موضوع السهر والضياع ده." لم تهتم لكلماته المرحة وقالت بضيق واضح وجدية شديدة. ليعتدل مرة أخرى وامسك يدها وهو يقول بصدق: "هو إيه حكاية ولد دي يا شكران. أنا بقى عندي 32 سنة يا شكران يعني مش ولد. شوية احترام لكينونتي كرجل بالغ." لم تهتم لكلماته المازحة وظلت على نظراتها القوية السائلة ليقول بهدوء موضحًا:
"هو إحنا فعلًا خلصنا من موضوع السهر والضياع ده يا جدتي. أنا امبارح كنت ناوي أروح أسهر شوية مع أصحابي كنوع من الترفيه كده لكن حصلت حاجة غريبة معايا يا شكران. حاجة كده خطفت قلبي وغيرت حالي." قطبت جبينها أكثر لكن بحيرة وهي تقول بقلق: "يعني إيه؟ إيه اللي حصل؟
صمت لثوان يحاول استجماع أفكاره. يريد أن يخبرها عن هوا لكن بطريقة جيدة حتى يحافظ على صورتها أمامهم. انتبه من أفكاره على نظراتها المتفحصة. والقلق الواضح في عينيها ليقول موضحًا: "شكلك هتخسري حفيدك التاني يا شكران. بنات حواء اتفقوا على أحفاد الخشاب وبيسرقوا قلوبهم يا شكران وأنتِ ساكتة كده." ضربته على كتفه ورفعت عصاتها تهدده بها وهي تقول: "يا ابني اتكلم بقى. وقعت قلبي."
"أنا بحب يا شكران. وقعت على بوزي في الحب. بنت سمرا بعيون عسلي خطفت قلبي." قال آخر كلماته وهو يضع يده فوق موضع خافقه. وأكمل كلماته التي تحمل الكثير من الهيام: "شوفتها ومن أول نظرة قلبي مبقاش في صدري. وأمبارح شوفتها تاني ورجع قلبي تاني اتخطف مني. فضلت ألف وراها كانت مع باباها بيشتروا حاجات ومشيت وراهم لحد ما عرفت عنوانهم. والنهاردة هخلي حد ثقة يسأل عليهم. بس."
كانت تبتسم بسعادة وهي ترى حفيدها الذي كان يسير على طريق الضلال يعتدل مساره يتقرب من الله. أصبح كتفه بكتف ابن عمه. رجل حقيقي يعتمد عليه. صحيح كانت تريده أن يخطب ظلال لكن لكل منهم نصيب مختلف. ونصيب ظلال مميز من كل الجهات شخص يشاركها شغفها. يعشقها وعشقه واضح في عينيه ولا يخطئه أحد. والآن يطمئن قلبها على حفيدها الأخير. لكن كلمة "بس" تلك التي نغزت قلبها. لتنظر له برجاء أن لا يقول ما يحزن قلبها لكنه قال بهدوء وثقة:
"واضح إنهم يعني من عيلة بسيطة. مش من عيلة كبيرة. حتى ممكن يكونوا أقل شوية من عيلة سليمة." لترفع عصاتها تلك المرة وضربته بها على رأسه برفق ليتأوه وهو يضحك وقالت بلوم: "ومن إمتى أنا بفكر بالطريقة دي. المهم البنت تكون كويسة ومؤدبة تصونك وتحبك وتسعدك. أنا مفيش حاجة تهمني يا عدنان غير إني أشوفكم مرتاحين وفرحانين مع اللي بتحبوهم بجد ومن قلبهم." أنحنى يقبل يدها باحترام وتقديس وهو يفكر. هل ما قام به صحيح؟
بدأ سلسلة من الكذب ولا يعلم إلى أين ستصل به؟ لماذا أخبر شكران الآن؟ لماذا لم ينتظر حتى يتحدث مع هوا ويخبرها بحقيقته وحقيقة زواجهم؟ ربما رفضت. نفض عن رأسه كل هذه الأفكار. اليوم سوف يتصل بها ويقابلها ويخبرها بكل شيء. وإذا وافقت سوف ينفذ ما فكر به. والنية خير. أن يخرجها مما هي فيه. وأن يغلق أبواب الأسئلة والشك فيه.
يقف عند باب الشقة ينظر إلى هيئته قبل أن يذهب إلى المطعم. غادرت غرفة والدها وبين يدها الصحن الخاص به. روتينها اليومي تهتم بوالدها وترتب البيت ثم تلحق به في المطعم. جملية رقيقة كعادتها. بملابسها البيتية التي تلعب بأعصابه ومشاعره وتثير رجولته دون رحمة. وبدون قصد أيضًا. فهي بطبيعتها وكينونتها الرقيقة تثيره في كل لفة وحركة. ابتسم وهو يترك مفاتيحه وهاتفه على الطاولة الصغيرة جوار الباب. وبخطوات واسعة سار خلفها إلى المطبخ. كانت تقف أمام المغسلة شاردة. أو هكذا خيل له ليقترب منها وضمها من الخلف وقبل جانب عنقها
وهو يهمس بجانب أذنها: "هو إنتِ مش ناوية ترحميني شوية من جمالك ده اللي واكل عقلي ومخليني عامل زي العيل الصغير اللي عايز يفضل لابد في حضن أمه." ابتسمت وهي ترجع رأسها إلى الخلف تريحها على كتفه العريض دون أن تعلق. ليقبل وجنتها برقة وقال ببعض القلق: "مالك يا زيزي؟ أخذت نفسًا عميقًا يحمل بعضًا من رائحته وقالت بصوت مختنق: "حاسة إني تعبانة أوي. مش عارفة ليه حيلي مهدود. وحاسة إني عايزة أنام وأعيط." قطب جبينه بحيرة.
لكنه قال باستفهام: "يمكن ده معاد العادة الشهرية. وأنتِ في الوقت ده مودك بيبقى غريب." رفعت كتفيها وكأنها تقول له لا أعلم. ليضمها بقوة إلى صدره وقال بحنان: "ارتاحي النهاردة. نامي براحتك. وأنا هبعتلك غدى من تحت ليكي ولأستاذ حليم. ولما أرجع من المطعم أبقى عيطي على كتفي زي ما أنتِ عايزة." لتهز رأسها بنعم.
يقبل وجنتها وجانب عنقها مرة أخرى وتركها وغادر. كانت تتابعه بعينها بعيون زائغة ورؤية مشوشة. وقبل أن يغلق الباب سمع صوت هبدة قوية لتسقط الأشياء من يده وهو يركض إلى المطبخ من جديد بعد أن سقط قلبه بين قدميه مهشمًا.
وصل أكرم إلى مؤسسة الخشاب. وقد نوى أن يخبر أدهم بالأمر. ويرتب معه الخطوات القادمة من أجل مصلحة ظلال. وأيضًا حتى يستطيع تنفيذ خطته في علاج مراد. لكنه لم يجده ولم يجد سكرتيرته أيضًا. وموظف الاستقبال بالأسفل سمح له بالانتظار في غرفة الانتظار حتى حضورهم. بعد أن رفض أكرم أن يدخل إلى عدنان وأخبرهم أن الأمر شخصي وأنه يريد أدهم لا غيره.
وفي تلك الأثناء. كان مراد يقود سيارة ظلال التي تغط في نوم عميق من أثر المخدر الذي استنشقته غير واعية لما حدث بعدما طلب منها أن يقود هو السيارة ويعود السائق إلى القصر. طالبًا بعض الخصوصية معها خاصة وهو يريد التحدث معها في أمر هام. وكانت هذه أول خطوة في خطته. والخطوة الثانية هو إرساله إيميل إلى مدير المحطة يخبره أنهم سوف يأخذون إجازتهم السنوية. وها هو في طريقه لتنفيذ الخطوة الثالثة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!