الفصل 31 | من 42 فصل

رواية اوصيك بقلبي عشقا الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم مريم محمد

المشاهدات
20
كلمة
2,826
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 74%
حجم الخط: 18

وقف خلفها، أمام لوح المرايا الطويل، يعقد لها طوق عنقها بينما لا تزال ترجف تحت لمسته، بدأ الضيق يساوره من جديد، من المفترض أن تكون أفضل حالًا خاصةً بعد الذي صار بينهما قبل ساعة تقريبًا. لقد كانا رائعين معًا، وخلال هذا الوقت جعلته يشعر حقًا كما لو أنها لا تعاني قط، لهفتها مع شوقه شكّلا انسجامًا حميميًا مذهلًا، إلى أن حانت لحظة الانفراجة وبرأت جوارحها تمامًا، وكأن عاصفة ثلجية هبّت وقوّضت سحر اللحظات الثمينة.

فجأة انقلبت عليه، أمرته بالابتعاد عنها ففعل فقط حين شاهد تطوّر حالتها من النقيض إلى النقيض. ما مدى سرعة انتقالها من شدة السخونة إلى قمّة البرودة. “زي القمر يا حبيبتي! ” تمتم مراد وهو يدنو قليلًا ليلثم خدّها برقة. لكنها أقشعرّت من قربه الشديد، ما أدهشه وأثار حفيظته، ليمسك بكتفيها ويلفّها ليجعلها تواجهه. تعلّقت عيناها بعينيه في لحظة صمتٍ قبل أن يسألها بجدية: “إيه اللي حصل يا إيمان؟

أنا سيبتك لغاية ما هديتي خالص. عاوز أعرف تفسير للي جرالك بعد ما كنتي مرتاحة ومبسوطة معايا.. أنا عملت حاجة غلط؟ هزت رأسها نفيًا، ولمعة الحزن قد عادت لتتألّق بعينها من جديد. مسّد مراد على وجنتها بأطراف أنامله وقال بلطف: “انتي لسا عقلك مشوّش. لسا بتخلطي بيني وبينهم؟ كانت إشارته صريحة لزوجيها السابقين. تحفّزت الآلام الكامنة بأعماقها، ليستطرد منتقيًا كلماته بعناية:

“أقصد أقولك إن لو ده إللي بيحصل معاكي فتبقي غلطانة. لأن أنا مش هما. أنا حبيبك.. أنا عاوز أسألك سؤال. انتي عمرك شوفتي مني معاملة قاسية؟ أنا جيت في يوم جرحت كرامتك أو هينتك؟ أنا عمري عملت معاكي أي حاجة غصب عنك!؟ وافقت على كل أسئلته عدا السؤال الأخير، أقرّت في عبوس: “كنت هاتعملها مرة! أشارت بجملتها إلى ذلك النهار الشهير حيث تم ضبطهما في الفراش سويًا من سلاف. ابتسم مراد بخفة قائلًا:

“عمري ما كنت هاعملها غصب عنك. وقلت لك في ساعتها. أنا كنت بخوّفك مش أكتر. أعمل إيه. نشّفتي دماغك فيها إيه لو كنتي طاوعتيني. كان زمانا متجوزين من بدري وماكنش كل ده حصل بسبب عنادك! أحس أن حديثه الأخير ربما يكون قد أزعجها، أو أثار الذكريات السيئة أكثر، فغيّره في الحال متوّهًا بتودده إليها:

“المهم إللي عايزك تستوعبيه كويس. إن حياتك إللي عدت خلاص مابقاش ليها وجود. احنا مع بعض دلوقتي. انتي بقيتي مراتي. أيوة الحياة فرّقتنا زمان. لكن ربنا شاء إنه يجمعنا تاني. وانتي عارفة إنها مش صدفة.. صح؟ غلّفت عيناها طبقة من الدموع وهي تومئ برأسها مؤيدة كلماته، بالطبع تؤييدها، تلك كانت دعوتها، وقد أُجيبت.

“أنا عمري ما هاسيبك. ولا ممكن أسمح لأي حد إنه يأذيكي أو بس يزعلك. إللي باقي من عمرنا مايخصش حد غيرنا.. وأنا هاعوّضك. أوعدك كل إللي حلمتي بيه. ده وعد.” صدقته، وإن وجدت صعوبة أن تدمغها بابتسامة. ابتسم هو ممسكًا بيدها، وجعل يلفّها حول نفسها كما لو أنهما في رقصة وهو يقول باعجاب:

“أول مرة شوفتك واحنا صغيرين كنا في العيد. كنت لسا راجع من السفر مع أبويا وأمي. كان عندك 13 سنة. كنتي لسا من غير حجاب. وكنتي لابسة فستان أصفر منقط أبيض زي إللي انتي لابساه دلوقتي.. أحلى صدفة حصلت النهاردة. صح؟ وكيف تنسى التفاصيل التي يثيرها بمخيّلتها، بالطبع تتذكر أول لقاء، أول شرارة إعجاب، حبّها الصبياني، والذي تطوّر فيما بعد ليصبح حب عمرها كله، سبب دمارها، وهو أيضًا القادر على علاجها.

انبلجت ابتسامة نادرة على محيّاها الجذّاب وهي تجاريه في هذا: “وانت كنت مطوّل شعرك. وحاطط بيرسنج في ودنك الشمال. أول ما أدهم انتقدك وقال عليك مخنّث انت ما فهمتش الكلمة بس لما فهمت غضبت جدًا وكرهت شكلك كله. وتاني يوم كنت حلقت شعرك وشيلت الحلق من ودنك! قهقهت إيمان ضاحكة، فجعلته يبتهج لأنه استطاع أن يحرز معها هذا التقدم السريع. مدت يدها تمسك بشحمة أذنه اليسرى متمتمة: “لسا مكان البيرسنج موجود أهو.”

وانتقلت يدها إلى شعره الكثيف الناعم، فخللت أصابعها فيه مستطردة وهي تحدق به مغرمة: “بس شعرك مش طويل أوي زي زمان.. وكده أحلى. كده عاجبني أكتر! رفرف بأهدابه بتلك الحركات الآسرة التي تفضلها دائمًا، لتزدرد ريقها وهي تعدل له ياقتي قميصه الأبيض الملاصق لجزعه مبرزًا تفاصيل بنيته الرياضية. “أنا بحبك! ” همس مراد وهو يقبض على خصرها بغتة. ارتبكت وهي تنظر له فقط، لا تجد ما تقوله، ليتابع ضاحكًا بمرح:

“أنا نفسي أروح أشكر هالة بجد. مش متخيل إزاي كنت ممكن أكمل حياتي معاها.. أنا كنت تايه من غيرك! ***** استنشق أدهم. نظر إليها والصدمة واضحة في عينيه، لكنه سألها مشككًا بما قالته: “هو إللي أنا سمعته ده صح. انتي قولتي كده فعلًا!؟ هبّت سلاف واقفة فجأة، فرفع وجهه متطلعًا إليها، تحركت بعصبية تجاه الخزانة، فتحتها وهي تسحب ثوبًا خفيفًا من القطن لترتديه فوق المنشفة التي جعلتها تنزلق أسفل قدميها، ثم استدارت نحوه محمرة العينين.

“أنا تعبت خلاص! ” هتفت سلاف بنفاذ صبر. عبس أدهم ممعنًا في حالتها، ليست بغريبة عليه، أحيانًا تأتيها نوبات الهلع التي قد تصل إلى مرحلة من مراحل الجنون، لكنه لطالما كان بارعًا في امتصاص الطاقة السلبية عنها، كان حقًا جيدًا في ذلك. لذلك تصرف بعقلانية وهو يقوم ليمشي صوبها قائلًا بابتسامة رقيقة: “طيب يا سلاف. أوعدك هفكر في موضوع الطلاق ده. بس دلوقتي أهم حاجة.. ممكن تهدي أعصابك شوية. إيه رأيك أنزلك تشمي هوا أو آ…”

“مش عايـزة!!! ” صرخت بغضب شديد. ألجمت لسانه وأذهلته، بقى ينظر إليها صامتًا فقط، فأردفت بنفس الطريقة الفجة: “أنا مش بهزر يا أدهم. أنا بتكلم بجد. المرة دي مافيش مجال للهزار انت مش قادر تشوف ده!؟ ازدرد ريقه بتوتر وهو يسألها: “طيب ليه. إيه إللي حصل. فهميني؟ “تفهم إيه؟ مافيش حاجة تفهمها. بقولك عايزة أطلق. وأقولك على حاجة كمان. أنا مابقاش ليا قعاد في البيت ده!

وتركته يقف بمكانه وتوجهت ثانيةً نحو الخزانة، أخرجت حقيبة ملابسها الكبيرة وأخذت تجمع أغراضها وثيابها أمام عينيه المذهولتين على الأخير، فلم يشعر بنفسه إلا لاحقًا بها، يقبض على كتفيها ويجتذبها بعيدًا عن كل ما تفعله صائحًا: “انتي اتجننتي. ليه بتعملي كده. بصي في عينيا وكلميني! هزت رأسها بقوة وهي تصرخ: “سيبني يا أدهم. سيبني! غطى صوته الخشن على صوتها وهو يرد بعنف:

“مش سايبك. ما هو حاجة من الاتنين. يا انتي اتجننتي فعلًا يا في سبب لكل إللي بتعمليه ده. وفي الحالتين مش سايبك غير لما أعرف مالك!؟ توقفت عن التملص منه، وركزت حدقتيها الفيروزيتان بعينيه المتآججة وهي تقول: “عايز تعرف مالي. طيب. أنا تعبت من الحياة دي. أيامي كلها بقت شبه بعض. مابقتش حاسة بحاجة بقيت زي المتخدرة بالظبط. من الصبح لليل في متاهة خلاص مقررة عليا وحفظتها. تعبت وزهقت. تعبت ومابقتش قادرة أتحمل كل ده تعبت…”

وكانت ترتعش من قمة الغضب والانفعال، تأثر بمعاناتها وإن كان لم يستوعبها بادئ الأمر، لكنها مسّته وصار أكثر تعاطفًا معها، أرخى قبضتيه عن كتفيها ولف ذراعيه حولها متمتمًا بهدوء: “طيب. إهدي. خلاص.. شوفي انتي عايزة إيه وأنا أعملهولك. هاعملك إللي انتي عايزاه. بس ماتضيقيش كده. إهدي عشان خاطري! ردت عليه والدموع في صوتها بالفعل: “مابقتش عايزة حاجة خلاص! أصر عليها وهو يمسح على رأسها بحنو بالغ:

“لأ إزاي. حقك عليا. أنا يمكن انشغلت عنك بقالي فترة. ماكنتش مهتم بيكي أكتر. لكن خلاص أوعدك من النهاردة هاغير كل ده. وهاتشوفي يا حبيبتي! كافحت من أجل الابتعاد عنه، فلم يستبقيها رغمًا عنها، أفلتها كما أرادت بينما تغمغم بحنق: “انت ليه مش راضي تفهم. أنا مش عايزة أكمل. مش عايزة! قطب وجهه الآن وقد شعر بخطورة الوضع، فدفعه الخوف من خسارتها للتحدث بغلظة:

“ليه. انتي شايفة إيه إللي حصل كبير للدرجة دي عشان تطلبي طلب زي ده. سلاف انتي لازم تفوقي وتستوعبي كلامك. انتي عايزة تهدي حياتنا. أنا وانت والولاد. كل مرة كنتي بتقولي كده كنت بحتويكي وبعديها عشان عارف إن مسؤولياتك كبيرة وكتر خيرك إنك شايلاها أصلًا. لكن مش قادر أصدق إنك مصممة دلوقتي كل التصميم ده! وقطع المسافة القصيرة بينهما ممسكًا بيديه. تنهد وهو ينظر إلى أسفل في أصابعهما المتشابكة، عصر يديها بشكل مطمئن وهو

يقول بصوت أقرب إلى الهمس: “شوفي إنتي عايزة إيه. أنا مستعد أعمل أي حاجة تطلبيها. لو عايزاني آخد إجازة وأقضي وقت أكتر معاكي وأساعدك كمان في مسؤولية البيت والولاد هاعمل كده. لو عايزة تجيبي واحدة تساعدك وأنا مش موجود أجيبها من بكرة. لو عايزة نسافر تغيري جو في أي حتة تختاريها هاعملك إللي تقولي عليه…” “مش عايزة منك انت تحديدًا أي حاجة!!! ” صاحت فيه بغتة وهي تتنزع يديها من يديه وترتد خطوة للخلف. “أنا عملت فيكي إيه لكل ده!؟

” ردد مشدوهًا. دمعت عيناها من شدة العصبية وهي تقول:

“أنا بقيت عايشة في نفاق. والحياة دي مكانتش بتاعتي. أنا وافقت بيها عشان حبيتك ورضيت بيها عشان ماكنتش عايزة أخسرك. لكن دلوقتي كل واحد بيعمل إللي على مزاجه حتى انت مشييني على مزاجك. في الأول اقعدي يا سلاف من الجامعة ولادنا أولى بيكي. سيبت أحلامي وطموحاتي إللي فضلت سنين أخطط لها عشانك وعشان البيت. انت وظيفتك إنك كنت بتهد فيا وبس. حتى الحاجة الوحيدة إللي بقيت ليا. أنوثتي بقيت تقتلها بإيدك. ماتحطيش مكياج أنا مش بحبه وشكلك

بيعجبني من غيره. ماتحطيش برفانات أوفر ريحتك الطبيعية أحلى. ممنوع أرقص ممنوع أفرح بطريقتي وسكت ورضيت بكل إللي انت عايزه وفي الآخر كل إللي حواليا يعيشوا الحياة إللي كان مفروض أعيشها. وآخرهم أختك إللي لبست فستان مكشوف ورقصت وغنت كمان وكل ده حصل في بيتك قصاد عينيك مش من وراك كنت هديت وارتحت!!!

بقى ينظر إليها وهي تتحدث غير مصدقًا، أن كل هذا بداخلها، ومع ذلك كانت لديه مبرراته التي أدلى بها في الحال:

“أولًا تعليمك أنا ماغصبتش عليكي تسيبيه. أنا قلت لك ادرسي في البيت وانزلي الجامعة على الامتحانات وقلت كده عشان انتي بالفعل كنتي لسا والدة والمسؤولية كبرت عليكي. تانيًا موضوع أنوثتك إللي قتلتها دي تهمة باطلة في حقي وإلا ماكنتيش هتبقي أم لـ 3 أطفال. مش بالمكياج ولا بالرقص يا مدام. بالحب والاهتمام إللي مابخلتش عليكي يوم بيهم. بس الظاهر إنهم ماكنوش كفاية بالنسبة لك. تالتًا بقى أختي دي بقت على ذمة راجل. وبيتي إللي عملت فيه كده يبقى بيتها بردو. إيمان وارثة زي عائشة زي أمي. لما تعمل كده وهي ست ومتجوزة أنا مقدرش أتكلم معاها لأنها راشدة وبقت مسؤولة من زوج.. ف بتحاسبيني على إيه هنا!؟

صمتت لبرهة ترمقه بخيبة وقالت: “أنا بشر ومقدرش أتحمل أكتر من طاقتي! تضخمت لهجته وهو يسألها: “يعني إيه!؟ صاحت بنفاذ صبر وكأنها بالفعل فقدت عقلها:

“يعني طلّقني. سيبني أرجع لحياتي وأرجع ثقتي بنفسي إللي دمرتها انت وأختك. كل حاجة علمتها ليا بسببها بقيت أشك فيها. أنا حتى مابقتش البنت إللي انت نفسك حبيتها وأعجبت بيها في البداية. طلّقني وخليني ألاقي نفسي تاني. لسا الأوان مافتنيش. لسا ممكن أبدأ من جديد لسا صغيرة لسا حتى ممكن أتجوز آا…” لم تتم كلمتها إلا وهوى كفه لأول مرة منذ رآها صافعًا إياها بعنف. غمرت دموع غزيرة وغريبة عينيها وهي تقول بصوت مليء بالنشيج:

“أنا عمري ما اتضربت.. حتى بابا عمره عملها! لم يرد، بل لم يحاول حتى أن يرد عليها، ولم يبدو نادمًا أنه صفعها. عيناه احمرّان، يضغط شفتيه بشدة، وتلك الرجفة التي تعتري جسمه من لحظة لأخرى تنبئ عن المجهود الخرافي الذي يبذله لكي لا يتهوّر عليها أكثر، ما قالته كان كثيرًا. يخشى أن تتفوّه بشيء آخر مثله فربما تدفعه لإيذائها دون أن يشعر. ابتلعت سلاف كتلة مرّة سدّت حلقها، ثم قالت بغضب أعمى:

“انت هاتدفع تمن القلم ده غالي. وتمنه إنك مش هاتشوف وشي تاني يا أدهم! واستدارت نحو الخزانة مكملة إلقاء كل أغراضها إليها بعشوائية وهي تغص وتبكي بحرقة، بينما تشعر بقبضته القاسية تجتذبها من رسغها بوحشية. كتمت شهقة، ونظرت بقوة إلى عينيه الحادتين، لم تستطع الكلام بسبب الاحتقان الضاغط على حنجرتها، بينما يقول ببطء وهدوء أثارا رعبها: “سلاف.. لو مش عايزة ولادنا يتيتّموا النهاردة. اتقي شري. أنا كمان بشر. فاهمة!؟

لم تصدق أنه قال ذلك، لم يجعلها تفكر أساسًا فيه وهو لا يزال أمامها، تركها فجأة وخرج من الغرفة بخطوات واسعة، سريعة. وتبينت بأنه أغلق عليها الباب من الخارج بالمفتاح. حقًا… لقد حبسها للتو.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...