تحميل رواية «أو أشد قسوة» PDF
بقلم سارة مجدي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بخطوات ثابتة وهيبة لا يستطيع أحد أن يخطئها، يدلف إلى مقر شركته. يقف الجميع احتراماً له، ولكن هو لا يلتفت يوماً وينظر لأحد. تلاحقه العيون.. منها من يعشقه، ومنها من يراه قدوة ومثل، ومنها من يحسده ويتمنى أن يكون مكانه. لكنه لا يهتم لكل ذلك. هو يعلم جيداً بما داخل قلوبهم، ويعلم من يحبه حقاً ومن يتعامل معه بشكل عادي لكونه صاحب الشركة وهم موظفين. ويعلم أيضاً من يكره، لكنه أبداً لم يُظهر اهتماماً بأحد. دلف إلى مكتبه وخلفه السكرتيرة الخاصة به، وبين يديها دفترها الصغير. خلع الجاكيت وعلقه في مكانه، وجلس ع...
رواية أو أشد قسوة الفصل الأول 1 - بقلم سارة مجدي
بخطوات ثابتة وهيبة لا يستطيع أحد أن يخطئها، يدلف إلى مقر شركته. يقف الجميع احتراماً له، ولكن هو لا يلتفت يوماً وينظر لأحد. تلاحقه العيون.. منها من يعشقه، ومنها من يراه قدوة ومثل، ومنها من يحسده ويتمنى أن يكون مكانه.
لكنه لا يهتم لكل ذلك. هو يعلم جيداً بما داخل قلوبهم، ويعلم من يحبه حقاً ومن يتعامل معه بشكل عادي لكونه صاحب الشركة وهم موظفين. ويعلم أيضاً من يكره، لكنه أبداً لم يُظهر اهتماماً بأحد.
دلف إلى مكتبه وخلفه السكرتيرة الخاصة به، وبين يديها دفترها الصغير. خلع الجاكيت وعلقه في مكانه، وجلس على الكرسي الخاص به وهو يقول:
– ألغِ أي مواعيد النهارده، وبلّغي رؤساء الأقسام أن في اجتماع طارئ الساعة ٢.
سجلت ما قاله وهي تقول:
– أوامر حضرتك.
أنهت كتابة ما قاله ورفعت عينيها إليه وقالت:
– أي أوامر تانية؟
دون أن ينظر إليها قال:
– اتصلي بدكتور عبدالله وحوّلي لي المكالمة.
أومأت بنعم وقالت وهي تغادر:
– حالاً يا فندم.
دقائق ورن هاتف المكتب ليرفع السماعة ليصله صوت عبدالله وهو يقول:
– مالك يا أدهم؟
– عايزك دلوقتي يا عبدالله.. دلوقتي حالاً، ابعتوهولي.
أجابه سريعاً وبصوت يحمل الكثير من العصبية ليقول عبدالله بهدوء:
– حاضر يا أدهم، هبعتهولك حالاً. بس أنا قولتلك ده مش حل.
– خلاص يا عبدالله، أما أشوفك نبقى نتكلم.
قطع حديث الدكتور عبدالله وتحدث بعصبية وبيده الأخرى يضرب على المكتب. فما يشعر به الآن لا ينبئ بخير أبداً.. لكن غروره وكبرياؤه يرفضان تماماً السماح له بإظهار ضعفه الإنساني المتمثل في الخوف لأحد.
أغلق الهاتف وأراح رأسه إلى ظهر الكرسي، لكن يده تلقائياً تحركت لمكان المشكلة وظلت هناك كأنه يتمسك به ألا يتركه ويذهب. مرت نصف ساعة وهو رافض تماماً أن يدلف أي شخص إليه، حتى يصل مرسال الدكتور عبدالله.
وبالفعل، طرقات على الباب جعلته يقف سريعاً. حين دلفت رجاء وبين يديها كيس صغير، خطفه أدهم من يدها وأشار لها بالمغادرة. وعاد يجلس خلف مكتبه وهو يفتح العلبة ويأخذ منها قرصاً صغيراً وضعه في فمه وأراح رأسه إلى الخلف وأغمض عينيه.
يحاول أن يصبح بخير.. فما يعانيه لا يستطيع أن يتشاركه مع أحد سوا طبيبه الخاص.
***
عائد من عمله مع أول خيوط النهار كعادته كل يوم، لكن ذلك اليوم يختلف عن باقي الأيام. قبل أن يدخل من بوابة بيته، سمع همسة رقيقة باسمه. ليلتفت يبحث عن صاحبة الصوت ليجدها زيزي، جميلة الحارة وسيدة قلبه. تقف خلف بوابة بيتها ولا يظهر منها سوى نصف وجهها وتشير له أن يقترب.
تحرك عائدًا إليها حتى وصل أمام بيتها ووقف أمامها وعلى شفتيه ابتسامة صغيرة قائلاً:
– أمّريني يا ست زيزي.
بعينيها دارت على جميع أرجاء الحارة ثم قالت:
– عايزة شغل يا سي بيبرس.. أبويا تعبان أوي وعلاجه كل يوم بيزيد والمعاش بتاعه مش مكفي أي حاجة.
أخفض رأسه وعيناه تدور في محجرها وكأنها تبحث عن شيء. تتابعه هي بعيونها والقلق والترقب واضح على ملامحها.
ظل صامتاً لعدة دقائق ثم قال بحرج دون أن ينظر لها:
– هو أنتِ عارفة أنا بشتغل إيه؟
حركت رأسها بمعنى نعم وقالت بصوت مرتعش:
– شغال بودي جارد في كباريه.
شعر بالخجل ولا يعلم السبب. هل لأنها نطقتها بلسانها؟ هل اكتشف أن عمله شيء مخجل الآن؟ ظل رأسه منحني ولم يستطع أن ينظر إليها. لتكمل كلماتها التي جعلته يشعر بحقارته أكثر:
– أنا مش هبيع شرفي ولا همشي في الحرام، بس أنا ممكن أشتغل رقاصة وأنت تاخدني من هنا وترجعني وتبقى مسؤول عني وعن أماني وأن محدش يقرب مني ولا يضايقني.. ها، قولت إيه؟!
رفع رأسه ونظر إلى وجهها البريء وملامحها التي وشمت على قلبه منذ سنوات، لكنها كانت بعيدة بعد السماء عن الأرض. هي ابنة الأستاذ حليم مدرس اللغة العربية، حاصلة على دبلوم التجارة، وهو بيبرس اليتيم الذي لم يتلقى تعليماً يوماً منذ صغره. عمل في كل شيء محرم، ولولا بنيان جسده القوي وخشونته وقلبه الذي دفن مع والديه ورهبة أهل الحارة منه لكان طرد منها منذ سنوات.
والآن المسافات تتقلص وتريد أن تعمل راقصة في "الكباريه". ولن يكون هناك فرق بينهم. يعلم إنها سوف تقوم بهذا العمل من خلف والدها ولن يعلم أهل الحارة بذلك، لكن يكفي أنه هو يعلم. ابتسم وقال بعد ثوانٍ:
– خلاص، هكلم مدير الكباريه النهاردة بالليل وبكرة زي دلوقتي استنّيني هنا علشان تعرفي الرد.
وضع يده داخل جيب بنطاله وأخرج بعض الأوراق المالية ومد يده بهم في اتجاهها وقال:
– خلي دول معاكي علشان دوا الأستاذ حليم.
ظلت تنظر إلى المال وشعرت بالخجل من أخذهم. ليفهم ما تفكر به فقال:
– دول دين، أبقى سديهم لما تشتغلي.
بيد مرتعشة وعيون ممتلئة بالدموع مدت يدها تمسك المال. ليقول برفق:
– متتكسفيش يا ست زيزي، ربك كريم.
وغادر دون كلمة أخرى منه أو منها. ظلت تتابعه بعيونها والدموع تسيل فوق وجنتها. لا تعلم كيف توصف شعورها. هل كانت تنتظر منه أن يرفض ما قالته ويصرخ في وجهها وينهرها؟ أم أنها سعيدة أنه وافق على مساعدتها؟
ظلت واقفة في مكانها، الأفكار تعصف بعقلها بين أمواجها العاتية التي ترفض ما فكرت فيه، وبين يأسها من إيجاد حل آخر توفر به دخل سريع يسد حاجتها وحاجات والدها.
خرجت من أفكارها على صوت رجال الحارة العائدين من المسجد بعد أدائهم لصلاة الفجر، لتغلق البوابة وتصعد ركضاً إلى الأعلى تخبئ المال في ملابسها.
***
في بيت بسيط وبالتحديد داخل غرفة صغيرة تملأها أشعة الشمس العابرة من تلك الشرفة الكبيرة المفتوحة، تقف أمام طاولة الزينة فتاة رقيقة ترتدي ملابسها وهي تبتسم بسعادة. فأخيراً وجدت الوظيفة المناسبة. إنها حقاً تعبت من العمل في محلات الملابس.. أو المصانع وهي الحاصلة على شهادة جامعية تؤهلها للعمل في أكبر الشركات.
لكن اليوم تحقق الحلم بعد أن وجدت بالصدفة إعلان مؤسسة الخشاب للهندسة تطلب موظفين حديثي التخرج. وياللهول أن تطلب مؤسسة كبيرة كمؤسسة الخشاب حديثي التخرج. وهي لن تضيع تلك الفرصة أبداً مهما تطلب الأمر.
تأكدت من هيئتها أمام المرآة ثم غادرت غرفتها لتجد والدها يجلس في مكانه المعتاد جوار الشرفة وبين يده الجريدة التي لا تعلم من أين يأتي بها في هذا العصر الإلكتروني بجدارة. بجواره طاولة صغيرة فوقها كوب من الشاي، وخلفه مباشرة راديو قديم ينبعث منه أنغام مميزة لأغنية قديمة.
اقتربت منه بهدوء وانحنت تقبل رأسه وهي تقول:
– صباح الخير يا سي بابا.
– صباح النور يا روح قلب بابا.
أجابها وهو يغلق الجريدة ويضعها فوق المنضدة. ونظر إليها بنظرة تقييمية وقال:
– الشياكة والحلاوة دي كلها رايحة فين؟
جلست على ذراع الكرسي وقالت بهمس:
– عندي مقابلة شغل في مؤسسة الخشاب.. بس متقولش حاجة لماما علشان متتعشمش وترجع تزعل وضغطها يعلى لو محصلش نصيب.
ليبتسم والدها وهو يعود يقرأ الجريدة من جديد، ولكن قلبه يدعو لها بالتوفيق.
لتظل تتأمله لعدة ثوانٍ ثم توجهت إلى المطبخ. لتقول والدتها بلوم:
– على طول تقعدي تتودودي مع أبوكي وأنا لأ.
لتقترب سليمة منها تضمها وهي تبتسم بمرح وقالت بشقاوة:
– أنتِ الخير والبركة يا طمطم، بس يعني أنا بحب كلام بابا كده راجل خبرة ومثقف، لكن أنتِ الحنية والطيبة والحضن الحنين.
لتبتسم فاطمة وهي تقول لها بعد أن ضربت كتفها برفق:
– بكاشّة.
لتقترب سليمة تقبل كتف والدتها ثم يدها وقالت:
– همشي بقى، دعواتك يا طمطم.
وغادرت سريعاً تلحقها دعوات والدتها بالتوفيق والنجاح. لكن بداخل العيون هناك الكثير من الأشياء الحزينة التي تؤلم القلوب وتخبئها بداخلها.
***
وصلت إلى مقر مؤسسة الخشاب وظلت واقفة أمامها تنظر إليها بانبهار هامسة لنفسها:
– يارب يجعلي نصيب بالشغل فيكي يا مؤسسة الخشاب.
وبخطوات ثابتة توجهت في اتجاه حلمها. ورغم أن قلبها يرتعش إلا أن خطواتها ثابتة وواثقة. حين صعدت إلى المكان الذي سيتم فيه المقابلة وجدت الكثير من الفتيات تجلس هناك. ولكن ما أشعرها بالرهبة الماركات التي يرتدونها والملابس الكاشفة. وورد لذهنها سؤال ملح.. هل لها فرصة مع هؤلاء الفتيات؟
لكنها جلست على ذلك الكرسي الشاغر بصمت لتأتي موظفة وأعطتها ورقة وقالت بأمر:
– اكتبي بياناتك.
سجلت بياناتها وجلست تنتظر دورها وقلبها كطبول الحرب والتوتر يكاد يقتلها.
***
تتابع دخول الفتيات إلى المقابلة. وكلما مر بعض الوقت كان يزداد بداخلها شعور الغربة والرفض. إنها لا تقارن بجانب ما تراه أمامها. وما يصل إلى سمعها من حديث.. فهناك من هي خريجة الجامعة الأمريكية، ومن حصلت على الكثير من الدورات التعليمية وتستطيع التحدث بأكثر من أربع لغات غير العربية. وهناك من معها شهادات خبرة من أكبر الشركات. فأين هي وسط كل هذا؟
تنهدت وهي تبتسم بسخرية وعقلها يردد: "هتروح فين يا صعلوك بين الملوك".
لكنها ظلت متمسكة بالفرصة رغم كل شيء. مر الوقت وقلبها لم يتوقف لحظة عن الدعاء، ولديها ثقة بالله تجعلها تحلم وتتوقع تحقيق الحلم.
حان دورها لتأخذ نفس عميق وبخطوات واثقة رغم ارتعاش جسدها سارت في اتجاه المكتب. طرقت الباب برفق وفتحته بهدوء وجلست أمام الرجل الذي يجلس خلف المكتب بوقار. وحمدت الله أنه لم يرفع عينيه عن الأوراق التي أمامه.
لكنه رفعها لتبتسم بخجل حين لاحظت نظرة الاندهاش والصدمة الواضحة في عينيه. لتشعر أن الأمر قد انتهى. إن هيئتها بالنسبة له مرفوضة.. فستان واسع وخمار يناسب وجه خالي من الزينة. مؤكد لن يقبلوا بها.
اختفت ابتسامتها وشعرت باليأس يتغلل إلى قلبها. لكن لمع الأمل من جديد حين قال بهدوء:
– الـ CV بتاعك مفيش فيه شهادات خبرة. أول مرة تشتغلي؟
هزت رأسها بلا وقالت بصوت هادئ:
– اشتغلت كتير، لكن في وظائف مكنش ممكن آخد منها شهادات خبرة.
إجابتها أثارت فضوله ليقول باستفهام:
– يعني إيه؟
شبكت يديها ببعضهم وقالت بهدوء وصراحة من بدأ: "ما هي كده كده بايظة":
– اشتغلت بياعة في محل، عاملة في مصنع. ودول بعد ما بنشيب الشغل ما بيكونش فيه شهادة خبرة.
أومأ الرجل بنعم مع ابتسامة جانبية ثم قال:
– ليه عايزة تشتغلي في مؤسسة الخشاب؟
لتلمع عيونها وهي تجيب:
– الشغل في مؤسسة كبيرة زي مؤسسة الخشاب فرصة حقيقية لأي حد عايز يبني مستقبل ويحقق ذاته ويبدأ من مكان له أساس وخبرة.. من الآخر، الشغل هنا شرف أتمنى إني أحظى بيه.
أومأ بنعم والإبتسامة أصبحت واضحة على وجهه. سألها ببعض المكر:
– لو مديرك عصبي وخلقه ضيق هتتصرفي إزاي معاه؟
ظلت صامتة لعدة ثوانٍ ثم قالت بهدوء:
– هقوم بعملي على أكمل وجه ومش هقصر فيه وهحاول إني مكنش سبب في تأخير العمل أو تعطيله أو فشله.. وهتحمل عصبيته طالما في حدود العمل، لكن مؤكد لن أقبل الإهانة.
أومأ بنعم وظل صامتاً لعدة لحظات ثم قال باندهاش:
– اسمك سليمة.. اسم غريب. معناه إيه؟
ابتسمت بسعادة وهي تجيب بحماس:
– معناه الناجية، الخالصة، السالمة من العيوب والآفات وصالحة الضمير، الخالية من المرض.
ضحك بصوت عالٍ لتشعر بالخجل، لكن حين هدأت ضحكاته قال بصدق استشعرته:
– جميل.. الاسم لايق عليكِ جداً.
تورّدت وجنتيها بخجل. رفع سماعة الهاتف وطلب حضور شخص ما، وحين دلفت الموظفة قال لها بهدوء:
– الآنسة سليمة اتعينت في الوظيفة. لو لسه في بنات برة مشّيهم، وبعدين فهميها الشغل.
كانت تنظر إليه باندهاش وصدمة. ليقول لها بابتسامة:
– أنا مدير صعب، والغلطة عندي ملهاش عذر. لكن أنا واثق فيكِ.
كانت تشعر أنها في حلم. هي تجلس الآن أمام أدهم الخشاب مدير مؤسسة الخشاب يخبرها أنها قُبلت في الوظيفة وأنه يثق بها.
وفي هذا الوقت كان أدهم يتفحصها بدقة. تفاصيل وجهها، عيونها الناعسة بلونها الرمادي، وجهها الخالي من مساحيق التجميل لكنه براق وخالي من العيوب. ملابسها المحتشمة، والأهم أفكارها وطريقة حديثها واعتزازها بنفسها. كل هذا يجعلها مؤهلة لتصبح السكرتيرة الخاصة به.
أشارت الموظفة لسليمة أن ترافقها لتقف سليمة وهي تنظر إلى أدهم بخجل طبيعي وقالت بصوت يرتعش من السعادة:
– إن شاء الله أكون قد ثقة حضرتك وقد المسؤولية.
يومأ بنعم وهو يقول:
– أنا متأكد إنك ستبذلين أقصى مجهود.
لتسير مع الموظفة التي أشارت لها على أحد المكاتب وقالت:
– اقعدي هنا على ما أمشي باقي البنات وأرجعلك علشان أفهمك الشغل.
أومأت سليمة بنعم وجلست خلف المكتب وعلى وجهها ابتسامة واسعة بالسعادة والرضا. وظلت تحمد الله على التوفيق وتدعو أن يعينها على المسؤولية.
عادت الموظفة إلى الغرفة وهي تقول ببشاشة:
– أنا اسمي رجاء، كنت سكرتيرة مستر أدهم لمدة ٣ سنين، لكن هتجوز وهسافر مع جوزي وعلشان كده هسيب الشغل هنا.
– مبارك وربنا يتمم لكِ على خير جواز العمر إن شاء الله.
ابتسمت رجاء وهي تؤمن. خلفها ومباشرة بدأت في شرح طبيعة الوظيفة ومتطلباتها.
***
لم تتوقف عن البكاء منذ حديثها مع بيبرس صباح اليوم. وكل دقيقة وأخرى تنظر من النافذة وكأنها تنتظر خروجه من بيته حتى تخبره أنها قد عادت إلى رشدها ولن تقوم بذلك الجنون.
لكن عقلها يعود من جديد ويذكرها بكل ما وراءها من مسؤوليات وهموم. والعملية التي يتوجب أن يخضع لها والدها في أقرب وقت.
تتمسح دموعها بظهر يدها وبنفس اليد تتحسس المال الذي أعطاه لها بيبرس. تشعر به يحرق جسدها وكأن به نار.. نار حارقة كتلك النار الذي كان يصفها لها والدها وهي صغيرة حتى يرهبها ويجعلها تلتزم في صلاتها. لتعود الدموع من جديد تغرق وجهها. ولكن تلك المرة لطمت خديها وهي تقول:
– هتعملي إيه في نفسك يا بنت الأستاذ حليم.. هتعري جسمك للناس.. هتقفي ترقصي وتهزي جسمك للرجالة، فاضل إيه.. فاضل تبيعي شرفك وتتنقلي من حضن راجل للتاني.
ليأتي في تلك اللحظة دور شيطانها الذي بدأ يوسوس لها وتخرج كلماته على لسانها:
– بس أنتِ مش هتعملي كده.. في بدل رقص مش هتبين لحمي.. وكمان بيبرس هيحميني وأكيد مش هيقبل يبقى قرني يعني ويخليني أروح مع الزباين. آه.. وبعدين يعني هو أنا لقيت شغلانة تانية وقولت لأ. والشغلانة دي بالليل وأبويا نايم ومش بيحتاج مني حاجة. وأهو أقوله أني اشتغلت في أي مستشفى وأخترت الشفت بتاع بالليل علشان أقدر أخلي بالي منه بالنهار.
المبررات لم تنتهِ وشيطان نفسها لم يتوقف عن تجميل الصورة أمام عيونها. وذكّرها أيضاً بذلك الدواء الخاص بوالدها الذي يجب شراؤه الآن. لتأخذ العباية من فوق المشجب وأرتدتها سريعاً وتوجهت إلى غرفة والدها الذي أصيب من عام بجلطة دماغية تركت أثرها على كامل جسده ولم يعد يستطيع الحركة.
ربتت على ذراعه وهي تقول:
– أروح أجيب الدوا اللي خلص وهرجع على طول.
غادرت البيت متوجهة إلى الصيدلية لتقابل في طريقها حنان جارتها وزميلتها من أيام المدرسة. وقفت أمامها وهي تقول:
– أنتِ مش بتسألي عليا ليه يا بت يا حنان؟
– عارفة إني مقصرة معاكي بس يا أختي مسحولة في الجهاز وعلي عايزنا نتجوز آخر الشهر ومش ملاحقة.
أجابتها وهي تحرك يديها في جميع الاتجاهات وصوت الأساور التي تملأ ذراعيها يسمعه القاصي والداني. لتبتسم زيزي رغم الألم التي تشعر به في أعماق روحها وقالت بصدق رغم كل شيء:
– ربنا يعينك وألف ألف مبروك يا حنون.
ثم ربتت على يدها وهي تقول:
– معلش بقى عايزة ألحق أجيب الدوا لأبويا وأرجع له علشان سايباه لوحده.
لتقول حنان بلهجة ساخرة:
– ربنا يشفيه يا حبيبتي ويرزقك بواحد زي علي كده يسترك ويهنيكي.
ابتسمت زيزي ابتسامة صغيرة ثم تركتها وغادرت دون أن تعلق على حديثها وما تقصده من خلفه. لقد جاء اليوم الذي تتعامل فيه معها الفتيات على كونها أقل منهم بعدما كان الجميع يلتف حولها ويتمنى رضاها. والآن ينظر إليها على كونها عانس وتحتاج لرجل يعطف على حالها ويتزوجها يرحمها مما هي فيه.
بلعت تلك الغصة التي تؤلم حلقها وأشترت الدواء لوالدها وبعض الأغراض وعادت إلى البيت وبداخلها إصرار على العمل ولم يعد هناك مجال للتراجع.
***
انتهى يومها الأول بالعمل وكم كانت سعيدة وتعمل بنشاط وانطلاق. خاصة وأن رجاء لم تترك أمر لم تخبرها عنه ولم تبخل عليها بكل أسرار الشركة التي تفيدها في عملها ويجعلها مميزة فيه.
كان أدهم يتابعها طوال اليوم بصمت ودون أن يقترب منها أو يوجه لها أي أوامر.
اقتربت منها رجاء وهي تقول:
– خلصنا شغل يا سليمة؟ يلا بقى علشان نروح. بكرة آخر يوم ليا معاكي هنا وبعد كده أنتِ المسؤولة يا حلوة.
لتشعر بالتوتر وقالت ببعض المزاح:
– العدو أمامنا والبحر من خلفنا.
لتقترب منها رجاء وقالت بهمس رغم ابتسامتها الواسعة:
– لو مستر أدهم سمعك وأنتِ بتقولي العدو دي هيعملك تمثال على باب الشركة.
لتقف وهي تأخذ حقيبتها وقالت بخوف مصطنع:
– وعلى إيه؟ الطيب أحسن.
وغادرا سوياً دون أن يلاحظوا ذلك الذي يقف خلف الباب واستمع لكل ما حدث وعلى وجهه ابتسامة شريرة.
***
فتح عينيه بتثاقل. لأول مرة منذ سنوات لم يكن نومه مريحاً ولم يستطع النوم بعمق. كلماتها وصوتها، هيئتها، كل هذا يؤلم قلبه العاشق.. الذي لم يضعف يوماً إلا من أجلها. كان اليوم ألمه أشد.. حتى أنه جعل جسده وكل خلية فيه تتألم بشدة. كيف وافق على طلبها؟ كان عليه أن يصفعها على وجهها البريء ويصرخ بها رافضاً. وإذا كان أصابها الجنون أو مس من شيطان نفسها فتعود لعقله.
لكنه وافق.. وكأنه كان يريد أن يسقطها في وحل الخطيئة حتى يستطيع أن يكون جوارها وتقتصر المسافة بينهما. لقد سّول له شيطانه سقوطها ويده تمتد لتمسك بها وكأنه بطل مغوار غفر ذنبها الكبير وتقبلها على عيبها، وهي بعيون كسيرة تشكره على كرمه وشهامته ورجولته.
التي ستسقط عنه مع كل مرة يراها تتمايل في ذلك الملهى.
اعتدل جالساً وهو يفكر ببعض العقل. هل يذهب إليها يطلب يدها للزواج ويمنعها من العمل؟ أم أنها سترفضه وتجرح كبرياءه؟
نفخ الهواء من صدره بضيق وغادر السرير ببعض العصبية. فتح نافذة غرفته التي تطل على بيتها وظل ينظر إلى البيت وكأنه ينظر إليها وهمس بلوعة:
– ليه يا زيزي؟ ليه فكرتي كده؟ وأيه الصح؟ أشغلك ولا أرفض؟ أمنعك من الطريق ده؟ ولا أمسك إيدك وأمشيه معاكي؟
في تلك اللحظة قطع تفكيره صوت أحد شباب الحارة وهو يتحدث لصديقه:
– أنا عايز أخطب زيزي بس أمي مش راضية علشان أبوها يعني.. عارف لو أبوها يموت كنت اتجوزتها وخبيتها عن كل الناس.. أصل البت زيزي دي عاملة زي لهطة القشطة.
شعر بالغضب يتصاعد ورغبة قوية في ضرب ذلك الشاب الذي لم يتبين ملامحه. وعقله يصور له تعليقات الرجال في الملهى الليلي وهم ينظرون إلى جسدها الممتلئ لكن بتناسق ويلتهمونه بعيونهم. ويعلقون عليها بكلمات أكثر جرأة من كلمات ذلك الشاب. مؤكد لن يحتمل.. وسوف يقتل كل من ينظر إليها أو يتحدث عنها.
ابتعد عن النافذة ليصطدم بصورته في المرآة وظل ينظر إلى نفسه عدة ثوانٍ ثم بصق على المرآة وهو يقول:
– اتفو عليك فاكر نفسك راجل وأنت..
وترك جملته معلقة دون أن يكملها. تحرك سريعاً ليرتدي ملابسه. سوف يذهب إليها ويخبرها أنه لم يستطع توفير عمل لها. سوف يرفض أن تعمل كراقصة.. حتى لو رفضت الزواج منه لن يسمح لها بالعمل.
غادر البيت مقرراً التوجه إليها، لكن أوقفه رنين هاتفه. ليشعر بالاندهاش وهو يرى اسم الجوكر يتوسط شاشة هاتفه. أجابه بتوجس ليصله صوت الجوكر وهو يقول مباشرة:
– بيبرس.. الرقاصة اللي عندنا اتمرّعت وفاكرة نفسها بقت حاجة. أنا عايز رقاصة جديدة النهاردة.. فاهم يا بيبرس؟ النهاردة.
وأغلق الهاتف دون أن ينتظر لسماع رد بيبرس. ليعيد بيبرس الهاتف إلى جيب بنطاله وعاد إلى بيته، لكنه لم يصعد إلى شقته بل جلس على السلم وهو يطالع بيت زيزي بتفكير واستسلام.
***
في فيلا الخشاب وعلى طاولة الطعام الكبيرة.. والعريقة كتاريخ تلك العائلة، تجلس الجدة شكران على رأس الطاولة بهيبتها ووقارها. تنظر إلى أحفادها الذين يجلسون حولها. على ذراعها الأيمن يجلس عدنان، ابن عم أدهم، ويشبه كثيرًا في الشكل لكنه أكثر مرحًا. ولأنه بطل في الملاكمة لديه الكثير من المعجبات كنجوم السينما.
وعلى ذراعها الأيسر تجلس ظلال، أخت أدهم الصغرى، وغارقة في عشق عدنان. لكنه لا يلتفت لذلك العشق الواضح في عيونها. رغم أنهم أصدقاء مقربين، يخبرها بكل شيء ويستشيرها ويستخدمها أحياناً في إثارة غيرة بعض البنات، وهي تعلم كل ذلك لكنها بسبب عشقها له لم تعترض يوماً. تنتظر اليوم الذي يشعر فيه بحبها ويفهم أنه يحبها أيضاً.
– مش ناوي تنزل تساعد أدهم في المؤسسة يا عدنان؟ أنت كبرت بما فيه الكفاية وخلاص بقى لازم تتحمل المسؤولية.
قالت شكران كلماتها وهي تنظر إلى حفيدها بنظرة تفحص. ليترك عدنان هاتفه حيث كان يتحدث إلى إحدى المعجبات عبر تطبيق الرسائل وقال بابتسامة واسعة:
– شكلي مزعلك يا شوشو.. ليه الكلام اللي يضايق ده؟
لتضع ظلال يدها أسفل ذقنها تتابع ما يحدث بينهم ككل ليلة باستمتاع، خاصة حين قالت شكران بابتسامة صفراء:
– حالك كله مزعلني.. وشكلي هغضب عليك.. وأنت عارف كويس غضبي ممكن يوصل بيك لفين.
كانت أخر كلماتها مصحوبة بإشارة إلى باب القصر. ليقطب عدنان حاجبيه وقال بضيق حقيقي:
– ليه كل شوية تهدديني إنك ممكن تطرديني من القصر والشركة ومن عيلة الخشاب كلها.. على فكرة يا نانا أنا مش بتتهدد وممكن حالاً أمشي من هنا.
اعتدلت ظلال تنظر إلى جدتها بقلق والخوف يطل من عينيها. إن الحديث اليوم اختلف عن كل مرة. عدنان لم يقل تلك الكلمات من قبل. أنه يعلم جيداً كيف يجعل شكران هانم راضية عنه رغم أنه يقوم بما يريد. لكنها ظلت صامتة حين أكمل هو:
– وبعدين أدهم هو المسؤول عن المؤسسة والورث من يوم يومه من أيام جدي وبابا وعمي.. وفاهم في كل حاجة ومش محتاجني يعني ولا عمره طلب مني أشتغل معاه.
لتقول ظلال بتوتر:
– لا يا عدنان أبيه، أدهم طلب منك أكتر من مرة وآخر مرة قالك فيها "أنا تعبت من كتر ما بتحايل عليك تيجي تشتغل معايا.. الشركة أنت ليك فيها زي ما أنا ليا ووقت ما تقرر تيجي تدير معايا المؤسسة هتلاقي أبوابها كلها مفتوحة ليك".
نظر لها عدنان بغضب ثم قال من بين أسنانه:
– عارف يا أم العريف، بس أنا مليش في شغل الاستيراد والتصدير ولا حتى شغل الهندسة ومليش دماغ حقيقي لكل ده.
– أومال ليك في إيه؟ في البنات والمرقعة الفاضية؟
قالت شكران بغضب وصوت عالٍ. ليشعر عدنان بالصدمة أنها المرة الأولى التي تثور فيها جدته بتلك الطريقة. إذاً فعليه مهادنتها ولملمة الأمر.
غادر مقعده وأقترب من مقعد جدته وجلس على إحدى ركبتيه يقبل يدها وهو يقول:
– إيه اللي مزعلك مني كده بس يا شوشو؟ أنا عملت إيه؟
لتربت شكران على وجنته برفق وهي تقول بحزن:
– عايزة أطمن عليكم يا عدنان.. العمر بقى ورايا مش قدامي.. خايفة كل واحد منكم ماشي في طريق لوحده.. والحمل تقيل على أدهم وبقالوا فترة متغير وقلبي بيقولي أن فيه حاجة.
لتشعر ظلال بالخوف وهي تقول:
– مالوا آبيه يا نانا؟
ليرفع عدنان عيونه لها وقال ليطمئنها:
– أدهم كويس يا ظلال متقلقيش. حمل الشغل تقيل عليه والمسؤولية كمان.. علشان كده أنا هنزل معاه الشركة من بكرة. المهم أن شوشو حبيبتي تبقى راضية عني.
لتبتسم شكران رغم الحزن الساكن بعيونها والخوف الكامن بقلبها.
***
في إحدى شوارع القاهرة كان يسير والليل يغلف الكون بهدوئه وجماله. بين يديه سيجارته المحشوة ويده الأخرى تمسك الجاكت الخاص به فوق كتفه. رغم ظلام ذلك الطريق إلا أنه كان يعرف الطريق جيداً ويعلم إلى أين يذهب.
وعند أحد مفترق الطرق ظهرت تلك الفتاة التي ترتدي ما يكشف جمال جسدها. تقترب منه وهي تقول بدلال:
– اتأخرت عليا أوي يا ثمورتي.
– ثمورتي؟ رددها خلفها بتقزز. لتقول بدلال أكبر وهي تداعب ذقنه:
– ثمورتي دلع ثامر.
ليبعد يدها عن وجهه وقال بأمر:
– طيب يلا يا أختي.. قال ثمورتي قال.
لتضحك بدلال وهي تسير جواره، ذراعها يحاوط خصره وذراعه يستريح فوق كتفيها. حتى وصلوا إلى مدخل بناية قديم. صعدوا درجات السلالم حتى الدور الأخير وبالتحديد تلك الغرفة الصغيرة فوق سطوح البناية.. غرفة صغيرة لا يوجد بها سوى سرير واحد صغير يكفي لقضاء ليلتهم وفعل ما يريدون.. وفقط.
حين انتهى منها غادر السرير يرتدي ملابسه. لتقف خلفه تلمس ظهره بأطراف أصابعها وهي تقول:
– هشوفك تاني امتى يا ثامر بيه؟
لينظر إليها بطرف عينه وقال بخبث:
– من امتى بتسألي الأسئلة دي؟ ومن امتى أنا بجاوبك على أي سؤال؟
لوت فمها بضيق وعادت تتمدد على السرير من جديد وهي تقول:
– أنت هتمشي بجد يعني خلاص كده؟
لن يجيبها وأكمل ارتداء ملابسه وحذائه ووضع بعض المال على الوسادة جوار رأسها وغادر الغرفة. تشيعه نظراتها الحزينة. إنها تحبه لكن هو لا يراها إلا مجرد جسد.. يعبث معها قليلاً ويرحل. يأتي وقتما يشاء ويغادر وقتما يشاء وليس لها حق الاعتراض أو الرفض. ليس خوفاً منه ولكن قلبها المتعلق به هو من يجبرها على قبول كل هذا الظلم.
مدت يدها تمسك الأوراق المالية وهمست بصوت متهدج:
– هو ده قيمتي عنده؟ ساعة في السر وشوية فلوس.
وكان هو يسير في الطرقات المظلمة يشعر بالاختناق. كل مرة يلتقي بها رغم شوقه لجسدها إلا أن ضميره يظل يعذبه.
***
أخذته خطواته لذلك القصر الكبير وبالتحديد أمام تلك اللوحة المعدنية التي كتب عليها بحروف ذهبية "ال الخشاب". ظل يتأملها دون ملامح واضحة حتى انتبه لصوت حركة من خلفه وشخص يقول حين فتحت البوابة:
– حمد الله على السلامة يا أدهم بيه.
رواية أو أشد قسوة الفصل الثاني 2 - بقلم سارة مجدي
ظل على جلسته يفكر ماذا سيفعل الآن، لكن لم يكن هناك الكثير من الاختيارات. عاد ليغادر بوابة بيته من جديد، وبعينه كان يبحث عما يريد حتى وجده.
أقترب بهدوء من تلك الطفلة الصغيرة التي تلعب أمام بيتها، وقال بصوته الخشن:
- تعالي يا شاطرة.
نظرت له الصغيرة بخوف، ليشير لها بيده أن تقترب، لكنها ظلت واقفة في مكانها. ليقترب منها هو:
- متخافيش، تعالي عايز أديكي حاجة.
أقتربت الصغيرة على استحياء، رأسها منخفضة، لكن عيونها تنظر إليه. ليخرج من جيب بنطاله ورقة مالية صغيرة، ومد يده بها أمامها وهو يقول من جديد:
- أشتري حاجة حلوة.
مدت يدها لتأخذ المال ببعض التردد، لكنه ظل ممسك بالمال وهو يقول:
- لكن الأول أطلعي للست زيزي، قولي لها عمو بيبرس عايزك ضروري.
أومأت الصغيرة بنعم، ليترك لها المال، لتركض سريعًا مبتعدة عنه ومتوجهة إلى بيت زيزي. ليرفع عينيه يبحث حوله عن متلصص، لكنه لم يجد. وتلك ميزة حيهم، الكل يدلف إلى بيته بعد أذان العشاء والصلاة، ولا يخرج منه إلا للضرورة القصوى.
أقترب من بوابة بيت زيزي وأستند عليها، رافع قدمه على البوابة الحديد تدعم وقته. وثواني وغادرت الصغيرة البوابة دون أن تنتبه إليه. وبعدها بثواني سمع حفيف ثوب زيزي وصوت خفها الخفيف وهي تقترب منه. وكما كانت تقف صباحًا، وقفت خلف البوابة، لا يظهر منها سوى نصف وجهها والذي يغطيه وشاحها الخفيف.
- خير يا سي بيبرس!
قالتها بقلق. لم يتحرك من مكانه، ولكنه قال بصوت منخفض:
- خير يا ست زيزي… بس مدير الكباريه أتصل… وبصراحة كده…
صمت وكأنه لا يجد كلمات يقولها، أو قلبه لا يطاوعه في أن يقول لها أن تستعد حتى تذهب معه اليوم وتبدأ عملها كراقصة في إحدى الملاهي الليلية. لكنها عادت تسأل من جديد بلهفة يشوبها حزن:
- هو رفض أني أشتغل؟!
ألتفت إليها وظل يتأمل الجزء الصغير الواضح من ملامحها على ضوء مصباح عتيق علق على باب البيت لعدة ثواني، ثم قال وهو يحرك رأسه يمينًا ويسارًا:
- بالعكس، ده عايزك تنزلي شغل من النهاردة.
ظلت صامتة، لا تعرف هل تشعر بالسعادة لموافقة صاحب الملهى، أم تشعر بالخوف لما هي مقدمة عليه من فعل. تعرف جيدًا أن والدها لو كان بصحته لقتلها قبل أن تخطو خطوة واحدة خارج البيت لتنفذ ما تريد.
ودون شعور منها، رددت خلفه:
- النهاردة.
أومأ بنعم، لتقول من جديد بقلق:
- الساعة كام يعني؟
نظر إلى ساعته وقال بهدوء:
- خلال ساعتين تكوني جاهزة ومستنياني على أول الشارع.
أومأت بنعم، وعيونها بين خوف وتردد وبعض الحماس. ليغادر من أمامها وبداخله كل المشاعر المتضاربة، رفض وموافقة… خوف وحماس… أقتراب وأبتعاد… لكن أكثر ما يشعر به الآن هو أن ما سيحدث الآن هو أكبر أخطائه، ومؤكد سيكون الثمن غالي.
***
صعدت إلى شقتها بعد رحيل بيبرس، لكنها كانت شاردة. خوف قوي سكن قلبها، خاصة حين وقفت أمام غرفة والدها النائم بلا حول ولا قوة.
تجمعت الدموع في عيونها وهي تلوم نفسها على فكرتها المجنونة التي أوصلتها لهذا الحال. لكن شيطانها لم يكن غائبًا عنها ليعود وهمس لها أنها لن تفعل شيء خاطئ. ما المشكلة من بضع ساعات تتمايل فيها على نغمات الموسيقى وتحصل في المقابل على الكثير من المال؟
وأين هي المعضلة في المكان؟ فكل أماكن العمل بها مخاطر، فأين المشكلة الآن؟ على الأقل عملها في ذلك الملهى لن يكون به مخاطر جسيمة، خاصة في وجود بيبرس.
بيبرس التي لا تعلم كيف تشعر تجاهه الآن. هل تشكره؟ أم تلومه لأنه وافق على عملها؟
أخذت نفس عميق وهي تسير بخطوات ثقيلة إلى غرفتها حتى تستعد. هي لا تعلم ماذا عليها أن تفعل بالتحديد، لكن لابد أن تقوم ببعض التجهيزات.
***
مرت ساعتان، وها هي تسير في ذلك الطريق الطويل الذي سيصل بها إلى المكان الذي ينتظرها به بيبرس. لكنها كانت تتلفت حولها كل دقيقة وأخرى خوفًا من أن يراها أهل حيها. لكن الأمور مرت على خير، وها هي تجلس بجانبه في السيارة.
الصمت ثالثهما، لكن الأفكار تعصف بكليهما، وكل منهم لديه ما يقوله ويؤلم قلبه، لكن لا يجد الكلمات التي تعبر بدقة، فيفضلون الصمت.
أوقف السيارة في مكانها المخصص بجراج الملهى، وقبل أن يترجل منها نظر إلى زيزي وقال بأمر:
- مليكيش دعوة بحد جوا. تخلصي فقرتك وتدخلي أوضتك ومتخرجيش منها لحد ما أرجعك البيت. وأي حاجة أنا إللي هتصرف فيها. كلامي مفهوم؟
أومأت بنعم وهي تنظر إليه بخوف. إن قلبها يشبه طبول الحرب تقرع بقوة وينبئ عن خوف شديد. لكن نظرة عين بيبرس ووجوده بصفة عامة جعل شيء من الأمان يتسلل إليها.
ترجلت من السيارة ومن باب خلفي دلفت خلفه، ومباشرة إلى غرفة مدير الملهى.
***
وقفت في الخارج تنتظر بيبرس الذي دلف إلى المدير وأغلق الباب خلفه. عيونها تتأمل الرواق الطويل المليء بالغرف، وكل غرفة بجوار الباب لافتة نحاسية. أستطاعت من مكانها أن تقرأ الكلمات التي نقشت على بعض منها، حتى وقعت عيونها على إحداهم والتي كتب عليها "غرفة الراقصة".
إنتفض جسدها وهي تربط تلك الكلمة بنفسها. إن تلك الكلمة بعد قليل ستصبح وصفها ووظيفتها. رعشة أخرى سارت في عمودها الفقري وغصة مؤلمة في حلقها جعلتها تتحرك لتغادر ذلك المكان. لكن باب غرفة المدير الذي فُتح وصوت بيبرس يدعوها للدخول جعلها تقف مكانها وكأنها مغيبة، تعود أدراجها وتدلف إلى الغرفة لتقابلها نظرات ذلك المدير بنظراته المتفحصة لكل أنش في جسده.
نظرت إلى بيبرس التي احمرت أذناه وانتفخت أوداجه وهو يقول:
- نالت الرضا يا جوكر.
ينظر إليه ذلك الرجل وهو يجيبه وقد سال لعابه:
- إكسترا يا بيبرس. إكسترا.
دار حول مكتبه وهو يقول:
- سلمها لترتر بقى وتعالى.
حينها كان يقف أمام زيزي ولا يفصل بينهم سوى خطوة واحدة. وأكمل وهو يرفع يديه يحاوطانها دون أن يلمسها وقال وهو يرسم قدها في الهواء:
- قوله الجوكر عايز كتلة الأنوثة دي تبقى زي حبة الكراميل، شهية وجذابة من برة ومثيرة من جوه.
كلمات تذبح رجولته، لكنه لا يستطيع الاعتراض. فالحديث يبدو في صميم العمل، لكن باطنه يسيء لرجولته ويشعره بألم في رأسه يشبه ذلك الألم في أفلام الكرتون حين يتم ضرب الشخصية بشيء قوي على رأسها ويخرج ذلك البروز.
ليجد نفسه يفتح الباب وهو يقول ببعض الغضب:
- اتفضلي يا ست زيزي.
لتتحرك بسرعة وخوف من أمام ذلك الجوكر، لكن أين المفر؟
من خوف إلى خوف… والبقية تأتي.
***
بعد العشاء توجه عدنان إلى الحديقة، يريد أن يجلس في خلوته يفكر في حال جدته وأدهم.
أدهم الذي يشعر أن به شيء غريب أحيانًا، يرى عيونه زائغة، تائه وكأنه لا يعرف أين هو. وأحيانًا يراها قاسية، غير عيون أدهم الحانية بطبعها رغم قوة شخصيته. لكن حقًا هناك شيء خاطئ وعليه أن يفهمه.
أراح رأسه على الحائط خلفه وأغمض عينيه، يشعر بها تقف هناك في إحدى الزوايا تتابعه بصمت كما اعتاد.
يشفق عليها حقًا، يعلم بحبها له، لكن هي بالنسبة له إبنة عمه فقط. يتمنى أن تتوقف عن ملاحقته، أن تعبر ذلك الطريق المظلم بحبه إلى نور شمس جديدة تشرق بحب جديد يستحقها وتستحقه.
لذلك، ورغم ضيقه من هذا… ودون أن يفتح عينيه، أمسك هاتفه وطلب رقم موجود بالأساس على قائمة اتصالات الطوارئ ووضعه على أذنه، وقال حين وصله ذلك الصوت الناعم:
- عدنان باشا بنفسه.
- قلبي عدنان… جهزي القعدة أنا جاي وعايز أدلع.
قالها وهو على نفس الوضع، ليصله شهقتها التي كتمتها سريعًا، ليبتلع تلك الغصة المؤلمة في حلقه وهو يقف ليغادر خلوته وهو يقول:
- حان وقت المرح.
تنحدر دموعها وهي تراه في طريقه إلى إحدى فتياته، وما أكثرهم.
وضعت يدها فوق خافقها وهي تقول بألم:
- رغم كل الوجع ده، لكن أنا متأكدة إنك بتحبني، حتى لو أنت نفسك متعرفش يا عدنان.
***
تنظر إلى انعكاس صورتها في المرآة وهي تسأل نفسها من تلك التي تطالعها الآن بتلك الزينة القوية وتصفيفة الشعر التي لم تجرب مثلها من قبل؟ ذلك الفستان الذهبي الذي يكشف عن ذراعيها وبه فتحة طوليه تظهر ساقها بسخاء؟
هل هي تلك الفتاة البريئة، ابنة الأستاذ حليم؟ أم هي فتاة أخرى تلونت كحرباء تجيد التخفي بألوانها وسط الأشياء؟ ليس لديها إجابة، وتعتقد أنها لن تجد يومًا.
طرقات على باب غرفتها، ثم دخول ذلك الرجل المدعو ترتر وهو يقول بصوته المائع:
- جهزتي يا ست الكل؟ الناس في الصالة برة زهقوا من كتر الغنا وجالهم صداع.
ألتفتت إليه وملامحها شاحبة بخوف قرأه ذلك الرجل بوضوح، فقد عمل مع الكثير من الراقصات ويعلم جيدًا معدن كل منهن.
أقترب منها وقال بصوته المائع:
- واضح أن دي أول مرة ليكي. لكن متقلقيش، الناس إللي قاعدة بره دي من نظرة عقلهم بيطير. ومع أول هزة من وسطك هتلاقيهم كلهم تحت رجليكي. ومن بعد أول خمس دقايق رجلك هتهز الأرض بثقة.
أقترب خطوة أخرى ووضع يده على خصرها وقال بإيحاء:
- المهم الدلال. وتظهري أنوثتك المتفجرة دي صح.
أنهى حديثه بغمزة، لترتجف أكثر وهي تقرأ معاني كلماته. لتقول بصوت مرتعش:
- هو سي بيبرس فين؟
- في الصالة يا ست الكل. ده مكانه وإنتِ مكانك دلوقتي على المسرح.
قالها وهو يمسك يدها ويغادرا الغرفة.
كانت تشعر أنها تساق إلى حذفها. وقفت خلف الستار تستمع لصوت المقدم وهو يقول:
- مع النجمة المتألقة… الست إللي هزت وسطها بقوة سبعة رختر… الزلزال إللي بيتحرك على رجلين… زيزي!
وعلت الموسيقى مع دفع ترتر لها، لتجد نفسها على وسط المسرح وكل الناس بالصالة يصفقون لها. لكن عيونها كانت تبحث عنه هو، كأنها تريد أن ترى في عينيه نظرة تشعرها بالأمان، أو أن تجد بها نظرة رادعة تجعلها تركض إلى الداخل هربًا. لكن وجهه الخالي من التعابير وصوت الناس من حولها جعلها تبدأ بالتمايل.
لتعلوا الصيحات لتزداد حركتها، خاصة حين أقترب شخص ما وبدأ نثر بعض الأوراق المالية أسفل قدميه. ليلحقه شخص آخر وآخر، لتلمع عيونها بانبهار وبدأت في التمايل بسعادة متناسية كل خوفها… وأفكاره… وخلعت عنها ثوب الاحتشام والفضيلة وتعاليم أستاذ حليم وإرشاداته.
ومن مكانه كان يتابعها يشعر بثورة غضب قادرة على تحطيم كل شيء. لكنه الآن أصبح مقيدًا ولا يستطيع الاعتراض أو الرفض. حتى أنه لا يستطيع أن يبتعد عن هنا… أن يغمض عينيه عن جمالها الذي ينظر إليه الجميع الآن. لماذا يرى جمالها يتضائل؟ والغريب أنه يشعر أن رجولته أيضًا تتضائل.
***
في صباح اليوم التالي، استيقظت سليمة بنشاط وسعادة. ما أجمل ذلك الشعور وهي تسير في طريق أحلامها بوظيفة تستحق العناء وراتب سيغير مسار حياتها ويساعدها في تحقيق كل ما تريد.
تناولت وجبة الإفطار مع والديها بمرح وسعادة وغادرت باكرًا حتى لا تتأخر على عملها. تريد أن تكون ملتزمة من اللحظة الأولى.
كانت تنظر لوجه البشر من حولها وهي تسير في الشارع، تود لو تصرخ بصوت عالٍ حتى تخبر الجميع أنها تعمل بمؤسسة الخشاب.
اهتمت بملابسها وهيئتها اليوم، أنه يعتبر أول يوم عمل. إلا أن سعادتها كانت تصل إلى عنان السماء بسبب سعادة والدتها حين أخبرتها بما حدث بالأمس. وقفت عند النافذة تزغرد بسعادة حتى أن جميع من بالحي كان يظن بأنها قد خُطبت.
وصلت الشركة وبخطوات ثابتة توجهت إلى مكتبها، لكن عيونها كانت تنظر لكل شيء حولها. إن الموظفين يعملون كخلية نحل، كل يقوم بعمله في صمت وبإتقان.
وصلت إلى مكتبها لتجد رجاء تجلس خلف مكتبها تجمع أغراضها، لتلقي عليها التحية بابتسامتها الطيبة:
- صباح الخير يا رجاء.
رفعت رجاء عيونها إليها وقالت بابتسامة مشابهة لخاصتها وهي تجيبها:
- صباح الفل. جاية في معادك أيوة كده.
- أنا في الانضباط معنديش، يا أما ارحميني.
ليضحكا ببعض المرح، وبدأت سليمة في العمل تحت إرشادات رجاء. لكن ما كان يثير دهشتهم هو عدم وصول مديرهم حتى الآن. والذي علقت عليه رجاء بصدمة:
- أول مرة يتأخر كده… ربنا يستر.
لتشعر سليمة بالإندهاش، لكنها لم تعلق، وبدأت في ترتيب المكتب حولها بطريقتها الخاصة والتي تسهل عليها العمل.
***
فتح عينيه يشعر بألم حاد في رأسه. جسده يؤلمه وكأنه كان يخوض نزال ملاكمة.
أعتدل جالسًا وهو يئن بألم، لكنه تأخر كثيرًا وهو لم يعتاد على التأخر.
توجه إلى الحمام، أخذ حمام دافئ حتى يعيد إليه بعض نشاطه. وسريعًا أرتدى ملابسه. لكن حين وقف أمام المرآة جحظت عينيه بصدمة.
رواية أو أشد قسوة الفصل الثالث 3 - بقلم سارة مجدي
ظل على وقفته ينظر إلى تلك العلامات الحمراء المنتشرة على عنقه.
من أين له بتلك العلامات؟ كيف تكون على عنقه ومن صاحبتها؟
إنه لا يقيم علاقات محرمة ولا يتناول الكحوليات حتى يغيب عقله ويقوم بشيء كهذا ولا يتذكر أنه فعلها.
والسؤال المؤلم يعود من جديد.. ماذا يحدث معه؟
لم يعد يحتمل ما يحدث. عليه أن يذهب إلى عبدالله، عليه أن يجد إجابات على كل ما يدور داخل رأسه.
ليقول بحنق وهو يغلق الزر الأول من القميص:
- مبقتش فاهم حاجة.. أيه إللي بيحصل لك يا أدهم؟
وصل إلى الشركة ورغم هيبته إلا أنه كان شاردًا، فلم ينتبه إلى أي شيء يحدث حوله.
حتى حين وصل إلى مكتبه لم يلق التحية على سليمة ورجاء، ومباشرة دخل مكتبه وأغلق الباب خلفه.
جلس على الأريكة والهاتف على أذنه، وحين أجابه عبدالله قال بغضب مكتوم:
- أنا عايز أفهم أيه إللي بيحصل معايا؟
ليقول عبدالله بمهادنة:
- أهدى يا أدهم وفهمني فيه أيه؟
ليريح ظهره على ظهر الأريكة التي تحتل حائطًا كاملاً من غرفة مكتبه بتهالك وهو يقول:
- صاحي من النوم مجهد وتعبان كأني كنت بلعب ماتش ملاكمة.. و.. و..
- و أيه يا أدهم؟
سأل عبدالله بترقب. ليكمل أدهم كلماته بخجل رجولي:
- لقيت علامات على رقبتي.. زي ما يكون.. زي ما يكون..
- أنت بتقطع ليه؟ زي ما يكون أيه؟
قال عبدالله بغضب مكتوم، فهو يشعر بالقلق على صديقه حقًا ويخشى أن يكون ما يفكر به حقيقة.
ليقول أدهم الكلمات بسرعة:
- علامات.. أنت أكيد فاهم يا زفت.
خيم الصمت لعدة ثوانٍ، ثم أكمل أدهم كلماته وهو يقول:
- أنا عمري ما كان ليا علاقات نسائية.. ولا عمري قربت من الزنا.. يبقى العلامات دي جاتلي منين؟
ظل عبدالله صامتًا لعدة ثوانٍ ثم قال:
- أدهم عدي عليا النهاردة محتاجين نتكلم مع بعض شوية.
ليقطب أدهم حاجبيه وهو يقول بقلق:
- عبدالله أنا أيه إللي بيحصلي؟
ليغمض عبدالله عينيه بقوة وهو يقول بمهادنة:
- إن شاء الله خير يا أدهم بس عدي عليا النهاردة.. ماشي.
- ماشي.
قالها أدهم بدون روح، ثم أغلق الهاتف وهو يتنهد بصوت عالٍ، ويده دون إرادته منه ترتفع تتحسس تلك العلامات التي يخفيها قميصه، والأفكار تعصف به دون رحمة.
---
كانت سليمة ورجاء تنظران إلى بعضهما البعض باندهاش وصدمة، وسؤال واحد يدور في عقليهما.
لكن سليمة نطقته بصوت هامس:
- هو مالوا؟
لترفع رجاء كتفيها بلا علم وأجابت بتشتت:
- أول مرة أشوفه بالحالة دي.. ربنا يستر.
نظرت إلى باب غرفة مكتب أدهم، ثم نظرت لسليمة وقالت:
- قومي أدخلي له وربنا معاك.
لتكبتلعت سليمة ريقها بخوف وقالت بمرح قبل أن تطرق على الباب:
- وصي أهلي أن العزاء بتاعي يكون في الحمدية الشاذلية.
لتضحك رجاء رغمًا عنها، لتغمض سليمة عينيها ورفعت إصبع السبابة وهي تقول:
- أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله.
طرقت الباب برفق ودخلت وهي تنظر باندهاش إلى المكتب الخالي.
لتبحث بعينيها عنه حتى وجدته يجلس على الأريكة شاردًا ويبدو على وجهه الإجهاد.
رغمًا عنها شردت في ملامحه شديدة الوسامة.. ببشرته الخمري وعيونه الزيتونية، خصلات شعره الناعمة الطويلة.. حاجبيه الكثيفين وشفتيه العريضتين بشكل مميز.
لتنهر نفسها وأغمضت عينيها سريعًا وهي تستغفر الله في قلبها.
أخذت نفسًا عميقًا وهمست باسمه بصوت مرتعش:
- أدهم بيه.
لينتبه إلى الصوت، رفع حاجبه الأيسر ينظر لمن لحقت اسمه بلقب البهوية.
وقف واقترب منها عدة خطوات وقال بصوت هادئ جعل قشعريرة غريبة تسري في جسدها:
- نعم يا سليمة هانم.
اتسعت عيناها بصدمة، ليقول هو بابتسامة جانبية:
- اسمها باشمهندس أدهم أو يا ستي أستاذ.. مقبولة منك، لكن أيه بيه دي قديمة أوي يا سليمة.
وتركها على وقفتها وتوجه إلى مكتبه، جلس خلفه وقال بأمر:
- قوليلي مواعيد النهاردة.
ظلت صامتة تنظر إليه بعدم استيعاب. من هذا؟ هل هذا هو ذلك الشخص الذي دخل المكتب صامتًا وعابثًا؟ والذي كان من قليل شاردًا ويبدو عليه الإجهاد، تحول فجأة لشخص ساخر والآن ذلك الشخص الجدي؟
لتنتبه من أفكارها على صوته وهو يقول بجدية:
- هفضل مستني كتير.
لتأخذ نفسًا عميقًا حتى تبعد عنها أفكارها وفتحت المفكرة الخاصة بها وقالت بهدوء صوتها الذي لمس روحه منذ اللحظة الأولى:
- حضرتك بعد ساعة عندك اجتماع مع مديرين الإدارات في المؤسسة لمناقشة خطة السنة و..
لم يعد يستمع لما تقوله.. لقد شرد في جمالها الطبيعي.. دون أصباغ تلوثه.. وتلونه وتغير ملامحها البريئة بعيونها الصافية.
إنه لم ير عيونًا سوداء بتلك الرقة.. جمال لم يلوث، ولذلك هو يشعر بأنها مميزة.
انتبه من أفكاره حين قالت:
- حضرتك تأمر بأي تعديل؟
أي تعديل هذا الذي تطالبه به؟ إنه لم يستمع إلا لموعده الأول.
ليقول بهدوء قدر استطاعته:
- أنا عندي شوية صداع والتركيز مش أوي النهاردة، ف قبل كل معاد بوقت كافي عرفيني علشان لو هعمل تعديل، أوك.
- حاضر يا فندم.. أي أوامر تانية؟
قالت بشكل عملي وتحركت لتغادر الغرفة، حين هز رأسه بلا.
لكنها عادت من جديد وقالت:
- تحب أجيب لحضرتك قهوة؟
أومأ بنعم، وعلى وجهه ابتسامة كتلك التي رأتها يوم مقابلة العمل.
لتغادر حتى تحضرها له، ليظل ينظر إلى الباب المغلق وبداخله يريد أن يناديها ويطلب منها أن تظل معه بالغرفة.
---
فتحت عينيها المنتفخة من أثر البكاء بصعوبة.
لتعتدل جالسة وهي تتذكر كل ما حدث بالأمس والألم التي شعرت به وهي تراه يتحدث إلى تلك الفتاة، بل ويذهب إليها.
متى سيشعر بها قلبه؟ متى يرأف بحالها ويرحم قلبها؟
إلى متى ستظل مجرد ظل في حياته؟
ظل.. سوف تظل مجرد ظل. أليس لكل إنسان نصيب من اسمه؟ وهي ظلال مجموعة من الخيالات تظهر وتختفي.. تتبع صاحبها أينما ذهب.
لكنه أبدًا لا يشعر بها أو يهتم. هل هذا هو قدرها إذاً؟
أخذت نفسًا عميقًا وهي تغادر السرير متوجهة إلى الحمام تريد أن تأخذ حمامًا دافئًا علها تستعيد بعضًا من نفسها التي تخسرها كلما تألمت بسبب عدنان.
عدنان.. حلمها وألمها.. أملها وخيبتها… جرحها ولن يكون يومًا دوائها.
أنهت حمامها وارتدت رداء الحمام، ليصلها صوت هاتفها.
لتغادر الحمام سريعًا وأبتسمت حين وجدت اسم صديقتها المقربة.
أجابتها بسعادة:
- سوما حبيبتي إزيك؟ وحشاني جدًا.
لتضحك صديقتها وهي تقول بلوم مرح:
- لو كنت وحشاكي صحيح كنتِ اتصلتي بيا يا هرابة، بس أنا أحسن منك واتصلت بيكي دلوقتي علشان أقولك أن إذاعة راديو "في السكة" طالبة مذيعين جدد لبرامج جديدة.
لتقفز ظلال بسعادة وهي تقول بعدم تصديق:
- بتتكلمي جد يا سوما؟ طيب معاد التقديم والمقابلة أمتى؟
- النهاردة أجهزي وخلينا نتقابل هناك، هبعتلك الموقع.. يلا سلام.
وأغلقت الهاتف لتظل ظلال تمسك بالهاتف على أذنها وهي تهمس لنفسها:
- هو الحلم هيتحقق ولا أيه؟
وانتبهت أن عليها الاستعداد حتى تلحق بموعدها.
وخلال خمسة عشر دقيقة كانت قد انتهت، لتبتعد قليلاً إلى الخلف تنظر إلى نفسها بالمرآة بتقييم، ثم أرسلت لنفسها قبلة في الهواء وغادرت الغرفة.
---
على طاولة الطعام وجدت جدتها وعدنان كالعادة يجلسان.
عدنان يحاول المزاح وشُكران تنظر إليه بنفاذ صبر.
أقتربت منهم بخطواتها الرشيقة وابتسامتها التي تميزها.
كان يتابع تقدمها وقلبه يتألم من أجلها، لكنه صدم بابتسامتها الواسعة وإشراقها الذي يختلف عن كل يوم.
يقوم بجرحها عن عمد حتى تبتعد عنه.
أقتربت ظلال من جدتها وقبلت وجنتها وهي تقول:
- صباح الخير يا أحلى نانا في الدنيا.
- صباح النور على البنور.. أيه سر الحلاوة دي النهاردة؟
سألتها شُكران بابتسامة حنون.
لتقول ظلال وهي تجلس بجانب جدتها:
- فاكرة موضوع الإذاعة اللي كنت أخدت إذن وموافقة أبيه أدهم عليه؟
أومأت شُكران بنعم، لتكمل ظلال بابتسامة واسعة:
- معاد التقديم والمقابلات النهاردة.
ليقطب عدنان جبينه بضيق، لكنه لن يستطيع الاعتراض.
فأدهم قد أعطى موافقته المسبقة على الأمر، ويرى أن جدته لا تمانع، فمن يكون هو حتى يعترض؟
لم يستطع أن يحتمل باقي حديثها، خاصة وهو يشعر بالضيق أكثر من كونها لم تكن كما توقع تبكيه طوال الليل.
وكم شعر بالاختناق من هذا الشعور.
ليغادر دون كلمة أخرى.
وفي الحقيقة هي لم تهتم كثيرًا بأمره، ف اليوم بالنسبة لها يوم خاص جدًا وعليها التركيز حتى تحصل على ما تريد وتحقق على الأقل أحد أحلامها المستحيلة.
---
استيقظت زيزي من نومها فزعة بسبب ذلك الكابوس.
نظرت إلى الساعة وجدتها التاسعة صباحًا، إذًا لم تنم إلا ثلاث ساعات فقط بعد عودتها من الملهى الليلي.
وضعت يدها على صدرها تحاول تهدئة نبضاتها وأنفاسها المتلاحقة.
أنها رأت كل مخاوفها داخل هذا الكابوس.
وبحركة سريعة أنزلت قدميها أرضًا لتركض إلى غرفة والدها.
وقفت تنظر إليه في نومته التي لم تتغير منذ عامين، لتغمض عينيها براحة وهي تغلق باب غرفته وتتوجه إلى المطبخ.
وقفت أمام الثلاجة وأخذت زجاجة المياه وشربتها على فم واحد.
كانت تتناولها وكأنها كانت تسير في الصحراء دون ماء والآن فقط وجدته.
كان الماء يسقط على عنقها وصدرها يطفئ نيران جسدها الذي ينتفض بقوة أثر كابوسها الذي أرعبها ولا يتوقف عقلها على تكرار مشاهده لها.
"كانت تتمايل بدلال أمام السكارى داخل ذلك الملهى، لكن الموسيقى توقفت فجأة لتفتح عيونها لتصدم بعيون والدها الغاضبة والذي ينظر إليها بازدراء، لتشهق بصدمة وألم حين صفعها بقوة ثم أمسك بخصالاتها يسحبها خلفه دون أن يقول أي كلمة.
ظلت تصرخ لكن لم يهتم أحد بها حتى بيبرس ظل واقفًا في مكانه ولم يتحرك يتابع ما يحدث بصمت وكأنه سعيد به.
وحين وصل بها والدها إلى حيه ألقاها في وسط الشارع ليتجمع كل سكان الحي ينظرون لما يحدث، والصدمة والاندهاش واضحة على عيونهم.
ليقول والدها بصوت عالٍ:
- بنتي أذنبت.. وأنا متبري منها.. أرجموها أو اطردوها.. أو ادبحوها مبقاش يفرق معايا.
وتركها ودخل إلى البيت وأغلق البوابة الحديدية خلفه، لتصرخ باسمه لكن صوتها لم يغادر حنجرتها.
لتنتبه لهمهمات الناس من حولها وبدأت تنظر إليهم برعب.
لكن جسدها انتفض بقوة حين ألقى شخص من خلفها حجرًا كبيرًا على ظهرها، لتنبطح أرضًا وهي تصرخ من الخوف والألم.
ولكن بعد ذلك الحجر كان هناك آخر وآخر.. أحجار كثيرة تلقى عليها تسبب لها كدمات بالغة، وجروح حتى أنها رأت دمائها تسيل على الأرض أسفلها، في خط متعرج.
حتى وقفت أمام حذاء أحدهم كان يقف أمامها مباشرة ذراعيه خلف ظهره.. يشاهد ما يحدث دون أن يشارك فيه.
لكن وجهه الذي كانت تعشقه ينظر إليها بابتسامة انتصار يغلفها الازدراء.
رفعت يدها تتوسله أن يساعدها لكنه أخرج ذراعه من خلف ظهره لترى ذلك الحجر الكبير بين يديه وهو يتقدم منها بهدوء قاتل.
وفي لحظة كان يلقي الحجر فوق رأسها لتتهشم وتنفجر الدماء تلوث حذائه القريب من رأسها.
لينظر إلى حذائه بضيق ثم خلعه من قدمه ووضعه فوق الحجر الذي هشم رأسها ورحل."
ظلت على حالها لعدة دقائق أنفاسها متلاحقة وجسدها ينتفض وعقلها يفكر في تفسير لذلك الكابوس.
لكنها تخشى أن تدرك ذلك المعنى الواضح فيه.
لكنها حقًا خائفة.
انتفضت حين سمعت صوت هاتفها وبأقدام من هلام عادت إلى غرفتها حتى تجيب.
---
قبل ذلك بقليل.
كان يجلس على السرير منذ عاد بها من الملهى.
لم يستطع إغلاق جفنيه ولو لحظة واحدة.
كلما أغلقهم رآها وهي تتمايل أمامه بدلال لتشتعل النيران في جسده بين غيرة حارقة وشوق ولهفة لها.
رغبته الملحة فيها هي حبيبته التي لم يرى غيرها منذ كانت صغيرة.
لكن تلك النار الحارقة التي اختبرها الليلة لم يشعر بها يومًا.
كم أراد تحطيم رأس كل من كانوا بالملهى.. أو أخذ عيونهم التي تتطلع فيها باشتهاء.
ليعتدل جالسًا وأخذ علبة السجائر من فوق الكومود وأشعل إحدى السجائر وغادر السرير ليفتح النافذة ووقف يستنشق تلك النسمات الصباحية علها تطفئ نيران جسده.
لكن حتى تلك السيجارة التي تحترق بين يده لم تساعده ولا تلك النسمات الباردة.
ليلقي السيجارة من يده وعاد إلى سريره يمسك هاتفه ويتصل بها.
ظل يحرك قدميه بعصبية وهو يستمع لرنين الهاتف وتوقفت حين وصله صوتها.
ليقول بسرعة:
- أنا مش عايزك تنزلي الكباريه تاني يا ست زيزي.
لم يتلق ردًا على كلماته.
لكن صوت أنفاسها جعل قلبه ينتفض من مكانه وهو يقول:
- مالك يا ست زيزي؟ .. أنتِ تعبانه؟ أجبلك دكتور؟
صوته القلق لمسها لكنها لم تستطع أن تجيب إلا بعد دقيقة كاملة:
- أنا مضيت عقد امبارح وفي شرط جزائي كبير هدفعه منين وأنا نازلة أشتغل علشان أجيب فلوس لعلاج أبويا.
صمت ولم يستطع الرد.
صحيح هو يعمل منذ كان صغيرًا لكنه لم يهتم يومًا أن يدخر أي من ماله.
لذلك همس بصوت كسير واستسلام:
- نتقابل بالليل على أول الشارع.
وأغلق الهاتف وهو يلعن نفسه ويلعن تلك اللحظة التي وافق فيها على طلبها تحت تأثير شيطانه الذي صور له أنه يقلص المسافة بينهم.
ها هو ينكوي بنار ذلك القرار ولا فرار منه.
---
مر اليوم بين اجتماعات ولقاءات عمل وانشغل عقله تمامًا عما يحدث معه.
لكن أيضًا كان يومه يحمل الكثير من المتعة وهو يراها تتجول حوله بطبيعتها التي تؤثر نظراته ونبضات قلبه.
مع مغادرة ضيفه أراح ظهره إلى الكرسي وأغمض عينيه بإرهاق.
لكنه شعر بها حين دلفت بهدوئها المعتاد.
ليفتح عينيه ينظر إليها وقال بتوسل:
- متقوليش أن فيه مواعيد تانية.. هو أنتِ أيه معندكيش مديرين ورقل؟
لتضحك وهي تقول:
- لا يا فندم مفيش مواعيد تاني النهاردة.. لكن عايزة أنظم مع حضرتك مواعيد بكرة علشان لو فيه أي تعديل.
أرتسم على وجهه تعبير طفولي باكي وهو يقول:
- قولي يا سليمة هانم خلينا نشوف.
بدأت بأخباره بالمواعيد وهو يعدل بعض الأمور حتى انتهت لتقول بابتسامتها الحلوة التي تخطف دقة من قلبه كلما أهدته واحدة:
- إحنا كده خلصنا وحضرتك أخدت إفراج حسن سير وسلوك.
لتتسع ابتسامته وهو يقول بمرح:
- وأخيرًا افتكرت أني هموت وأنا قاعد على كرسي الاجتماعات.
أعتدل واقفًا وتوجه إلى مكتبه يأخذ سترته من فوق الكرسي وهو يقول:
- ربنا ما يحكمك على مديرين غلابة زي تاني.
لتعود وترتسم تلك الابتسامة الحلوة فوق شفتيها.
لكنّه كافح بكل طاقته أن لا يُظهر تأثره بتلك الابتسامة.
وتحرك ليغادر الغرفة لكنه شعر بدوار قوي وصداع قاسٍ يضرب رأسه جعله يترنح في مكانه.
لتركض إليه تدعم وقفته وهي تقول:
- مالك يا باشمهندس فيه إيه؟
لتلمع تلك العيون العابثة وارتسم على ملامحه ابتسامة شرسة يعلم تأثيرها على الفتيات خاصة مع صوته الرخيم الذي يشبه مذيعي الراديو وهو يقول:
- أنا في أسعد لحظات حياتي وأنا شايف المنظر ده.
لتجحظ عيناها بصدمة وعيونها تنظر إلى عينيه لتسري تلك الرجفة في أوصالها بخوف يصل حد الرعب.
رواية أو أشد قسوة الفصل الرابع 4 - بقلم سارة مجدي
تقود سيارتها عائدة إلى قصر الخشاب بسعادة والإبتسامة تنير ملامحها الرقيقة.
فها هو حلم مستحيل يتحقق. تذكرت ما حدث معها في إذاعة "في السكة".
حين وصلت هناك، كانت سوما تنتظرها عند البوابة الكبيرة. وما لاحظته وأشعرها بالتوتر والقلق، العدد الكبير المتقدم لتلك الوظيفة التي بالنسبة لها ليست مجرد وظيفة، أنها حلم، أو حياة، أو بوابة عبور حتى تصبح شخصية أخرى غير تلك الشخصية التي تدور في فلك عدنان فقط. حتى تستطيع أن تثبت له أنها لم تعد تلك الفتاة الصغيرة التي تتعثر في خطواتها وتمسك بيده حتى لا تسقط، لكنها قد نضجت.
كما قالت لها جدتها من قبل: "أنتِ طوال الوقت قدام عينيه.. شاف شوقك ولهفتك.. عارف إنك مستنياه.. وطول ما أنتِ سهلة ومتاحه وموجودة ديماً.. هيعمل مجهود علشانك ليه".
لذلك، وبعد ذلك الألم القوي التي شعرت به وهو يتحدث مع تلك الفتاة، كانت قد أخذت قرارها التي تعلم جيدًا أنها لن تنفذه. لكن القدر أراد أن يعطيها فرصة جديدة.
بتلك الوظيفة، عادت إبتسامتها وهي تتذكر تلك المقابلة.
طرقت الباب ودخلت وهي ترفع رأسها بشموخ وإبتسامة ثقة ترتسم على ثغرها، رغم أن جسدها ينتفض بقلق وتوتر وهي ترى أمامها "مراد منير" صاحب الصوت الأشهر بالإذاعة يجلس خلف مكتبه وأمامه أحد مساعديه.
أشار لها أن تجلس، لتقترب وتجلس على الكرسي بظهر معتدل وأنف شامخة. نظر إلى الورق أمامه وقال بهدوء:
"اسمك ظلال".
أومأت بنعم مع إبتسامة رقيقة ليقول من جديد:
"ظلال حسام".
أومأت من جديد بنعم، ليقول بابتسامة:
"وباقي اسمك فين.. مكتوب الاسم رباعي".
خفضت عيونها أرضًا للحظات ثم رفعتها له وقالت بهدوء:
"هقول لحضرتك اسمي رباعي بس في آخر كلامنا علشان الاسم ميأثرش على المقابلة لا بالسلب ولا بالإيجاب".
اندهش مراد من حديثها، لكنه قال بعد أن حرك رأسه:
"مفيش مشكلة.. قوليلي يا ظلال ليه عايزة تشتغلي مذيعة راديو.. أنا شايف أن ملامحك وهيئتك مميزة جدًا وأعتقد إنك على الشاشة هتكوني مميزة جدًا".
ابتسمت بسعادة حقيقية وقالت بصدق:
"أنا من صغري بسمع راديو مع جدتي.. واتعلقت بكل تفاصيل الراديو.. عشقت الأصوات وبقيت أقدر أميزها.. إحساس أن حواسي كلها بتتجمع في وداني وأنا بسمع الراديو إحساس عجيب لكن مميز.. وقدرة المذيع أنه يوصل المشاعر بصوته بس للناس دي إمكانيات مقدرش أوصفها.. لكن عارفه إني أملكها".
أعجب بإجابتها رغم أنها لم تكن تلك الإجابة النموذجية المتعارف عليها، لكنها لاقت قبول بداخله. فقال بمشاغبة:
"حلمك توصلي لفين؟".
"أبقى أشهر مذيعة راديو.. ويكون عندي برنامج باسمي.. معاده ثابت والكل بيستناه.. وكمان".
صمتت لعدة ثواني ليقول مراد باستفهام:
"كمان إيه؟".
"لا ده حلم كبير هيفضل جوايا لحد ما أحقق أحلامي الصغيرة".
أجابته بابتسامة طفولية، شاركها فيها مراد. وكان المساعد يشعر بالاندهاش من تلك المقابلة، فهي لم تسير كسابقتها. ومراد الذي كان مقطب الجبين جاد الملامح مع كل من سبقوا تلك الفتاة، الآن يبتسم ويشاغب.
انتبه المساعد من أفكاره حين قال مراد ببعض الشر المصطنع:
"يعني أحلامك الصغيرة إنك تكوني مكاني؟".
"لا يا أستاذ مراد مفيش حد ممكن ياخد مكانك.. أنا عايزة يكون ليا مكان خاص بيا.. مكان لظلال محدش كان فيه قبلي ومحدش ياخده بعدي".
أومأ مراد بنعم وإجابتها لمست روحه المحاربة التي ساعدته منذ بدء طريقه حتى أصبح الآن مراد منير أيقونة الراديو المعروفة.
عاد مراد ينظر إلى الأوراق وقال بمرح:
"طيب يا ظلال المقابلة انتهت.. ممكن أعرف اسمك رباعي بقى".
ظلت تنظر إليه بعيون متوسلة كالأطفال، لكنه ظل ينظر إليها بإصرار. لتقترب بجذعها من المكتب وقالت بهمس:
"توعدني أنك لما تعرف اسمي ده ميأثرش في قرارك؟".
قطب جبينه بقلق، لكنه رفع أحد حاجبيه وهو يقول:
"إنتِ بنت خُط الصعيد ولا إيه؟! ".
لتبتسم وهي تقول برقة:
"لأ.. أنا ظلال حسام مصطفى الخشاب".
لتجحظ عيون المساعد وهو يحرك عينيه بين مراد وظلال، لكن مراد ابتسم وهو يقول بهدوء متجاهلاً التعقيب عن اسمها:
"تمام يا ظلال حسام هنتصل بيكي نعرفك نتيجة المقابلة".
ابتسمت ووقفت وعيونها ثابتة على مراد الذي كان يشبه أبطال الروايات بجسده الرياضي ولحيته التي اختلط سوادها ببعض الشعيرات الفضية كخصلات شعره، و بداخلها يردد: "أربعيني خالط الشيب شعره".
لكنها قالت بهدوء وثقة:
"أكيد.. أتشرفت بمقابلتك أستاذ مراد والمقابلة دي في حد ذاتها نجاح بالنسبة ليا".
وقف مراد ومد يده لها وهو يقول:
"الشرف ليا يا أستاذة ظلال حسام".
تأكيده على نطق اسمها واسم والدها فقط متجاهلاً لقب العائلة أسعدها بشدة، لتضع يدها داخل يده في سلام عملي وغادرت وبداخلها طاقة من السعادة لا تستطيع أن تصفها.
أخذت صديقتها وأوصلتها إلى منزلها وها هي على وشك الوصول إلى قصر الخشاب. وقبل البوابة بعدة أمتار سمعت صوت هاتفها لتخرجه من حقيبتها. تنظر إلى الرقم غير المسجل ثم أجابت ليصلها صوت رجل يقول:
"آنسة ظلال أستاذ مراد بيبلغ حضرتك إنك أتقبلتي وبكرة تكوني موجودة في الإذاعة الساعة ٦ صباحًا".
لتطلق صيحة سعادة وهي تعود لتشغيل سيارتها وتعبر بوابة القصر وإبتسامة واسعة ترتسم على وجهها الجميل. أوقفت السيارة في مكانها وهي تفكر في رد فعل عائلتها على هذا الخبر، خاصة هو.
***
طوال الطريق وهي تفكر فيما حدث.
حين كاد مديرها أن يسقط أرضًا، وشعوره بالدوار، ولا تعلم من ذلك الشخص الذي دلف إلى المكتب وأخرجها منه بالأمر بأسلوب فظ وغريب. وكيف سمح أدهم بذلك؟
أدهم.. منذ متى تنطق اسمه دون ألقاب؟ وماذا كانت تنتظر منه بالتحديد؟
أخذت نفس عميق وأخرجته بهدوء تحاول أن تمحي صورة ابتسامته من خيالها، وتلك اللحظة التي لمست فيها يده حتى تدعم وقفته ولا يسقط أرضًا.
همست لنفسها بتوبيخ:
"إيه إللي جرالك يا سليمة؟ إيه الأفكار الغريبة إللي إنتِ بتفكري فيها دي.. ده بدل ما تستغفري على لمسك لراجل لا يحل ليكي".
نظرت إلى النافذة وبدأت في الاستغفار بصوت هامس.
حين وصلت إلى البيت، كان عقلها مازال يكرر عليها آخر ما حدث وكيف شعرت بالخوف عليه، وركضت حتى تمسك به قبل سقوطه.
لم تدخل لوالدتها بالمطبخ كعادتها ولكن توجهت مباشرة إلى والدها الذي استقبلها بابتسامته الحنونة وهو يقول:
"جيتي في وقتك.. أمك عاملة لينا عشا ملوكي النهاردة".
لم تتجاوب مع مزاح والدها وهي تجلس بجانبه ليسأل بقلق:
"مالك يا سليمة؟".
رفعت عيونها إليه ودون أن يسأل من جديد أخبرته بكل شيء وإحساسها بالذنب من لمسها له، وحديث ذلك الشخص التي لم تعرف من هو، ونظراته التي أشعرتها بالدونية.
وحين انتهت كانت عيونها معلقة بوالدها تنتظر كلماته بخوف وترقب. ورغم شعوره بالضيق إلا أنه قال:
"طبعًا لازم تستغفري كتير.. صحيح إنتِ كان قصدك خير لكن.. إنتِ عارفه أنه يحرم على المرأة أن تصافح الرجال الأجانب، بدليل حديث معقل بن يسار رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لأَنْ يُطْعَنَ فِي رَأْسِ أَحَدِكُمْ بِمِخْيَطٍ مِنْ حَدِيدٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمَسَّ امْرَأَةً لا تَحِلُّ لَهُ) علشان كده لازم تستغفري كتير وتوبي عن الذنب ده ومتكرريهوش تاني".
أومأت بنعم والحزن يرتسم على ملامحها الرقيقة ليقول والدها ببعض المرح حتى يخرجها من تلك الحالة:
"يلا قومي غيري هدومك بسرعة وصلي المغرب.. علشان تلحقي العشا الملوكي".
أومأت بنعم ووقفت حتى تتوجه إلى غرفتها ولكنها وقفت في منتصف الطريق وقالت له:
"هو أنت زعلان مني؟".
هز رأسه بلا وإبتسامة صغيرة تزين شفتيه لتبتسم بخجل وهي تقول بصدق:
"شكرًا يا بابا".
دخلت غرفتها وأغلقت الباب ليأخذ نفس عميق وهو يدعوا الله لها بالصلاح والهداية وراحة البال.
***
يجلس في مطبخ شقته يتناول شطيرة من البيض والجبن، وكوب قهوة ذات رائحة مميزة، وبين يديه سيجارة لكنها من نوع خاص جدًا.
سيجارة يحرقها كما يحرق أيامه وليالي عمره دون هدف أو حلم أو سبب وجيه، هو حي فقط.
يعيش يومه كما يحلو له، يخرج، يجلس على المقهى، يقابل صديقاته المتنوعات يعبث معهم قليلًا، ثم يعود إلى شقته الخالية تقريبًا إلا من غرفة نوم، وذلك المطبخ المتكامل، والشرفة التي اهتم بها أكثر من اهتمامه بباقي الشقة.
انتهى من تناول طعامه، وقف يضع الصحن وكوب القهوة في المغسلة، ثم أخرج زجاجة خضراء اللون من الثلاجة وتوجه إلى مكانه المفضل، الشرفة. نستطيع أن نقول أنها خلوته الخاصة، خاصة وهي مغلقة بخشب الأرابيسك فتوفر له بعض الخصوصية وهذا أكثر شيء لفت انتباهه بالشقة حين قام باستئجارها.
جلس على أحد الكراسي ومدد قدمه على الآخر رافعًا رأسه إلى السماء يتأمل نجومها اللامعة، وبين شفتيه سيجارته المميزة وبيده تلك الزجاجة وبدأ في الغناء بصوت منخفض.
لفت نظر تلك التي تقف في شرفتها تفكر في كل ما حدث معها خلال الأيام الماضية.
ابتسمت برقة فصوته ليس جيد لكنه له نبرة مميزة، ويعلم اللحن جيدًا فكل ما يصدر منه مقبول.
أطلت برأسها عبر الحائط الفاصل بينهم لكنها لم تتمكن من رؤية شيء بسبب ذلك الشباك الذي يحاوط سور الشرفة، لكنها كانت تحاول أن تتذكر متى سكن هذا الشخص هنا؟ هي لم تراه أو تصادفه على السلم يومًا، وهذه المرة الأولى التي تصادف أن تراه في شرفة شقته، لكن صوته حقًا سيء، لكن ويالا الغرابة لا تريده أن يتوقف عن الغناء.
انتهى هو من سيجارته وألقاها بإهمال على الأرض وعيونه معلقة بالسماء. أخذ رشفة من الزجاجة ثم عاد ليغني باستمتاع. رسم البسمة على وجهها وأنسها ما كان يحيرها.
***
ظل يضرب كيس الملاكمة بقوة وعنف بداخل صالة الألعاب الذي أنشأها أدهم منذ سنوات داخل قصر الخشاب حتى توفر لهم جميعًا الخصوصية والراحة وزودها بكل شيء، الآلات الرياضية وأثقال، ومسبح كبير وبها أيضًا مكان لألعاب الفيديو الحديثة ومزودة بنظام موسيقى عالي الجودة. واعتاد هو اللعب فيها كل يوم حتى يحافظ على لياقته ومستواه الرياضي، لكن اليوم مختلف، فبداخله غضب لا يفهم سببه ويريد أن يخرج كل هذا الغضب في شيء ما، لكن هو لا يفهم سبب غضبه. فهل أصبح لديه من الغرور ما يجعله يحزن حين تتجاهله ظلال؟
أليس هذا ما كان يسعى إليه؟ كان يقوم بكل ما يجرح كبرياءها، ويعذبها حتى تبتعد عنه، تترك حبال حبه الذائبة وتلتفت إلى نفسها وحياتها؟
لما الآن يشعر بالغضب؟ لما يشعر بنيران حارقة تلتهم أحشائه؟ ولما يشعر بهذا الألم داخل قلبه؟
ضرب الكيس لمرة أخيرة ووقف يلهث بقوة، لم يعد لديه القوة ليظل واقفًا فتمدد أرضًا وأغلق عينيه بقوة. والسؤال الأهم يطرق رأسه ويزيد ألم قلبه، ماذا سيحدث إذا قُوبلت ظلال في ذلك العمل؟ وكيف سيتحمل هو ذلك؟
وصل إليه صوت البوابة الإلكترونية وهي تفتح، وصوت سيارتها تقترب من الجراج القريب من صالة الألعاب.
اعتدل جالسًا وبداخله قد انقسم إلى نصفين، نصف يريد الركض إليها ومعرفة ما حدث، والنصف الثاني يكابر ويرفض التحرك من مكانه، لكن قلبه كان في مكان آخر بعيد عن كلا النصفين، كان يريد أن يركض إليها يضمها إليه، يخبئها بداخله، يغلق عليها عظام صدره فلا يراها سواه.
وتغلب قلبه على عقله ونصفه المغرور وتحرك يغادر صالة الألعاب غير عابئ بمظهره غير المرتب، وشعره المشعث ولا حتى قطرات العرق التي تكسو جسده.
دخل إلى القصر ليجدها تجلس هناك أمام الجدة شكران تقص عليها كل ما حدث معها بسعادة كبيرة. وحين وقعت عيونها عليه، أهدته أجمل ابتسامة قد تراها عينيه. ولم تكن بخيلة معه بل اقتربت منه وهي تقول بسعادة طفل قرر والده أن يجعله يلعب ويعبث في كل شيء دون قيود:
"تخيل يا عدنان من بكرة هشتغل مع مراد منير في الراديو.. من بكرة هبدأ أحقق حلمي".
لم يستطع قول شيء. مراد منير، ذلك المذيع صاحب الصوت المميز، والهيئة الأكثر تميزًا، سوف تعمل معه ظلال.. كيف يتحمل؟
لكنها لم تهتم لصمته، وعادت إلى مكان جلوس شكران وقالت:
"أحلى حاجة يا نانا أن اسم الخشاب مكنش له علاقة نهائي.. أنا قولته بس أن اسمي ظلال حسام".
وقفزت في الهواء وهي تقول بمرح وانطلاق:
"هبقى مذيعة راديو.. هبقى مذيعة راديو".
"بس أنا مش موافق".
قالها عدنان بغضب، لتقف ظلال مكانها تنظر إليه بصدمة، واختفت الابتسامة من فوق وجه شكران التي كانت تتابع حركات ظلال بسعادة.
اقترب بضع خطوات وقال من جديد:
"أنا مش موافق على شغلك ده.. وخصوصًا مع إللي اسمه مراد منير ده".
شعرت شكران بالغضب من عدنان والخوف من تراجع ظلال، لكنها ابتسمت حين سمعتها تقول:
"وأنت مالك أصلًا توافق أو ترفض بصفة إيه؟ أخويا وموافق وجدتي كمان.. أنت بقى علاقتك إيه بالموضوع؟".
برزت عروق عنقه من شدة غضبه، وقال بصوت عالي:
"أنا ابن عمك.. وأكيد ليا رأي في موضوع شغلك.. وأنا شايف أنه مش مناسب خالص".
ظلت واقفة في مكانها أمام جدتها لكنها عقدت ذراعيها حول صدرها وقالت بهدوء زاد من اشتعال غضبه:
"صحيح ابن عمي، لكن مش ولي أمري، يعني رأيك مش شرط ناخد بيه.. أبيه أدهم موافق وبيشجعني ونانا كمان.. يبقى رأيك مش مهم بالنسبة ليا".
ثم نظرت إلى شكران وقالت بابتسامة حلوة خطفت أنفاس ذلك المغرور الذي يلتهم كل أنثى بعينيه رغم غضبه وأعصابه التي على وشك الانفلات:
"هطلع أنام بقى علشان هصحى بدري.. المفروض أكون في الإذاعة الساعة ٦".
وقبلت وجنة جدتها وركضت إلى الأعلى وهي تردد:
"هبقى مذيعة راديو.. هبقى مذيعة راديو".
لينظر عدنان لوجه جدته التي تنظر إليه بلوم، فشعر بنار تشتعل من جديد بداخل قلبه ليغادر القصر عائدًا إلى صالة الألعاب حتى يلكم ذلك الكيس عله يهدأ.
***
يسير بغضب متوجهًا لصالة الألعاب لكنه توقف في مكانه بصدمة وهو يرى أدهم يجلس داخل سيارته يستند برأسه على المقود.
شعر بالخوف وركض في اتجاهه، عينيه تحمل الكثير من القلق. فتح باب السيارة ليزداد خوفه، فأدهم لم يتحرك أو ينظر إليه.
ربت على كتفه برفق وهو ينادي باسمه لكنه لم يجيب. دفع جسده برفق إلى الخلف ليجد أدهم ينظر إليه بابتسامة عابثة لم يراها من قبل ترتسم على وجه ابن عمه الأكبر فقال بقلق:
"مالك يا أدهم؟ أنت تعبان؟".
ظل أدهم ينظر إليه بنفس الإبتسامة لعدة ثواني ثم قال:
"عايز أخرج من العربية".
اعتدل عدنان سريعًا وأمسك بيد أدهم الذي ظل جالسًا في مكانه ولم يتحرك ليقول عدنان ببعض الضيق:
"نزل رجلك يا أدهم".
"رجل؟".
ردد خلفه باندهاش ثم ضحك وهو يقول:
"أيوه صح إزاي نسيت".
ثم أخرج ساقه من السيارة ولحقها بالأخرى، لكنه ظل جالسًا ليترك عدنان يده وهو يقول بغضب حقيقي:
"إنت شارب يا أدهم؟".
رفع أدهم عينيه إلى عين ابن عمه الذي شعر أنه ينظر إلى شخص آخر، شخص عابث تفوح منه رائحة الخمر، وتنتشر فوق عنقه علامات تدل على كونه كان مع أحد الفتيات العابثات. من هذا؟ ومتى كان أدهم بتلك الأخلاق؟
لكن أدهم اعتدل واقفًا أمام عدنان وقال بجدية عكس ما كان يتحدث به منذ لحظات:
"في إيه يا عدنان واقف كده ليه؟ أنت كويس يا ابني؟".
تراجع عدنان للخلف وهو يقول باندهاش:
"أنا.. أنت إللي كويس يا أدهم؟ ومن أمتى وأنت بتشرب؟".
"أشرب.. أنا عمري ما شربت وأنت عارف كده كويس".
قال أدهم ببعض العصبية، ليقول عدنان بعصبية مشابهة:
"ريحتك فايحة.. وبعدين إيه العلامات إللي على رقبتك دي؟".
رفع أدهم يديه يتحسس عنقه وقال بصدق:
"مش عارف.. صحيت الصبح لقيتها موجودة".
شعر عدنان بالاندهاش من كلام ابن عمه لكنه لم يعلق، لكن ظل السؤال يدور برأسه.
ماذا يحدث مع أدهم؟ أنه لا يفهم لكنه رأى حالة أدهم منذ قليل بنفسه، فكيف يتجاهل كل هذا؟
لكن أدهم تحرك من أمامه متوجهًا إلى باب القصر الداخلي ليوقفه عدنان من جديد وهو يقول:
"إنت صحيح موافق على شغل ظلال مع مراد منير في الإذاعة؟".
نظر له أدهم بهدوء وقال باستفهام:
"هو أنت معترض؟! ".
أجاب عدنان بعصبية وغضب كبير:
"طبعًا.. إزاي توافق يا أدهم؟ ده مجال صعب ومنعرفش مراد ده إيه أخلاقه إيه؟".
قاطعه أدهم وهو يقول بصرامة:
"أيًا كانت أخلاقه إيه إحنا عارفين أخلاق ظلال كويس.. وبعدين ده المجال إللي نفسها تشتغل فيه وحلمها من صغرها.. إزاي أقتل الحلم ده وهو ممكن يتحقق دلوقتي".
وتحرك خطوة واحدة مبتعدًا لكنه وقف من جديد وقال ببعض اللؤم:
"وبصراحة دي فرصة عشان ظلال تخرج من الشرنقة إللي كانت حابسة نفسها فيها ومعناك حارس للشرنقة دي.. أهو أنت تتحرر منها وتعيش بحريتك وهي كمان تتفطم منك وتشوف حياة تانية بعيد عنك ومع حد غيرك".
ابتسم وهو يرفع له يده بتحية وغادر تاركًا خلفه رجل صفع على وجه، صفع بنفس الصفعة التي كان يصفعها لها كل ليلة وهو يراها تتلصص لكي تراه وهو يؤلمها بحديثه مع غيرها.
***
حين أغلق الباب حمد الله أنه استطاع أن يصل إلى غرفته قبل أن يقابل جدته، فهناك رائحة كريهة تفوح من جسده بالفعل، ولا يعرف مصدرها.
أغلق باب الغرفة بالمفتاح وتوجه مباشرة إلى الحمام خلع عنه ملابسه ووقف تحت المياه يحاول تذكر ما حدث، وكيف وصل إلى هنا.
آخر ما يذكره حديثه مع سليمة قبل أن يغادر المكتب، لكن ما حدث بعد ذلك لا يتذكره ولا يعرف سبب تلك الرائحة وكيف وصل إلى القصر من الأساس.
خرج من الحمام يحيط جسده بمنشفة كبيرة. عقله لا يعي ما يحدث معه. انتبه لصوت هاتفه ليجده عبد الله. أجابه ببعض الضيق:
"أيوه يا عبد الله".
"إنت كويس يا أدهم؟ إنت فين؟".
سأله عبد الله بلهفة وقلق واضح، ليقطب أدهم حاجبيه وهو يقول:
"أيوه.. إيه إللي حصل لكل القلق ده؟".
نفخ عبد الله الهواء ببعض الراحة ثم قال بعصبية:
"إنت لازم تجيلي يا أدهم.. لازم يا أدهم إللي بيحصل ده خطر ومينفعش نتأخر.. حياتك في خطر".
سمع كلمات صديقه وطبيبه وعقله يضرب بقوة، صداع قوي وألم لا يحتمل، ليسقط الهاتف من يده، وترنح هو في مكانه ثم سقط مغشي عليه.
***
ارتدت ملابسها وفوقها العباءة، ومرت على غرفة والدها وألقت عليه نظرة سريعة عليه لتتأكد من أنه نائم ثم أغلقت باب غرفته ومباشرة غادرت المنزل.
لكن سقط قلبها أسفل قدميها حين قابلت حنان أمام باب البيت تبتسم لها بسماجة وهي تقول:
"إيه ده أنتِ رايحة فين دلوقتي يا زيزي؟! ده أنا كنت جاية أسهر معاكي شوية".
تلونت وجنتا زيزي بجميع ألوان الطيف حيث شحب وجهها وتحول إلى الأصفر، ثم إلى الأحمر وهي تقول بصوت مرتعش:
"معلش يا حنان أصل الحقنة بتاعة أبويا خلصت ولازم ياخدها والصيدلية هنا قفلت ف لازم أطلع للصيدلية إللي في أول الشارع الحق أجيبها قبل ما يقفلوا هما كمان".
لوت حنان فمها بامتعاض وقالت من بين أسنانها:
"ومالو يا حبيبتي أبقى أجيلك في وقت تاني".
وغادرت دون كلمة أخرى. ظلت زيزي تتابعها بعيونها حتى تأكدت من دخولها إلى بيتها وإغلاقها للبوابة لتركض في اتجاه الطريق الطويل الذي يصل إلى خارج الحارة حيث ينتظرها بيبرس.
قلبها يكاد يغادر جسدها بسبب دقاته المتلاحقة من كثرة الخوف حتى صعدت إلى السيارة وجلست وهي تضع يدها فوق خافقها وأنفاسها تكاد يسمعها المارين بالشارع بسبب سرعتها وعلوها ليقول باستفهام:
"مالك يا ست زيزي؟!".
لتقص عليه ما حدث، ليقطب جبينه بضيق ولم يعقب. ولم تنتظر هي رد على كلماتها، كانت تعلم أنها تغامر بكل شيء حين قررت العمل كراقصة.
أغمضت عينيها حين تحرك بالسيارة وانحدرت دموعها مختلطة بكحل عينيها ليشوه وجهها الجميل.
***
انتهت من زينتها حين دلف ترتر إلى الغرفة يقول بطريقته الخاصة في الحديث:
"الجوكر عايزك يا ست الكل قبل ما تطلعي على الاستيدج".
قطبت جبينها بخوف وحيرة، وقالت بصوت مرتعش:
"هو سي بيبرس فين؟".
اقترب ترتر من مكان جلوسها، وجلس على إحدى ركبتيه وقال:
"إنسي بيبرس.. وركزي مع الجوكر هو مفتاح النجاح.. بإشارة من إيده يطلعك السما وبإشارة تلاقي نفسك في الشارع وأنتِ عارفه بقى واحدة زيك يا ست الكل لو بقت في الشارع إيه إللي ممكن يحصلها".
قال آخر كلماته بتحذير، وبطريقة جعلت جسدها يرتعش خوفًا من التخيل فقط، وبأقدام من هلام وقفت ليقف هو الآخر وتحرك يتمايل بخصره حتى يفتح لها الباب لتسير بخطوات متعثرة ليحثها على التحرك قائلًا:
"يلا يا ست الكل معاد فقرتك قرب".
تحركت بخطوات خالية من الروح، خوف يلاحقه خوف، تنازل يليه تنازل، صوت صرخات متتالية داخلها تطلب منها بل تتوسلها أن تركض خارج هذا المكان وأن لا تعود من جديد، لكن كيف؟ وإلى أين؟ لا مفر.
طرقت على باب غرفة الجوكر ثم فتحت الباب بيد مرتعشة، وبدل من أن تتقدم إلى داخل الغرفة رجعت إلى الخلف حين قال هو بترحيب:
"آهلًا آهلًا بنجمتنا المتألقة.. أهلًا باللي أبواب السما انفتحت قدامها وبتقولها خطي".
ظلت صامتة تنظر إليه بعيون مرتعشة وجسد متجمد، لكنه لم يرحمها وأقترب منها وهو يكمل كلماته:
"الناس كلها هتتجنن عليكي.. الجمال الرباني ده.. والخجل المرسوم على ملامحك مجنن الكل.. وأنا بحب نظام شوق ولا تدوق.. لأنه بيخرج كل الفلوس إللي في جيوبهم".
لم تعلق على كلماته لكنها استجابت ليده التي تسحبها إلى داخل الغرفة وعينيه تتجرأ على مفاتنها بنظرات خبير ويده التي بدأت ترسم جسدها دون أن يلمسها مصاحبة لكلماته الجريئة:
"جسمك زي الكرباج.. ومفاتنك قتالة.. وعيونك دباحة.. يبقى إزاي مش عايزاهم يتجننوا عليكي".
أخيرًا وجدت صوتها لتقول بنبره مرتعشة:
"هو أنت كنت عايزني في إيه؟!".
ليرفع أصبعه أمام وجهها وكأنه قد تذكر السبب الحقيقي في طلب حضورها له. تحرك في اتجاه مكتبه وأمسك رزمه ماليه ومد يده في اتجاهها وهو يقول:
"ده حقك في النقطة بتاعة امبارح.. أنتِ خلصتي فقرتك وروحتي جري ملحقتش أديكي نصيبك".
نظرت إلى المال بين يديه غير مصدقة هل كسبت هذا المبلغ الكبير في ليلة واحدة؟ إن تلك الأوراق المالية الكثيرة ومن فئة العملة الكبيرة، جزء من حقها في نصف ساعة فقط.
رفعت يدها تمسك بالمال ليتركه لها وهو يتابع لمعان عيونها، وصدمتها، ولعابها الذي سال على المال، ليقول بلؤم:
"من النهاردة هتعملي ثلاث فقرات.. وشوفي بقى هتكسبي قد إيه؟! ".
رفعت عيونها إليه بابتسامة بلهاء وأومأت بنعم ليشير هو إلى ترتر وقال:
"شوف شغلك".
ليقترب منها ترتر وهو يقول بدلال مستفز:
"يلا يا ست الناس عندنا شغل".
تومأ مرة أخرى بنعم وسارت خلفه، وهي لا تعرف أن أول خطوات سقوطها كانت دخولها هذا المكان، ولن تتوقف عن السقوط أبدًا.
يتبع...
رواية أو أشد قسوة الفصل الخامس 5 - بقلم سارة مجدي
استيقظ من نومه يشعر أن جسده يؤلمه بشدة وكأنه كان يتصارع مع شخص ما طوال الليل، أن ألم وهو يعتدل جالسًا. ودلك جبينه بأصبعيه عله يهدأ من ذلك الصداع القوي الذي يضرب رأسه دون رحمة.
أراح رأسه على ظهر السرير وأغمض عينيه. لم يستطع أن يفتحها حين سمع طرق خفيف على الباب، ثم صوته وهو يفتح.
يعلم من بالباب، يحفظ طريقتها. ابتسم ابتسامة صغيرة وهو يجاهد نفسه ويفتح عينيه ليجدها تقف أمامه تنظر إليه بقلق مصاحب لسؤالها المختصر والذي يختصر الكثير:
"مالك يا أدهم؟"
أحنى رأسه قليلًا ثم قال:
"مصدع شوية."
وغير مجرى الحديث سائلًا:
"هي الساعة كام؟"
ظلت شُكران صامتة تنظر إليه بتفحص وقلق، ثم قالت بهدوء:
"سبعة ونص، مش ناوي تطمن قلبي وتقولي مالك؟"
رفع الغطاء عن جسده وأنزل قدميه أرضًا وأستقام واقفًا. ثم اقترب منها وهو يقول:
"ضغط شغل ومسؤوليات يا جدتي، المؤسسة شغلها كتير وبقيت مش ملاحق وساعات ما بلاقيش وقت حتى أشرب فنجان قهوة."
كانت تنظر إليه بشفقة، وقلبها يتألم على حفيدها البكري الذي كبر قبل أوانه. تحمل حمل المؤسسة والعائلة، ونسي نفسه حتى أنه لم يستطع الحزن على والده. فقالت بشفقة:
"أنا كلمت عدنان علشان ينزل معاك، ومن النهاردة هخليه يواظب على الشغل على الأقل يشيل معاك الحمل وتلاقي وقت تشرب قهوة."
ابتسم لحديثها الذي يحمل معنى مختلف تمامًا وبعيد تمامًا عن شرب القهوة. فأقترب يقبل رأسها، وأنحنى يقبل يدها وهو يقول:
"للأسف صلاة الفجر فاتتني، هصلي وأحصل حضرتك علشان نفطر سوا."
هزت رأسها بنعم وتحركت تستند على عكازها حتى تغادر. لكن سؤاله أوقفها من جديد حين قال:
"ظلال راحت شغلها؟"
ابتسمت حين تذكرت حماس ظلال وتوترها قبل مغادرتها المنزل وشجارهم الذي لم يطل طويلًا حين علمت أن هناك سائق سيتولى توصيلها كل يوم وأن هذا قرار أدهم ولا رجعة فيه.
خرجت من أفكارها وأجابته بابتسامة صغيرة:
"أيوه راحت، وكانت زعلانة علشان موضوع السواق، لكن أنت عارفها تطلع تطلع وتنزل على مافيش. وطمنتني كمان أنها وصلت، وأكدت عليا نفتح الراديو الساعة ٨ علشان نسمعها."
ابتسم بسعادة، أخته الصغيرة كبرت، وستصبح مذيعة راديو، حلمها الذي كان رفيقها منذ صغره.
نظر إلى شُكران وقال بحنين:
"فاكرة لما كانت وهي صغيرة طلبت من بابا يجبلها ميكرفون وكانت طول اليوم تعمل معانا لقاءات، وتمثل أنها مذيعة في الراديو وتشغل أغاني. وطول اليوم مصدع."
ضحكت شُكران بسعادة لتذكرها تلك الذكرى البعيدة وقالت بحزن:
"وكان حسام الله يرحمه طول الوقت يشجعها، ويقولها هتبقى أكبر مذيعة في مصر."
أخذ أدهم نفس عميق وقال بألم:
"الله يرحمه."
تحركت لتغادر الغرفة وأغلقت الباب خلفها. ظل ينظر إلى الباب المغلق لعدة لحظات، ثم دلف إلى الحمام.
على طاولة الطعام كان أدهم يجلس جوار شُكران وأمامه عدنان بوجه لا يفسر. والراديو يصدر عنه بعض النغمات لأغنية مميزة لذلك المطرب المشهور.
ينتظرون جميعهم صوت الصغيرة يطل عليهم عبر الأثير.
لكن شُكران وأدهم لم تكن سعادتهما فقط بسبب تحقيق حلم ظلال، ولكن لقدرتها على كسر ذلك الرابط الخفي الذي كان يربطها بعدنان. سعادة بسبب قدرتها على رد صفعة التجاهل، علها تتسبب في عودة عقله لرأسه.
وبداخل أستديو "في السكة" كانت ظلال تقف أمام مراد وهي تفرك يديها ببعض التوتر. كان يشعر بها، ويعلم بما تشعر به. يراها من خلف الأوراق التي يراجع ما كتبه الإعداد بها، ولكن بداخله صوت يصرخ به أن يتحدث إليها. ترك الأوراق من يده وقال بهدوء:
"إيه التوتر ده كله، متقلقيش. أنا عايز ظلال اللي كانت قاعدة قدامي امبارح بمنتهى الثقة والمرح اللي لفتت نظري من أول كلمة قالتها."
ابتسمت وهي تقول بقلق:
"مقابلتك امبارح كانت صحيح حاجة كبيرة أوي، لكن الحماس وإحساسي إني محتاجة أقنعك بيا كان بيحركني. لكن دلوقتي أنا مش بفكر في إعجاب شخص واحد، لا ده أنا لازم أعجب كل معجبين مراد منير."
اعتدل في وقفته وأستراح بكتفه على الحائط وهو يقول بتأكيد:
"أنتِ مش محتاجة تعجبي جمهور ومعجبين مراد منير، أنتِ هتلفتي الانتباه وبعدين هيبقى عندك معجبينك ومتابعينك، وهتبقى منافسة قوية جدًا ليا ويتخاف منك على فكرة."
ابتسمت وقبل أن تقول أي شيء سمعوا صوت المخرج وهو يقول:
"دقيقة ونبقى على الهواء."
ليشير لها مراد أن تجلس وأخذ مكانه خلف الميكروفون. نظر لها ليجدها تمارس بعض تمارين التنفس، ليغمز لها بشقاوة وقال حين أشار له المخرج بالحديث:
"صباح الخير والسعادة على جميع مستمعين قناة في السكة. النهاردة معايا عضو جديد انضم للبرنامج وأعتقد إنها هتكون إضافة مميزة. معانا على الهواء ظلال، أهلًا بيكي ظلال."
"أهلاً بيك مراد وأهلاً بكل مستمعينا الكرام. النهاردة الموضوع حماسي جدًا وعايزين نسمع كل الآراء، خصوصًا وأن الموضوع جدالي جدًا من قديم الأزل."
قالت ظلال بثقة وثبات أبهرت الجالس بجانبها والذي راهن عليها بالأمس. حين اجتمع بكل مساعديه والمخرج ليخرج من أفكاره سريعًا وقال بمرح:
"طبعاً ظلال منذ بدء الخليقة والجدال اللي يخص الرجل والمرأة موجود وقائم، لكن جدالنا النهاردة عن فكرة سي السيد ويا ترى مين اللي خلق شخصية سي السيد؟ الست بطبعها المطيع والخانع ولا الرجل بجبرته وظلمه."
قاطعته ظلال قائلة بمرح وتحدي، ليضحك مراد بصوت عالي وهو يقول:
"وبدأنا الحلقة وأعتقد أن النقاش هيكون حامي جدًا ومش سهل. نسمع مع بعض أغنية "مش ملاحظ حاجة" لرامي جمال وناريمان ونرجع لكم."
صدح صوت الأغنية ليقول مراد بابتسامة واسعة:
"مش قولتلك إنك هتسرقي مني الأضواء، شكلي هطردك."
لتضحك ظلال بسعادة وراحة.
في نفس الوقت في قصر الخشاب كانت ابتسامة أدهم وهو يستمع لصوت أخته وظهر الفخر على وجهه حين جادلت وناطحت مراد بالحديث بثقة وقوة.
وفي وسط كل ذلك سرق نظره لعدنان الذي كان يرتسم على وجهه ابتسامة بلهاء.
لتقول شُكران بسعادة وفخر:
"ما شاء الله روحها الحلوة باينة في صوتها. كمان اللي اسمه مراد ده بيديها مساحتها وسايبها تتكلم براحتها."
خطف أدهم نظرة لعدنان الذي ارتسم القلق على وجهه وقال:
"حقيقي هو شخص احترافي جدًا وشاف في ظلال شيء مميز علشان كده اختارها من وسط كل البنات اللي كانت مقدمة على الوظيفة."
اعتدل في جلسته وتلاقت نظراته بنظرات عدنان وأكمل كلماته:
"يوم مقابلة الشغل كلمتني تحكيلي اللي حصل، وحرصها على أنها متجيبش سيرة لقب العيلة علشان متبقاش واسطة بالنسبة ليها. وتفهم مراد ليها. حتى أنها لما قالتلي أن المساعد كان مصدوم ومكنتش فاهمه ليه، قولتلها أن مراد أعجب بيها وعلشان كده اتعامل معاها بشكل مختلف. وقبل ما يتصلوا بيها قولتلها إنها هتاخد الوظيفة."
ثم قال بطريقة ذات مغزى:
"حبيبتي ظلال تستاهل إنها تتقدر، وتستاهل اللي يشوفها بجد ويشوف هي قد إيه تستحق الأفضل."
صمت حين انتهت الأغنية وعاد صوت مراد يقول:
"مستنين رسايلكم واتصالاتكم علشان نتناقش في موضوع النهاردة، وخليني أسأل ظلال رأيها إيه؟"
ضحكت ظلال وهي تقول بمرح:
"أنا رأيي أن الموضوع مشترك يعني ست ضعيفة وقعت تحت إيد راجل مفتري، فظهرت شخصية سي السيد. لكن في الحقيقة، ربنا لما خلقنا، خلقنا متساويين في كل حاجة، يعني في الطاعات وفي الموانع وفي الحساب ودخول الجنة والنار. مين بقى اللي خلى الستات درجة تانية؟ صحيح ربنا جعل الرجال قوامون على النساء ولكن بما أنفقوا. ربنا عارف إننا بطبعنا عاطفيين ومشاعرنا بتحركنا علشان كده خلى الراجل بما أنه المفروض شخص ذو عقل حكيم وحكمة في التفكير وعنده بعد نظر وبيوزن كل الأمور بعقله مش بعاطفته، فوضع في إيده بعض الأمور زي قرار الطلاق مثلاً. كمان فكرة القوامة تعني أنه يقوم بخدمة المرأة يعني يوفر ليها كل حاجة، هو اللي يشتغل ويتعب وهي تبقى مسؤلة منه."
ليضحك مراد وهو يقول بعدم تصديق:
"متوقعتش كلامك الحقيقة يا ظلال واللي بيدل على ثقافتك وتدينك. طيب ما في ستات كتير بيطالبوا بالمساواة اللي بيتقال عليهم فيمنست."
ليكون الدور على ظلال في الضحك وهي تقول:
"في مقولة بتقول خدعوك ف قالوا دول مش عارفين ولا فاهمين أن ربنا كرمهم ورفع شأنهم بيناطحوا الرجالة على حاجات مش بتاعتهم أصلاً."
ليعود مراد ويضحك من جديد وهو يقول بمرح:
"هيقلبوا عليكي، لكن أنا بأيد رأيك وشايف إنك معاكي حق."
توالت الاتصالات على البرنامج والمناقشات والأغاني المميزة التي كانت تناسب الحلقة بشدة.
كل هذا وعدنان يغلي من الغضب كلما استمع لصوت ضحكات مراد على كلمات ظلال أو مزاحه معها. وكان كل من أدهم وشُكران يلاحظان حالته ويتعمدون التعليق على ما يستمعون إليه من ظلال ومراد حتى يضعوه أمام حقيقته. وللأسف كانوا يضغطون بكل ما لديهم من قوة على جرح كرامته ورجولته.
وبالأستديو أشار المخرج لمراد أن يختم الحلقة التي امتدت لمدة نصف ساعة بعد موعدها الأصلي بسبب الحماس القوي بين مراد وظلال وكثرة الاتصالات.
ليقول مراد بمرح:
"رغم حماسنا الشديد لاستمرار مناقشتنا النهاردة لكن للأسف حلقتنا خلصت ومعادنا بكرة يتجدد معاكم."
"وكل يوم عندنا موضوع جديد نتناقش فيه، زي النهاردة كده."
أكملت ظلال كلمات مراد الذي قال بمرح:
"ظلال نويا تخلص علينا جميعًا، وأنا سعيد جدًا بحماسها ده وأحب أسألها، تحبي نختم حلقتنا بإيه؟"
صمتت ظلال لثواني ثم قالت بحماس:
"خلينا نختم حلقتنا بأغنية رومانسية مميزة علشان نأكد على مبدأ الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، ف نسمع أغنية من أول دقيقة لسعد المجرد وإليسا."
"واو اختيار ممتاز ظلال، نسمع مع بعض أغنية من أول دقيقة، على موعد بلقانا غداً، سلااام."
أشار لهم المخرج بإبهامه بسعادة لينظر مراد إلى ظلال وقال:
"ناوية تطيريني من هنا ولا إيه؟"
احمرت وجنتا ظلال وقالت بخوف:
"هو أنا عملت حاجة غلط؟"
اقترب منها قليلًا وقال:
"بالعكس كنتِ ممتازة، وفوق الممتازة كمان، وهيبقى ليكي مستقبل باهر."
تركها وغادر الغرفة لتقفز بسعادة وغادرت خلفه حتى يتناقشوا في موضوع الغد.
وصل إلى الشركة بعد انتهاء البرنامج، واتصاله بأخته ليهنئها ويطمئن عليها.
كان بداخله إحساس مختلف، أنه يهفو للوصول إلى مكتبه في أسرع وقت. يريد أن يراها. لقد اشتاق لأسلوبها، ابتسامتها، مزاحها المحبب.
اليوم هو اليوم الأول لها بمفردها. رحلت رجاء.
وصل أمام المكتب ليجدها ترتب بعض الأوراق وهي تعطيه ظهرها. يشعر بها متوترة وكأن هناك شيء ضائع منها وهي تبحث عنه.
أقترب بخطوات ثابتة قوية كعادته، ليصلها صوت خطواته على الأرض المثقلة لتعتدل تنظر إليه ببعض التوتر والقلق. ليضيق عينيه ينظر إليها بتفحص وهو يقول:
"صباح الخير يا سليمة هانم، أخبارك إيه النهاردة؟"
شعرت بالاندهاش وهي تتذكر ما حصل بالأمس، النظرات، الكلمات، ولمسة اليد العفوية. هل يراها الآن فتاة رخيصة بسبب محاولتها مساعدته؟
وقبل أن تقول شيء قال هو بقلق:
"فيه إيه يا سليمة أنتِ كويسة؟ فيه حاجة حصلت مزعلاكي ولا أنتِ عيانة ولا إيه؟"
ازداد إحساسها بالاندهاش، لكنها قالت بصوت ضعيف:
"أنا كويسة بس منمتش امبارح كويس."
أومأ بنعم وهو يقول بصدق:
"اطلبي قهوة هتساعدك شوية على الفوقان ومتقلقيش هراعي تعبك مش هعمل فيكي زي ما عملتي فيا امبارح، من اجتماع لاجتماع."
لتبتسم وهي تتذكر جملته "متقوليش أن فيه مواعيد تانية، هو أنتِ إيه معندكيش مديرين ورق ربنا ما يحكمك على مديرين غلابة زي تاني."
ليقول هو بمرح ووجه طفولي مشاغب:
"شفتي أنتِ شريرة إزاي، وأنا مدير طيب وغلبان."
لتضحك بصوت عالي، ليقطب جبينه ورسم الجدية على ملامحه وهو يقول:
"يلا يا آنسة ورانا شغل إحنا جايين نهزر."
وغمز لها وهو يمر بجانبها متوجهًا إلى مكتبه، لتتلون وجنتيها بخجل وهي تمسك بمفكرتها وتدلف خلفه.
غادر عدنان القصر بأكمله فهو لم يعد يحتمل تلميحات جدته ولا كلمات أدهم الموحية. ويهرب من مواجهة ظلال بعد عودتها من الأستديو.
وصل إلى ذلك الجبل العالي وأوقف السيارة بالقرب من الحافة. وبسبب الشمس لم يغادر السيارة فهو لا يتحمل حرارة الشمس. لكنه ظل بداخلها ينظر إلى المدينة العتيقة وهو يفكر. يتألم حتى أن هناك دمعة حزينة غادرت عينيه والذي لم ولن يراها أحد. الكل يرى عدنان ذلك الشخص العابث المستهتر كثير العلاقات، لكن لا أحد يعرف حقيقته. حقيقته التي اكتشفها في ذلك اليوم والتي صدمته وجعلته يدرك نتيجة تعديه لحدود الله. أغمض عينيه وهو يتذكر حين كان خارج البلاد لخوض أحد المنافسات الذي أصيب فيها بكسر في أحد ضلوعه. وحينها قام الطبيب بعمل فحص شامل له وكانت الصدمة حين ظهر في التحاليل ما جعل الطبيب يعيد التحاليل ثلاث مرات وفي كل مرة نفس النتيجة "عدنان الخشاب" مصاب بـ "HIV".
رواية أو أشد قسوة الفصل السادس 6 - بقلم سارة مجدي
تقف داخل مكتبها ترتب الأوراق حتى يكون كل شيء جاهز للأجتماع. إنها لا تفهم سبب طلب حضورها هذا الإجتماع، لكن كيف تعترض؟
أن حاله غريب جدًا اليوم، منذ حضوره كانت الإبتسامة تزين وجهه وأخبرها أنه سعيد بسبب نجاح أخته في أولى حلقاتها في الإذاعة. لكن من بعدها وأصبح عصبي، حتى أنه أكثر من مرة صرخ في وجهها ودون سبب واضح. وفي أحد تلك المرات كادت أن تبكي. ولكن ما يقلقها أكثر تلك النظرات الغريبة الذي يوجهها لها.
أنتبهت لحضور الضيوف المنتظرة لتتحرك وبين ذراعيها الأوراق. طرقت على الباب ودخلت وهي تقول:
- الضيوف وصلوا يا باشمهندس.
ليقف يغلق أزرار حلته السوداء وهو يقترب من الباب يرحب بهم بعملية شديدة وأشار لهم على طاولة الإجتماعات. تحركت خلفهم وجلست على الكرسي الفارغ الذي جواره بعد أن وضعت كل الأوراق أمامه.
فتحت مفكرتها وبدأت في تسجيل كل ما يقال في شكل نقاط مختصرة. وكان هو من وقت لآخر يلقى نظرة خاطفه لها ويعود بكامل تركيزه إلى ضيوفه.
إنتهى الإجتماع وغادر الضيوف على موعد بلقاء آخر لتوقيع العقود.
جمعت الأوراق من جديد وكادت أن تغادر حين قال بصوت غريب:
- قوليلى يا سليمة أيه هي وجهة نظرك أو فكرتك عن السكرتيرة؟
نظرت إليه باندهاش أن هذا السؤال لن يطرحه عليها وقت المقابلة، لماذا يطرحه الأن؟
لكنها أجابت بهدوء:
- هي المسؤله عن مكتب المدير وتحديد مواعيده وترتيب دخول الموظفين أو العملاء ليه. كمان بيكون عندها معلومات عن كل مشاريع الشركة وملفاتها علشان تقدر توفر كل الأوراق المطلوبه.
أبتسم إبتسامة جانبيه لأول مرة تراها على وجهه وهو يقول:
- نسيتي أهم حاجة.
ظهر الإهتمام على ملامحها. ليقترب وقال بصوت عابس:
- أهم حاجة راحة المدير. وأن دي بتكون أهم أولويات السكرتيرة.
توحشت نظراتها ومقصده الوقح يصل لها لتقول بغضب:
- أنا بقوم بعملي على أكمل وجه وده المفروض أنه يريح مديري. عن إذنك.
وغادرت رافضه أن تعطيه فرصة للحديث، أو التبرير. فكم هي ساذجة، فهو أبداً لم يكن يريد التبرير، هو كان يريد التمادي.
***
كانت الأفكار تتدافع داخل عقله، والذكريات أمام عينيه تمر وكأنها شريط سينما. حين وقف الطبيب أمامه بوجهه البارد يقول ببرود ثلجي وبلغته الأم:
- سيد عدنان لقد أجرينا لك التحاليل ثلاث مرات. وكل مرة تكون النتيجة نفسها. لذلك وجب علينا إخبارك بمرضك بكل صراحة ووضوح.
ليتحفز جسد عدنان. هل لديه مشكلة كبيرة لتلك الدرجة؟ حتى يقوم بعمل التحاليل ثلاث مرات. لينتبه لحديث الطبيب وهو يقول:
- في الحقيقة حين قرأت اسمك وعلمت إنك مسلم إندهشت كثيراً أن تكون هذه التحاليل خاصة بك. لذلك كررتها حتى أتأكد من النتيجة.
- ماذا تقصد وما علاقة ديانتي بمرضي؟
ليبعد الطبيب نظارته عن عينيه وقال:
- أنت مصاب ب HIV وأنت تعلم هذا المرض كيف يصاب به المرء. ومن تاريخك المرضي لم يتم نقل دم لك من قبل. لذلك شعرت بالإندهاش.
كل هذا لم يعد يسمعه. توقف الزمن على صوت الطبيب وهو يقول "أنت مصاب HIV". هل أنتهت حياته الأن؟ سوف يدفع ثمن عبثه وعلاقاته المحرمة المتعددة. لكن الأن عليه أن يفكر ماذا سيفعل؟ وكيف سيتعامل مع عائلته؟ ويقلق من أجل مستقبله الرياضي؟
أنحدرت دموعه دون توقف. ليغادر الطبيب. لكن صوت صرخات عدنان أعادته إلى الغرفة وبعض الممرضين وحقنة مهدئة للسيطرة على حالة الهياج التي أصابته.
وبعد أن أستيقظ لم يكن أحسن حال. لكن كان قادر على الإستماع لكلمات الطبيب التي لا تزيده إلا شعور بالقهر والخزي من نفسه ومن كل ما كان يقوم به.
لكن الطبيب أستطاع أن يجيب عن جميع تساؤلاته:
- دعنا نتحدث بوضوح كابتن عدنان. هذا المرض ينتقل عن طريق السوائل. الدم أو السائل المنوي أو السوائل المهبلية أو حليب الأم. لكن لا ينتقل عن طريق القُبلات أو العناق أو حتى تشارك الطعام. وهذا يوضح لك ببساطة كيفية التعامل مع الآخرين. في الحياة العادية لا يوجد مشكلة أو خطر على الآخرين منك. لكن إذا أردت الزواج فهناك الكثير والكثير من المحاذير. وبالطبع تستطيع أن تتوقع إنك لا تستطيع الإنجاب.
عاد من أفكاره وهو يبتسم بسخرية:
- كيف سينجب وممنوع عليه لمس امرأة. حتى لا ينقل لها المرض. ومن كان يتمنى أن تكون زوجته. لا يستطيع أن يؤذيها بتلك الطريقة البشعة.
ومنذ عاد إلى الوطن بعد بقائه في الخارج بحجج واهية لعائلته حتى تمر الفترة الأولى وأعراض المرض مثل "الصداع، والحمى، الطفح الجلدي، التهاب الحلق، وأحيانًا كان يحدث معه إسهال، وسعال، وفقد الكثير من وزنه". ومع التزامه بكل ما قاله الطبيب. توقف عن ممارسة الرذيلة. أهتم بالرياضة وأخذ المضادات الفيروسية. ها هو يبدو بشكل طبيعي. لكن الأمور ليست بخير، فنهاية هذا المرض معروفة.
أخذ نفس عميق. لقد أخذ قراره سابقًا بأن يبعدها عنه بأصعب الطرق. وعليه الأن أن يذهب إلى الشركة حتى يقف جوار أدهم عله يترك بعض من الأشياء الجيدة يتذكرونه به.
أدار محرك السيارة وأنطلق في طريق الشركة.
***
تجلس في غرفتها بعد أن أطعمت والدها. تريد أن تغفو قليلاً لكن الأفكار تعصف بها.
بالأمس قام خميس الملقب بالجوكر بوضعها في موقف محرج. حين اقتحم غرفتها ومعه أحد الرجال التي لمحته يجلس في الصالة. شعرت بالتخبط والخوف. لكنها لم تستطع أن ترفض تواجدهم داخل غرفتها. ورغم خوفها من تلك الحركة كانت تشعر بالخوف من رد فعل بيبرس. ظلت واقفة في مكانها والجوكر يعرفهم ببعضهم بعضًا:
- بهجت باشا معجب بيكي أوي يا زيزي وكان عايز يتعرف عليكي. ده غير أنه جايبلك هدية.
أخرج بهجت من جيب معطفه الجلدي علبة مخملية وبها قلادة ذهبية بها قلب كبير لتلمع عيونها بإعجاب. ليخرج بهجت القلادة من مكانها وأقترب منها وهو يبتسم بأعجاب شديد يحاوط بها عنقها وهمس جوار أذنها:
- هتبسط أوي لو شوفتها على رقبتك وأنتِ بترقصي.
وبالفعل غادروا لتستعد هي. وحين صعدت إلى المسرح الذي يتوسط الصالة وعلت الموسيقى لتتمايل بدلالها الأنثوي المميز الذي يجعل عقول جميع من بالمكان أسفل قدميها. يتساقطون من السعادة حين تلقي لهم نظرة، أو تبتسم لهم بدلال.
وكان هو يتابع جسدها المغوي وهو يتمايل يمينًا ويسارًا وقلادته تطوق عنقها. كأنها سلسلة من حديد أولها حول رقبته وآخرها بين أصابعه. يحركها كما يشاء ويتحكم بها كما يشاء.
وكان هو يقف في مكانه المعتاد يتابعها وهي ترقص. تتمتع عينيه قليلاً، ويحترق قلبه كثيراً. لكن لا مجال للرجوع الأن. فقد سقطا سويًا في تلك النار ولا سبيل للنجاة.
***
تفاجأ أدهم بوقوف عدنان أمامه. شعر بالخوف. لكن ابتسامة عدنان المرتسمة على وجهه جعلته يهدأ ويقول بمشاغبة:
- الشركة نورت والله. أخيرًا قررت تشرفنا.
إقترب عدنان من مكتب أدهم وهو يقول بمرح:
- اه شوفت. لأ وكمان قررت أتعطف عليك وأشتغل معاك.
ليضحك أدهم بصوت عالي وقال ببعض السخرية:
- ده كرم كبير أوي منك. بس إيه إللي غير رأيك؟ فاكر لما طلبت منك وكل مرة كنت تقولي أنا راجل رياضي ومليش أنا في شغل المكاتب والشركات وحرقة الدم دي. ف أيه بقى السبب إللي خلاك تغير رأيك؟
جلس عدنان على أحد الكرسيين الموجودين أمام مكتب أدهم ووضع ساق فوق ساق قائلاً بغرور:
- صعبت عليا فقولت أرفع عن كاهلك شوية من الحمل التقيل.
- كتر خيرك. وشرفت مكانك يا أستاذ عدنان.
قال أدهم كلماته وهو يرفع الهاتف وبعد لحظة واحدة قال:
- تعاليلي شوية.
أغلق الهاتف حين قال عدنان بمشاغبة:
- بس قولي أيه الطفلة إللي بره دي. كانت بتعيط وأنا داخل. أنت شديد أوي مع الموظفين بتوعك يا سيد بيه.
كان يقول كلماته وهو يغمز له بمرح. لكن أدهم شعر بالضيق. ما سبب بكائها؟ لكن قطع كل هذا طرقاتها على الباب لحقها دخولها الذي يُدخل السرور إلى قلبه خاصة بابتسامتها الرقيقة والبريئة. لكن الأن هناك تقطيبه حاجبين والإبتسامة مختفية. ماذا حدث لها؟ ولماذا كانت تبكي؟
لكن أجل كل هذا الأن وقال بهدوء:
- أنسة سليمة لو سمحتي تجهزي المكتب إللي جمب مكتبي على طول علشان هيبقي مكتب أستاذ عدنان من دلوقتي.
- حاضر يا باشمهندس. أي أوامر تانيه؟
- شكرًا.
أجابها ببعض الضيق لتغادر هي سريعاً. ليقول عدنان ببعض السخرية:
- مالك يا سيد بيه. الآنسة مشيت خلاص. أنت بتبص على إيه؟
نظر إليه أدهم بضيق وقال ببعض القرف:
- منور المؤسسة يا عدنان.
ليضحك عدنان بصوت عالي وهو يقول:
- بيحبني أوي.
***
حين وصلت إلى قصر الخشاب كانت سعيدة والإبتسامة تزين وجهها. ف ما حدث بالحلقة، وما قاله لها مراد من كلمات مدح وتشجيع، واحترامه لرأيها حين اعترضت على فكرة حلقة الغد، وموافقته على اقتراحها جعلها تشعر بقيمتها التي كان عدنان يبخثها كل يوم.
عدنان حبها الكبير وجرحها الأكبر. لا تعرف كيف تتصرف الأن معه وبأي طريق عليها أن تسير حتى تصل إلى قلبه التي تعرفه جيداً قادر على التلون كما يريد صاحبه. هزت رأسها يمينًا ويسارًا علها تخرجه من رأسها وتتوقف عن التفكير فيه. وقبل أن تبحث عن شيء آخر تفكر فيه كانت تقف أمام جدتها التي تفتح لها ذراعيها وإبتسامة سعادة تزين ثغرها ونظرة فخر تلمع داخل عيونه.
لترتمي بين ذراعيها حين قالت شكران:
- مبارك يا ظلال. مبارك يا حبيبتي.
أبتعدت ظلال قليلاً عن حضن جدتها وقالت بابتسامة واسعة:
- الحلقة كانت حلوة بجد يا نناه؟
- الحلقة كانت حلوة وموضوعها مميز وأنتِ كنت ممتازة يا ظلال. حضور مميز وأسلوب راقي في الحديث حتى ضحكتك كانت تخطف القلب.
أجابتها شكران بتوضيح وتفسير لتتلون وجنتيها بألوان السعادة والخجل. لكن قلبها الخائن كان يبحث عنه. يريد أن يرى نجاحها داخل عينيه. لتقول شكران بلوم:
- خرج بعد الحلقة ما خلصت وقال عنده معاد مع صديقة وبعدين هيروح على المؤسسة.
إبتلعت تلك الغصة المؤلمة وهي تقول بابتسامة مجروحة:
- وأخيرًا قرر يروح الشركة. كويس والله.
ثم اعتدلت واقفة وهي تقول بهدوء قدر استطاعتها وبتحكم كبير في دموعها التي توخز عيونها:
- هطلع أنام شوية لأني منمتش من إمبارح بسبب التوتر والقلق.
أومأت شكران بنعم لتغادر ظلال سريعاً قبل أن تخونها دموعها. لتتنهد شكران بحزن. لكن لا تعلم ماذا عليها أن تفعل؟ أو كيف تريح قلب صغيرتها؟
***
لم يستطع التحمل أكثر من ذلك. ف بعد ذهاب عدنان إلى مكتبه حاول أن يشغل عقله عن كلمات عدنان كونها كانت تبكي. لكن ألم قلبه لم يعد يحتمل.
غادر مكتبه ليجدها تجلس خلف مكتبها تعمل بتركيز كامل وهي تكتب بعض الأشياء على الكمبيوتر. ظل واقف عند باب مكتبه يتابعها بتركيز حتى رفعت عيونها إليه ليقول مباشرة:
- بلاش تقربي أوي من شاشة الكمبيوتر كده علشان عينيكي.
لترتبك قليلاً وهي ترى نظرة عينيه التي تعرفها جيداً منذ أول لحظة لها في ذلك العمل. وكذلك شعرت ببعض الخجل بسبب اهتمامه بها.
إقترب من مكتبها وهو يقول:
- في حاجة مزعلاكي أو مضيقاكي يا سليمة هانم؟
زاد توترها وهي تقف أمامه وشعرت أن لسانها قد عقد ولم تعد تستطيع الرد أمام تحولاته الغريبة. وزاد هو الأمر وجعله أصعب حين قال بابتسامة حانية:
- أوعي أكون أنا سبب زعلك. صحيح أنا مدير صعب شوية لكن أكيد ميهونش عليا زعلك ودموعك.
- هو أنت عرفت منين إني كنت بعيط؟
قالت باندهاش وقلق ليقرب وجهه من وجهها وقال بصوت هامس:
- أصلي مخاوي.
لتتراجع إلى الخلف بخوف وقالت بهمس سمعه بوضوح ورسم القلق على وجهه مختلط بضيق:
- علشان كده بيتحول. يبقي إللي لابسه ساعات بيتحكم فيه. بسم الله. إنصرف.
لم يعلق على كلماتها. لكنه تركها وعاد إلى غرفته بحال غير الحال. إن حالته أصبحت واضحة حتى أن سكرتيرته الخاصة لاحظتها. وماذا بعد؟ هل سينتظر حتى يعرف الجميع؟ مؤكد لا.
أخذ سترته وغادر المكتب دون كلمة أخرى متوجهًا لعيادة عبد الله عله يجد الحل.
***
بداخل شقة مراد التي تطل على النيل مباشرة. رغم أنه لا يجلس في الشرفة أبداً بسبب أنه مصاب برهاب الأدوار المرتفعة. ورغم ذلك حين اشترى تلك الشقة كان لديه إصرار رهيب على أن تكون في دور مرتفع وكأنه يريد أن يعذب نفسه.
دلف إلى غرفته بعد أن تناول شطيرة صغيرة وكوب قهوة داخل المطبخ. وغسل الصحن والكوب.
بدأ في تبديل ملابسه ووضعها بأكملها في سلة الغسيل. فهو لا يستطيع ارتداء نفس الملابس مرتين. لابد أن تغسل وتكوى جيداً وتعقم أيضاً.
دلف إلى الحمام غسل يديه ووجهه وأسنانه وتوجه مباشرة إلى السرير بعد أن أعاد ترتيب الحمام وكل الأشياء التي استخدمها.
ومن عادته أنه حين يضع رأسه على الوسادة يغمض عينيه وفي ثواني قليلة يكون قد استسلم لسلطان النوم. لكن اليوم.
ضحكتها ومرحها يشغلون عقله. لذلك لم يستطع النوم بشكل سريع. لكن الإرهاق وقلة النوم التي أصبحت تصيبه كثيراً ليلاً جعلت جفنيه يثقلان. ولكن قبل أن يستلسم للنوم همس لنفسه بأسمها:
- ظلال.
***
عادت سليمة إلى البيت والحيرة تحرق قلبها وعقلها. ماذا يحدث معه؟ كيف يتبدل حاله بتلك الطريقة؟ هل هو حقاً "ملبوس" أو كما قال "مخاوي"؟ أم هذا طبعه الحقيقي؟ شخص عابث ويتخفى خلف وقار زائف. وهدوء غادر.
كيف هذا هو في معظم أوقاته هادي الطباع، لين الحديث، وقور ويضع حدود في التعامل؟ أن هذا الرجل به شيء غريب. تشعر بالخوف والفضول. ولكنها لا تعرف ماذا عليها أن تفعل الأن؟ هل تترك العمل وترحل؟ ولكنها لا تريد. وتلك الإجابة وكونها لا تريد تزيد من خوفها وتوترها.
أقتربت من والدها وجلست بجانبه ليقول والدها دون أن ينظر إليها:
- قولي كل إللي بتفكري فيه زي ما أنتِ حاسه بيه.
أقتربت منه أكثر وبدأت تقص عليه كل ما حدث معها. وكل أفكارها. وكان هو يستمع إليها بتركيز شديد ثم قال:
- وأنتِ عايزة إيه؟
- أنا خايفة. لكن مش عايزة أبعد. عايزة أعرف. لكن قلقانة من المعرفة دي.
أجابت والدها بصدق ليقول هو بعد أن تلاقت نظراتهم:
- خلي بالك الفضول قتل القطة. لكن كمان الجهل بالحقايق ظلم ليكِ وليه.
صمت لثواني ثم قال بإقرار:
- إستمري في شغلك. لكن كمان خلي بالك وخليكي حريصة في كل تصرف. وكمان عرفيني كل حاجة بتحصل معاكي أول بأول.
أومأت بنعم. ليربت على كتفها بتشجيع. حين دلفت والدتها وهي تقول ببعض العصبية:
- إنتوا في بينكم أسرار أنا معرفهاش. أبوكي بس هو إللي تحكيله. لكن أنا لأ صح؟
لتقترب منها سليمة وهي تقول بمهادنة:
- أنتِ الخير والبركة يا ست الكل. هو إحنا نقدر يكون في بينا أسرار من غيرك.
- جايلك عريس؟
سألتها والدتها بترقب لتهز سليمة رأسها بلا وقالت بتوضيح بسيط يرضي والدتها ولا يكشف شيء مما تعانيه:
- مديري صعب شوية. وكنت بفضفض لبابا.
- لو مش مريحك سيبي الشغل. راحتك أهم.
قالت والدتها بصدق لتقبل سليمة يدها وهي تقول بحب صادق:
- أنا مرتاحة. بس لسه محتاجه أتعود على طبعه.
ونظرت لوالدها وقالت بابتسامة صغيرة:
- هدخل أنام بقى.
وتوجهت إلى غرفتها ومباشرة إلى الشرفة تنظر إلى الشرفة المجاورة. لكن للأسف وجدتها مغلقة ولا يوجد أثر لصاحبها.
***
وصل أدهم إلى عيادة دكتور عبد الله. وحين وصل أدخلته الممرضة مباشرة. فقد كان لديها تعليمات بذلك.
جلس أمامه شارد يفكر في كل شيء وكل ما يحدث معه ويسترجع المواقف الغريبة التي يتذكرها ولكنها ضبابية بعض الشيء.
قال عبد الله بهدوء اكتسبه من عمله كطبيب نفسي لسنوات:
- أتكلم يا أدهم. قول كل إللي بتفكر فيه. أحكيلي كل التفاصيل إللي أنت فاكرها.
رفع أدهم عينيه إلى صديقه وقال ببعض الحزن:
- بعد وفاة بابا حسيت إن دنيتي كلها أنقلبت وبقيت لوحدي. أنا صحيح كنت بشتغل معاه وعارف كل التفاصيل. لكن إني أكون المسؤل الأول وأني لازم أقف قدام المنافسين كان صعب. والحكاية بدأت بعد وفاته على طول. أترميت في النار. حاربت كتير جداً وناس كتير. وكتير وقعت وحسيت أني ضعيف. ضعيف لدرجة أني سهل أي حد يأذيني. وفجأة كل الأمور دي أتحلت. الناس إللي عايزة تأذيني وقعت واحد ورى الثاني. وإشاعات كتير عن أني أنا السبب ورا كل ده. لكن أنا مكنش ليا دخل. أنا معملتش حاجة. لكن مكدبتش الموضوع. قولت خليهم يخافوا مني وأهو السيطرة ولا الغنى. ومن وقتها والكل بقا يعملي حساب ويخاف مني وده أداني قوة وخلاني أقدر أستمر لحد دلوقتي.
صمت لثواني وكان عبد الله يسجل خلفه بعض المعلومات رغم أن هناك جهاز تسجيل يسجل كل ما يقال. أكمل أدهم حديثه:
- ومن وقتها بدأت حاجات كتير تحصل معايا. حاجات شبه الحلم كده. بحس أني عملت حاجة لكن أيه هي معرفش. زي مثلًا العلامات إللي كانت على رقبتي. ومن كام يوم عدنان قالي إني شارب وإني كنت في حالة مش طبيعية وهو بيكلمني. والنهاردة السكرتيرة قالتلي إني بتحول.
رفع عينيه إلى صديقه وقال بألم:
- عبد الله أنا أيه إللي بيحصلي ده؟ إيه إللي بيحصل؟ أنا تعبت.
ترك عبد الله القلم وأخذ نفس عميق وقال بهدوء قدر استطاعته:
- بص يا أدهم التشخيص الأولي بعد إللي أنت حكيته. وبعد ملاحظتي أنا ليك من فترة. ف أنت مصاب بما يسمى "إضطراب الهوية التفارُقي dissociative identity disorder". إللي كان بيسموه قبل كده إضطراب الشخصية المتعدِّدة. يعني بيبقى فيه إتنين أو أكثر من الهويَّات والشخصيات بالتناوب داخل الشخص نفسه كل واحدة فيهم بتسيطر عليك لفترة.
ممكن للهويات دي أنماط كلامية، ومزاجية، وسلوكية مختلفة عن شخصيتك الحقيقية. وده مثلا يفسر إللي الناس قالته عن كونك أنت إللي أذيت منافسينك. كمان ممكن أنت متقدرش تفتكر المعلومات بسهولة. يعني زي الأحداث مثلًا اليومية أو المعلومات الشخصية المهمة أو الأحداث المؤلمة. ولا تفتكر إللي حصل معاك وقت وجود الشخصية التانية.
أتسعت عيني أدهم بصدمة وهو يقول:
- أنا عندي إضطراب هوية. أنا.
رواية أو أشد قسوة الفصل السابع 7 - بقلم سارة مجدي
عاد عدنان إلى البيت بعد أن أنهى بعض الأعمال التي كلفه بها أدهم، وساعده أحد الموظفين القدامى بالشركة.
لكنه لم يستطع الصعود إلى غرفته أو الدخول من الأساس إلى القصر. لم يكن مستعدًا لمواجهة ظلال، ولا لأي حديث من جدته. ففضل الجلوس في مكانه المفضل بحديقة القصر.
في الأساس، عقله ما زال داخل دوامات التفكير وجلد الذات. فكم كان يشعر بالفخر وهو يجلس في مكتب والده رحمه الله، يقوم بعمله كما كان يفعل هو. ولكن هناك فرق كبير بينه وبين والده، الرجل المحترم الذي حج بيت الله أكثر من مرة، الملتزم في صلاته، الذي ظل وفيًا لزوجته بعد موتها لسنوات وسنوات حتى ذهب إليها.
أين هو من والده؟ وهل سيليق يومًا بذلك الكرسي؟
تنهد بصوت عالٍ. لقد شعر فجأة أن الدنيا تصفعه بقوة، صفعات متتالية. لكن صفعاتها تركت أثرًا لا يمحى على وجهه وجسده. ليس فقط ليتعلم ويتغير، لا. إنها صفعات بها إنهاء حياة وموت. فما الحكمة من إدراكه لخطئه وهو لا يستطيع تصليحه أو العودة إلى طريق الصواب؟ هو الآن مدنس بخطاياه ولا توبة لها.
غمض عينيه وهو يقول:
"أدفع ثمن استهتاري… أتوجع زي ما وجعت… أخسر زي ما خسرت… أدخل جحيمك برجلك زي ما خرجت من نعيمك برجلك يا عدنان."
"ليه يائس كده من رحمة ربنا… مين المرادي اللي سابتك… توتو ولا سوسو؟"
فتح عينيه بصدمة حين وصله صوتها. ونظر لها بخوف لعدة لحظات، ثم عادت عيناه إلى ثلجيتها التي اعتاد عليها، لتبتسم ببعض السخرية حين اعتدل في جلسته وقال باستخفاف:
"لا توتو ولا سوسو ولا حتى ريري يقدروا يسيبوني. أنا اللي بسيب… وأنا اللي بقرب بمزاجي وببعد بمزاجي."
شعرت بنار حارقة تلتهم قلبها الخائن الذي ما زال متعلقًا به. رغم خيانته لها، رغم قسوة قلبه وقطعتي الثلج الساكنين في محجر عينيه.
لكنها ابتسمت بألم وقالت بصدق:
"صحيح أنت اللي بتقرب وأنت كمان اللي بتبعد… وأنت اللي قادر تفرح وقادر كمان تجرح… بس خلي بالك يا عدنان، جرح القلوب مش سهل عند ربنا ولا هين. واللي كسرت قلبه لو قال يارب بس يبقى يا ويلك يا ابن عمي."
غادرت سريعًا قبل أن تخونها دموعها وتتساقط أمامه، فما عاد هناك مكان لجرح جديد لكرامته.
لكن الدموع تلك المرة كانت من نصيبه هو. غير مبالٍ إن رآه أحد. فقلبه لم يعد يحتمل أنه يموت دون أن يشعر به أحد. حلمه الوحيد أمام عينيه وحُرم عليه تحقيقه. ومع كل هذا، كُتب عليه أن يعيش كل هذا الألم وفوقه ألمه. أي عذاب هذا وأي عقاب؟
وجد نفسه ينظر إلى السماء ويصرخ:
"ياااااااارب…. ياااااااارب."
ظل يبكي، لا يعرف كم مر عليه، لكنه يشعر بإنهاك شديد. يريد أن يرتاح جسده، يئن من الألم وروحه تصرخ تطلب الخلاص.
صعد إلى غرفته وأغلق بابها بالمفتاح. وبدون أن يبدل ملابسه حتى، لم يخلع حذائه. ألقى بنفسه فوق السرير وأغمض عينيه، يتوسل بعض الراحة في أحلامه.
عاد أدهم إلى القصر، عقله شارد في ما قاله له عبدالله.
"اسمعني يا أدهم، الموضوع بجد مينفعش معاه أي استهتار. لازم نبدأ علاج وفورًا."
الزهول والصدمة المرتسمة على ملامح وجهه جعلت عبدالله يتجاهل كونه طبيبًا ويتحدث كصديق.
"أدهم، اللي حصل معاك هو ضغط نفسي شديد. حصل بسببه اضطراب في شخصيتك. كنت محتاج تبقى قوي، قلبك ميت، كنت محتاج تنسى مبادئك وكل الحاجات اللي اتربيت عليها. ولأنك كنت رافض ده كله حصل اضطراب الهوية. عقلك الباطن خلق شخصية عكسك تمامًا، شخص مستهتر قادر على الأذية. والشخصية دي أكيد هنكتشفها مع المراقبة."
"مراقبة؟!!!"
ردد أدهم بغضب وأكمل كلماته حين وقف فجأة.
"مين اللي هيراقبني؟"
وقف عبدالله أمامه وقال بقوة وتحدي:
"عيلتك لازم تعرف يا أدهم علشان يلاحظوا تصرفاتك. ونقدر نقابل الشخصية التانية ونتواصل معاها. علشان أقدر أعالجك."
كان الرفض يرتسم على ملامح أدهم، وكاد أن يرفض. لكن عبدالله قطع الطريق عليه وقال بشكل حاسم:
"القرار في إيدك. أنا أكيد مش هقدر أجبرك إنك تقولهم. بس ده معناه عالم مجهول أنت بتعيشه بكل تفاصيله وبترجع منه لا فاكر أنت عملت إيه ولا حصل ليك إيه. ممكن ترتكب جريمة… كبيرة من الكبائر… تكون مثلًا متجوز ومخلف، أي حاجة. أنت متخيل حجم الكوارث اللي ممكن تعملها وأنت مش واعي ولا فاكر؟"
كان الخوف يرتسم في عيني أدهم، لكن عبدالله لم يتوقف.
استدار عائدًا إلى الكرسي الخاص به خلف المكتب وقال بتوضيح:
"كلامي اللي فات ده كان كلام صديقك. لكن لو اتكلمت بشخصية الطبيب هقول أنت المفروض تتحجز في المصحة لفترة علشان تكون تحت الملاحظة."
لينظر له أدهم بصدمة. لكن عبدالله ظل ينظر إليه بتحدٍ وثبات. ليأخذ أدهم أغراضه من على المكتب وغادر دون أن يقول أي شيء.
ظل يدور في شوارع العاصمة دون وجهة محددة. حتى وجد نفسه يعود إلى القصر.
وها هو منذ الكثير من الوقت جالس في السيارة، لا يعلم ماذا عليه أن يفعل.
ظلت تفكر في سبب غياب جارها المجهول. صوته يثير بداخلها إحساسًا لا تفهمه. وكأنها تريد أن تظل تستمع إليه طوال حياتها. لكن أيضًا هناك شعور آخر يجعلها تريد الابتعاد عنه.
وكان السؤال الذي يشغل عقلها: متى استأجر تلك الشقة؟ وكيف؟ فصاحبها غير موجود في البلد، إنه يعمل في إحدى الدول الأوروبية منذ سنوات. هل يكون هو صاحب الشقة وقد عاد من السفر؟
لوت فمها بضيق وهي تقول لنفسها:
"هفضل أقول إزاي ومين وليه وامتى ومش هوصل لإجابة. وأخاف أسأل ماما تشك فيا… أعمل إيه بس؟ الفضول هيموتني!"
أغلقت النور المجاور للسرير ووضعت الوسادة فوق رأسها وهي تقول بصوت مختنق:
"يارب أنام."
فوق ذلك المسرح، كانت تتمايل بدلالها الذي بدأ يخطف الأنظار. وصيتها الذي ذاع في كل مكان، وأصبح الجميع يريد رؤية الوجه الجديد الذي يتحدث عنه الجميع.
وفي وسط وصلتها الراقصة، صعد أحد الرجال جوارها. بدأ في الرقص جوارها وهو يلقي فوق رأسها الكثير من الأوراق المالية.
لكن ذلك الغاضب الذي يقف قرب الباب يتابع ما يحدث بغضب، وهناك نيران وشرار داخل عينيه.
أقترب خطوتين، لكنه توقف مكانه حين عاد هذا الرجل لمكانه. لكن ذلك جعل المزيد من الرجال يريدون الصعود. والاسم أنهم يلقون عليها "النقطة". والغرض الأساسي هو الاقتراب منها وسرقة نظرة أو لمسة.
فلم يعد يتحمل، وكاد أن يصعد إلى المسرح يأتي بهذا السمج من ملابسه. لكنه وقف خميس أمامه وقال:
"على فين؟"
نظر له بيبرس بغضب وقال بضيق:
"هو أنت مش شايف اللي بيحصل ده؟ هوقفهم عند حدهم."
ابتسم الجوكر ابتسامة جانبية وقال ببعض السخرية:
"محصلش حاجة. الناس معجبين بيها وبينقطوها. يعني مصلحة ليها وللمحل."
أقترب خطوة من بيبرس وهمس جانب أذنه:
"لو غيران عليها مكنتش جبتها من الأول تشتغل رقاصة. ولو ندمان يا حلو، ادفع الشرط الجزائي وخدها وامشي."
ثم نظر إلى عينيه وأكمل بنفس الفحيح:
"ولو مش معاك بقى، يبقى تسكت وترجع تقف مكانك وتسيب الزباين ينبسطوا."
أغلقت الدماء في عروقه. لعن نفسه وتفكيره. وتلك اللحظة التي وافق فيها على طلبها. لينظر إليها بعجز. لينفض الجوكر عن بدلته غبارًا وهميًا وهو يقول:
"مكانك عند الباب…. روح شوف شغلك."
تركه وتحرك عائدًا إلى مكتبه. ظل بيبرس واقفًا في مكانه، لا يعرف حقًا ماذا عليه أن يفعل؟ هل يضرب كل شيء عرض الحائط ويسحبها من يدها ويعود بها إلى البيت؟ رافضًا كل ما يحدث ولتكن العواقب كما تكون، أم يحتكم للعقل الذي يأمره أن يعود إلى مكانه ولا يخسر وظيفته ويبحث عن حل آخر؟
وكانت هي في عالم آخر. سعيدة بكل تلك الأوراق المالية التي ألقيت عليها وتغطي الأرض أسفل قدميها، وتفكر في نصيبها وما قررت فعله بكل تلك الأموال التي تحصل عليها.
ترتب المواعيد كما أمرها. وتجري بعض الاتصالات حتى تخبر أصحابها وتؤكد عليهم. حين اتصل بها يطلب دخولها له لتأخذ مفكرتها ودخلت إليه.
لتجده يبحث عن شيء ما، ومن الواضح عليه العصبية الشديدة.
أقتربت خطوتين من مكتبه وقالت بأستفهام:
"حضرتك بدور على حاجة؟"
رفع عينيه إليها والغضب واضح بشكل كبير داخلهما، وبصوت عالٍ قال:
"أيوة بدور على أوراق صفقة "..." ومش لاقية. ما هو لو أنتِ سكرتيرة محترمة كل حاجة تكون في مكانها ولاقي الحاجة أصلًا من قبل ما أفكر فيها."
ظلت صامتة تنظر إليه بصدمة من هجومه المباغت عليها. إنها المرة الأولى الذي يصرخ فيها بتلك الطريقة. لكنها قالت بهدوء وعملية:
"الملف حضرتك طلبت مني أبعته لأستاذ عدنان يراجعه ويتولى هو الموضوع."
رفع حاجبه بصدمة. هو لا يتذكر ذلك الأمر، لكن غروره وعنجهيته رفضن أن يظهراه أمامها بتلك الصورة، فقال بصوت عالٍ:
"المكتب كله متبهدل. ومفيش حاجة في مكانها. وأنتِ شاطرة بس قعدالي ورا الكمبيوتر. مش عارف سكرتيرة إيه دي اللي شبه الغفر وكمان مش عارفة شغلها كويس."
كانت تنظر إليه وعيونها تمتلئ بالدموع، لكن عقلها يحاول تحليل ما يحدث. هذا الشخص مؤكد مجنون أو ممسوس كما أخبرها سابقًا. فما يقوم به ضرب من الجنون. كيف يأمرها بعمل شيء ما وفي اليوم التالي يتهمها بالإهمال والتقصير؟ والأغرب أنها تشعر أن من يقف أمامها شخص آخر غير ذلك المدير التي تعمل معه. صحيح ليست المرة الأولى الذي يحدث فيها موقف كهذا، لكن هذه المرة قال لها كلمات جارحة لا تستطيع تحملها.
انتبهت من أفكارها على صوته الصارخ وهو يقول:
"أنتِ لسه واقفة؟ هو لازم أعيد كلامي مرتين علشان دماغك تستوعب أوامري."
لتلقي المفكرة من يدها أمامه على مكتبه وقالت بغضب:
"أنا مسمحلكش إنك تهين كرامتي أو تتكلم معايا بقلة احترام. أنا بشتغل معاك هنا في الشركة مش جايبني أسقيلك الشقة."
"تسيقي الشقة!!!"
ردد خلفها الكلمة باندهاش وصدمة. لكن حين أراد أن يرد عليها كانت قد غادرت، صافعة الباب خلفها. ليضرب سطح المكتب بيده وهو يتوعدها بأن يسقيها المرار ألوان.
كانت عائدة في طريقها إلى البيت بعد انتهاء الحلقة. كم كانت حلقة حماسية بشكل كبير. فالجميع كان ينتظر موضوع الحلقة ونقاشاتها مع مراد، والمرح الذي يغلف حديثهم. خاصة تعليقاتها التي يلحقها مراد مرددًا بأنه سوف يطردها.
وصلتهم الكثير من الرسائل والاتصالات التي تمدح أسلوبهم الراقي في المناقشة، ومرحهم وكم يوجد بينهم انسجام كبير. وما زاد سعادتها هو ما ظهر لها في نظرات إعجاب مراد بعملها. حين أشار لهم المخرج بأن الحلقة قد انتهت، نظر لها وهو يقول بابتسامته التي تخطف الأنفاس:
"أنتِ بجد يتخاف منكِ. ممتازة يا ظلال. هيكون ليكي مستقبل باهر."
ابتسمت له وهي تقول بحماس:
"شكرًا بجد يا مراد. بنتعلم منك."
"بكاشة."
قالها وهو يجمع أوراقه. وحين وقف قال:
"إيه رأيك نفطر مع بعض النهاردة؟"
نظرت إلى ساعتها وقالت ببعض التوتر:
"جدتي هتعلقني لو اتأخرت. لكن ممكن أستأذنها ونفطر بكرة مع بعض."
أومأ بنعم وغادر الاستديو وهو يقول للأعداد بصوت عالٍ:
"جهز يا ابني حلقة بكرة وابعتلي الاسكربت."
لتبتسم. فمراد يذكرها بالأطفال. متذمر، مرح، جاد بعض الأحيان.
لكن ما لاحظته ولفت انتباهها أنه شديد الترتيب. فكل مرة حين تضع ورقة خارج ترتيبها، يمد يده ويعيدها في مكانها حتى وهم على الهواء.
وكل شيء في مكانه غير مقبول أن يتغير. وذلك أثار فضولها أكثر. في الحقيقة، مراد منير شخصية مثيرة للاهتمام، وهناك الكثير من الأسئلة داخل رأسها.
وكان هو يشعر بسعادة كبيرة. فقد عاد برنامجه يتصدر محركات البحث. واسمه رغم اقترانه بظلال، لكنه عاد ليصبح الترند الأول. ها هو مراد يعود وبقوة. هو لا يسقط أبدًا. هو قادر على التجديد ومواكبة العصر.
وضع أوراقه على سطح المكتب وهو يتذكر ابتسامتها، ورقتها، حركات يدها وهي تتحدث. وحين تغطي فمها وهي تضحك. نظرات عيونها الممتلئة بشقاوة بريئة محببة. قادرة على إغواء أعتى الرجال دون مجهود يذكر.
جلس على الكرسي خلف المكتب وهو يهمس لنفسه بتفكير:
"إيه يا مراد. بقى الطفلة دي هتغير رأيك ومبدأك ولا إيه؟"
أخذ نفسًا عميقًا وأكمل قائلًا:
"طلعتيلي منين يا ظلال."
وردد اسمها أكثر من مرة ودون شعور منه، وجد نفسه يقول:
"ظل عينيك يسحرني… ورمشك يأثرني."
"ظلي ومظلتي… أنتِ سحري وبرائتي."
"ظل في ليلي يختفي… وفي نهاري يسطع."
"ظلال اسمكِ… وفي حياتي أنتِ مظلتي."
وقفت تجمع أغراضها. هي لن تظل في هذا المكان أكثر من ذلك. كرامتها أهم من أي شيء ولن تتنازل عنها. وتسمح أن يقوم ذلك المدير المتعجرف بإهانتها.
لكنها انتفضت بخوف وهي تستمع لصوت صراخه بأسمها. كانت تريد بكل عند وإصرار أن تتجاهل ندائه وترحل، لكن قدميها خانتاها وتوجهتا إلى مكتبه.
وقفت تنظر إليه بتحدٍ. وحين تقابلت العيون، ظل ينظر إليها لعدة ثوانٍ وكأنه تفاجأ بوجودها أو لم يكن يتوقع أنها ما زالت موجودة.
أخذ نفسًا عميقًا ثم قال:
"ألغِ كل مواعيدي النهاردة. أنا ماشي."
وتحرك ليغادر المكتب. لتقول هي بسرعة:
"أنا مش هكمل شغل وهقدم استقالتي. وبما إن حضرتك ماشي دلوقتي فـ أنا هكتبها وهسيبها لحضرتك على المكتب وبكرة حضرتك توقعها."
ظل واقفًا في مكانه دون أن ينظر إليها. ومرت الثواني عليهم حتى التفت إليها وقال من بين أسنانه:
"استقالتك مرفوضة. وبكرة الصبح لو مكنتش على مكتبك أوعدك إني هعمل حاجات لا يمكن دماغك العنيدة دي تتخيلها."
كان يقول كلماته ومع كل كلمة يقترب منها خطوة، حتى أصبح لا يوجد أي مسافة بينهم. ومع آخر كلمة تحولت نظراته الغاضبة إلى نظرات جريئة. وأكمل قائلًا:
"وبعدين يا سليمة، بلاش يبقى مخك قافل كده. خليكي معايا على نفس الخط علشان متزعليش مني."
ثم غمز لها بشقاوة وغادر. وظلت هي واقفة في مكانها تشعر بالخوف، والصدمة، والجنون. هذا هو الوصف الحقيقي لما يحدث معها. ذلك الرجل مجنون وسيصيبها بالجنون أو سوف يقتلها بتصرفاته الغريبة.
عادت إلى مكتبها وبدأت في إجراء اتصالاتها حتى تلغي كل مواعيده. وحين انتهت أخذت حقيبتها وغادرت. فهي تشعر بالإجهاد وعقلها يدور في دوائر الحيرة والخوف.
بعد مرور أكثر من شهر.
لم تستطع النوم. منذ عودتها من الملهى الليلي وهي تجلس في غرفتها. حتى لم تبدل ملابسها. تنظر إلى المبلغ المالي الكبير الذي حصلت عليه للمرة التي لم تعد تعرف عددها. وبداخلها صراع لا يهدأ.
جزء منها يلومها والجزء الآخر يشجعها. لكن أكثر ما كان يشغل بالها هو ما حدث بعد وصلتها الأولى.
حين عادت إلى غرفتها. وقبل أن تبدل ملابسها سمعت طرقات على باب الغرفة ودخول ترتر وهو يقول بأسلوبه الأنثوي:
"كنتي شمعة يا روحي. الكل كان هيتجنن عليكِ."
وأقترب منها أكثر وهمس:
"الجابري بيه طالب إنك تأنسيه شوية على ترابيزته وباعتلك الهدية دي."
وفتح أمامها علبة مخملية حمراء وداخلها خاتم بفص أبيض كبير.
اتسعت عيونها بإعجاب شديد. رفعت يدها حتى تمسك به، لكنها منعت حين مسكها أحدهم بقوة.
رفعت عيونها لصاحب اليد لتجده بيبرس ينظر إليها بغضب شديد. غضب يزيد كل يوم عن اليوم الذي يسبقه. وقد جائته الفرصة.
ظلت نظراتهم معلقة ببعضها لعدة ثوانٍ، لكنه قطع هذا التواصل حين نظر إلى ترتر وقال بغضب مكتوم:
"اخرج لي."
يغادر ترتر سريعًا، ولكن قال قبل أن يغلق الباب:
"أنا مش هقول للجوكر. أنت عارف زعله وحش."
وأغلق الباب بعد أن اشتعلت عيون بيبرس بغضب يعرفه ترتر جيدًا.
ليعود بيبرس بنظراته إلى زيزي وقال من بين أسنانه:
"أنتِ ناوية على إيه؟ أنتِ فاهمة معنى الهدية دي إيه؟ وفاهمة معنى إنك تنزلي تقعدي مع الزباين في الصالة؟"
لم تجب على أسئلته التي لم تكن تحتاج إلى إجابة من الأساس. ليكمل كلماته وهو يدفعها إلى الخلف:
"أنا مش ناوي أبقى قرني يا ست زيزي."
لتُعيد له كلماته ذكرى تلك الليلة التي قالت له فيها تلك الكلمة حين كان يقف على باب المحل ينتظرها حتى تنتهي من تبديل ملابسها ليعيدها إلى البيت كما اتفق معها منذ أتى بها إلى ذلك المكان لتعمل به.
خرجت تلف جسدها بجاكت ثقيل والإرهاق واضح بشكل كبير على ملامحها. حين وقعت عيناه عليها تقترب منه. تحرك إلى السيارة السوداء الموجودة أمام باب المحل وفتح لها الباب الخلفي لتجلس بصمت. وصعد هو خلف المقود وتحرك وهو يقول:
"الجوكر معجب جدًا بيكي وراضي أوي عنك. وسمعت تراتيش كلام إنه ناوي يكافئك."
لم تعلق على كلماته وأغمضت عينيها وهي تبتسم بتهكم. وتقول لنفسها: "معلوماتك بايته يا بيبرس. ده بيكافئني من تاني يوم… والفلوس نازلة عليا زي المطر."
لكنه لم يتوقف عن الحديث وقال:
"بدلتك النهاردة كانت مجننة الكل. أكمنها كانت ماشية بمبدأ شوق ولا تذوق."
لتفتح عينيها وتقول بصوتها الناعس:
"واضح إن أنت كمان البدلة عملت معاك شغل عالي. بس قولي يا بيبرس، أنت مرتاح في شغلانتك دي؟ يعني سي الجوكر ده بيقبضك كويس؟"
ليضحك بسخرية وقال ببعض الاستهزاء:
"أهي شغلانة بتجيب فلوس حلوة كل ليلة. صحيح الواحد بيشوف مهانة وذل، لكن كمان أهو الواحد بيملي عينه بلحم أبيض يدوق له بوسة حضن وبقشيشها عالي أوي يا ست زيزي."
أومأت بنعم وهي تبتسم باستهجان وقالت:
"بس لامؤاخذة يعني، القرون مش مضايقينك؟"
ليوقف السيارة فجأة ونظر لها بغضب وقال من بين أسنانه:
"أنا شغلتي بادي جارد في الكباريه مش قواد. ولا ليا قرون. والدليل إني بجيبك من بيتك وبرجعك بيتك صاغ سليم ومحدش بيلمس طرف شالك."
شعرت بالخوف منه بسبب جسده الضخم والغضب الذي يرتسم على ملامحه. لتقول بصوت مرتعش:
"مقصدتش حاجة وحشة يا بيبرس. لكن أنا قرفانة من خميس وعمايله وزنه عليا علشان أنزل أقعد زباين الصالة ولا أروح معاهم المشاوير إياها. ترتر مش بيبطل زن."
تظهر معالم الصدمة على ملامحه وقال بغضب مكتوم:
"أنتِ بتقولي الصدق مش كده؟"
أومأت بنعم. ليصلها لفظ نابٍ خرج من بين شفتيه. ثم قال بهدوء:
"متقلقيش يا ست زيزي. أنا يوم ما جبتلك الشغل في الكباريه وعدتك إنك هتشتغلي رقاصة وبس. غير كده مش هيحصل. ودي مسؤليتي أنا."
وعاد ليجلس في مكانه من جديد وأدار محرك السيارة حتى يعيدها إلى منزله.
لكن الحال بداخل كل منهم قد تبدل. هي ابتسمت بسعادة حين عادت إليها ثقتها في بيبرس. الرجل الذي كانت منذ صغرها تتمناه وهي تراه في الحارة يدافع عن المظلوم ويعاقب من ينظر إلى أي فتاة. والجميع يخشاه.
وكانت دماء الغضب تثور بداخل عروقه. يتوعد خميس في سره. ولكن عليه التفكير بدهاء.
وكان هو الآخر غارقًا في عيونها البريئة الذي أصبح يخشى تحولها وأن يرى بها ما يكره. يتذكر أيضًا ذلك الموقف. لكنه قال من بين أسنانه:
"أنا اللي جايبك هنا. ومش هقبل إني أبقى قرني وأسرحك. بموتك يا زيزي. أنتِ فاهمة؟ بموتك."
وتركها وتحرك في اتجاه الباب. وقبل أن يفتحه نظر لها وقال:
"هتخلصي رقص وهتلاقيني مستنيكي على الباب. مش عايز لكاعة وتأخير."
عادت من أفكارها وعيونها تلمع بدموع لا تفهم سببها.
هل خوف مما هو آت؟ أم هو ندم على ما أصبحت عليه؟ أم هو إحساس بالضياع يزداد يومًا بعد يوم، يفقدها هويتها ويسرق منها طريقها؟
تنهدت بصوت عالٍ. وبدون روح تحرك جسدها حتى تضع المال مع سابقيه داخل ذلك الدرج وتغلقه ببعض العنف وهي تقول بصوت هامس:
"مبقاش فيه مجال للرجوع يا زيزي. وقعتي خلاص. ولسة لما بيبرس يعرف اللي أنتِ عملتيه مش بعيد يقتلك."
رواية أو أشد قسوة الفصل الثامن 8 - بقلم سارة مجدي
يجلس في مكتبه يعمل بتركيز شديد، فقد اعتاد على العمل، يشعر أنه قد وجد نفسه فيه أكثر من الرياضة. العمل يجعل ذهنه دائمًا مشغولًا، وعلى الأقل يبقى نصف اليوم دون أن يخطر على عقله أي أفكار عن مرضه أو عن ظلال.
آه ظلال، دائه ودوائه. يستمع كل يوم إلى برنامجها الصباحي، لكن بمفرده بعيدًا عن جدته وأدهم، حتى يستمتع بصوتها، يبتسم مع ضحكتها. يشعر بالاختناق من مزاح مراد معها، ويتمنى أن يكون هو من يمازحها ويكون سبب ضحكتها. يبكي حسرة على خسارته لها، لكن قلبه الذي يعشقها بصدق ويتمنى سعادتها حتى لو مع غيره، يتألم بشدة لخسارتها. لكن لم يعد هناك شيء أهم منها ومن سعادتها، ليظل يبتعد ويبتعد حتى تصبح المسافة بينهم لا يستطيع أي منهم تقليلها، وليشفى قلبها من غرامه المسموم الذي لا أمل منه ولا فائدة.
ضغط الزر الموجود على المكتب ليدخل السكرتير الذي عينه أدهم له خصيصًا، حين رفض أن يعين فتاة كالعادة. وكم أراد أن يضحك بصوت عالٍ على هيئة أدهم المصدومة.
مد يده بالأوراق وهو يقول:
- سلم الورق ده لآنسة سليمة وقول لها عايزين توقيع باشمهندس أدهم بسرعة.
أومأ الرجل بنعم وتحرك ينفذ ما قيل له.
ليريح عدنان رأسه على قمة الكرسي وأغمض عينيه وهو يتنهد، ويدعو الله بالدعاء الذي يلتزم به منذ عرف بمرضه:
- اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي.
***
يجلسون في إحدى المقاهي كعادتهم منذ شهر تقريبًا، يتناولون إفطارهم بعد انتهاء بث الحلقة. هي تشعر بالسعادة وهي تجلس مع شخص مميز كمراد، لكنها لا تفهم سبب إصراره على هذا الأمر يوميًا. هل يتقرب منها أم يتصرف بتلقائية وكما هو متعارف عليه في الأوساط الفنية والإذاعية، الصداقات أمر عادي ولا يوجد شيء خاص؟ هي لا تفهم، لكن تصرفاته بها بعض الغرابة.
تتذكر أول مرة خرجا معًا بعد أن أخذت الإذن من جدتها في أن تتناول الإفطار معه، ووافقت شكران على مضض، خاصة وأن عدنان كان يجلس معهم حينها. وأرادت أن تزيد من نار الغيرة المشتعلة داخل عقله، وشاركتها ظلال الرغبة، لكنه صدمها بإظهار عدم المبالاة والاهتمام.
ليزداد إصرارها على مقابلة مراد، علها تستطيع الخروج من دائرة عدنان إلى الأبد. في ذلك اليوم بعد انتهاء الحلقة، نظر إليها وقال بابتسامته الجذابة:
- أخذتي الإذن؟
أومأت بنعم وهي تقول:
- هنفطر فين؟
- في مكان حلو أوي وهادي بحب أفطر فيه ده لما بقرر أفطر وحابب إنك تيجي معايا هناك. قولتي إيه؟
قال بصوت هامس بعض الشيء ونظراته تحمل الكثير من المشاغبة، لتقول هي بضحكة شقية:
- أحب جدًا.. أنا جعانة أوي.
يقف وهو يقول:
- يبقى يلا بينا.
صعدت بجواره في السيارة بعد أن طلبت من السائق اللحاق بهم، ليقول مراد مستفهمًا:
- هو أنتِ مش بتعرفي تسوقي ولا إيه؟
نظرت إليه وأجابت ببعض الحزن المصطنع:
- بعرف وجدًا كمان، بس آآبيه أدهم خايف عليها لأني بطلع بدري أوي من البيت علشان معاد الحلقة، فـ يكون معايا سواق أفضل علشان الطريق ومابقاش لوحدي، يعني كنوع من الحماية. وكمان علشان لو متوترة أو قلقانة أو براجع وبجهز نفسي للحلقة.
- معاه حق طبعًا، أنا لو منه مكنتش خليت معاكي سواق، بس كنت عينت لك طقم حرس كامل.
قال كلماته وهو ينظر إليها بنظرات رفضت فهمها، أو تجاهلتها عن قصد، لكنه كان يقصد تلك النظرات، ومن داخله يشعر بسعادة كبيرة لكونها تجلس معه الآن في سيارته، وسيتناول معها الإفطار. سوف يقضي معها وقتًا أطول ويعود إلى بيته وتكون بطلة أحلامه ككل يوم، أحلامه الذي يتمنى أن تصبح حقيقة ملموسة يومًا ما.
حين وصلوا إلى المكان وترجلا من السيارة، فُتحت لهم الأبواب وكان الترحيب بمراد قوي ومبهج، ومن الواضح فعلًا أنه يأتي للمكان كثيرًا. لكن هي صدمت بالترحيب القوي بها هي، وكلمات المدح عن أسلوبها وكم هي مرحة ولطيفة. وأن البرنامج ازداد جمالًا بوجودها، وأكثر ما أسعدها هي ابتسامة مراد السعيدة بها وبكل هذا الحديث. فأكثر ما يميز مراد هو ثقته بنفسه وأنه يحب الخير لغيره.
حين أصبحا بمفردهما، اقتربت منه قليلًا وقالت بعدم تصديق:
- معقول اللي حصل ده؟ أنا مش مصدقة.
اتسعت ابتسامته وهو يقول بصدق:
- تستحقي أكثر من كده يا ظلال.. أنتِ موهوبة وليكي مستقبل كبير جدًا، وبكرة هيكون ليكي برنامج خاص بيكي أنتِ لوحدك.
كانت الابتسامة التي تزين ملامحها الرقيقة تجعله يشعر بالسعادة حقًا، وكأنه ملك الكون بكل ما عليه. ولمع بقلبه السؤال الأهم: هل يحبها؟ لكنه لم يفكر في الإجابة، يكفي وجودها معه جواره أمام عينيه. ليسألها باهتمام:
- عجبك المكان؟
- جدًا.. راقي وهادي وكمان الناس هنا ظريفة جدًا.
أجابته وعيونها تنظر في كل مكان، ليضحك وهو يقول برجاء:
- تسمحيلي أفطرك على ذوقي؟
أومأت بنعم، ليفتح قائمة المأكولات وهو يشير إلى النادل ويخبره بما يريد.
عادت من ذكرياتها على صوت مراد وهو يطلب الطعام كعادته كل مرة، يطلب هو الطعام. وفي الحقيقة كل مرة يبهرها باختياراته وذوقه. والأكثر من ذلك إنها تشعر وكأنه يجلس داخل عقلها، يعرف ماذا تريد؟ هل تريد شيئًا خفيفًا مع كوب قهوة؟ أم تريد تناول فطور دسم وتشعر بجوع شديد؟
كانت تنظر إليه بتفحص، ليقول هو دون أن ينظر لها:
- حلوة الصورة؟
ضحكت برقة وهي تقول بتعجب:
- أنت مين؟ وإزاي كده؟
لينظر لها بدهشة وقال ببساطة:
- أنا مراد.
لتضحك وهي تقول برقة يغلفها بعض الخجل:
- مقصدش اسمك.. أقصد أنت إزاي كده.. إزاي بتفهمني وازاي بتعرف اللي أنا محتاجاه من غير ما أتكلم؟
لمعت عيناه ببريق خطف دقة من قلبها رغمًا عنها، خاصة حين قال:
- يمكن لأني حاسس إني عارفك.. كأني كنت شايفك حافظ تفاصيلك.. سامع دقات قلبك.. وراسم أفكارك.. من أول مرة شوفتك فيها خطفتني عينيك اللي كلها براءة وشقاوة.. عنيدة لكن وحيدة.. معرفش بس اللي بحسه نحيتك ديما بيطلع صح.
داخل قلبها غصة ألم إنها تستمع لهذا الحديث من شخص آخر غير عدنان، لكن جزء منها سعيد. ها هي مرئية بتلك الصورة المميزة من شخص مميز كمراد. لماذا ظلت في الظل ولم ترها عيون عدنان؟ لكنها قالت بخجل:
- إيه الكلام الكبير ده يا مراد؟
- تستحقيه يا ظلال.. وتستحقي الأكتر منه كمان.
قال كلماته وهو يتذكر كل الأيام التي مرت من أول مقابلة بينهم، وهي تجلس أمامه بمجموعة أحاسيس مختلفة بين خجل وثقة، تواضع وبعض من غرور يليق بها. كل هذا مختلط مع أنوثة مميزة.
ومنذ ذلك اللقاء وهي بطلة أحلامه، تعود معه إلى بيته، تتخلى عنها في كل شيء حوله، وهو يتناول قهوته في المطبخ، يراها تجلس في غرفة نومه تقرأ كتابًا وتمسك هاتفها تتحدث مع صديقتها، أو تجلس أمام المرآة تتزين. حتى أصبحت شيء هام لا يكتمل يومه إلا بها، لذلك سعى بكل طاقته أن تجمعه بها وجبة في اليوم يخلق بها الكثير من الذكريات.
انتبه من أفكاره على صوتها وهي تقول:
- هتقول نفس الكلام ده لو بقى ليا برنامج لوحدي وبقيت بنافسك؟
ابتسم بثقة وهو يقول:
- في أقرب وقت هيكون ليكي برنامج وكبير كمان.. بس الأكيد إننا مش هننافس بعض يا ظلال.. هنكمل بعض.
شعرت أن كلماته لها معنى مختلف غير مقصده، لكن عجبها حديثه للغاية ولمس بداخلها شيء ما، لتبتسم بخجل فطري يلمس قلبه في كل مرة.
***
ممدد على الأريكة في عيادة عبدالله، ينظر إلى السقف منذ أكثر من خمسة عشر دقيقة، وعبدالله ينظر إليه بملل.
يأخذ نفسًا عميقًا وينفخ الهواء من صدره، يكاد ينفجر من الغيظ.
وبعد مرور عشر دقائق أخرى، قال عبدالله بملل:
- يا ابني لو أنت مش محتاج الوقت ده، في ناس تانية محتاجاه.. أنت جاي تتأمل السقف.. ساكت ليه؟
نظر إليه أدهم والحيرة واضحة في عينيه، قال بشرود:
- بقالي شهر بفكر بس مش قادر آخد قرار إني أعرفهم يا عبدالله.. صعب أوي أقولهم حاجة زي دي.. أنت متخيل إن الشخص اللي المفروض يكون مسؤول عنهم دلوقتي، هما اللي المفروض يبقوا مسؤولين عنه ويراقبوه ويتعاملوا مع شخصية تانية ميُعرفوهاش.. وبعدين..
صمت غير قادر على متابعة وإكمال الحديث. ليعتدل عبدالله في جلسته، وظهر على وجهه الاهتمام، خاصة حين اعتدل أدهم جالسًا وقال:
- وبعدين هي لو عرفت هتعمل إيه؟
- هي.. هي مين يا أدهم؟
سأله عبدالله باهتمام، ليقول أدهم بنفس الشرود السابق:
- سليمة.
قطب عبدالله حاجبيه وازداد الاهتمام حين أكمل أدهم حديثه:
- من كلامها فهمت إنها لاحظت الحالات اللي بتحصلي.. من شهر لقيتها عايزة تقدم استقالتها وبتقولي إني عكسها وهزأتها وأهنتها.. أنا لازم أتعالج يا عبدالله.. لازم.
غادر عبدالله من خلف مكتبه وهو يقول:
- يبقى لازم نبدأ من دلوقتي في العلاج.. جلسات العلاج النفسي ونعرف عيلتك.. وممكن كمان نقول لسليمة أنا شاي..
لم يكمل حديثه حين انقض عليه أدهم وأمسكه من ملابسه وهو يقول:
- تقول لمين؟ أنت اتجننت؟ وبعدين اسمها آنسة سليمة، أنت فاهم؟
ليضحك عبدالله بصوت عالٍ وهو يقول بصعوبة:
- آنسة سليمة.. خلاص يا ابني هموت في إيدك.
ابتعد عنه، لكن نظراته الغاضبة لم تهدأ. ظل الموقف ثابتًا لعدة لحظات، ثم قال بتوتر:
- هنقولهم إزاي.. يعني أنا اللي هقول ولا أنت..
شعر عبدالله بخوفه وخجله، فقال بدعم:
- عيلتك بتحبك يا أدهم.. وصدقني كلهم هيدعموك وهيقفوا جنبك.. ويا سيدي نرتبها مع بعض.. وابقا معاك وأنت بتقولهم علشان لو محتاجين توضيح وشرح للحالة بالتفصيل.
- حالة.. بقيت حالة خلاص.
ردد أدهم خلفه بحزن، ليقول عبدالله بقوة:
- أدهم، حالتك النفسية مهمة جدًا في علاجك ولازم تكون جاهز لكل حاجة وكل الاحتمالات وتتقبل قدرك.
أومأ أدهم بنعم ووقف حتى يغادر، ليقول عبدالله سريعًا:
- هتقولهم امتى؟
نظر له بتشتت.. ثم قال:
- بكرة.. بكرة.
وغادر والهموم ترتسم على ملامحه وكأن جبال فوق كتفيه. كان يتابعه وهو يسير في اتجاه باب العيادة، وكأنه كهل بظهر منحني وليس شاب في ريعان شبابه. تنهد بحزن، وهو يدعو الله أن يوفقه ويعينه حتى يستطيع مساعدة صديقه.
***
لم يأتِ اليوم.. أين هو؟ ولماذا لم يحضر؟ أمره كله غريب. في الكثير من الأوقات تجده هادئًا طبيعيًا، كما كان انطباعها عنه في مقابلة العمل. وأحيانًا تجده عصبيًا لا يُحتمل. وأيام أخرى جريئًا وقحًا يتطاول عليها بالحديث أحيانًا.
لكنها تذكرت تلك المرة التي أرادت فيها تقديم استقالتها، ورغم رفضه كتبتها وتركتها على مكتبه ورحلت. في صباح اليوم التالي لم تذهب إلى العمل لتجد هاتفها يرن برقم غريب وبإصرار. وحين أجابت، وصلها صوته يسأل بقلق:
- إيه اللي حصل يا سليمة علشان تقدمي استقالتك وتسيبها كمان على المكتب ومتجيش النهاردة؟.. فيه إيه؟
شعرت بالذهول من كلماته، ألم تخبره بالأمس بأنها ستقدم استقالتها؟ هل فقد ذاكرته ولم يعد يتذكر ما فعله بها بالأمس؟
فقالت ببعض العصبية:
- هو حضرتك عايزني أكمل شغل إزاي بعد اللي حصل امبارح، ولا هو أنت عايز تجنني.. وبعدين أنت امبارح هزأتني وأهنتني وقولت عليا غفير.
صمت ولم يستطع الرد على كلماتها.. هو لا يتذكر أي شيء من هذا، لكن كيف يقول لها شيء كهذا؟ بعد مرور عدة دقائق، قال بأسف:
- أنا آسف يا سليمة.. أنا بجد مش عارف أعتذرلك إزاي وأقول إيه.. لكن أنا محتاجك يا سليمة، محتاجك بجد.. أرجوكي ترجعي الشغل.. وتصبري عليا شوية.. أنا آسف.
شعرت بالخجل بسبب كلماته واعتذاراته، فقالت بصوت مرتعش:
- حاضر يا باشمهندس.. نص ساعة وهكون في المكتب.
عادت من ذكرياتها وهي تتنهد ببعض الحزن، أن حاله غريب. أصبح كثير الشرود، وكأنه كبر في العمر فجأة.
أضاءت شاشة هاتفها باسمه الذي سجلته على هاتفها بعد محادثته لها. أجابته بلهفة حاولت مداراتها قدر الإمكان:
- السلام عليكم يا باشمهندس.
أجابها بإجهاد واضح:
- وعليكم السلام ورحمة.. أنا مش هقدر أجي النهاردة.. أي شغل متعلق خلي عدنان يشوفه.. ولو في حاجة مش هيقدر عليها، ألغيها أو أجليها.
شعرت بالخوف وألم قوي في قلبها، فقالت بصدق:
- حضرتك كويس؟
- لا يا سليمة.. مش كويس.. مش كويس خالص.. ادعيلي أرجوكي.. أنا بجد محتاج دعاكي ودعمك ليا.
أجابها بصدق، لينبض قلبها بألم وهي تقول بحزن:
- ربنا يصلح حالك ويروق بالك ويشفي قلبك من الوجع ويطيب روحك.
تأوه بصوت واضح وهو يؤمن خلفها:
- آمين يارب.. ربنا يخليكي ليا.
وأغلق الهاتف قبل أن يضعف ويخبرها بكل شيء. وظلت هي تضع الهاتف فوق أذنها غير منتبهة لدموعها التي تغرق وجهها.
***
اليوم تشعر بألم قوي في معدتها، لم تستطع النوم حتى لساعة واحدة بعد عودتها من الملهى، ولا تعرف السبب.
أمسكت هاتفها واتصلت به، فلا تستطيع الاتصال بغيره. لكن الرنين توقف وهو لم يجب. لتعاود الاتصال مرة أخرى، وأيضًا لم يجب. لكن قبل أن تضع الهاتف على الطاولة، رن الهاتف وأضاءت شاشته باسمه. لتجيب بسرعة وهي تقول:
- الحقني يا بيبرس مش قادرة.. هموت.
ظل صامتًا لثوانٍ، فهو استيقظ على صوت الرنين ولم يكن قد استعاد وعيه بالكامل، لكنه انتفض واقفًا وهو يقول:
- مالك فيكي إيه؟ حاسة بإيه؟
- بطني بتتقطع.. حاسة إني هموت من الوجع.
أجابته وهي تبكي وتتأوه بصوت عالٍ، ليضع قدمه في خفه وركض إلى الخارج، وهو يقول بلهفة:
- هقفل معاكي على ما تلبسي وتنزلّي علشان أوديكي المستشفى.
- الناس هتقول إيه لو شافونا سوا.. أنا هطلع على أول الشارع.
قاطعته قائلة بألم قوي، ليصرخ بها:
- أنتِ مش قادرة تتكلمي هتمشي إزاي.. أنا هدخل البيت من غير ما حد يشوفني.
لتصرخ به:
- يالهووووي يالهووووي هتفضحني في وسط الحارة.. أنا هخرج برة الحارة يا بيبرس اسبقني على هناك زي كل يوم.
ليعود إلى البيت مرة أخرى ويبدل ملابسه سريعًا، وعاد يركض إلى خارج الحارة حين لمحها تغادر باب بيتها وهي تحاول السير بصعوبة. فلم يتحمل قلبه حالتها تلك، ليوقف توك توك وقال له:
- شايف الست اللي هناك دي وصلها لأول الشارع.
وأعطاه ورقة مالية من الفئة الكبيرة، ليبتسم الشاب الصغير بسعادة وأدار التوك توك عائدًا إلى زيزي التي صعدت في الكرسي الخلفي وهي تكتم صرخات الألم بصعوبة.
***
يقود السيارة بجنون وسرعة، ينظر إليها كل لحظة وأخرى وهو يقول:
- قربنا نوصل.
وهي لا تجيب بشيء، فقط تصرخ صرخات مكتومة من الألم القوي. لكن حين أوقف السيارة أمام المستشفى، مدت يدها له ببعض المال وهي تقول:
- خلي دول معاك.
نظر إلى يدها التي تحمل رزمة كبيرة من الأوراق المالية الفئة الكبيرة باندهاش وصدمة. اندهاش من كونها تملك هذا المبلغ الكبير، وصدمة من كونه نسي تمامًا أمر المال ولم يحضر معه أي نقود.
أخذهم منها وغادر السيارة ودار حولها بسرعة، فتح بابها وانحنى يحملها بين ذراعيه وبخطوات سريعة دخل إلى المستشفى يصرخ بصوت عالٍ أن يساعده أحد. وبالفعل اقترب بعض الممرضين ومعهم سرير متحرك، وضعها عليه وتحركوا من أمامه حتى دلفوا إلى أحد الغرف وأغلقوا الباب. ليشعر أن قلبه سيتوقف من الخوف والعجز، لكنه ظل واقفًا مكانه ولم يتحرك، عينه ثابتة على الباب ينتظر أن يفتح.
وبعد الكثير من الوقت، فُتح أخيرًا ليخرج الطبيب وتحدث بعملية شديدة تصل حد البرود:
- لازم تعمل عملية.. الزايدة عندها على وشك الانفجار.. انزل الحسابات على ما نجهزها للعملية.
وتركه وغادر. ظل بيبرس واقفًا في مكانه لعدة ثوانٍ، الصدمة ترتسم على ملامحه. ثم تحرك من فورِهِ يبحث عن الحسابات، وإحساسك بالصدمة والخوف عليها يجعله لا يعلم ماذا عليه أن يفعل؟ ولكن عليه أن يتحرك سريعًا وعليه أيضًا أن يتصل بالجوكر ويخبره بما سيحدث.
***
يقف في شرفة غرفته ينظر إلى حديقة القصر الواسعة، لكنه لا يرى أي شيء منها. عقله غارق في التفكير، يريد أن يتخذ القرار، لكن كل ما يشعر به هو الخوف فقط. فماذا يفعل؟
نظر إلى السماء لعدة لحظات، ثم أخرج هاتفه من جيب بنطاله واتصل بعبدالله وطلب حضوره إلى القصر.
وبعدها اتصل بعدنان وطلب منه أيضًا الحضور فورًا إلى القصر ودون تأخير. وصوته الجدي لم يسمح لعدنان بالسؤال أو المزاح.
ثم عاد إلى غرفته ومباشرة إلى الحمام، توضأ ووقف يصلي. ثم نزل إلى الأسفل ووجد جدته تجلس في مكانها المعتاد وجوارها ظلال، وبين يديها صحن كبير من الفشار يشاهدون أحد المسلسلات التركية الطويلة بانتباه شديد وتركيز، حتى أنهم لم ينتبهوا له ولوجوده. ظل يتأملهم وابتسامة صغيرة ترتسم على فمه رغم الحزن الساكن في عمق عينيه.
نظرت إليه جدته وهي تقول بسعادة:
- رغم إني مندهشة جدًا من الإجازة الغريبة دي، لكن بصراحة مبسوطة علشان شوفتك واطمنت عليك.
ظلت الابتسامة تزين ملامحه الرجولية وهو يقول بصدق:
- كنت حاسس إنكم وحشني وحبيت أقعد معاكم شوية.
اعتدلت ظلال في جلستها وقالت بسعادة:
- أحلى حاجة عملتها والله يا آآبيه.. أنت كمان واحشني جدًا وكان نفسي أشوفك وأقعد معاك.. عندي حاجات كتير عايزة أتكلم معاك عنها وآخد رأيك في كذا حاجة.
وبدأت في الثرثرة دون توقف، حتى أنه انشغل تمامًا عما كان يشغل عقله ويفكر فيه.
بعد مرور بعض الوقت، دخل عدنان يقول بقلق:
- خير يا أدهم.. في إيه؟.. قلقتني.
لينظر إليه أدهم وقال بهدوء:
- اقعد وهتفهم كل حاجة دلوقتي.
مر من جانبه وجلس بجانب شُكران من الجهة الأخرى دون أن يلقي ولو نظرة على ظلال التي تجمعت الدموع في عيونها، فمنذ آخر مواجهة وهو يتجنبها تمامًا. لم يعد يجلس معهم على طاولة العشاء، ولا يجلس في مكانه المفضل بالحديقة، حتى أحاديثه مع الفتيات قد اشتاقت لها رغم وجع قلبها.
ولم يكن هو بحال أفضل، فقلبه الذي اشتاق لرؤيتها يؤلمه الآن ويريد أن يذهب إليها يرتاح بين كفيها، يشعر بدفئها.
كانت شُكران تشعر من داخلها بالحزن. كم تمنت أن يتزوج عدنان من ظلال، وتمنت أن ترى أدهم يتزوج من فتاة رقيقة تسعد قلبه وحياته، وتعوضه بعض الشيء عن كل تلك السنوات التي مرت عليه صعبة وقاسية.
وكان أدهم ينظر إليهم بحزن ويرسم بداخل عقله ردود أفعالهم حين يسمعون الخبر.
لكن قطع تفكيرهم دخول عبدالله بابتسامته البشوشة وهو يقول:
- جدتي شُكران وحشتيني جدًا جدًا.
لتبتسم له وهي تقول بلوم:
- لو وحشاك صحيح كنت تيجي تزورني وتجبلي مراتك وولادك علشان أشوفهم.
ل يجلس أمامها على ركبتيه يقبل يدها وهو يقول بحزن مصطنع:
- أشوفهم أنا الأول ومن عنيا حاضر.
لتضربه على كتفه وهي تقول بلوم مرح:
- مش هتتغير ولا هتعقل أبدًا.. الله يكون في عون مرضاك.
اعتدل واقفًا وهو يقول:
- والله أنا بقيت مريض أكتر منهم.. بس هنقول إيه.
ومد يده بسلام لعدنان وهز رأسه بتحية بسيطة لظلال، وتوجه إلى أدهم وجلس جواره. خيم الصمت على الجميع للحظات، حتى قال أدهم بجدية:
- في موضوع مهم لازم أتكلم معاكم فيه.. من حقكم تعرفوه.. وكمان أنا محتاجكم جدًا ومحتاج دعمكم.
ظهر الاهتمام والقلق على جميع الوجوه، ليكمل أدهم بعد أن ربت عبدالله على ساقه بدعم:
- أنا عندي مشكلة صحية.. والموضوع مش بسيط.
لتشهق ظلال بصدمة وخوف، وقالت شُكران بقلق:
- مالك يا أدهم؟ فيك إيه يا ابني؟
ليقول عبدالله بدلًا من أدهم:
- أنا هفهمكم.
وبدأ يشرح لهم مرض أدهم وما يحدث له، لتظهر على وجه عدنان لحظة إدراك وهو يتذكر كل ما حدث من أدهم سابقًا وما لاحظه عليه.. إذًا كان بشخصيته الثانية.
بكت ظلال بصوت عالٍ وبدأت شُكران في الحوقلة بصوت مختنق. لم يتحمل أدهم كل ذلك ليغادر الغرفة والقصر بأكمله. كاد عدنان أن يلحق به، لكن عبدالله منعه قائلًا:
- سيبه لوحده يا عدنان.. إنكم تعرفوا الموضوع ده ويبقى محتاج مراقبة منكم كلكم مش سهل عليه.
نظر له عدنان بعجز وبداخله حرب قوية، يريد أن يصرخ هو الآخر "أنا كمان مريض.. أنا كمان محتاج رعاية واهتمام.. محتاج أشبع منكم كلكم قبل ما أموت" لكنه لم يقل شيئًا وعاد يجلس في مكانه من جديد، ليقول عبدالله بهدوء:
- في حاجة لازم تعرفوها وتفهموها كويس.. التعامل مع الشخصية التانية يكون طبيعي.. يعني متحاولوش تفهموه إنه أدهم ولازم يرجع لطبيعته خالص.. هتتعاملوا مع الشخصية التانية باسمها وطباعها لحد ما يمشي بمزاجه.
كان الجميع صامتًا وكأن على رؤوسهم الطير. ليغادر عبدالله بعد أن أكد عليهم طريقة التعامل، وأن يخبره بطبيعة هذه الشخصية، وأن أمكن يتصلوا به حتى يتحدث معها.
ظل الثلاثة جالسين في مكانهم لا يجدون ما يقولونه. لم تتوقف ظلال عن البكاء، ولم تتوقف شُكران عن الدعاء والاستغفار، ولم يتوقف عدنان عن الصراخ بداخله "أنا كمان مريض.. أنا كمان محتاج رعاية واهتمام.. أنا كمان محتاج أشبع منكم كلكم قبل ما أموت".
***
ظل بيبرس جالسًا أمام غرفتها بعد أن تم نقلها إلى غرفتها، يفكر ماذا عليه أن يفعل الآن؟ فوالدها في المنزل بمفرده، لم يأكل شيئًا ولم يأخذ دوائه وهي مازالت تحت تأثير البنج. هل ينتظر إلى أن يحل الليل ويحاول الدخول إلى بيتها وإعطائه الدواء؟ ومهما أطال التفكير لا يجد حلًا آخر غير ذلك. نفخ الهواء من صدره بملل وضيق، فالجوكر لم يجب على اتصالاته المتكررة، ولا يعلم ماذا عليه أن يفعل الآن.
لكن كل شيء يهون إذا كانت هي بخير.
أراح رأسه إلى الحائط وأغمض عينيه بإرهاق، لكن للجوكر رأي آخر حين رن صوت هاتفه وكان المتصل الجوكر. أجابه بيبرس بإرهاق وشرح له الوضع، ليصرخ فيه الجوكر بصوت عالٍ:
- وأنت ماشي بدماغك مش تكلمني الأول.
ليقف بيبرس وقال بغضب لم يستطع السيطرة عليه:
- كنت هستنى منك الإذن وهي ممكن تموت والزايدة تنفجر جوه بطنها.. وبعدين هو ممنوع عليها المرض ولا أنت أصلًا مش مصدق.. لو الموضوع كده احنا موجودين في مستشفى..
وأغلق الهاتف، ورفع يده يريد أن يقذف به ليصطدم بالحائط ليتحطم أمامه إلى ألف قطعة.
حضر الطبيب ليطمئن عليها، وبعد أن دخل إليها وفحصها خرج إلى بيبرس وقال:
- هي هتفضل نايمة النهاردة.. وإن شاء الله هتفوق بكرة فممكن تروح وبكرة تبقى تجيلها.
- لا أنا هفضل معاها بس هروح أجيب حاجة في السريع وراجع على طول.
قال بيبرس بسرعة موضحًا، ليومئ الطبيب بنعم وغادر، ليقترب بيبرس من باب غرفتها وفتحه برفق يتطلع إلى وجهها الشاحب لعدة لحظات، وبداخله يتمنى أن يقترب منها يضمها إلى صدره يستنشق ريحها، لكنه تحرك ليغادر حتى يطمئن على والدها ويعود إليها.
صعد إلى سيارته ومباشرة توجه إلى حيه. أوقف السيارة في مكانها على مدخل الحارة وسار بخطوات ثابتة للداخل، يحاول حصر كم شخص بالشارع، ويفكر في طريقة لدخول البيت دون أن يراه أحد. وصل أمام البيت ليقف على أحد جدرانه يستند بظهره عليه، ورفع إحدى قدميه على الجدار ينتظر أن يقل عدد المارة بالشارع. مرت أكثر من نصف ساعة وهدأت الحارة قليلًا ليتحرك في اتجاه البوابة، ونظر حوله نظرة سريعة ثم عبر البوابة، غير منتبه لتلك العيون التي تراقب بيت زيزي دائمًا بغضب وكره، والآن تبتسم بتشفٍ فقد وجدت مرادها.
***
ظل يقود سيارته في شوارع العاصمة على غير هدى، لا يعلم أين هو أو إلى أين يذهب، لكنه يريد أن يركض ويركض حتى يختفي ولا يجده أحد.
أوقف السيارة فجأة حين شعر بألم قوي في رأسه، ومن شدته أراح رأسه على المقود ليشعر بتثاقل جفنيه، وبعدها لم يدرك أي شيء.
فتح عينيه بعد الكثير من الوقت ينظر حوله باندهاش، أين هو؟ ولماذا يقف في مكان نائي مثل هذا؟ وما هذا الألم في رأسه؟ مد يده يفتح ذلك الدرج الموجود في تابلوه السيارة وأخرج علبة السجائر وأخرج منها واحدة، أشعلها وأخذ نفسًا عميقًا منها.
ثم أعادها لمكانها وأخذ زجاجة صغيرة كانت تجاور العلبة وفتحها، تجرع منها القليل وهو يقول:
- أهو كده نعدل المزاج.
ثم أدار محرك السيارة وهو يتصل بذلك الرقم المعتاد، لكنها لم تجب، ففهم أنها مازالت تعمل. إذًا ليعود إلى المنزل ويقوم هو بطقوسه الخاصة التي تسعده بشدة.
أدار محرك السيارة وانطلق بعد أن رفع صوت مشغل الموسيقى لتعلو أغنية شعبية بكلماتها الغريبة:
(إحنا الواجهة قيمة وقامة.. باجي بشوق مش زيك باجي بماما)
كان يغني معها بصوت عالٍ، والابتسامة لا تفارق وجهه.
حتى وصل وجهته، أوقف السيارة وترجل منها يلقي التحية على حارس العقار الذي نظر له بضيق وهو يرد التحية ودخل إلى المصعد.
***
خرجت من باب المنزل تضع الطعام والماء لتلك الهرة الصغيرة التي تجلس أمام بيتها ككل يوم. بعد أن انتهت ظلت مكانها تتابعها بهدوء وابتسامة وهي تتناول الطعام بنهم. كانت تمرر يدها على ظهرها بحنان.
حين فُتح باب المصعد وخرج منه شاب صاحب عضلات قوية، يرتدي ملابس رياضية سوداء متوجهًا إلى الشقة المجاورة لها. كانت تنظر إليه وهي تفكر، إذًا هذا هو الجار الغامض؟ هل حانت اللحظة لتتعرف عليه؟ لكنه لم ينظر إليها ولو لمرة. سار بخطوات ثابتة في اتجاه شقته وهو يغني بصوت ليس بسيء وأيضًا ليس بجيد، لكن به شيء مميز يلمس قلبها.
شهقت بصوت عالٍ حين قامت القطة بخدش يدها، لينظر في اتجاهها، لتجحظ عيونها بصدمة وهي تقول بذهول.
رواية أو أشد قسوة الفصل التاسع 9 - بقلم سارة مجدي
قالتها بصدمة ليلتفت ينظر إليها بنظراته العابثة وعلى ثغره ابتسامة جانبية جذابة.
لكنه لم يجيب على ندائها.
أقتربت خطوتان وقالت بتردد:
- باشمهندس أدهم، حضرتك بتعمل إيه هنا؟
تجاهل سؤالها وقال بمشاغبة:
- الغفير اللي شغال معايا في الشركة.. أنتِ جاية ورايا لحد البيت يا شقية.. وأنا اللي كنت فاكرك مؤدبة.
تراجعت خطواتها إلى الخلف والصدمة والخوف يرتسمان على ملامحها.
لكنه أكمل كلماته المازحة:
- عرفتي عنواني منين يا شقية.. ده أنا مقولتش على المكان ده لأي حد.
ظلت صامتة تنظر إليه بنفس النظرات وهو ظل ينظر إليها بنظراته العابثة.. التي، ويا للصدمة، جذابة وخاطفة لدقات قلبها وجعلت رجفة قوية تسري في عروقها.
لكن ما زاد صدمتها وهي تراه يرفع يده التي تضم بين أصابعها سيجارة ليست بريئة إلى فمه وهو يغمز لها بشقاوة.
ثم فتح باب شقته ودخل وأغلقه خلفه دون أن ينظر إليها مرة أخرى.
لكن وقبل أن تستوعب ما حدث، فتح الباب من جديد وقال لها بتحذير:
- مش عايز حد يعرف المكان ده غيرك يا قطة.. علشان لو حد عرف..
لم يكمل حديثه ولكنه أشار إلى عنقه بحركة موحية لتشعر بالخوف حقًا.
ليس من تحذيره الواهي ولا تلك الحركة التي يقوم بها كل الأبطال الأشرار في الأفلام العربي القديمة.
ولكن من تحول ذلك الرجل من النقيض إلى النقيض.. هل من كان يقف أمامها الآن بهيئته العابثة وبفمه سيجارة محشوة هو نفسه ذلك الرجل الذي تعمل معه ومعروف عنه الاستقامة ورأته أكثر من مرة يصلي في مكتبه؟
ما هذا الجنون؟ ومن هذا الرجل؟
لم تتحمل كل هذا.. وبدلًا من الدخول إلى بيتها وإغلاق الباب، فتحت باب المصعد وقررت حسم الأمر.
وقفت أمام حارس العقار العم عبدالواحد تسأله بترقب:
- بقولك يا عم عبدالواحد، هو مين اللي أجر شقة الأستاذ إحسان؟
ابتسم الرجل بسماجة وهو يقول بتوضيح:
- مأجرهاش، ده اشتراها.. أصل أستاذ إحسان مش ناوي يرجع هنا تاني وطلب مني أبيع له الشقة والمحامي بتاعه أخد الفلوس وبعتهالهم.
أمالت هي وكل هذه التفاصيل التي لا تعنيها.. لتقول بابتسامة صفراء:
- أيوه يعني مين اللي اشتراها ده اسمه إيه؟ اسمه أدهم؟
- لا أدهم إيه.. اسمه الأستاذ ثامر بس مش فاكر اسم أبوه.
أجابها بفخر وكأنه يخبرها أن من اشترى الشقة هو أحد ملوك العالم.
لكنها كانت بعيدة تمامًا عن تفاخره وحديثه السمج.
وظلت تفكر من ثامر هذا.. هل لأدهم أخ توأم واسمه ثامر؟
هل تسأله حين تراه في الشركة؟
أم تصمت وتدعي عدم انتباهها للأمر.
تنهدت بضيق وهي تعود إلى المصعد، تاركة خلفها ذلك الرجل الثرثار ينظر في أثرها بنظرات غير بريئة أبدًا.
~~~~~~
بعد رحيل أدهم وعبدالله، ظل الثلاث على نفس جلستهم يغلف الأجواء صمت رهيب لا يقطعه سوى شهقات ظلال من وقت لآخر.
كل منهم يفكر في كلمات عبدالله والجميع يشعر بالصدمة.
حتى قالت شكران بإقرار:
- كنت حاسة إنه مش كويس.. اللي حصل معاه من يوم وفاة حسام ما كانش سهل.. أدهم الحنين المسالم فجأة يترمي في بحر الشغل وسط حيتان وقروش.. وناس ما بيحرموش شغلهم كله غدر والمصلحة هي اللي بتحكم.. كان لازم يتعب وينخ ويقع.
زاد بكاء ظلال.. وزادت صرخة عدنان، لكن هذه المرة موجهة إلى جدته.
"ألا تشعرين بي أنا أيضًا.. أنا أيضًا مريض.. أنا أيضًا أحتاج إلى الدعم والمواساة.. بعض من الشفقة."
لكنه قال بحزن على نفسه وعلى ابن عمه:
- كلنا حواليه.. ومن دلوقتي لازم ناخد بالنا منه ونراعي ظروفه.. ونهتم بيه أكتر.. وإن شاء الله نقدر نسيطر على الوضع.. أدهم قدها وعمره ما هينخ ولا يقع.
لم يعقب أي منهم على حديثه، فهذا ما سيفعلونه بالفعل.
لكن الخوف من المجهول شيء صعب.. كيف سيتعاملون مع شخصية أخرى لأدهم؟
وكيف ستكون طباع تلك الشخصية؟
ماذا فعل وهو بتلك الشخصية؟
وأي أخطاء ارتكبها؟
ومن جديد عاد الصمت يغلف جلستهم حتى قطعه صوت رنين هاتف ظلال.
أجابت سريعًا حين قرأت اسم مراد:
- أيوه يا مراد.
صمتت قليلًا تستمع لكلماته المتلهفة:
- ظلال، أنتِ كويسة؟ مال صوتك؟ أنتِ معيطة؟
لتقول بعد أن مسحت دموعها من فوق وجنتها:
- فعلًا كنت بعيط.. أصل حصلت حاجة كده زعلتني قوي.
صمتت مرة أخرى لعدة ثوان تستمع لكلماته الرقيقة:
- مفيش حاجة في الدنيا تستاهل دموعك يا ظلال.. لو عايزة تحكي مع صديق، مستعد أسمعك للأبد أنا جاهز ونفسي.. ولو مش قادرة خلاص، بس اعرفي إني موجود ديما جنبك.. المهم دلوقتي بطلي عياط.
لتبتسم رغم حزنها ثم قالت:
- ميرسي يا مراد.. بس هو ينفع تقدم الحلقة بكرة من غيري؟
ليبتسم حين وصله رد مراد العصبي الرافض:
- لا طبعًا مينفعش.. وبعدين الشغل ينسيكي شوية اللي مضايقك.. ويهون عليكي.. كمان أنا لازم أشوفك بكرة علشان أطمن عليكي بنفسي.. هتكوني موجودة بكرة، أوك؟
عادت تمسح دموعها من جديد وهي تقول:
- خلاص هكون موجودة إن شاء الله.. شكرًا يا مراد بجد.. أنت مش عارف كلامك ده فوق معايا قد إيه.
لم يتحمل أكثر من ذلك.. كل هذا فوق احتماله وطاقته.
وقف وتحرك في اتجاه الباب ليغادر الغرفة.
لتقول له شكران بشك يشوبه الضيق:
- أنت خارج؟!
نظر لها بعد أن خطف نظرة سريعة لتلك التي تبتسم كالبلهاء وقال بضيق:
- لا.. هقعد في الجنينة بره.. محتاج شوية هوا نضيف علشان أقدر أفكر.. محتاج أبقى لوحدي يا جدتي.
أومأت شكران بنعم لتتسابق ساقيه حتى يخرج سريعًا فلا يستمع لباقي الحديث المستفز الذي يحرق قلبه بنيران الغيرة والحسرة.
وها هو منذ أكثر من ساعتين يجلس هنا في مكانه المميز.. ينتظرها تأتي إليه ككل مرة.. أو يلمح طيفها يراقبه من خلف نافذتها.
لكنها لم تأت.. ولم يلمح طيفها.
هل ذهب حبها له أدراج الرياح خلال شهر واحد دخل فيه مراد بينهم؟
إنه يريدها.. يغار عليها رغم أنه يعلم جيدًا أن لا مجال لهما سويًا.
هو قد انتهى.. لقد أصبح شخصًا في عداد الموتى مثله كمثل المفقودين أسفل الأنقاض.
فماذا يريد منها؟
أن تظل تتعذب بحبه؟ لا.. لا والف لا.
لتجد من يحبها.. يدللها.. يسعدها.
هي ظلال قلبه وسعادتها تكفيهما سويًا حتى وكل منهم في مكان ويفصل بينهما بحار ومحيطات وعوالم.
أغمض عينيه باستسلام ليغرق في النوم ويسلم له رافعًا رايته البيضاء راجيًا بعض الراحة والسلام النفسي.
وكانت هي تقف خلف تلك الشجرة الكبيرة.. تنظر إليه سعيدة.. ويا لحالها الميؤس منها.. فكونه لم يكلم إحدى عشيقاته ولم يرسم جرحًا جديدًا فوق قلبها البائس المعلق بحبال هواه دون أمل.. تشعر بالسعادة.
وكان هذا وقت إيجاد إجابة لذلك السؤال.. إلى متى؟
~~~~~~
دخلت غرفتها مباشرة بعدما صعدت من الأسفل وحديثها مع عبدالواحد.
ومباشرة إلى الشرفة.. تريد أن تتأكد أنها لم تكن تتخيل.
لكنها بالفعل رأت أدهم.. بشخصيته العابثة التي قابلتها أكثر من مرة خلال عملها بمؤسسة الخشاب.
لكن من ثامر هذا؟ وماذا عليها أن تفعل الآن؟
عيونها تتابعه من فتحات الأرابيسك وهو يجلس على مقعده الوثير يمدد قدمه على المقعد الآخر وبين يده سيجارة جديدة.. وكوب قهوة.
قهوة.. رددتها بصوت هامس والاندهاش يعتلي ملامحها.
كيف هذا.. وكان يبدو منذ لحظات غير متزن وتفوح منه رائحة بشعة تدل على أنه كان يتناول مشروبًا محرمًا.
فكيف يشرب الآن القهوة بهدوء ووداعة؟
انتبهت من أفكارها على صوته وهو يغني:
"حيرت قلبي معاك.. وأنا بداري واخبي
قول لي أعمل إيه وياك.. ولا أعمل إيه ويا قلبي
بدي أشكي لك من نار حبي..
بدي أحكي لك ع اللي في قلبي
وأقول لك ع اللي سهرني.. وأقول لك ع اللي بكاني
وأصور لك ضنا روحي.. وعزة نفسي منعاني
يا قاسي بص في عيني.. وشوف إيه اتكتب فيا
دي نظرة شوق وحنية.. ودي دمعة بداريها
وده خيال بين الأجفان.. فضل معايا الليل كله
سهرني بين فكر وأشجان.. وفات لي جوه العين ظله
وبين شوقي وحرماني.. وحيرتي ويا كتماني
بدي أشكي لك من نار حبي
بدي أحكي لك ع اللي في قلبي
وأقول لك ع اللي سهرني.. وأقول لك ع اللي بكاني
وأصور لك ضنا روحي.. وعزة نفسي منعاني"
كانت تستند إلى الحائط تستمع لصوته الغريب.. الذي يلمس قلبها وروحها.
رغم أنه ليس بالصوت الجيد إلا أنه مميز وأذنها تحبه.
لكن بعد صمته عادت الأفكار تضرب عقلها بلا رحمة.
اتسعت عيناها بشدة حين تذكرت ذلك الموقف.. حينما كاد أدهم أن يسقط في المكتب وتحولت نظراته لأول مرة لتلك النظرات العابثة التي تجعلها تشعر بالخجل.. ودخول ذلك الطبيب الذي طلب منها الرحيل وأنه سيبقى معه وسيحل الأمر.
وعرفها بنفسه أنه طبيب أدهم الخاص.
وحينها أعطاه بطاقة عمله طالبًا منها إذا تكرر الأمر أن تتواصل معه وتخبره.
هل تتصل به وتسأله؟ وتطلب منه الحضور بنفسه لرؤية صديقه المجنون؟
أم الأفضل أن تنتظر للصباح وترى ماذا سيقول أدهم بنفسه عن ما حدث؟
لكنها لن تستطيع الانتظار.
عادت إلى غرفتها سريعًا وبدأت في البحث داخل حقيبتها عن تلك البطاقة.. لكنها لم تجدها.
جلست أرضًا وأفرغت محتويات الحقيبة بالكامل أرضًا وبدأت في البحث من جديد.. لترتسم ابتسامة واسعة على وجهها حين وجدتها.
تركت كل شيء على حاله ووقفت تبحث عن هاتفها.. جلست على السرير وبين يدها الهاتف تكتب أرقام الطبيب بسرعة.. ورفعته لأذنها بلهفة رغم إحساسها القاتل بالخجل.. لكن الفضول أقوى من أي شيء.
~~~~~~
يجلس في غرفته بعد أن تناول وجبة العشاء مع عائلته وقضى معهم وقتًا كان يفتقده بشدة.
لقد اشتاق لتلك الجلسات الذي يستمع فيها لضحكات ابنته.. ومزاح ابنه وابتسامة زوجته التي يعشقها ويعلم كم تتحمل من مسؤوليات هو بعيد عنها تمامًا وهي بكل طاقتها وقوتها لا تترك شيئًا يأخره عن عملها.
انتبه من أفكاره على رنين هاتفه.. ظل ينظر إلى الرقم غير المسجل بتفكير.
هل يجيب ويقطع إجازته الذي اقتطعها بصعوبة حتى يجلس مع عائلته؟
أم يتجاهل؟
لكن صوت زوجته التي غادرت الحمام الآن أعادته من أفكاره وهي تقول:
- تليفونك يا عبدالله.
نظر لها بتشتت لتقول بابتسامة رقيقة:
- رد.
قبل الاتصال قائلًا:
- السلام عليكم.
صمت لثوانٍ ثم قال بابتسامة راحة:
- أهلًا بيكِ آنسة سليمة اتفضلي.
صمت يستمع إلى كلماتها لينتفض واقفًا وهو يقول بصدمة:
- أنتِ متأكدة إنه أدهم؟! ما يمكن شخص شبهه.. أو أنتِ..
لم يكمل كلماته حين قاطعته قائلة بتأكيد:
- يا دكتور، أنا شفت الشخصية دي في المكتب أكتر من مرة.. نظراته الجريئة.. كلامه اللي فيه وقاحة.. مزاجه المتقلب وخصوصًا إنه كان بيطلب مني حاجات وينسى إنه طلبها.. أو قالها أصلًا.. كمان هو اتعرف عليا وعارف إني أنا سكرتيرته.. أنا متأكدة إنه أدهم.
لم تنتبه لنفسها حين قالت اسمه دون ألقاب.
لكن عبدالله انتبه.. وانتبه أيضًا لخوفها وصدق لهفتها.
لذلك قال:
- أنا محتاج العنوان ومحتاج أقعد معاكي نتكلم علشان تفهمي الموضوع لأني هحتاج مساعدتك.
أخبرته بعنوان بيتها.. وحددوا موعدًا في الغد حتى يوضح لها الأمر بالكامل.
حين أغلق الهاتف رفع عينيه إلى زوجته التي تقف على مسافة منه تستمع لمحادثته بهدوء ظاهري.. لكن من داخلها أصبحت تشعر بالوحدة وفقدان الصبر.
عبدالله لا يشغله سوى عمله.. مرضاه.. هي وأولاده في نهاية قائمة اهتماماته.
لذلك حين تحرك خطوة ليقترب منها.. تحركت هي في الاتجاه المعاكس وخلعت مأزرها وصعدت إلى السرير وهي تقول:
- روح شوف مرضاك يا عبدالله.. وابقى اطفي النور وأنت خارج.
وتمددت وأخفت جسدها تحت مفرش السرير.
ظل هو على وقفته ينظر إلى جسدها المتكوم أسفل المفرش وهو يفكر بضيق.
إنها فرصة لمقابلة الشخصية الثانية لأدهم.. وفي نفس الوقت كيف يتركها حزينة ويرحل؟
لكن أدهم بحاجته.. لذلك تحرك سريعًا يبدل ملابسه وحين انتهى اقترب منها وانحنى يقبل رأسها وهو يعتذر بشدة ثم رحل.
ليتحول بكاؤها الصامت إلى نشيج عالٍ لكن كعادتها كتمته في وسادتها حتى لا يصل إلى أولادها.
لكنها اكتفت وانتهى الأمر.
~~~~~~
عادت سليمة إلى الشرفة تتابعه من خلف الأرابيسك فوجدته كما هو يجلس على أحد الكراسي.. ويمد قدميه على الآخر باسترخاء.. رأسه مستريحة إلى الخلف.. وعيونه معلقة بالنجوم.
لتهتف لنفسها:
- إيه حكايتك؟ وأنت مين؟ أدهم ولا ثامر؟ أنت الشخص المحترم المعروف في السوق بقوتك وشغلك المميز؟ ولا أنت الشخص المستهتر العابث؟
لتنتبه من أفكارها على صوته وهي يغني.. وكأنه سمع أسئلتها وصوت عقلها:
"سألت نفسي كتير ما رسيتش يوم على بر.. أنا اللي فيا الخير ولا اللي فيا الشر
مليان عيوب ولا خالي من الذنوب.. ولا ولا أنا جوايا ومش داري
الاتنين في بعضو.. 500 حاجة ومالهمش دعوة ببعض
أنا مين وفين.. أنا إيه.. مفروش طريقي بورد؟
ولا الزمان ده أنا فيه أضعف واحد ع الأرض؟
ولا أنا جوايا ومش داري.. الاتنين في بعضو
500 حاجة ومالهمش دعوة ببعض"
لتعود إلى غرفتها وهي تضع يدها على خافقها بخوف.
هل كان صوتها عالي؟ هل همست بأسئلتها بصوت عالي؟
لكنها انتبهت على صوت حركة لتعود إلى الشرفة تنظر منها لما يحدث.. لكنها لم تجده.
لتركض خارج غرفتها وهي تفكر.. هل حضر إليه الطبيب؟
نظرت من باب غرفتها لتتأكد هل والدها بالخارج أو والدتها؟
لكنها لم تجدهم.
فتحتك نحو باب البيت ونظرت عبر "العين السحرية" لتجد شخصًا يقف أمام باب أدهم.
ظلت تراقب الموقف خاصة حين فتح أدهم الباب ونظر إلى الواقف أمامه بهدوء يصل إلى البرود.
لكنها لم تكن تستمع لما يقال بينهما وذلك جعلها تشعر برغبة قوية في فتح الباب وتقف جوارهم لتسمع ما يقال كله وتجد إجابة لكل أسئلتها.
~~~~~~
يقف عبدالله أمام الباب يطرقه وهو يشعر بالترقب.
فمقابلة الشخصية الثانية لأدهم أمر هام بالنسبة له.. وسوف يساعده في علاجه.. ولكنه يخشى رد الفعل.
فهل أدهم حين يقابله بالشخصية الثانية.. خاصة وقد حدث قبل ذلك لكنها بمجرد حضوره اختفت تلك الشخصية وعاد أدهم إلى طبيعته سريعًا؟
وفي الأساس لم يكن هو مدركًا لحاله صديقه بالكامل.
فكل ما كان يشغل عقله وقتها أو يتوقعه هو أن صديقه يعاني بعض الأرق أو يكاد يصاب بانهيار عصبي بسبب ضغط العمل.
لكن أن يكون الأمر بهذا التعقيد لم يخطر له هذا الأمر أبدًا.
حين فُتح الباب تلاقت العيون.. عيون يملؤها الفضول مختلط بالخوف والقلق.
وعيون عابثة ساخرة.. تنظر لمن يقف أمامه باستفهام.
ليقول عبدالله ببعض المراوغة:
- بعتذر.. لكن أنا عربيتي عطلت ومنتظر الميكانيكي.. ولما سألت البواب عن شاب يكون ساكن هنا لوحده.. لآني اتحرجت أخبط على أي شقة.. ودلني عليك.
ظل أدهم صامتًا ينظر إليه ببرود ثم أشار له بالدخول وهو يقول:
- وأنا أقدر أفيدك بإيه؟
ليبتسم له عبدالله وهو يجلس على الأريكة وكأنه يجلس على أريكة منزله براحة واعتياد:
- في الحقيقة ولا حاجة.. غير إنك تقبل تشربني فنجان قهوة على ما الميكانيكي يخلص تصليح العربية.
رفع أدهم حاجبه بشر وقال ببعض الفظاظة:
- هو أنا مش فاهم بصراحة موقفك.. وشايف إنك تنزل تقف جنب الميكانيكي على ما يخلص تصليح عربيتك وتمشي من هنا.
شخصية جريئة وقحة.. لا يبالي بأحد.. ولا يهتم لمشاعر الآخرين.. يقول كل ما يريده.. دون أن يفكر به.. أو يفكر في تأثيره على الآخرين.. عكس أدهم تمامًا.
كل هذا كان يفكر به عبدالله وهو صامت ينظر إليه بابتسامة غريبة لم يستطع الآخر تفسيرها.
وزاد الأمر غرابة حين أراح عبدالله ظهره على الأريكة وهو يقول ببعض المرح:
- باين كده إنك إنسان صريح واللي في قلبك على لسانك.. هو طبعًا كلامك صح بس أنا عندي مشكلة في ركبتي ومش بقدر أقف كتير.. علشان كده أنا قهوتي مظبوطة.
ظل أدهم على وقفته ينظر إلى الآخر بتفحص وضيق ثم تحرك في اتجاه المطبخ دون أن يقول أي شيء.
ظل عبدالله يتأمل تفاصيل الصالة الخالية من أي شيء سوى تلك الأريكة التي مازالت تحمل فوقها كيسًا يدل على شرائها حديثًا.. جدًا وعدم استخدامها أيضًا.
ولاحظ باب الشرفة المفتوح ليتوجه إليها يتفحص محتوياتها المميزة وتصميمها الذي يميزها من الأرابيسك.
إن أدهم يحقق مع شخصيته الأخرى كل ما يحلم به.. ويتمنى.. حياة بسيطة.. هدوء يغلفه الخصوصية.. قوة غاشمة وقدرة على قول وفعل ما يريد دون الاهتمام لرأي الآخرين.
انتبه من أفكاره على صوت حركة فعاد إلى مكانه والابتسامة الهادئة المستفزة ترتسم على ملامحه خاصة لعيون أدهم.. أو ثامر إن صح التعبير.
أخذ عبدالله القهوة من يده وهو يقول:
- شكرًا يا أستاذ ثامر.. تسلم إيدك.. تعبتك.
- عرفت اسمي منين؟
سأله ثامر بشك ثم قال بإدراك:
- من البواب.. المهم اتفضل خلص قهوتك وانزل شوف عربيتك.. علشان أنا عايز أنام.
أخذ عبدالله رشفة من القهوة ليشعر أن بها شيئًا مختلفًا.. خاصة مع ابتسامة ثامر الجانبية والتي تحمل بعض الشر.
ليأخذ رشفة أخرى وإحساسه يزداد أن تلك القهوة بها شيء مميز.. يزيدها جمالًا.
وأكد له حديث ثامر حدثه:
- أتمنى قهوتي تكون عجبتك.. أصلها توليفة خاصة بي.
يتناول عبدالله رشفة أخرى ثم قال:
- مميزة فعلًا.. حسيت كده من أول ما دقتها.. بس إيه بقا التوليفة دي.
ليضحك ثامر بصوت عالٍ وهو يقول:
- كمان عايز تعرف توليفة قهوتي.. بس أنا هقولك.. علشان إنت هتحتاج تبقى عارف.. ما هو اللي يتعود عليها ميقدرش يبطلها.
شعر عبدالله بالقلق.. لكنه الآن يشعر بالخوف خاصة حين أكمل ثامر حديثه بهدوء:
- ده بن يمني.. مخلوط بشوية ماريجوانا.
تتسع عينا عبدالله بصدمة.. ليكمل ثامر بهدوء:
- مالك قلقت ليه.. متخافش كده.. دي أعراض توقف شربها خفيف خالص.. المهم إنها بتعلي المزاج.
واقترب بوجهه من عبدالله وأكمل وكأنه يقول له سر خطير:
- أنا بخلطهم بنسبة 70% بن و 30% ماريجوانا.. أصل لو النسبة زادت عن كده مش هتحس بطعم القهوة.
وتلفت حوله وكأنه يتأكد من عدم وجود من يتلصص عليه ويسمع ما سيقال:
- السر بقا ورا إني بخلطها بالقهوة هو إحساس البهجة اللي بحس بيه بعدها ومش بعنف زي تأثير الحشيش لو دخنته أو أكلته.. يعني حاجة في الهادي يا زبادي.
كاد عبدالله أن يصاب بذبحة صدرية مما يسمعه.. من ذلك الجالس أمامه جسد صديقه الذي يعرفه منذ سنوات.. ولكن بعقل وأسلوب وحياة أخرى.. حياة يملؤها الخطر.
ترك القهوة فوق الأريكة فلا توجد طاولة ووقف وهو يقول:
- شكرًا على الضيافة.. وأسف على الإزعاج.. هنزل أشوف الميكانيكي خلص ولا لأ.
ليبتسم ثامر بسخرية وهو يقول:
- شرفت.. وأهو عرفت العنوان.. شرفني كل ما نفسك اشتاقت لقهوتي.
ليغادر عبدالله وهو يفتح هاتفه يبحث عن "الماريجوانا" وأضرارها.. ليشعر بالخوف أكثر وهو يقرأ بصوت مسموع:
"للماريجوانا تأثيرات عقلية وجسدية، مثل شعور النشوة، تغير الحالة الذهنية والشعور بالوقت، صعوبة التركيز، تحسين المزاج، ضعف الذاكرة قصيرة المدى، جفاف الفم والحلق، تغير الشعور في الحواس، ضعف حركة الجسم، احمرار العينين، استرخاء، وزيادة الشهية. التأثيرات تصبح محسوسة في غضون دقائق بعد التدخين، وبعد حوالي 90 دقيقة عند التناول بالفم. تستمر الآثار لمدة ساعتين إلى ست ساعات. عند الجرعات العالية، يمكن أن تشمل الآثار العقلية القلق المفرط، مشاعر ارتيابية، الهلوسة، فرط الهلع. قد تشمل الآثار الجانبية طويلة الأجل الإدمان، وانخفاض القدرة العقلية لدى أولئك الذين بدأوا في الاستخدام المنتظم في سن المراهقة، السعال المزمن، القابلية للإصابة بعدوى الجهاز التنفسي، ومتلازمة فرط التقيؤ للماريجوانا."
ليرفع يده يمسد بها جبينه وهو يقول بخوف يصل حد الرعب:
- هتوصل لفين يا أدهم.. والمفروض أبدأ معاك منين وإزاي؟
رواية أو أشد قسوة الفصل العاشر 10 - بقلم سارة مجدي
عاد عبد الله إلى بيته وعقله منشغل تمامًا بما وصل له صديقه. وإلى أين سوف تذهب به هذه الشخصية؟ وماذا فعل سابقًا؟ وهل سيصل الأمر إلى تحكم كامل في حياته؟ وكيف يستطيع مساعدته وحل الأمر؟
الحيرة والخوف والقلق ينهشان عقله دون هوادة. لكن حين دخل إلى غرفته ووقعت عيناه على جسد زوجته التي تنام بوضع الجنين، قلبه وجعه بشدة واكتشف أن لديه مشكلة كبيرة أخرى عليه حلها بشكل سريع.
أقترب بهدوء منها وجثى على ركبتيه بجوارها ينظر إلى وجهها البريء، وآثار الدموع التي مازالت عالقة على أهدابها، وتلك الشهقة التي تصدر خافتة منها، دليل على بكاء طويل.
أغمض عينيه بقوة واعتدل في جلسته أرضًا ثم قال بصوت هامس:
"أنا آسف يا لبنى بجد آسف. عارف إني بعيد عنك ومقصر في حقك، وإني مش قادر أعمل توازن بين شغلي وبيتي، بس يمكن لأني مطمن بوجودك حاسس إن كل شيء في البيت كويس طول ما إنتِ موجودة."
كان يتحدث وهو ينظر أرضًا، لكن يده تمسك يدها المستريحة على السرير بجوارها. فلم يشعر بها حين فتحت عيونها تنظر له بحزن. أكمل كلماته الهامسة:
"أنا اكتشفت إني دكتور شاطر، لكن زوج فاشل، ومش أب حقيقي لولادي. أنتِ بالنسبة لهم الأب والأم. أنا حتى معرفش هما في سنة كام، أو بيدرسوا إيه."
ابتسم ابتسامة ساخرة وهو يقول:
"أنا حتى معرفش عنك أنتِ أي حاجة. أنا آسف.. آسف."
"اعتذارك هيفيد بإيه وأنا بقيت حاسة نفسي سنجل رغم إني متجوزة وجوزي موجود."
قالت كلماتها بصوت مبحوح، ليرفع عينيه إليها ليراه تلك النظرة اللائمة والحزن الشديد الساكن بداخل عينيها. لتكمل هي كلماتها بحزن وحسرة:
"أنت نسيتنا ومش بتفكر غير في شغلك وعيانينك. بتعالج نفسية الناس كلها وسايب نفسيتي ونفسية ولادي تتعب. بتملى فراغ في حياة ناس كتير، وسايب فراغ في حياة أهم الناس في حياتك. أنا زهقت يا عبدالله.. زهقت وتعبت. أنا شايلة كل المسؤولية لوحدي. خلاص وجودك من عدمه مبقاش فارق في حياتي وحياة ولادي."
أنهت كلماتها بابتسامة حزينة حين اتسعت عيناه بصدمة من كلماتها التي كانت تشبه الصفعات على وجهه، جعلته ينتبه من غفلته وضلاله. وقبل أن يقول أي شيء، رفعت الغطاء فوق رأسها وهي تقول:
"ياريت تنام على الكنبة."
خيم الصمت عليهم، هي تبكي بصمت وهو أيضًا انحدرت دموعه وهو يرى الخسارة تلوح له بسخرية. لينظر إلى يده الفارغة من يدها التي سحبتها بقوة ليغمض عينيه بحسرة.
***
في صباح اليوم التالي، استيقظت سليمة وهي تشعر بألم قوي في رأسها. لقد ظلت طوال الليل تفكر فيما حدث بين الطبيب وأدهم أو هذا ثامر. لكن لو كان عقلها قادرًا على التخيل والتصور، هي مؤكدًا لن تصل إلى ما عرفته من الطبيب الذي اتصل بها وأكد عليها موعدهم في الغد، لكنه شدد على عدم إخبار أدهم عن أي شيء أو سؤاله عن أي شيء. وأنه مريض باضطراب الشخصية المتعددة. أدهم مريض نفسي، ولديه شخصية أخرى، وتلك الشخصية هي ثامر.
لتكثر الأسئلة داخل عقلها: لماذا شخص مثل أدهم الخشاب يصاب بمرض كهذا؟ ولما شخصيته الأخرى اختارت أن تكون جوارها هي؟ وهل كان يعلم من الأساس أنها تسكن في نفس البناية؟ وإلى أي مدى خطورة هذا المرض؟ وماذا عليها أن تفعل الآن؟ هل تترك العمل في مؤسسة الخشاب؟ أم تنتظر لتفهم وبعد ذلك تحدد؟
الكثير والكثير من الأسئلة ولم تجد إجابة واحدة مرضية تريحها. لتغادر السرير بتثاقل وعقلها مازال يدور في دوائر الحيرة.
وقفت مكانها فجأة وهي تفكر: ماذا ستخبر والديها عن سبب تأخيرها بعد العمل؟
نفخت الهواء من صدرها وهي تقول:
"يعني هكذب عليهم؟ أنا عمري ما كذبت. اعمل إيه بس؟ يارب ساعدني."
***
خرجت ظلال كعادتها صباحًا، ولكن حالها لم يتغير كثيرًا. عينيها منتفختان من كثرة البكاء، وتشعر بالخوف على أدهم الذي لم يعد إلى القصر منذ ليلته أمس. ولا تعلم ماذا كان سيصبح حالهم لولا اتصال عبدالله ليخبرهم أن أدهم بخير، لكنه يريد أن يبقى بمفرده قليلًا. فلقد كان عدنان على وشك الخروج للبحث عنه، وإن احتاج الأمر لأبلغ الشرطة.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة، لا تجد جدتها تجلس في مكانها المعتاد على رأس طاولة الطعام. كل شيء انقلب في حين غرة. لكن ما لفت انتباهها حال عدنان الغريب، خوفه الشديد على أدهم، المختلط بهدوئه العجيب. نظرة عينيه التي ذكرتها بنظرته لحظة وفاة والده: الاحتياج، لكن بعناد ورفض. رجاء بأن يضمه أحد إلى صدره، وكبرياء مجروح يرفض الاعتراف بهذا الاحتياج.
ماذا يحدث معه؟ بداخلها صوت يصرخ أن عدنان يحتاج إلى المساعدة، لكن ما نوع هذه المساعدة هي لا تفهم.
وصلت إلى الاستوديو، وقبل أن تترجل من السيارة، وضعت نظارتها الشمسية تخبئ خلفها عيونها المتورمة. لا تريد أن تظهر ضعفها وخوفها لأحد. أيضًا لا تريد أن تكشف سر مرض أخيها الغريب لأي شخص، حتى مراد. بل وبالتحديد مراد.
وعند الباب، وقفت تأخذ عدة أنفاس متلاحقة، ثم فتحته وخطت إلى الداخل كعادتها. ظهرها مستقيم، خطواتها ثابتة ورنانة. أنفها المستقيم مرتفع في شموخ، تحيي الجميع بإيماءة من رأسها. وحين جلست بجوار مراد قالت بهدوء:
"صباح الخير."
"صباح النور يا ظلال. عاملة إيه النهاردة؟"
سألها مراد باهتمام وقلق. ابتسمت ابتسامة صغيرة جاهدت حتى ترسمها على ملامحها وقالت:
"الحمد لله. كويسة وهبقى أحسن كمان إن شاء الله."
كانت نظراته تحمل الكثير من الإعجاب وخوف صادق شعرت به ولمس قلبها، وسبب لها تجمع الدموع في عينيها من جديد. لكنها قالت بعد أن أجّلت صوتها:
"الحلقة النهاردة عن إيه؟"
"عن الصداقة وأهميتها في حياتنا، وبالأخص الصداقة بين أي كابل."
أجابها وهو ينظر إلى الأوراق أمامه. لتقول هي بإعجاب:
"حلو الموضوع ده. بابا وماما الله يرحمهم كان فيه بينهم نوع من أنواع الصداقة الغريبة. كانت بتسمعه وتفهمه حتى في أخطائه، وكانت تقدر تفرق بين الوقت اللي هو محتاجها فيه كزوجة والوقت اللي محتاجها فيه كصديقة."
ابتسامته وهو يستمع لبعض من تفاصيل حياتها جعلتها تشعر بالخجل، خاصة حين قال:
"الله يرحمهم. بتمنى شريكتي يكون بيني وبينها الرابط ده. تكون صديقتي وحبيبتي، بنتي وأختي، وأم أولادي، وشريكة سكن وطريق."
واقترب منها قليلاً وقال باستفهام:
"تفتكري ممكن ألاقيها؟"
نظرت له من خلف نظراتها، ولمعت داخل عيونها تلك النظرة التي كانت ستسعده بشدة لو رآها، لكنها قالت بهدوء شديد:
"دور، وأكيد هتلاقي."
وقبل أن يقول أي شيء، سمعوا صوت المخرج يطلب منهم الاستعداد، ويشير لهم ببداية الحلقة. لتقول ظلال بصوتها المميز رغم الحزن الواضح فيه:
"صباح الخير مستمعينا الكرام، معاكم ظلال حسام ومراد منير، وموضوع حلقتنا النهاردة عن الصداقة وخصوصًا بين الكابل. منتظرين اتصالاتكم ورسايلكم وايميلاتكم، ونسمع دلوقتي أغنية 'سلامك وصلني' لعمرو دياب."
***
جلست سليمة على طاولة الطعام صامتة على غير عادتها. تفكر ماذا عليها أن تفعل الآن؟ ماذا ستقول لهم؟ عقلها السارح في كل ما حدث وسيحدث جعلها لا تسمع صوت والدتها التي تناديها منذ وقت. ليضع والدها يده فوق يدها لتنتبه له ليقول بقلق:
"مالك يا بنتي؟ أنتِ تعبانة ولا إيه؟"
ابتسمت بصعوبة وقالت بخجل واضح:
"لا يا بابا أنا كويسة، بس المدير بعت امبارح رسالة وقال إننا هنتأخر النهاردة في الشغل شوية. وكنت بفكر في السبب وإنه شغل زيادة بقى وكده."
ليبتسم والدها بحنان وقال بمرح:
"معلش الشغل مش سهل ولا لعبة. دي مسؤولية كبيرة ولازم تكوني قدها. وبعدين كويس إنك هتتأخري، خليني أعرف استفرد باليمامة بتاعتي شوية، بدل ما إنتِ كابسة على نفسنا طول الوقت."
لتشهق فاطمة بصوت عالٍ وضربت يده وهي تقول بخجل:
"اختشي يا راجل! إيه اللي أنت بتقوله ده!"
ليغمز لها بشقاوة مرحة لتضحك سليمة بصوت عالٍ وهي تغادر الطاولة تقول ببعض البؤس:
"أنا هلم مشاعري الوحيدة، وبؤسي وحزني وهرحل."
تحركت في اتجاه الباب، وقبل أن تغلقه خلفها قالت:
"أنا ماشية أهو يا بابا. ماشية."
ليضحك والدها وهو يقول:
"مع السلامة والقلب داعي لك."
لتغلق الباب واختفت الابتسامة عن وجهها، وهي تنظر إلى باب الشقة المقابلة لشقتها وهمست بسؤالها:
"يترى هو لسه جوه ولا روح؟"
لكنها لن تعرف الآن. فتحت باب المصعد وهي ترسل رسالة إلى عبدالله تأكد موعدهم، والذي أجابها في نفس اللحظة بالتأكيد وتكرار حديثه بعدم إخبار أدهم بأي شيء حتى يتحدث معها.
وضعت هاتفها في الحقيبة وأخذت نفسًا عميقًا لتعود وتغرق في دوامة الأفكار والأسئلة التي لا تنتهي.
***
ظل بيبرس جالسًا على كرسي في رواق المستشفى طوال الليل، بعد أن عاد من منزل زيزي. نظرات والدها له جعلت شيء ما يتغير بداخله. الأستاذ حليم الذي كان يحاول دائمًا أن يعيده إلى الطريق الصحيح، ولكن الآن هو أخذ ابنته لتعمل راقصة في الملهى الليلي.
عاد من أفكاره وبداخله يزداد شعور الخوف عليها رغم أن الطبيب قد طمأنه، وأن الأمر في الأساس قد مر على خير. لكن حبه لها يزيد من خوفه، وخاصة بعد حديثه مع الجوكر وانفعاله.
لم يتحمل أكثر من ذلك، ومع أول خيوط النهار غادر مقعده وفتح باب غرفتها يتطلع إلى جسدها الرقيق الممدد أسفل ذلك الشرشف الأبيض البغيض.
أغلق الباب خلفه وأقترب من السرير بخطوات بطيئة حتى لا يوقظها. جلس على الكرسي الصغير بجوار السرير ينظر إلى ملامحها التي يعشقها بجنون. خصلات شعرها الطويلة السوداء، حاجبيها المرسومان بشكل مميز يزيد من سحر عيونها وجمالهم، شفتيها المكتنزة وأنفها الدقيق. ملامح كان يتمنى أن يمتلكها، أن تصبح له. لكن بغبائه جعلها ملك للجميع، جعلها متعة لجميع الرجال، وكل من يراها يتمناها أو يشتهيها. وهو لا يستطيع الاعتراض أو الرفض. ماذا يفعل الآن؟
أقترب أكثر منها يقبل يديها بحب وهمس بألم:
"أعمل إيه دلوقتي يا زيزي؟ الغيرة بتموتني بالبطيء، نار بتنهش في روحي وجسمي، وببقى عايز أخرم عين أي حد يبصلك، وأقطع لسان أي حد يكلمك. عايز أخبيكي عن كل الناس. كنت فاكر لما تشتغلي في الكباريه الحكاية بينا تبقى قربت وممكن تبقي ليا، لكن دلوقتي..."
"ياريتك منعتني، واتجوزتني، إن شاء الله أعيش خدامة في بيتك."
همست بها زيزي بصوت ضعيف، ليرفع بيبرس رأسه ينظر إليها بعدم تصديق ويقول بسعادة:
"إنتِ فوقتي؟ حمد الله على السلامة."
"ياريتك منعتني. كنت ضربتني كسرت عظمي وحبستني في البيت ولا إني كنت أقع في وحل الشغل في المكان ده. أنت متعرفش إيه اللي كان بيحصل، والجوكر خلاني أعمل إيه."
سقط قلبه أسفل قدميه. ماذا حدث معها؟ وكيف؟ إنه لا يغادر مكانه ولا يبتعد عنها، وهي لم تغادر المكان أبدًا، هو موقن من هذا. ودون أن يشعر، ضغط بيده على يدها الصغيرة لينغرز المغزي أكثر في يدها، لتصرخ بالألم وهي تقول بضعف:
"محصلش اللي في راسك، لكن كان ممكن يحصل."
صمتت لثوانٍ قليلة ثم قالت:
"إيدك هي اللي مسكت فيها وأنا بقع في الوحل ده، بس يا ترى هتكون هي نفس الإيد اللي تخرجني منه؟"
ارتخت يده عن يدها، وعينيه تنظر إلى عمق عينيها، وظل حديث العيون بينهم وكأنه عراك قوي بين قضيبين لا يستاهن بهم. عيونها عشقه، وعينيه أمانها، وكلماتها تضرب عقله بقوة: "واتجوزتني إن شاء الله أعيش خدامة في بيتك". ليقول بقوة وثقة وهو يرفع يده أمامها:
"عهد عليا لاطلعك منه، ولو مقدرتش أطلعك من الوحل ده هقطعها عشان هي اللي وقعتك فيه."
لتنحدر دموعها دون توقف، تبكي سقطة لوثتها ولن تتطهر منها أبدًا. وكان هو يفكر في تلك الحرب التي سيخوضها، والمتوقع نتيجتها من الآن. لكنه قال بابتسامة صغيرة مترددة:
"توعديني بعد ما نخلص من القرف ده إنك تتجوزيني؟"
لتبتسم بخجل وأومأت بنعم، لتتسع ابتسامته وانحنى يقبل يدها بحب، لكن عينيه كان بداخلها قلق يصل إلى حد الرعب. لكن لا تراجع الآن.
***
لم يستطع أن يغادر القصر قبل أن يطمئن عليها. في الحقيقة هو يريد أن يرمي بين ذراعيها، يشعر بحنانها، تربت على ظهره بيدها التي كانت دومًا رمز الحنان والأمومة بالنسبة له.
طرق باب غرفتها وسمع صوتها تسمح له بالدخول. فتح الباب ورسم على وجهه ابتسامة طفولية وهو يقول بصوت باكي:
"ممكن حضن يا شوشو قبل ما أروح الشركة؟"
فتحت له ذراعيها دون لحظة تردد. ليركض إليها كطفل صغير، تربى يتيم، والآن فقط وجد حضن أمه.
أحاط خصرها بذراعيه ووضع رأسه على صدرها، ورغم عنه انحدرت عدة دموع، ومع كل دمعة يضمها أكثر. لتقول هي بقلق:
"مالك يا عدنان؟ أنا أول مرة أشوفك في الحالة دي. كل ده خوف على أدهم؟ ولا فيه حاجة أنت مخبيها؟"
أبتعد عنها سريعًا وكأن صاعقة كهربائية ضربت جسده وأبعدته عنها. وقال بصوت متردد:
"هو اللي أدهم فيه شوية يا شُكران. أنا كنت بشوف أدهم هو وتد لا يمكن يقع. كنت مطمن بيه كأن أبويا لسه عايش، ورجعت من تاني أحس بالخوف."
تجمعت الدموع في عيني شُكران، لكنها قالت بقوة:
"إزاي تخاف وكلنا حواليك؟ وازاي أدهم يخاف وأنت جِمبه؟"
ربتت على يده بحنان وقال بحب:
"لازم تكون قوي عشان تقدر تسند أخوك. المسؤولية عليك هتبقى كبيرة بس أنت قدها يا عدنان. أنا واثقة فيك وعارفة كويس حفيدي أسد وميتخافش عليه."
"انحنى يقبل يديها باحترام وقال بصدق:
"متقلقيش. أدهم إن شاء الله هيخف وهيبقى كويس عشان خاطرك وخاطر ظلال كمان."
وقف ينظر إليها بابتسامته المعهودة وقال بمرح:
"الحق أروح الشركة. مش عارف هيجي الشركة أصلاً ولا لا."
وتحرك في اتجاه الباب ثم وقف وقال:
"هتصل بعبدالله أسأله عليه وهطمنك يا شوشو، عارف إنك قلقانة عليه."
أومأت بنعم، ليرفع يده بسلام وغادر، ترافقه دعوات جدته له ولأبناء عمه. ليتنهد بألم، وهمس لنفسه:
"خبيت عن الكل إللي أنت فيه. خليك بطل لحد النهاية، والنهاية مش بعيدة يا عدنان. مش بعيدة خالص."
***
أستيقظ من نومه على صوت هاتفه الذي لم يتوقف عن الرنين منذ فترة. مد يده وأمسك به مجيبًا دون أن ينظر إلى الاسم، ليصله صوت أنثوي ناعم يحمل الكثير من الدلال:
"ثامر باشا. طلبتني امبارح. حقك عليا يا باشا، كان في إيدي حتة شغل كده بس إيه، عالي قوي. ومكنتش قادرة أرد عليك."
"اخلصي يا غزل إيه الرغي ده كله على الصبح؟"
قال ثامر بضيق ونفاذ صبر. لتقول غزل بدلال:
"لسه ليك شوق يا باشا؟"
"لا مش فاضي دلوقتي. عندي شغل."
أجابها ببرود وأغلق الهاتف دون أي كلمة أخرى، وعاد يخبئ رأسه تحت الوسادة. وأغمض عينيه لعدة دقائق ثم اعتدل جالسًا وبدأ في تمديد رقبته وبعض من عضلات جسده وهو ينفخ بضيق. كان يريد بعض النوم الإضافي، لكن ليذهب إلى الشركة ويرى تلك الفتاة ويفهم ما وراءها.
غادر السرير متوجهًا إلى المطبخ، ليصنع قهوته المميزة وأخذها ودلف إلى الحمام. عادة لديه: حمام دافئ مع القهوة وبعدها يخرج بنشاط لا مثيل له.
بعد أكثر من نصف ساعة خرج وهو يحيط جذعه بمنشفة طويلة عائدًا إلى المطبخ ليضع الكوب في المغسلة. وعاد إلى غرفته ليرتدي ملابسه. وخلال عشر دقائق كان يغادر الشقة والبناية بأكملها.
***
في ذلك الوقت كانت سليمة تعد الأوراق، والفاكسات وبعض الإيميلات التي وصلت إلى الشركة في ملف حتى تعرضها على مديرها حين يصل. ولكن السؤال هنا: من منهم الذي سيحضر؟ الطيب أو الشرير؟ أدهم أو ذاك الوقح ثامر؟
وماذا ستفعل معه؟ لم تجد الفرصة لإيجاد إجابة لأسئلتها حين اقتحم أدهم المكتب بجسده الرياضي. لكن من أول نظرة عرفت جيدًا من يقف أمامها. ليتحفز عقلها جيدًا لأي كلمة منه. لكنه ابتسم وهو يقول:
"الاروبة. صباح الخير يا شقية. قوليلي بقا عرفتي مكان بيتي منين؟ قري واعترفي ومش هعملك حاجة متخافيش."
صمت لثوانٍ ثم قال بتعجب:
"بس هو أنتِ صحيح كنتِ جاية ورايا بالاسدال؟ طيب إزاي؟ أوعى تكوني كنتِ عايزة تخليني أصلي بيكي إمام! كده يبقى عقلك سرح وراح لبعيد قوي."
ومع آخر كلماته غمز لها بشقاوة. لتشعر بالغضب من معنى حديثه الذي لا يروق لها ويجرح كرامتها وكبرياءها ويجعلها.. تريد أن تصفعه بقوة على وجهه. لكنها لن تفعل بناءً على طلب الطبيب. فقالت بضيق واضح:
"أنا لا كنت جاية وراك، ولا كنت عايزة أخليك تصلي بيا إمام. في الحقيقة أنت اللي جيت ورايا لأني ساكنة في العمارة دي من يوم ما اتولدت وكنت لابسة الإسدال عشان كنت بحط أكل للقطة قدام الباب."
جلست متجاهلة وقفته ونظراته، وبدأت في العبث بالجهاز أمامها متصنعة الانشغال.
ليبتسم بشقاوة وهو يتحرك ليدخل إلى مكتبه والأفكار تعصف به. ولكن حين أغلق الباب شعر بألم قوي وحاد في رأسه جعله يترنح في وقفته حتى أنه سقط أرضًا. همسًا باسمها قبل أن يغمض عينيه.
***
تشعر بالخوف. هذا ما وصل لعقلها وهي تضع الأوراق الأخيرة داخل الملف حتى تدخل إليه. أن تلك الشخصية وقحة بشدة. ولكن ما يقلقها حقًا هو حالته وكيف يكون حين يتحول من تلك الشخصية إلى الأخرى؟ وماذا يحدث معه؟
وقفت أمام الباب تأخذ عدة أنفاس متلاحقة ثم طرقته وفتحت. لكنها ظلت مكانها تنظر إلى ذلك الجسد الممدد أرضًا بصدمة. ودون شعور ركضت إليه وهي تنادي عليه وجثت بجانبه دون أن تلمسه:
"أدهم.. أدهم فيه إيه؟ إيه اللي حصل؟"
لكنه لا يستجيب لها. كانت تحاول أن تجد حلًا لكن عقلها توقف تمامًا عن العمل. ولكن القدر أراد أن يرسل لها الحل دون تعب.
سمعت صوت خطوات تقترب لتقف سريعًا متوجهة خارج المكتب. لكنها وقفت مكانها وهي تدرك أن ما عرفته عن أدهم لا يجب لشخص آخر بالمؤسسة أن يعرف به.
لتغلق الباب بسرعة بعد أن أحضرت هاتفها واتصلت بالطبيب. وحين أجابها بدأت مباشرة تخبره بما حدث. ليغلق معها الهاتف واتصل بعدنان الذي أجابه قائلاً:
"كنت لسه هكلمك. أدهم فين؟"
"إنت فين يا عدنان؟"
سأله عبدالله بصوت عالٍ. ليجيبه عدنان بقلق بعد أن ترجل من السيارة:
"قدام المؤسسة. فيه إيه؟"
"اطلع بسرعة على مكتب أدهم. فاقد الوعي وأنا جايلك. بس بلاش تتكلم معاه بأي اسم. اتكلم معاه في المطلق من غير أسامي يا عدنان."
وبخطوات واسعة وسريعة دخل عدنان إلى المؤسسة رغم أنه يريد أن يركض، لكن عليه أن يحافظ على صورته وصورة أدهم أمام الموظفين.
حين وصل إلى المكتب اقتحمه بقوة ليجد سليمة تجلس جواره تنادي عليه. ليصرخ بها:
"بس.. اسكتي متنطقيش اسمه."
نظرت له برعب ليجلس جوار أدهم وبدأ يربت على وجنته برفق وهو يقول:
"فوق.. أصحى.. أصحى بقا أرجوك."
ليفتح أدهم عينيه ينظر إلى ابن عمه باندهاش ثم قال بصوت منخفض:
"فيه إيه؟ إيه اللي حصل؟"
وحاول الاعتدال ليساعده عدنان وهو يقول:
"اغمى عليك. يمكن مش نايم كويس أو مفطرتش ولا حاجة."
ليمسد أدهم جبينه وهو يقول:
"أنا حاسس فعلًا إني جعان جدًا."
ونظر إلى سليمة وقال:
"ممكن بعد إذنك يا آنسة سليمة تطلبي لي حاجة آكلها."
تومئ بنعم واقتربت من عدنان وقالت بهمس:
"ده أدهم مش الشخصية التانية. اطمن."
لتتسع عينا عدنان بصدمة من أين عرفت تلك بحالة أدهم. لكنه لم يستطع الكلام.
***
وصل بيبرس إلى الملهى الليلي وبداخل عينيه الشر واضح. فهو لن يخرج من هذا المكان إلا وقد أنهى الأمر، حتى لو وصل الأمر إلى القتل.
اقتحم مكتب الجوكر وفي لحظة واحدة انقلب كل شيء ولم يفهم ماذا حدث وكيف.
يتبع…