الفصل 22 | من 34 فصل

رواية أو أشد قسوة الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم سارة مجدي

المشاهدات
18
كلمة
4,597
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 65%
حجم الخط: 18

ظل صامت ينظر إليها بصدمة. بماذا تهزي هذه الفتاة؟ هل طلبت منه أن يتزوجها؟ لكنه خرج من صدمته حين أمسكت يده وظلت تقبلها بتوسل وهي تقول برجاء: –أبوس إيدك وافق تتجوزني. أنا مش عايزة منك حاجة غير إنك تحميني. أكون في حما راجل يبعد عني الواغش الطمعان. أبعد يده عنها وانحدرت عيناه لمكان تمزق قميصها. وإحدى قدميها الخالية من حذائها. لتقول بتوضيح وهي تلملم أطراف قميصها تغطي جسدها:

–أنا ممكن أحكيلك كل حاجة عني من يوم ما أتولدت لحد اللحظة اللي ربنا بعتك فيها في المكان هنا علشان كلاب الشوارع تخاف وتسيبني وتجري. شعر بألم حاد في قلبه. "كلاب الشوارع" وصف دقيق لكل من يتجرأ على حرمة غيره. وهو ذات يوم كان من هؤلاء الكلاب حتى لو كان الأمر يتم برضا الفتاة. لكن لا يليق بما كان يفعله إلا ذلك المصطلح. فلا يوجد من يفعل هذا الشيء مع كل من هب ودب إلا "كلاب الشوارع".

وقف على قدميه ينظر إليها من وقفته ببعض التفكير. وبعد لحظات مد لها يده وقال بصيغة الأمر: –اقفي. تمسكت يده بيدها المرتعشة. وبمجهود مضني وقفت هي الأخرى أمامه. جسدها يرتعش. شعرها الذي هرب من أسفل حجابها مشعث حولها. هيئتها تثير الضحك والشفقة. كما حاله. يثير الضحك والشفقة.

سار بها حتى باب الكرسي المجاور للسائق. ففتحه ودفعها ببعض الخشونة لتجلس. وهي أطاعت بصمت. أغلق الباب ببعض العنف ودار حول السيارة. وجلس على كرسي القائد. وبدون كلمة انطلق بالسيارة. بعد لحظات من الصمت. وكلما زاد الظلام حولهم كانت تشعر هي بغباء ما فعلته. كيف تطلب من رجل لا تعرفه أن يتزوجها؟

رجل رآها على تلك الهيئة. كادت أن تُغتصب. ملابسها ممزقة. وبفردة حذاء واحدة والأخرى مفقودة. وبكل بجاحة تطلب منه أن يتزوجها. لا لم تكن بجاحة. كان يأس. محاولة بائسة منها بسبب الخوف وبسبب كل ما تراه يوميًا إذا كان في العمل. أو في الطرقات. أو في بيتها. انحدرت دموع القهر والذل من عينيها. وأحنت رأسها بخجل وهي تقول بصوت مختنق: –أنا آسفة على كل اللي قولته. ممكن تنزلني على أول الطريق العام. وكتر خيرك.

كان هو سارحًا في أفكاره من أول تحركه بالسيارة. يفكر في هذا القدر الغريب. كان منذ دقائق يفكر في كونه وحيدًا. وسيظل وحيدًا. يشعر بالأسف على نفسه وهو يرى أدهم سوف يصبح له بيت وزوجة. وكذلك ظلال سوف يصبح لها بيت وزوج وحياة حلوة تعيشها. وسيظل هو وحيدًا. جراء حماقته. وذنوبه. لتأتي تلك الفتاة التي لا يعرفها تطلب منه وبكل صراحة ووضوح الزواج. ولكن أي زواج هذا أيها المجنون؟ هل نسيت مرضك؟

وكونك لا تستطيع أن تكون زوجًا حقيقيًا لها وتهبها الأطفال التي تتمناها أي فتاة بعد زواجها. وإذا فرضنا كونها ستوافق على الزواج الشكلي منه أو بتلك الاحتياطات التي أخبره عنها الطبيب. كيف ستتنازل عن موضوع الأولاد. وكل هذا في كفة ميزان. وفي الكفة الأخرى حالها. وهيئتها وما فهمه من حديثها القليل. أخذ نفسًا عميقًا وأخرجه بهدوء. يحاول أن يرتب أفكاره. ويجد مخرجًا لهذا المأزق. لينتبه من أفكاره على صوتها وكلماته.

لينظر إليها لعدة لحظات وكأنه شارد أو لم يسمعها. أو كأنه اكتشف فجأة أن هناك من يشاركه السيارة. تجاهل كلماتها ولم يرد عليها. لتقول من جديد: –نزلني على أول الشارع. دون أن ينظر إليها قال ببرود: –أنا لو نزلت لك على أول الشارع بمنظرك ده. الناس هتمسك فيا ويطلبولي البوليس وألبس قضية اغتصاب. شهقت بصوت عالٍ من أثر الكلمة عليها. لكنه في الحقيقة لم يهتم. وأكمل بنفس البرود:

–أنتِ مش شايفة منظرك وهدومك المقطعة وشعرك المنكوش. وجزمتك اللي معرفش ضاعت منك فين؟

قال آخر كلماته وهو ينزل لها شماسة السيارة لترى في مرآتها هيئتها المزرية. لترتب حجابها كيفما اتفق فوق رأسها. وبأحد أطرافه دارت كتفها العاري عن عينيه. لكن كلماته ألجمتها حقًا وأصبحت لا تعرف ماذا عليها أن تفعل. إذا عادت إلى بيتها بهذه الهيئة. ستكون رسالة واضحة لذلك الوغد المسمى زوج والدتها "إنك تستطيع فعل ما يحلو لك فقط أخذ غيرك ما تريد أخذه". انحدر المزيد من الدموع. ليشعر ببعض الشفقة عليها وقال بهدوء:

–أنا هقف في مكان كده أجبلك بلوزة جديدة وجزمة. وبعد كده هنروح في مكان نقعد تاكلي لقمة وتحكيلي حكايتك بالتفصيل. أومأت بنعم بصمت وقلة حيلة. وكان هو يدور في دوائر الحيرة والتفكير. بطبعه الذي لا يتغير ينظر إلى من يجلس أمامه بهدوء. وصمت طويل لا يقطعه إلا إذا تحدث الجالس أمامه أولًا. وبالطبع في أول الجلسات حدث معه كما يحدث مع كل مريض يحضر إليه. ويتبع معه نفس السياسة. ثار وغضب وقال له:

–أنت دكتور على ما تفرج. هو أنا جاي ودافع فلوس عشان تسمعني سكوتك. ويجيبه بنفس الكلمات التي يجيب بها الجميع: –لا أنت جاي ودافع فلوس عشان أنا اللي أسمعك. وأنت اللي بتسمعني سكوتك.

يستفز من يجلس أمامه ببرود لينفجر في وجهه. وكم كان الانفجار صادمًا. هو لم يتخلص من صدمته الأولى حين دخل مراد من باب العيادة لأول مرة وتعرف عليه أكرم "مراد منير" مذيع الراديو الأشهر والأوسم. وكانت الصدمة التالية لحظة الانفجار حين انكشف له ذلك العالم الخفي لمراد منير السري الذي لا يعرفه أحد. حتى أنه بعد انفجاره. واكتشافه أنه قال كل شيء. وقف أمام أكرم يهدده أنه قادر على قتله. أو قتل كل عائلته إن عرف أي شخص أي شيء عن ما قاله الآن.

ليكون رد أكرم الصمت أمام هذا التهديد الصريح. والذي لم تكن المرة الأولى الذي يتعرض فيها للتهديد بهذا الشكل. لذلك كان هادئًا تمامًا وهو يجيبه أنه لن يخون مهنته. ولولا أمانته لما أصبح بذلك الاسم الكبير الذي يجعل شخصًا مشهورًا مثله يأتي إليه ليهدأ من بعدها. وعاد ليكمل حديثه. كان أكرم يتذكر كل هذا وهو ينظر إلى مراد الممد على الأريكة أمامه في صمت. بعد أن قال له عند لحظة دخوله:

–أنا تعبت من كتر النفاق اللي أنا عايشه. أنا تعبت تعبت. وظل صامتًا حتى الآن. مرت أكثر من ربع الساعة وهو صامت. ليقول أكرم بهدوء: –بقالك سنين عايش كده. إيه اللي خلاك تتعب؟ وكانت الإجابة كلمة واحدة يعرفها جيدًا. –ظلال. أومأ أكرم بنعم ليكمل مراد كلماته بشرود: –عشت عمري كله لنفسي وعلشان نفسي. جت هي في أقل من شهر قلبت حالي وكياني. وهدت كل العالم اللي كنت ببنيه لنفسي. خلتني أثور على حالي.

–ليه خطبتها طالما هي مسببة لك التعب بالشكل ده. ومخلياك عايش صراع نفسي مع نفسك؟ قال أكرم ببرود. لينظر له مراد بشر وغضب: –بحبها. أنت إزاي أصلًا تسألني السؤال ده. ظلال ليا أنا بس. أنا عمري ما حسيت ناحية أي بنت باللي أنا حاسه ناحية ظلال. وبعدين يعني بعد ما خليت حد يدبر حادثة لعدنان اللي معرفش خرج منها إزاي عايش زي القطط بسبع أرواح. تقولي خطبتها ليه. أنا مستعد أقتل أي حد. أي حد يقف في طريقي إن ظلال تبقى ليا. حتى هي نفسه.

لم يظهر الغضب الذي اشتعل داخل صدره من أسلوب مراد في الحديث عن ظلال. لكن عليه أن يكون هادئًا حتى يستطيع أن يضع يده على كل الخيوط ويفهم كل شيء. عاد بذاكرته لأول مرة. ولأول جلسة حين انفجر مراد قائلًا: –أنت فاكر نفسك مين؟

أنا مراد. مراد منير. أنا راجل بصباعي الصغير أحرك الكون كله. صحيح أنا بس مذيع راديو. لكن ده كله علشان التمويه مش أكثر. وبعدين رغم شهرة مذيعي الراديو مش زي بتوع التليفزيون. ف علشان كده كانت وظيفة مثالية ترضي بعض من غروري الذكوري. وكمان تخليني أعمل كل اللي نفسي فيه وتبعد عني شوية عنون المتلصصين والحشريين. واخترت أكون المذيع العازب اللي البنات كلها بتموت عليه. شعر أكرم بالغباء للحظة ثم قال بهدوئه المعتاد:

–أستاذ مراد. أنا مش فاهم حاجة. ممكن توضح. راجع مراد إلى الخلف حتى وصل إلى الأريكة وألقى بجسده عليها وأخذ نفسًا عميقًا وقال بإقرار: –طبعًا مش هتفهم. صحيح أنت دكتور. لكن عمرك ما هتفهم وتوصل بذكائك للي أنا أقصده. غبي. لازم أقولها بصراحة ووضوح.

لم تظهر على ملامح أكرم أي تعابير واضحة. لكنه دون في مفكرته "أعراض نرجسية واضحة". وبكامل تركيزه عاد بنظره لمراد الذي لم يتوقف عن الحديث. لكنه جلس بشكل مريح أكثر على الأريكة ووضع ساقًا فوق الأخرى وهو يتحدث بثقة مبالغ بها. –مراد منير هو الواجهة. هو الشخص اللي لازم الضوء يتسلط عليه. من يوم ما اتولدت وأنا محور اهتمام الجميع. الأشطر والأذكى والمميز. لكن في الحقيقة أنا مجرد شخص عاجز. –عاجز؟! ردد أكرم بعدم فهم. ليقول مراد

بحاجب مرفوع وبغضب كبير: –أنت مش هتفهم. محدش هيقدر يفهم ولا يحس بيا. مش هتفهم يعني إيه تكون راجل في الهيئة والشكل وتكون الدنيا كلها تحت رجلك. لكن عمرك ما هتكون راجل في عيون أي ست مهما كان. خيال أكرم يصور له ما يعانيه مراد من مرض أو سبب تعبه النفسي. لم يكن أبدًا سيصل إلى تلك النقطة. لكن مراد كان بعيدًا تمامًا عن ما يدور داخل عقل أكرم. وأكمل بشرود:

–زمان كان كل تركيزي على الدراسة وتفوقي ونجاحي وحلمي اللي عايز أوصله. مؤسس نظام بتعصب لو فيه حاجة مش في مكانها. وفي مرحلة الجامعة لاحظت أني مش زي أصحابي اللي بيدوروا على متعة من شوية أفلام أو صور لبنات عريانة. هو أنا لاحظت متأخر الحقيقة. ما أنا زي ما قولتلك حلمي كان قدامي عيني ومش عايز غيره. وعمر ما في بنت أثارت جوايا أي مشاعر رجولية تخليني أبقى عايز أقرب منها. في الحقيقة مهتمتش بالموضوع وقولت أنا كل اللي عايزة أنجح

في كليتي بتفوق عشان أقدر أحقق حلمي وأبقى أكبر مذيع راديو. من يوم يومي والراديو هو هدفي وحلمي. وسعيت له بكل طاقتي. لحد اليوم اللي فعلًا اتعينت فيه في القناة اللي بشتغل فيها وبقى ليا برنامج خاص بيا. برنامج باسمي مراد منير. مدير المحطة كان متحمس ليا جدًا وعلشان كده وافق على فكرة البرنامج اللي كانت جديدة وقتها. وقرر أصدقائي أنهم يحتفلوا بيا. والحفلة كانت في بيت واحد منهم. أبوه وأمه بره البلد من سنين وهو عايز حياته بالطول

والعرض. لما وصلت لقيت بنات كتير. مع كل واحد فيهم بنت وبنات تانية بترقص. وبنت مخصوص علشاني.

والكلام جه مباشر: –عيش يا مراد بقا أهو حققت حلمك اتبسط بقى. ومع آخر كلمة شاور على آخر أوضة وقالي: –أوضة أبويا وأمي مش خسارة فيك. ليك النهاردة معزولة ومجهزة بكل اللي نفسك فيه. عيش. قال كل ده وغمز ليا وهو بيحط جوه بقي برشامه صغيرة.

صمت مراد للحظات وظهر الذعر على ملامحه. وكأنه يعيش تلك اللحظات الآن. احترم أكرم صمته وظل يراقبه بهدوء. قدمه اليسرى تهتز. أصابع يده متشابكة بقوة حتى ابيضت مفاصلها. وهناك عند عرقه النابض في عنقه يظهر كم هو يتألم ويتعذب. وعظمه فكه يتحرك دليل على أنه يحاول السيطرة على نفسه. سجل كل ما يراه في مفكرته. حتى أكمل مراد كلماته: –دخلت الأوضة واللي كانت فعلًا مجهزة بكل حاجة. وبدأ يعد على أصابعه بصوت عالٍ نسبيًا:

–كانت عازلة للصوت وفيها أدوات كتير. أدوات للممارسات السادية. كل اللي ممكن تتخيله. حبال، كلبشات، كrabيج أنواع وأحجام، شمع… كل حاجة. ومعايا بنت كانت صاروخ. صاروخ في كل حاجة جميلة ودلوعة. عارفة هي هنا ليه وهتعمل إيه. وفي ثواني كان مفيش على جسمها حاجة تستره… لكن أنا. قال آخر كلمة من بين أسنانه وكأنها تذبحه وهي تخرج من حنجرته. وأكمل بصراخ: –أنا. وكأني صخرة. مفيش شعرة فيا أتحركت. تسأله أكرم بهدوء حتى

تتضح الصورة له بشكل أوضح: –يعني أنت مش منجذب للستات نهائي؟ طيب يعني منجذب للرجالة مثلًا؟ ابتسم مراد ببعض السخرية وقال بمرار:

–مجربتش يا دكتور أني أم mari الجنس مع رجالة علشان أعرف. أنا اخدت صدمة أني مش قادر أعمل أي حاجة مع البنت اللي زي القمر اللي بتعمل كل حاجة باحترافية. الحاجات اللي لو كانت بتعملها مع شخص طبيعي كانت خرجت من الأوضة على العناية المركزة أو حامل. لكن أنا ولا أي حاجة خالص. وعلشان أغطي على عجزي ده استخدمت كل الوسائل اللي موجودة في الأوضة وبغشومية. كتفتها. وغميت عينيها. واوهمتها إني بعمل زي أي راجل ما يعمل لو مكاني. وبدأت أضربها بالكرباج وأحرقها بالشمع. وأضربها على وشها لدرجة إنها نزفت من بقها. وسيبتها على حالها ده وخرجت من الأوضة بكمل لبسي وكأني كنت أسد في الأوضة وأنا كنت…

وترك جملته معلقة. لكن أكرم فهم ما يقصد جيدًا. ظل صامتًا لثوانٍ يحاول أن يجد كلمات مرتبة تصلح مع شخص مريض نرجسية رغم كونه عاجزًا جنسيًا. لكن مراد وكأنه قد انتبه لما قاله. وفي لحظة خاطفة كان يهجم على أكرم يهدده بسلاحه المرخص أنه سوف يقتله. عاد أكرم من أفكاره وقال بهدوء: –في حد بيحب حد وممكن يقتله. المفروض يكون سعادة الشخص ده أهم عندك من نفسك. ليصرخ مراد بغضب هادر:

–ده لما تبقى ملكي ومعايا أسعدها ويبقى كل همي سعادتها وفرحها. لكن لو مع غيري هقتلها وأقتله. شعر أكرم أن الأمر سيخرج عن السيطرة. فقال بهدوء: –وهي دلوقتي معاك. خطيبتك. وأعتقد علشان خاطرها أنت جيت ليا هنا علشان نلاقي حل صح؟ أومأ مراد بنعم وعيناه تنظر إلى كل مكان وكأنه يفكر أو هناك شيء آخر بداخله يريد قوله ويخاف أو يفكر هل صحيح أن يقوله أو لا. ليحثه أكرم قائلًا: –ظلال بالنسبة ليك إيه؟ –حلم. بدون لحظة تفكير أجاب.

ثم أكمل ببعض الشرود: –حلم بعيد كان مستحيل يتحقق. وفجأة بقى ملك إيدي. آخر كلماته كانت بإصرار وإقرار وكأنه أمر مفروغ منه. ثم رفع عينه إلى أكرم وقال بغرور: –وطول عمرها هتفضل ملك إيدي. يا إما مصيرها الموت. ظلال ليا ومش لحد غيري.

إن وصف ما يشعر به أكرم الآن هو الخوف. لكن كلمة خوف لا تعبر حقًا عما بداخله. فما بداخله رعب وهلع. أن هذا الأمر لن ينتهي إلا بشكل مؤسف. وهذا ما يشعر به. ظلال في خطر. لكن عليه أن يفكر جيدًا فيما عليه فعله. ليكمل مراد بنفس الغرور:

–وبعدين هو لازم يعني علاقة جسدية. ما أنا ممكن أفهمها إني بحبها حب أفلاطوني خالي من الشهوات الإنسانية الحقيرة. مش عايز أشوفها مجرد عاهرة في سريري. وتتحول لمجرد جسد أطفي بيه شهوة جسدي. البنات بتحب الكلام ده جدًا يا دكتور صدقني. صحيح ظلال عملية شوية أو بتفكر بعقلها أكثر. لكن الرومانسية هي الأساس في حياة كل البنات. بهدوء شديد وعقل ورزانة وعيون كالصقر تتابع كل انفعال يصدر ممن يجلس أمامه قال أكرم:

–لكن هي من حقها حياة طبيعية وأطفال. ربنا خلقنا وخلق جوانا شهوة الجنس لأعمار الأرض وكمان كنوع من أنواع المتعة الحلال في إطار الزواج. ليه تحرمها من كل ده؟ ليقف مراد بانفعال واقترب من المكتب والغضب يرسم على ملامحه وقال بصوت عالٍ: –حراااااام. وهو مش حرام أحرم أنا من كل ده. مش حرام أكون راجل بالشكل ده. مش حرام.

ثار أكرم وصرخ في وجهه بالمقابل. فقد فاض به الكيل من كون مراد يعيش دور الضحية. وهو قد علم بمشكلته. وبدلاً من أن يبحث عن حل لها. يريد أن يظلم معه إنسانة لا ذنب لها. –لا مش حرام لأنك مريض وكل مرض له علاج. لكن أنت عايز تعيش دور الضحية. بدل ما تفكر تدمر حياة ظلال وتحاول تقتل عدنان. مفكرتش ليه تروح لدكتور تشوف مشكلتك. وتلاقي ليها حل. –أنت عايزني أتفضح. أروح لدكتور ذكورة ولو الخبر اتعرف يتقال عليا إني مش راجل.

صرخ مراد بغضب كبير بعد أن أوقع بعض الأغراض من فوق مكتب أكرم. ليضرب أكرم سطح المكتب بقوة وهو يقول: –تتفضح تتفضح. كل اللي شاغل بالك إنك تتفضح. طيب ولما تتجوز ظلال وتعرف إنك مريض وأهلها يسألوا هتقولهم إيه. ولا هتجبرها تكذب. طيب هي هتستحمل ليه. هي أصلًا مش بتحبك يا مراد.

بصوت قوي لكن بهدوء هدر أكرم يجيب على كلمات مراد. وفي نهاية حديثه فجر القنبلة. ألقى بالحقيقة في وجهه دون رحمة أو شفقة. فمراد بحالته النرجسية تلك لا يستحق التعامل بهدوء وتروي. خاصة مع استعداده للأذى والقتل. وبنفس القوة والهدوء أكمل:

–أيوه مش بتحبك ودي حقيقة لازم تفهمها وتصدقها. واحدة عايشة عمرها كله جوه دايرة ابن عمها. وفي يوم وليلة وافقت عليك. مش هظلمها وأقول إنها بتنساه بيك. لكن ممكن تكون فكرت بالعقل وقالت متخدش اللي بتحبه وتاخد اللي بيحبها. لكن ده مش هيخليها تتحمل مرضك وعجزك واحتمالية شذوذك كمان.

اتساع عين مراد وصوت تنفسه العالي والسريع نبه أكرم لما يشعر به الآن. والصدمة التي تلقاها الآن كصفعة قوية فوق وجنته دون سابق إنذار. ليدور أكرم حول مكتبه ووقف جوار مراد وقال بهدوء: –مراد. أنت هنا علشان أساعدك. أنت مريض نفسي وجسدي ومحتاجين نحل المشكلة النفسية في نفس الوقت كمان نكتشف مشكلتك الجسدية ونبدأ نحلها. علشان تقدر تعيش حياتك.

نظر له مراد وكأنه لا ينظر له. غيامة غريبة غطت عينيه جعلت الغرور يتساقط من نظراته. وبدا أمامه وكأنه طفل صغير حزين وخائف وقال بصوت ضعيف اختفى منه كل الصلف والغرور: –ظلال مش بتحبني. ربت أكرم على كتف مراد وقال بهدوء وكأنه أب يتحدث مع ابنه الصغير وينبه لخطأ قام به:

–علشان ظلال تحبك لازم أنت تكون تستحق حبها يا مراد. ولأنك بتحبها بجد هتعمل كل اللي تقدر عليه علشان تستحق حبها وقلبها وقربها منك. علشان تقدر تسعدها وتسعد جنبها. وتكون حياتكم حياة سوية وسليمة وسعيدة. ظل مراد صامتًا تمامًا غير قادر على الرد أو الحديث. وتحرك يأخذ قبعته التي يختبئ بها عن عيون الناس. وتحرك في اتجاه الباب. ولكنه قبل أن يفتحه نظر إلى أكرم وقال برجاء: –أرجوك ساعدني.

أومأ أكرم بنعم وابتسامة ثقة ودعم ترتسم على ملامحه. ليغادر مراد. وعاد أكرم ليجلس مكانه وهو يفكر. ماذا عليه أن يفعل؟

دلف إلى غرفته بعد أن ساعد أولاده في تبديل ملابسهم حتى ناموا. فقد قرر القيام بهذا بدلًا عنها حتى يريحها ويترك لها مساحة تستعد من أجله كما قالت له. فبعد ما حدث في خطبة أدهم والحالة التي عاشتها معه. بين اندهاش وسعادة. وزاوية أخرى ترى بها زوجها لأول مرة. جعلت بداخلها إحساس أنها تود أن تجدد اليوم حبهما. أن تخلق له حالة خاصة كما كانت تفعل قديمًا في بداية زواجهما.

وما إن دخلت غرفتهما أشعلت ذلك البخور التي كانت هجرته منذ سنوات لتمتلئ الغرفة برائحته المميزة. وأخرجت الغلالة البيضاء التي تذكرها بيوم زواجها والتي تخبئها ذكرى زواجهم من العام للعام. دلفت إلى الحمام وأخذت حمامًا دافئًا ووضعت تلك الكريمات المرطبة على جسدها لتعطره برقة. وارتدت غلالتها وتعطرت. جففت شعرها بالمجفف. ورفعته بشكل مميز ووضعت بعض مساحيق التجميل. وغادرت الحمام. تنير الشموع الموجودة على طاولة الزينة. وأخرجت ملابس عبدالله ووضعتها على السرير. جلست على الأريكة ممدة ساقيها بإغراء رقيق لعينه وهو يقف على باب الغرفة يتابعها بكل حب. مع كل حركة ولفته منها.

انتبهت له ولوقفته عند الباب. وأبتسمت وهي تقول: –واقف عندك ليه؟ أنا في انتظارك. ليخطو خطوة واحدة فقط إلى داخل الغرفة. وأغلق الباب خلفه وهو يقول: –وأنا مشتاق. لم ينتظر أن يبدل ملابسه. أو يستعد كما استعدت هي. فشوقه غلب كل شيء. وحبه غلفهما وغرقا سويًا في بحور الحب والعشق. يسقي كل واحد منهم الآخر حتى يرتوي. لكنه يطلب المزيد فيعطيه بكل حب ورغبة وسعادة.

بعد بعض الوقت كانت تريح رأسها فوق صدره العالي وذراعه يلتف حولها بقوة حانية. وعلى وجهه ابتسامة سعادة وراحة وجفنيه مرتخيان براحة. داعبت صدره العاري بأطراف أصابعها وقالت: –أنا بحبك أوي يا عبدالله. من يوم قلبي ما عرف الحب. من لحظة ما شفتك لأول مرة وهو ميعرفش اسم تاني للحب غير اسمك. ليضمها إلى صدره أكثر وقبل أعلى رأسها وقال بصدق:

–وأنا مفيش في حياتي ولا في قلبي. غيرك أنتِ يا لبنى. حياتي أنتِ محورها رمانة ميزانها. أنتِ حب حياتي. زوجتي وبنتي وحبيبتي وأختي وأمي. وأم أولادي. أنت الحياة وحلاوتها. والسند وقت مرارتها. أنتِ العظيمة اللي واقفة ورايا تدفعني للأمام. صمت حين وصل إلى أذنه صوت شهقة مكتومة منها. ليمد يده يرفع وجهها إليه ليجدها تبكي. لكن عيناها وشفتاها تضحك. ينظر إليها بحيرة وخوف. لتقول هي بسعادة من بين شهقاتها الرقيقة:

–كلامك ده أغلى كلام سمعته. طبطب على قلبي وروحي. داوى كل الجروح. خلى لعمري اللي فات ثمن واللي جاي كمان. أنت فعلًا عظيم. أنت أعظم زوج وأعظم أب وأعظم حبيب. وأعظم دكتور نفسي. ليضمها بقوة أكثر حتى أصبحت تتمدد فوقه. وظل يقبل كل شبر في وجهها. وتحولت تلك القبلات إلى قبل شغوفة. وأخذتهم إلى جولة أخرى من الحب والشغف.

وصل إلى مكان يعرفه جيدًا وأوقف السيارة في مكان هادئ وترجل منها وهو حائر. هل يتركها بالسيارة ومن الممكن أن يكون خلفها عصابة ما تريد سرقته. فيسرقون السيارة. لكنه نظر لها لثوان ثم غادر بعد أن أغلق السيارة عليها إلى وجهته. لعله يفهم وينتهي الأمر. وكانت هي لا تتوقف عن البكاء. ماذا فعلت وقالت لذلك الرجل التي لا تعرف حتى الآن ما هو اسمه. لكن يأسها وخوفها هو ما جعلها تقول ما قالته. وبكل خزي تطلب من رجل تجهل هويته أن يتزوجها.

كانت غارقة في أفكارها لم تنتبه أن السيارة مغلقة عليها. وأنه غاب قرابة النصف ساعة. ولم تنتبه لكل هذا إلا حين سمعت صوت إنذار السيارة. حين فتحها وبابها وهو يفتحه. وحقيبة كبيرة ألقيت على قدميها مصاحبة لصوته. الأمر: –البسي البلوزة دي والجزمة ورتبي حجابك وهيئتك وانزلي.

وعاد يغلق الباب بقوة وأعطاها ظهره. لتنفذ أوامره وهي تبكي بقهر. ثم جمعت ما كانت ترتديه داخل الحقيبة وفردة حذائها الوحيدة وضمتها إلى صدرها. وبأطراف أصابعها طرقت على الزجاج. لينظر إليها بطرف عينيه ليتأكد من ارتدائها للملابس. فدار حول السيارة وصعد إليها وقال ببعض الشر: –حان وقت الحقيقة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...