تحميل رواية «اوصيك بقلبي عشقا» PDF
بقلم مريم محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
“كان ثمن الهجرة منكِ غربةٌ و مذلّة ؛ و كأنّي أسير حرب مُهان، الآن و قد عدتُ إلى وطني.. لا آبه إن تشردت أو تسوّلت.. أو حتى أُعتُقلت!” مراد أبو المجد تلبّدت السماء بالغيوم فجأة، في غضون دقائق منذ أن ألقى بزوجته التي طلّقها بقصر عائلتها الفاخر، كان الطقس مُكفهّر مثل مزاجه، بل مثله هو تمامًا. انطلق بسيارته البوجاتي السوداء لا يلوي على أيّ وجهة، هبّ نسيم البحر المنعش وبدأت تسقط قطرات المطر الأولى، أغلق سقف السيارة و حلّ الظلام التام بولوجه إلى ذلك النفق المعتم الطويل. لتتكالب عليه الذكريات دفعةً واحد...
رواية اوصيك بقلبي عشقا الفصل الأول 1 - بقلم مريم محمد
“كان ثمن الهجرة منكِ غربةٌ و مذلّة ؛ و كأنّي أسير حرب مُهان، الآن و قد عدتُ إلى وطني.. لا آبه إن تشردت أو تسوّلت.. أو حتى أُعتُقلت!”
مراد أبو المجد
تلبّدت السماء بالغيوم فجأة، في غضون دقائق منذ أن ألقى بزوجته التي طلّقها بقصر عائلتها الفاخر، كان الطقس مُكفهّر مثل مزاجه، بل مثله هو تمامًا.
انطلق بسيارته البوجاتي السوداء لا يلوي على أيّ وجهة، هبّ نسيم البحر المنعش وبدأت تسقط قطرات المطر الأولى، أغلق سقف السيارة و حلّ الظلام التام بولوجه إلى ذلك النفق المعتم الطويل.
لتتكالب عليه الذكريات دفعةً واحدة.. خلاصة ثلاثة أعوام من حياته قضاهم هائمًا بحب “هالة رفعت البحيري”.. ابنة عم صديق عمره و أخيه الذي لم تنجبه أمه.
كيف يُعقل !؟
كيف أمكنه أن يخونه.. لو أن ما يظنّه صحيحًا.. هل كان يبادلها “عثمان” نفس المشاعر ؟ لو كانت بينهما علاقة فيمَ مضى.. إلى أيّ مدى وصلت بهما ؟ و حتى لو كانت علاقة حب من طرفٍ واحد و أن صاحبه بريئ… كيف تركه يتزوج بها و هو يعلم بأنها تحبه هو ؟
لقد أكدت له “هالة” بلسانها بأن “عثمان” يعلم بحبها.. إذن كيف.. كيف يفعل هذا بأخيه !!؟
خرج من النفق أخيرًا و غمرته الأجواء الكئيبة الشتوية ثانيةً، كان المطر قد اشتد، و قد شعر برغبة مُلحة بالوقوف هناك بالقرب من البحر.
لم يفكر طويلًا و ركن سيارته عند رصيف مقفر، و نزل متجهًا نحو الصخور الغائرة في الموج الثائر.
و كان قد تبلّل كليًا حتى قبل أن يقترب إلى هذا الحد، وقف في مواجهة الأمواج العاتية، يحدق في الفراغ اللانهائي، لا يوجد على امتداد البصر سوى السماء الرمادية و البحر الأزرق الزبدي.
وقف يتأمل تقلّبات الطقس لهنيهةً، يقارنها بمَ يعتمل بدواخله الآن، دس يده بجيب معطفه حين شعر باهتزاز هاتفه، كان واثق حتى قبل أن يلقي نظرة إلى الشاشة… إنها أمه.. السيدة “رباب” التي تخابره.. حتمًا وصلتها الأخبار.
و لم يشأ أن يقلقها، هي بالذات، ففتح الخط و أجاب:
- آلو !
أتى صوت أمه متلهفًا مذعورًا في الحال:
- مراد ! في ايه يابني. ايه الحصل عندك ده. قول لي السمعناه ده صحيح ؟ انت طلّقت هالة !!؟؟
طرحت أسئلة كثيرة و هو ليس له بالٌ ليجاوب على كل ذلك، فقال بصوتٍ عكس كل الغضب و الخيّبات الأليمة بصدره:
- ماما.. من فضلك. الموضوع ده انتهى. سامعاني ؟ انتهى و مش عاوز أتكلم فيه أبدًا.
- طيب بس فهمني يا حبيبي. حصل إيه.. ما انا لازم أفهم يا مراد ماتسبنيش كده. أنا و باباك و جدتك هنا ميتين من القلق !!
ابتسم نصف ابتسامة و هو يقول هازئًا:
- كلّمي البلّغوكي هما يفهموكي كل حاجة.
و قبل أن تنطق مجددًا قاطعها بصرامة:
- بصي يا ماما ماتقلقيش عليا. أنا كويس. رديت عليكي بس عشان تطمني. لكن أنا محتاج أبقى لوحدي شوية.. أرجوكي !
و أغلق الخط باللحظة التالية.
سحب نفسًا عميقًا عبر فتحتيّ أنفه، و زفره ببطءٍ من فمه.
اللعنة !!
لا يستطيع أن يطردها من عقله مهما فعل، إنه يحبها، لا زال يحبها و هذا ما يؤلمه، منذ أن تعلّق بها قبل الزواج حوّلته إلى عاشق و هو الذي ما كان ليفقه ذلك المعنى لولاها.
صحيح أنها أعيته و لم يفهم شخصيتها يومًا، لكن هذا بالضبط ما أوقعه في شِباكها، غموضها، كبريائها الارستقراطي، و رقتها المفرطة، لدرجة أنه كان يحبها بحذر و يعاملها و يحاورها برفقٍ شديد.
للأسف.. لقد ترك لها نفسه و سقط في غرامها إلى حد جعله يبدو ليس لها فقط، بل للجميع بلا شخصية، و لكن ماذا كان جزاؤه بالنهاية !؟
خانته.
طعنت رجولته بمنتهى القسوة.
تململ “مراد” بمكانه بعصبية لا تخلو من الغضب، حاول جاهدًا أن يعود إلى رشده لكي يستطع تدبير أموره، لا يمكن ينتهي كل شيء بهذه السهولة.
و لكن ماذا عليه أن يفعل ؟ و إلى أين يذهب الآن ؟ ليس له في هذه المدينة سوى صديقه الوحيد.. و الذي توضح تمامًا بأن علاقته به قد دُمرت.
فأين يُفترض أن يذهب !؟
لا يريد أن ينزل بفندق أو ما شابه، يحتاج إلى رفقة، لا يجب أن يبقى بمفرده خاصةً الآن.
و لكن من.. من الذي يستحق أن يشاركه كل هذا… من الذي يمكن أن يتعرّى أمامه في هذه الظروف !!؟
لبث يفكر لبضع دقائق حتى إلتمعت بارقة أمل برأسه، و اتخذ قراره، لم تعد لديه لحظة أخرى يضيّعها، استدار عائدًا إلى سيارته، بلغ مفترق طرق المؤدي إلى جسر “ستانلي”.
و عوض التوّجه لقلب المدينة، انطلق رأسًا إلى طريق الإسكندرية الصحراوي.. لتكون الوجهة هي العاصمة.. “القاهرة”.
*****
ليست المرة الأولى التي تقضيا النهار سويًا بالخارج، فمنذ أن تحسّنت العلاقة بينهما و هما تقريبًا لا تفترقان، فإن لم تتجالسا، فهناك هاتف لا تكفّان عن الثرثرة خلاله.
و لكن اليوم لاحظت “سلاف” سلوكًا غريبًا قد طرأ على شقيقة زوجها، إلحاحها في طلب الخروج من البيت بحجة التسوّق و الترفيه عن الأطفال، وافقتها “سلاف” لأنها بالفعل كانت بحاجة للتبضّع، و لسببٍ آخر أرادت بشدة أن تستطلع أحوالها.
- بصي يا إيمي الـDress ده !
قالتها “سلاف” من وراء النقاب.
و هي تدفع في نفس الوقت بعربة أطفالها الذكور الثلاثة.
كانت الأخيرة شاردة الذهن، لكنها انتبهت حين سمعت اسمها، نظرت نحو زوجة أخيها و تساءلت:
- نعم يا سلاف !؟
أشارت لها “سلاف” إلى واجهة متجر الملابس النسائي:
- بقولك بصي ده.. ده هايبقى حلو أوي عليكي. كأنه متصمم عشانك أصلًا و بصي نفس الألوان البتحبيها !
تطلعت “إيمان” إلى الثوب، كان بالفعل جميلًا و قصّته جذّابة، زهري و مزيّن بالورود على مختلف ألوانها.
- ايه رأيك.. ندخل نشتريه ؟
قدّمت “إيمان” خطوة موافقة و هي تشد يد ابنتها الصغيرة معها:
- ليكي ؟
عبست “سلاف” مُصححة:
- ليكي انتي يا إيمان.. في ايه مالك مش مركزة معايا ليه !!؟
حاولت “إيمان” أن تبدد شكوكها بابتسامة، لكنها لم تخدعها البتّة:
- مافيش حاجة يا سلاف. هايكون في ايه يعني !
هزت “سلاف” رأسها:
- مش عارفة. بس حساكي مش مظبوطة.. و أنا احساسي مابيخيّبش.
كانت ستكذب مرةً أخرى و قد عرفت “سلاف” ذلك من عينيها، فقاطعتها:
- بس يا إيمان ماتتكلميش تاني لو سمحتي. ماتتلكميش لو هاتكدبي.. بصي إحنا هاندخل نشتري لك الـDress ده و ننزل نشرب حاجة في الـFood Court تحت و نتكلم براحتنا.
أبت “إيمان” بشدة:
- لأ يا سلاف. لأ لأ معقول أنا ألبس الألوان دي ؟ لأ مش ممكن !!
سلاف باستنكار:
- و مش معقول ليه يا حبيبتي ؟؟
ردت “إيمان” و هي تتأمل الموضة الشبابية أمامها:
- عشان مش سني ده يا سلاف !
جحظت عينا “سلاف” الفيروزيتين من أسفل عصّابة عينيها و تمتمت بغيظٍ:
- مش سنك ! منك لله يا شيخة. هاترفعيلي ضغطي.. خشي قدامي يا إيمان !
جاءت لتعترض، فأجبرتها “سلاف” زاجرة بشدة:
- خشششششـي قدااامـي يا إيمـان.
كتفت “إيمان” ذراعيها هاتفة بعنادٍ:
- قلت مش داخلة يعني مش داخلة يا سلاف !!
*****
جلستا في أقصى المطعم الشهير بفناء المطاعم و المقاهي بالمول التجاري الأضخم.
استطاعت “سلاف” أن ترفع النقاب و هي تجلس بظهرها، أخذت “سلاف” تكتم ضحكاتها بصعوبةٍ، فقد حققت مشيئتها و أجبرت “إيمان” على قياس الثوب و من ثم شراؤه، و قد كان شكلها المضطرب حتى الآن و هي تنظر إلى كيس القماش الذي يحمل شعار المتجر.
لم تكن مرتاحة أبدًا.
فحاولت “سلاف” أن تخفف الضحك في صوتها و هي تخاطبها بلطفٍ:
- خلاص بقى يا إيمي. فكّي ماكانش فستان ده.. ايه يعني لما تلبسيه مش يمكن الصنارة تغمز !؟
و غمزت لها بشقاوة.
توترت “إيمان” حين قالت ذلك:
- ايه صنارة و تغمز دي. قصدك ايه يا سلاف !؟؟
رفعت “سلاف” حاجبها و قالت بتعجبٍ:
- و انتي مالك اتلخبطتي كده ليه !!
ازداد الارتباك عليها و هي ترد متلعثمة:
- مـ مافيش حاجة يا سلاف. هو انتي كل شوية هاتقوليلي مالك !
- بقولك من الآخر. انتي متوترة أوي كده بسبب زيارة مراد لينا انهاردة !؟
هكذا باغتتها “سلاف” و قد أصابت، و أرادت “إيمان” أن تنفي هذه الحقيقة.
لكن أمام نظرات الأخيرة الثاقبة، و تحت وطأة جلد الذات القلق من مشاعرها.
وجدت نفسها تبوح مومئة برأسها.
تنهدت “سلاف” قائلة:
- كنت حاسة !
و في هذه اللحظة أتى النادل، أنزلت “سلاف” النقاب فورًا، وضع حلوى الدوناتس أمام الصغار، و القهوة أمام “سلاف” و العصير الطازج أمام “إيمان”.
رفعت “سلاف” النقاب ثانيةً بعد ذهاب النادل، و ارتشفت القليل من قهوتها الفاتحة لتساعدها على التعاطي مع الوضع الجاري، رفعت بصرها إلى “إيمان” التي راحت تعبث بقشّة الكأس بلا هدفٍ متحاشية النظر في عينيّ زوجة أخيها.
وجّهت “سلاف” سؤالًا مدروسًا بصوتها الهادئ:
- انتي كان في حاجة بينك و بين مراد قبل ما تتجوزي.. صح يا إيمان ؟
أومأت “إيمان” مؤيدة للمرة الثانية، فأردفت “سلاف”:
- لسا بتحبيه ؟
للمرة الثالثة تومئ لها و لا تجسر على النطق.
لوت “سلاف” فمها ممعنة في تلك المعطيات بدقة، ثم قالت:
- طيب. بالنظر لوضعكم انتوا الاتنين. أكيد العلاقة انتهت من زمان بما انك اتجوزتي و هو كمان اتجوز.. ليه مضطربة كده و ليه اصريتي نخرج من البيت قبل ما يجي. مش عايزة تشوفيه !؟
و هنا رفعت “إيمان” رأسها و رمقتها بنظرةٍ واهنة:
- أنا بكلمك دلوقتي كأني بكلم نفسي.. و مش هاخبي عنك حاجة يا سلاف !
بثت فيها “سلاف” كل الثقة لتحملها على البوح بكل أريحية:
- خليكي واثقة إن كلامك كله هايتسمع و بس. عمره ما هيتقال تاني يا إيمان.
ابتسمت لها بامتنانٍ، ثم بدأت تسرد لها كل الحكاية، من البداية و حتى هذه اللحظة.
- يعني مراد قصة حب و انتهت !
قالتها “سلاف” مقررة منطقية الوضع.
- ايه القلقك بقى !؟
قطبت “إيمان” بشدة:
- إني مش فاهمة تصرفاته. هو من يوم ما سيبنا بعض و هو بيتجنّب نتقابل. طول السنين دي كلها مجاش و لو زيارة.. حتى في موت تيتة حليمة مجاش. انتي نفسك يا سلاف ماكنتيش تعرفي عنه حاجة غير من فترة قريبة.. إشمعنا دلوقتي افتكرنا. و في الوقت ده. الهو فيه مطلق مراته و أنا جوزي مات !!!
- انتي رابطة زيارته بيكي. و جايز جدًا مايكونش راجع عشانك يا إيمان.. ثم انتي قلقانة ليه بردو ؟ حتى لو جاي لك انتي. أقصى الممكن يعمله ايه يعني !!؟
هزت “إيمان” رأسها للجانبين مقرّة:
- انتي مش فاهمة يا سلاف. أنا مش خايفة منه.. أنا خايفة من نفسي لو شوفته تاني… خايفة أحبه تاني !
*****
أسفل منزل “آل عمران”… عثر “مراد” على مكانٍ يركن فيه سيارته.
ترجل منها و قد كان البواب بالقرب، لديه خبر بمجئ الضيف، بمجرد أن أفصح عن هويته تلقّى الترحيب الشديد و فتح له الرجل الشديد بوابة المنزل على مصراعيه.
ادخل “مراد” البناية الراقية، لم يتخذ المصعد الكهربائي و فضل أن يصعد الأدراج مثنى مثنى، حتى وصل إلى الطابق الأول.
كانت خالته “أمينة” بانتظاره، أخذته بالأحضان ما إن فتحت الباب و رأته، ضمّها “مراد” بدوره مغمغمًا بصدق:
- وحشتيني يا خالتو !
ربتت الأخيرة على ظهره العريض و لا زالت تحتضنه بعاطفة أمومية جيّاشة:
- حبيبي يا مراد. حبيب خالتك. ياااه ده انت واحشني أوي.. بس ايه ده. مال هدومك مبلولة كده ليه !؟؟
تباعدا على مهلٍ و شرح لها بايجازٍ مع ابتسامةٍ باهتة:
- كانت بتشتي في اسكندرية !
شدته “أمينة” من يده للداخل:
- طيب ادخل. ادخل في الدفا و أنا هادخل أجيب لك غيار من دولاب أدهم.
قبض “مراد” على كفّها قائلًا:
- مالوش لزوم يا خالتو. أنا مش مطوّل. أنا جاي بس لأدهم في موضوع مهم.. لازم أمشي.
- هاتمشي فين بس انت لحقت ؟ عايز تروح فين !؟
- لحد ما أخلص إللي جيت عشانه. هاحجز في أي أوتيل.
- مش عيب تقول الكلام ده و انت واقف في بيت صلاح عمران المفتوح للغريب قبل القريب يا أستاذ مراد !؟؟
إلتفت “مراد” مبتسمًا نحو مصدر الصوت، كان صوت “أدهم عمران” الذي لا يخطئه السمع أبدًا.
كان قد أتى للتو من الخارج.
تأملا بعض للحظاتٍ، ثم تعانقا عناق الرجال، و تباعدا خلال لحظة، ليقول “أدهم” بحبورٍ:
- أهلًا و سهلًا.. شرفت و نوّرت يا مراد.
- ده نوركو يا أدهم. متشكر أوي.
تداخل صوت “أمينة” في هذه اللحظة:
- قول حاجة بقى يا أدهم.. ابن خالتك قال ايه جاي عشان يمشي تاني !
نقل “أدهم” ناظريه بينهما و هو يقول:
- مافيش الكلام ده يا أمي. البيه هايقعد عندنا شوية ماتقلقيش.
حاول “مراد” أن يعترض:
- ماينفعش يا أدهـ…
قاطعه “أدهم” بصرامة:
- بقولك إيه. أنا كلمتي محدش يقدر يردها. قلت هاتقعد يعني هاتقعد.. خلص الكلام !
*****
لولا مكالمات أخيها التي انهالت عليهما عندما خيّم الليل، و طلبه في عودتهما إلى البيت على جناح السرعة ما كانت لتعود، أرادت أن تتأخر في الخارج أكثر وقت ممكن حتى لا تسنح أيّ فرصة للقائها به.
لم تكن واثقة بعد أهو هناك ام غادر.
فكانت على أشد درجة من التوتر.
كلما اقتربت من البيت، و حتى استقلّت المصعد برفقة زوجة أخيها التي انخرطت في ضحكٍ مكتوم الآن، أجفلت “إيمان” و هي تسألها:
- في ايه يا سلاف !؟؟
ردت “سلاف” بلهجة متكلّفة:
- مافيش حاجة يا إيمان.. يلا اطلعي وصلنا !
و دفعت بها برفقٍ بينما تحمل صغارها من العربة الواحد تلو الآخر ليسيروا أمامها بدورهم صوب شقة جدتهم.
فتحت “إيمان” الباب بنسختها من المفتاح، ولجت و هي تقدم ساق و تؤخر الأخرى، تمد عنقها و تجيل بصرها للداخل.
لم ترى شيء، و لم تسمع أيّ صوت.
بدأت ترتاح لهذا و تتأكد بأنه جاء و ذهب بالفعل.
زفرت بارتياحٍ شديد و خلعت حجابها و هي تهرول داخل الشقة هاتفة:
- أنا جيت يا مـامــا !
- يا ترى طابخة لنا أيـ…
تملّكها الخرس فجأةً، حين اصطدمت برؤيته هناك، يقف بجوار أمها، يرتدي بيجامة أخيها، يساعدها بتقطيع الخضروات.
كان هو… هو بشحمه و لحمه و نظرته التي تذيب قلبها و تعيد قولبته من جديد.
كان “مراد” !
رواية اوصيك بقلبي عشقا الفصل الثاني 2 - بقلم مريم محمد
تحت إلحاح خالته الشديد وكلمة "أدهم" التي قيدته، أذعن لهما وقرر البقاء لبعض الوقت.
عليه أن يقر، هو بالأساس بحاجة إلى الرفقة، وخاصة إذا كانوا أهله.
وفجأة وجد نفسه قد تجاوب مع الأجواء أسرع مما توقع.
أحضرت له خالته من خزانة ابنها الاحتياطية بشقتها بيجامة زرقاء ناسبته تمامًا وكأنها فصلت لأجله.
ارتداها بعد أن أخذ حمامًا سريعًا ليزيل آثار السفر الطويل الذي خاضه.
خرج أخيرًا، ليجد أن "أدهم" قد استأذن قليلًا وصعد إلى شقته على أن يهبط في موعد العشاء.
كان يحمل في يده المنشفة، يجفف شعره بينما يسير بالرواق باحثًا عن خالته.
"أيّ مساعدة!؟"
التفتت "أمينة" إلى هتافه الهادئ، تبسمت في وجهه تلقائيًا وهي تشمله بنظرة فاحصة.
"نعيمًا يا حبيبي."
"الله ينعم عليكي يا أجمل خالتو في الكون."
وأقبل عليها مادًا يده لكتفها، وضع كفه عند مؤخرة رأسها ودنى منها ليقبل جبينها.
"باسك العافية يابن الغالية."
"قوليلي بقى محتاجة أساعدك في إيه؟"
"مش محتاجة تساعدني في أي حاجة يا حبيبي. انت تطلع تقعد برا لحد ما الأكل كله يجهز ويجي لك لحد عندك. يلا."
رفض "مراد" بشدة.
"يا سلام أقعد ماليش لازمة يعني. لأ طبعًا لازم أعمل معاكي أي حاجة."
قطبت "أمينة".
"هتعمل إيه بس يابني. الشغل ده ماينفعكش!"
قال مصممًا: "لأ ينفع ماينفعش ليه.. بصي أنا هعمل السلطة."
واستدار نحو المنضدة التي حملت أطباق الخضروات، ترك المنشفة جانبًا، وبدون أن ينتظر أذنها بدأ بتقطيع أنواع الخضار المختلفة بحرفية متقنة.
هزت "أمينة" كتفيها بعجز وانخرطت هي الأخرى في عملها.
"هتدوقي أجمد طبق سلطة في حياتك!"
ضحكت.
"طبعًا يا حبيبي. أمال.. انت بقى هتدوق أكل أنا واثقة من ساعة ما سافرت مع أمك وأبوك ماشفتوش أصلًا."
أرهف حاسة الشم هنيهة، ثم خمن.
"محشي!"
ضحكت ثانية.
"صح."
صاح محتفلًا: "الله عليكي بقى."
لم تمر دقيقة واحدة، إلا وسمع ذلك الهتاف الأنثوي، وقد ميز الصوت الذي يحفظه عن ظهر قلب رغم مرور السنين.
"أنا جيت يا ماما!!"
جمدت أصابعه عن الحركة ورفع رأسه نحو باب المطبخ.
إن هي إلا ثوانٍ وظهرت "إيمان".. ظهرت كما اعتاد أن يراها في الخلوات خلسة، بدون حجاب رأسها!
تخشّب كلاهما في مواجهة الآخر.
بينما أخذ يتأملها جاهدًا في السيطرة على انفعالاته.
حبيبته السابقة، أول فتاة يدق لها قلبه، والتي تركها بمحض إرادته ورحل، وقد علم مصادفة بخبر زواجها قبل بضعة سنوات.
إنها لا تبدو كامرأة متزوجة إطلاقًا، لقد حافظت على قوامها الرشيق، كتفان نحيلان يبرزان عظمتي ترقوتها بإثارة شديدة، خصر رفيع.
للأسف لم يستطع التحقق من ساقيها أو شكل ردفيها بسبب التنورة الفضفاضة التي ارتدتها.
كم كان يعشق جسدها، ويحفظ كل شبر فيه، جسدها المحرم عليه.
كان هذا أول سبب جعله يسعى بشكل مستميت إليها ويستغل أقل فرصة تواتيه، وقد كانت تستحق العناء.
كان وجهها لا يزال جميلًا، وجنتان بارزتان، أنف حاد وشفاة مكتنزة دقيقة وصغيرة جدًا.
وشعرها.. شعرها حالك السواد قد ازداد طولًا بشكل لا يخطئه النظر.
كانت هي "إيمان".. كانت حبيبته التي كأنما لم يتركها يومًا واحدًا.
وكأن تلك الليلة كانت بالأمس.
وليست منذ ثلاثة عشر عامًا.
"إيمان!"
كسر صوت "أمينة" السكون الجاثم والخانق، وكأنها تعويذة ربطت جسمها والآن انحلت.
في لمح البصر كانت قد اختفت من أمامه.
أجفل "مراد" مبهورًا من الذي حدث.
أحس بصوت خالته قريبًا منه هذه المرة ولكن لم يستطع النظر إليها.
"معلش يا مراد يا حبيبي. أظنك لاحظت إيمان ماكانتش تعرف إنك لسا هنا.. تلاقيها راحت تجهز عشان تيجي تسلم عليك."
رد "مراد" عابسًا ولا يزال لم ينظر إليها.
"براحتها يا خالتي!"
ألقت "أمينة" عبارتها الآن بكلمات ذات مغزى.
"أصل إيمان مش متعودة يجيلنا ضيوف. انت طبعًا مش ضيف يا حبيبي انت صاحب بيت. لكن معلش بحكم العادة. يعني مابقتش ساكنة لوحدها.. من يوم موتة سيف جوزها وهي قاعدة معايا هنا هي وبنتها!!"
وهنا أدار "مراد" رأسه فورًا ونظر إليها.
"جوز إيمان مات!؟"
كان مشدوهًا، وليس مصدومًا.
كان شعوره غريب.
أومأت له خالته وقالت بصوت خافت لا يسمعه سواه.
"أيوة.. بعيد عنك مات بجرعة زايدة من المخدرات. وإيمان يا قلب أمها حالفة لتصوم عن جنس الرجالة…"
ثم لوت فمها مغمغمة.
"أنا عارفة إيه اللي خلّاها تتنيل تحبه بس. محدش كان موافقها على اختيارها ده. رغم إن المرحوم ابن عمتها. بس لا أنا ولا أدهم ابني كنا موافقين.. هي اللي صممت عليه. وأدي النتيجة. بقت أرملة في عز شبابها وبنتها يا حبيبتي اتيتمت بدري.. يلا نحمده على كل حال!"
كان "مراد" يستمع إليها جيدًا حتى فرغت.
عاودت مباشرة أعمالها، أما هو فشرد.
المسكينة "إيمان".. كم تعذبت وعانت في حياتها.
***
لاذت "إيمان" بغرفتها دون أن تسأل عن أي شيء، دون حتى أن تسأل عن صغيرتها.
إذ كانت كارثة.
كارثة لم تعطها حق قدرها، فقد اتضح أن رؤية "مراد" مرة أخرى ستتسبب لها في كل هذا الدمار، كل هذا الانهيار.
رباه!
لقد تغير كثيرًا، لكنه لا يزال هو.
نعم ملامحه الوسيمة نضجت وصارت أكثر حدة، وجهه الحليق الناعم في زمن المراهقة، الآن تزينه لحية وشارب أضفيا عليه رجولة أكثر وهيبة.
جسمه الرياضي النحيل الذي افتتنت به في الماضي، رأته اليوم مفتولًا وأضخم بكثير.
مع ذلك كله.
كان هو.
كان هو نفسه "مراد" حبيبها.. بعينيه وإحساسه الذي تستشعره ولو لم تكن قريبة منه!
"ليه!؟" تمتمت "إيمان" من بين دموعها التي فاجأتها وانهمرت كالشلال.
ولأول مرة منذ تلك الليلة ترمق فراشها بنظرات مصعوقة.
لم تكن توليه اهتمام، ولكن الآن.. إنها مذعورة.
وفورًا ابتلعتها دوامة زمنية، نقلتها إلى الليلة والساعة التي غيرتها، بل وغيرت حياتها كلها.
Flash Back
"بس انتي مش من حقك يا إيمان. وأنا خلاص.. مابقتش حبيبك. أنا قلت لك علاقتنا انتهت. وإللي بينا أصلًا ماكنش حب."
أصيب رأسها بدوار طفيف بفعل كلماته القاسية، فرددت بأنفاس مخطوفة.
"ماكنش حب! كل إللي عيشنا ده ماكنش حب يا مراد!؟"
رد منجرفًا وراء مشاعره المحبطة كليًا منها.
"أيوة يا إيمان ماكنش حب. مستغربة ليه؟ إحنا مش شبه بعض. وأنا لا يمكن أكمل في علاقة عقيمة زي دي."
"مسمومة!؟"
"آه مسمومة. انتي بالنسبة لي ماينفعش تكوني أكتر من بنت خالتي وبس. لأني مقدرش أخون صلة القرابة يا إيمان."
"وانت مسمي وعدك ليا بالجواز خيانة لصلة القرابة!؟"
"جواز إيه يا مجنونة انتي إحنا لسا طلبة.. وبعدين في كل الأحوال إنتي ماتنفعنيش. أنا مقدرش أجوز واحدة زيك. كل حاجة عندك حرام. قربي منك حرام. مسكة أيدينا دي بردو بالنسبة لك حرام. أنا البنت اللي هاجوزها ماينفعش تقولي ابعد عني. ماينفعش أجي أمسك ايدها تقولي شيل ايدك.. ده مايبقاش اسمه حب وماينفعش يتبني عليه علاقة. على الأقل بالنسبة لشخص زيي!"
مع كل كلمة خرجت من فاهه كان يسدد لها صدمة أقوى من التي قبلها، حتى منحها أخيرًا سببًا لتكف عن عويلها وبكائها.
سحبت يدها برفق من قبضته وهذه المرة أفلتها.
فرفعت رأسها وحدقت بقوة إلى عينيه وأعلنت.
"صح. انت صح يا مراد.. إللي بينا ماكنش حب. لأن انت أصلًا ماينفعش تتحب. ولا هاتعرف تحب!!"
وجاءت لتغادر بكل غضبها الدفين وانفعالها، لكنه تحرك من جديد ومنعها بالقوة.
"قلت لك مش هاتمشي لوحدك يا إيمان."
سيطرت على نفسها بصعوبة حتى لا تصرخ فيه ثانية.
فغمغمت بحرقة.
"إوعى يا مراد. شيل إيدك عني وسيبني بقى. عايز مني إيه تاني!!"
لم يرخي قبضته عن معصميها بوصة واحدة، وقال بصرامة.
"هاوصلك.. أنا لسا لحد دلوقتي مش عارف إزاي خرجتي من بيتكوا في ساعة زي دي. مين سمح لك!!؟"
لكنها لم تعطيه ردًا.
فأخذها في يده يجرجر خطواتها حتى وصلا عند دراجته النارية السوداء ماركة "هارلي ديفيدسون".
استقل فوق مقدمة القاعدة، لم يعتمر الخوذة الواقية وناولها إياها بلا تردد.
"خدي إلبسي دي!"
أخذتها منه لغرض واحد فقط، حتى لا يتعرف عليها أحد وهي برفقته، وخاصة في وضع كهذا.
ليست المرة الأولى التي تخرج معه على الدراجة، فعلتها مرات عديدة في الخفاء، وكانت أسعد لحظاتها.
أن تكون قريبة منه إلى الحد.. مجبرة على التشبث به واحتضانه بقوة.
في قرارة نفسها كانت تستمتع وتتنعم بذلك كثيرًا، وتتمنى ألا ينفصلا أبدًا، تمامًا كما تفعل الآن، لا تود أن ينتهي بهما الطريق.
لكن جاءت اللحظة، أوقف "مراد" الموتور أمام بناية المنزل الخلفية، بعيدًا عن مرأى البواب والجيران.
"-استني هاوصلك للبوابة!" قالها "مراد" وهو يطفئ دراجته ويعلق الخوذة بمكانه.
ردت بصوت جاف دون أن تنظر إليه.
"مالوش لزوم أنا عارفة السكة."
ومشيت خطوتين، فلحق بها وأمسك بكتفيها، أدارها إليه صائحًا من بين أسنانه.
"إيمان ماتخرجنيش عن شعوري. انتي عايزة إيه يعني!؟"
حاول أن يحدق في عينيها عبر الظلام، لكنها كانت تشيح عنه.
وفجأة تطلعت إليه.
كانت تبكي في صمت وقد صدمته.
"مراد!" نطقت اسمه بلوعة.
"عشان خاطري.. ماتمشيش. خليك معايا هنا. كمل دراستك هنا. مش مهم تاخد الشهادة من برا. لو كان مهم أوي كده كان أدهم عملها وأهو دكتور.. عشان خاطري يا مراد ماتسبنيش وتمشي. أنا أموت من غيرك…"
كان هذا لا يطاق، أن يراها في قمّة الضعف والتذلل إليه.
تحولت مئة وثمانون درجة، بعد أن تظاهرت بالاعراض عن حبه وقررت أنه شخص لا يستحق الحب، ها هي تضرب بكلامها وكرامتها عرض الحائط.
ها هي تتسول حبه!
رأت "إيمان" في عينيه صراعًا واضطرابًا، كان يعبس بشدة ويكز على فكيه، كان كأنما يقبض على الجمر ولا يستطيع تركه.
"إيمان!!!"
وأطلق نهدة محمّلة بكمّ ضيقه وهمّه.
"تعالي طيب!"
وأمسك بيدها ومشيا سويًا حتى بوابة المنزل.
لم يجد "مراد" رجل الحراسة في مكانه فقط.
معلقًا: "أمال فين عم راضي؟"
كفكفت "إيمان" دموعها بطرف كمها وجاوبته.
"تيتة حليمة تعبت بعد العشا علطول. ماما ندهت له عشان يشيلها مع أدهم ويودوها المستشفى."
رفع "مراد" حاجبه.
"عشان كده.. وأنا بقول إزاي خرجتي الساعة 10 بالليل. على كده محدش فوق يعني!؟"
هزت رأسها نفيًا.
"عائشة بس. بتذاكر في أوضتها عشان وراها امتحان مهم بكرة.. ماما وأدهم هايبيتوا مع تيتة في المستشفى لحد ما نتيجة الفحوصات كلها تطلع الصبح."
تصرف بطبيعية وهو يشد على يدها قائلًا.
"طيب يلا هاطلع معاكي لحد فوق عشان أطمن عليكي."
أومأت له وقد لاحت طيف ابتسامة فوق ثغرها.
وبالفعل صعدا إلى شقة خالته، وكانت الأضواء مقفلة، مما يفسر خلود "عائشة" إلى فراشها بعد قضاء اليوم كله في التحصيل الدراسي.
"الظاهر عائشة نامت!" دمدمت "إيمان" وهي تمد يدها لتكبس زر إشعال الضوء.
أضاءت الصالة كلها، والتفتت لتنظر إليه، بدت عليه الغرابة الآن وهو يسألها.
"وانتي بقى هتعملي إيه دلوقتي!؟"
هزت كتفيها.
"هادخل أقعد في أوضتي لغاية ما يجيلي نوم!"
رد بنصف ابتسامة.. تلك التي تزيده جاذبية.
"تعرفي أمنيتي كانت إني أشوف أوضتك. ده طبعًا كان مستحيل!!"
ضحكت لابتسامته وقالت.
"امم بس دلوقتي ممكن مش كده؟ طيب هاحقق لك أمنيتك.. تعالى!"
تلاشت ابتسامته وسألها غير مصدقًا.
"بجد!!؟"
أكدت بجدية هامسة.
"بس امشي بالراحة. اوعى تعمل صوت أحسن عائشة تصحى."
أومأ لها موافقًا وقد اتقدت الحماسة بداخله.
أغلق باب الشقة أولًا بهدوء وحرص شديدين، ثم مشى وراءها على أطراف أصابعه وصولًا إلى غرفتها.
أدخلته أولًا، ثم استدارت خطوتين نحو غرفة شقيقتها لتتفقّدها، فتحت الباب وورابته قليلًا، أطلت برأسها، فوجدت الغرفة غارقة في الظلام، و"عائشة" نفسها تعزف لحن النوم الشهير خاصتها.
اطمأنت لذلك وعادت إليه، ولجت إلى غرفتها وأغلقت الباب من خلفها.
كان هو يجول هنا وهناك مستكشفًا بحماسة، يفتش في أغراضها فوق مكتب الدراسة، وبين الأركان وكمات الدُمى والعرائس التي أوردها الكثير منهم ليشبع هوسها بهم، فقد كان حريصًا على إرضائها وإسعادها طوال فترة المواعدة.
وصل "مراد" عند الخزانة، فتحها بلا تردد وأخذ يقلب فيها، حتى رأته "إيمان" يعبث في درج الملابس الداخلية، هرعت إليه وحاولت إغلاق الخزانة كلها، لكنه حجزها بقدمه مستلًا حمالة صدر زهرية اللون.
راح يلوح بها أمام عينيها مغمغمًا بخبث.
"إيه ده إيمي.. لطيف أوي البرا ده. ماكنتش أعرف إن ذوقك حلو في الحاجات دي."
حاولت "إيمان" أخذه من يده.
"مراد ماتهزرش في الحاجات دي.. سيب يا مراد!"
أمسكها "مراد" بيد، وبالأخرى قرب القماش الناعم من أنفه وتمتم محدقًا في عينيها الواسعتين سعة أعين الغزلان.
"الله.. ريحتك فيهم يا إيمي… ريحتك حلوة أوي!"
أجفلت "إيمان" مرتبكة منه، من كلماته، من نظرته.. من قرب.
عثرت في عينيه على تلك الشعلة التي لطالما أوقدتها فيه، وهي الرغبة، الرغبة الخالصة فيها.
عيناه الجميلتين، إنهما مزيجًا من الخضرة والزرقة تتآلقان سواء النور أو حتى الظلام، لا تستطيع مقاومتهما أبدًا!
ارتجفت حين ارتفعت يده وأزاحت الحجاب عن رأسها، ليتحرر شعرها من عقاله ويحيط بوجهها كهالة سوداء فاحمة.
وكان هذا بمثابة الإذن له ليمضي كما يهوى.
لأنها تحبه.
لم تستطع أن تقول لا.. وهو يلتصق بها ويطوقها مانحًا إياها تلك القبلة الأولى بحياته.
لأنها تحبه.
لم تستطع أن تقول لا.. وهو يستكشف بكفوفه معالم ودهاليز أنوثتها بجرأة صرف.
لأنها تحبه.
لم تستطع أن تقول لا.. وهو يسحبها إلى الفراش دون أن يتوقف عن تقبيلها مجردًا كليهما من أي ملابس.
فعلت كل شيء لأنها تحبه، لم تفتح فمها ولم تعترض أبدًا، وكانت مدركة وخامة فعلتها، لكن لذة الثواني الأولى في العلاقة أنستها كل مخاوفها، استسلمت للحظة الراهنة.
حتى حانت تلك اللحظة التي صفعتها.. لحظة تأكدها من الخسارة التي طالتها بقسوة، وقد كانت هذه نقطة اللا عودة بالنسبة إليه.
أما هي، فقد كان كل همها ألا يطلع صوتها إلى أن ينتهي… حتى لا توقظ شقيقتها التي لا يفصلهما عنها سوى حائط ويفضح أمرها!
***
رحل "مراد".
رحل بعد الانتهاء من فعلته مباشرةً، رحل دون أن يقول كلمة، أو حتى وداعًا.
انتهت النزوة، احترقت اللذة وفنت، وذهب هو تاركًا إياها مجللة بالخسائر.
خسارة نفسها، خسارة مبادئها وتربيتها القويمة، والأهم من كل هذا.. خسارة الميثاق الإلهي.
لقد ارتكبت الكبائر، لقد زنت، لا تصدق أنها وقعت بخطيئة كهذه.
ما العمل الآن.. ماذا يتوجب عليها أن تفعل لتتطهر من ذاك الإثم؟
لا يمكن أن تموت قبل أن تكفر عنها.
لا يمكن أن تلقى الله به… لا يمكن!!!
استيقظت على صوت أمها في الصباح.
"إيمان.. اصحي يا حبيبتي بقينا الضهر. إيه النوم ده كله!"
باعدت "إيمان" بين جفنيها بصعوبة، شعرت سلفًا بشعاع الشمس النافذ عبر الستائر التي فتحتها أمها على مصراعيها.
فتحت عينيها الآن وقد ضايقتها حدة الضوء، فغطت وجهها بكفيها.
"جيتوا يا ماما!؟"
"من بدري يا حبيبتي بس لاقيتك نايمة ماحبتش اصحيكي."
"تيتة عاملة إيه؟"
"بقت أحسن الحمدلله. والتحاليل كلها تمام.. هي بس تقلّت في العشا والحلو امبارح ف ده اللي تعبها."
كانت سترد عليها بتلقائية، لولا أن ضربتها ذكريات الليلة الماضية.
تزامن ذلك مع صياح أمها الهلوع.
"إيه ده يا إيمان!!؟"
انتفضت "إيمان" عندما شعرت بالملاءة تُسحب من أسفلها وقامت نصف جالسة فورًا، تطلعت إلى أمها بتشوش، خافت من تعبير "أمينة" المصدوم، إذ حملت بين يديها ملاءة ملوثة بالدماء الغزيرة.
"أصل أنا نمت معدتي بتوجعني أوي امبارح يا ماما!" قالت "إيمان" ما خطر على بالها حالًا فقط لتتخلص من هذا التعبير على وجه أمها.
"شكل الضيفة المزعجة دي جت!!"
عبست "أمينة" بدهشة.
"الله! انتي مش لسا خالصة منها الأسبوع اللي فات.. لحقت!؟"
حاولت "إيمان" إقناعها بشتى الطرق.
"عادي يا ماما بتحصل. وحصلت قبل كده.. مش فاكرة؟"
سكتت "أمينة" وهي تمعن النظر بما تمسك، ثم قالت بتعجب.
"تقوم تيجي بالشكل ده.. أعوذ بالله. لأ بصي طالما اتكررت كده نروح نكشف أحسن يكون عندك حاجة يابنتي!"
رفضت "إيمان" في الحال وقد اعتراها التوتر الآن.
"لأ يا أمي نكشف إيه.. أنا مابحبش الدكاترة وانتِ عارفة. لأ مالهاش لازمة صدقيني."
"إزاي مالهاش لازمة بس. دي حاجة مهمة أوي يا إيمان. لأ مش هطاوعك."
قامت "إيمان" من سريرها متجاهلة آلامها المبرحة ووقفت أمام أمها.
"يا أمي يا حبيبتي صدقيني أنا. أنا حاسة إني كويسة.. وبعدين أنا بقولك معدتي وجعتني قبل ما أنام يعني ماكنتش عاملة حسابي.. بصي نعديها المرة دي. لو حصلت تاني هانعمل اللي انتي عايزاه. خلاص؟"
اقتنعت الأم بعد عناء، لم تقتنع في الحقيقة، لكنها أذعنت لفراد ابنتها، إذ تعلم كم إنها بالفعل تخشى الأطباء والمشافي منذ طفولتها، لم تشأ ترويعها وفضلت الانتظار حتى الموعد التالي.
***
ومرت سنوات على رحيله.
سنوات بعد الحادث المخزي، سنوات من الرفض غير المبرر لأفضل الرجال المتقدمين لخطبتها، سنوات من الضغط عليها لمعرفة السبب وهي لا تنطق.
قضت كل أيامها بعد تلك الليلة تائبة، منيبة، محاولة التكفير عن ذنبها، تصلي وتصوم فوق المفروض عليها أضعافًا مضاعفة.
لكنها لا تزال تشعر بأنه لم يُغفر لها بعد.
لأنها لا تزال تتعذب.
لا تزال لا تشعر بالراحة والسكينة!
حتى أتاها يومًا ما وحاول معها.
"إيه بقى يا آنسة إيمان.. هاتفضلي عايشة راهبة كده؟ على فكرة الرجالة على قفا مين يشيل!"
ألقى "سيف" دعابته ضاحكًا، ابتسمت مجاملة له وقالت.
"لسه ما جاش يا سيف."
"طيب ده مين أعمى النظر ده؟ قوليلي بصراحة انتي حاطة عينك على حد!؟"
"لأ طبعًا!" هتفت بحدة مفاجئة.
لكنها عدلت عنها مسرعة وقالت وهي تباشر سقي مزروعات الشرفة.
"قصدي مافيش حد. أنا من ساعة خلصت الثانوي قاعدة في البيت يا سيف.. هاشوف مين في البيت؟"
تنهد بحبور وقال.
"طمنتيني يا شيخة."
نظرت له باستغراب.
فابتسم قائلًا.
"ماتبوصلّيش كده.. بصي يا إيمان من غير لف ولا دوران. أنا بحبك. وانتي عارفة كده من زمان أنا حاطط عيني عليكي.. بس رفضك للعرسان كان مخوفني أجي أفاتحك تقومي ترفضيني أنا كمان. بس الحمدلله. طلع مافيش سبب معين…"
حاول أن يقبض على نظراتها، لكن كانت عيناها تائهتين، تنظران في الفراغ، وبدت فجأة وكأنها استسلمت لقدرها.
لا يمكن أن تهرب منه طوال عمرها.
"قولتي إيه يا إيمان!؟"
نظرت له ثانية.
"قلت إيه في إيه؟"
قطب "سيف" قائلًا بتوتر عصبي.
"أنا بحبك وعايزك. عايز أتجوزك.. موافقة ولا لأ!؟"
ولأنها كانت واثقة من أنه هو الذي سيرفض لاحقًا، وسيذاع سرها أيضًا، وهو المطلوب تمامًا، يكفي أنها سترتاح من عبء الإفصاح لأقرب الناس إليها.
"موافقة!"
أشرق وجهه حين نطقت بذلك، لكنها أردفت.
"بس في حاجة لازم تعرفها الأول…"
حثها بحذر.
"قولي.. سامعك!"
بدون أدنى تردد أو تراجع، مضت تحكي له كل شيء، وبالتفاصيل.
لم يكن ينظر إليها عندما فرغت، كان تعبيره يخلط بين الصدمة والغضب.
وكانت جاهزة لأي ردة فعل.
لكن ما أدهشها هو رده، إذ قال باقتضاب.
"بكرة هاجيب أبويا وأمي عشان نطلبك. أدي خبر لطنط أمينة وبلغيها بموافقتك.. آخر الشهر ده هانكون مجوزين!!"
واختفى من أمامها.
تركها هكذا على ذهولها وعدم تصديقها.
لقد تم الأمر.
بهذه البساطة.
ستتزوج كأي فتاة عادية!
Back
أفاقت "إيمان" من استغراقها.
كم كانت ساذجة وغرها حب زوجها الراحل إليها.
لقد ظنت أنه بسبب حبه لها يمكنه أن يتنسى أو يتناسى ما فعلت، ولكن لا.
لم تسير الأمور على هذا المنوال اليسير.
فهو لم يفوت فرصة، أو عراك أو حتى مشادّة كلامية بينهما إلا وعمد إلى التلميح لجريرتها.
كان يعايرها ويضغط على الجرح كلما سنحت له الفرصة، وكان يخونها ويفسق ويرتكب كل الموبقات، بينما هي مكممة الفاه، تحفظ له صنيعه الطيب معها بأن ارتضى أن تكون زوجته، تقر بشجاعته على الأقل أسرارها لا تبلغ جدار غرفة نومها.
وكان من المستحيل أن يفضحها "سيف".. لأنه حقًا أحبها!
سالت دمعة من عينها وهي تقف بمنتصف غرفتها، أمام فراشها الذي دارت دورتها وعادت إليه.
وخلفها الباب الذي إن فتحته تلتقي بماضيها الأليم.
إنه يحاصرها.
لماذا عاد؟
ماذا ينوي أن يفعل بها هذه المرة؟
ماذا يريد منها ذاك النذل بحق الله!
رواية اوصيك بقلبي عشقا الفصل الثالث 3 - بقلم مريم محمد
"أجل أقرّ بأنكِ في وقتٍ ما كنتِ لعبتي.. و لكن عليكِ الاعتراف؛ أنتِ طلبتِ هذا يا صغيرتي، لقد أحببتيه و قد راق لكِ… كما أني أحببتكِ أيضًا!"
مراد
وضعت "أمينة" آخر صحن فوق مائدة العشاء، كان "أدهم" يجلس الآن في مكانه المعتاد، يجاوره "مراد" مطرقًا برأسه ترقبًا و اضطرابًا في آن، يتأهب لمجيئ "إيمان" بأيّ لحظة.
"يلا يا أمي بقى أقعدي!"
قالها "أدهم" مشيرًا لأمه حتى تجلس.
ثم نظر إلى "مراد" مكملًا:
"باين مراد بيه مش راضي يمد إيده على الأكل غير لما تيجي.. و لا إيه حضرتك؟"
رفع "مراد" بصره و اكتفى بابتسامة خفيفة ردًا عليه.
"هاروح بس أشوف إيمان و أجيبها في إيدي و أجي يا حبيبي."
ربّتت "أمينة" على كتف ابنها قائلة.
"ماشي يا ست الكل. بس بسرعة أنا مابحبش أكل حاجة باردة."
ذهبت أمه مسرعة، فالتقط "أدهم" كأس العصير و بدأ يرتشف القليل و هو يشرع بتجاذب أطراف الحديث مع ابن خالته:
"يا رب تكون أعصابك هديت يا باشا. أنا حاسس إنك بقيت أحسن عن الصبح لما كلّمتني!"
نظر له "مراد" بسكينة أكدت فرضيته، فابتسم الأخير قائلًا:
"طيب.. احنا ناكل الأول و بعدين نقعد نتكلم على رواق. و خير إن شاء الله يا مراد ماتقلقش."
أومأ له "مراد" و لم يرد أو ينظر إليه.. و كأنه مُخدر الآن، من شدة التوتر و الضيق في آن، إلى أن شعر بحرارة طفيفة إلى جانبه استرعت انتباهه فورًا، لينظر فإذا يرى فتاة صغيرة، قدّر عمرها بين العامين و الثلاثة أعوام على الأقل، كانت ناصعة و مكتنزة في هذا الثوب المستوحى من شخصيات الرسوم المتحركة "كورتي البُعبُع".. كانت طفلة جميلة ؛مستديرة الوجه، ذات نظرة أفعونية ماكرة، تليق بجمال عينيها الرماديتين، وجنتان ناتئتان، و غمازة واحدة في خدها الأيسر بانت لمّا ابتسمت قليلًا بتلقائية طفولية، و شعرها البّني مرفوع كله كذيل حصان.. إنها لذيذة جدًا و كم يود أن يُقبّلها.
"هاي يا قمر!"
قالها "مراد" مبتسمًا بلطف.
أدار جسمه قليلًا لياقبّلها و حنى رأسه نحوها، بينما انبعث صوت "أدهم" مُعرّفًا:
"دي بقى يا سيدي الآنسة لمى.. بنت أختي إيمان."
تجمّدت ملامح "مراد" في هذه اللحظة لبُرهةٍ، ثم حاول تبديد الاضطراب قليلًا، فتكلّف ابتسامة و هو يمد يده مداعبًا خد الصغيرة:
"أهلًا أهلًا بالجميلة.. انتي حلوة أوي ما شاء الله. أنا اسمي مراد!"
تعاطت معه بشكلٍ أذهله و هي ترد برقة متوّثبة في وقفتها:
"و أنا اسمي لمى سيف الدين حسن عزام."
أجفل "مراد" و لا زال يبتسم، أما "أدهم" فضحك بمرحٍ:
"أهي قالت لك اسمها رباعي. كده تبقى حبتك و أخدت عليك خلاص.. مش كده يا لمى. عمو مراد طلع Nice!؟"
أومأت الفتاة مرتين، فلم يقاومها "مراد" أكثر من ذلك و ضمها إلى حضنه متمتمًا:
"انتي إللي سكر و قمر خالص. إيه الحلاوة دي كلها بس.. جايباها منين؟"
الجواب كان عبارة عن صدرى يتردد بأعماقه، لكنه لن يجرؤ أبدًا على التفوّه به، لقد كان يرى فيها تلميحًا كبيرًا لأمها.. لحبيبته… "إيمان" !!!
***
"يعني إيه مش هاتطلعي تسلمي على ابن خالتك. انتي اتجننتي يابت!؟"
للمرة العاشرة حتى الآن تحاول "أمينة" عبثًا إقناع ابنتها بالعدول عن قرارها الأحمق غير المُبرر، و لكن "إيمان" لم تتزحزح من مكانها فوق الفراش، حيث مددت باسترخاءٍ غير مبالية.
"ماما ريحي نفسك. مش هاطلع!"
ثارت "أمينة" بحنقٍ:
"طيب لـيه؟ أفهم لــيه!!؟"
تنهدت "إيمان" بعمقٍ و قامت نصف جالسة على مضضٍ، نظرت إلى أمها و قالت بهدوء:
"ماما. من الآخر.. انتي مُصممة ليه على خروجي من أوضتي عشان أسلم عليه؟"
"يعني إيه مش فاهمة؟ إيه السؤال ده!!"
أمينة ببلاهة.
تململت "إيمان" بشيء من العصبية، و قالت من جديد:
"ماما.. أنا عارفاكي كويس. منغير لف و دوران. إللي في دماغك مش هايحصل.. مش معنى إنه إتزفت طلّق و أنا أرملة يبقى احنا مناسبين لبعض و إن دي فرصة.. لأ. مش هايحصل!"
رمقتها "أمينة" بتعبيرٍ خاوي، ثم قالت عاقدة ذراعيها أمام صدرها:
"انتي يعني لسا باقية على عشرة المرحوم سيف. صحيح يا إيمان ناوية تكملي بقية عمرك منغير راجل؟ هاتقدري يا إيمان!؟"
"آه يا ماما هقدر. هقدر أوي كمان."
إيمان بثقة.
"هه.. متهيألك. يابنتي انتي لسا شابة. في عز شبابك. لو مش إنهاردة بكرة هاتلاقي نفسك محتاجة راجل. هي دي طبيعتنا إللي خلقنا عليها ربنا. مش هاتقدري على الوحدة يابنتي طاوعيني!"
أمينة بسخرية.
تأففت "إيمان" بانفعالٍ:
"خلاص بقـى يا ماما. ماتضغطيش عليا من فضلك.. موضوع الارتباط ده ادّفن تحت الأرض مع سيف. انتهينا خلاص!!!"
أغمضت "أمينة" عينيها بشدة متأسفة و حزينة ف ينفس الوقت على مآل حياة ابنتها، أطلقت نهدة حارة من صدرها، ثم مشت ناحيتها على مهلٍ، جلست قبالتها على طرف السرير، أمسكت بيديها و خاطبتها بلينٍ الآن:
"طيب يا إيمان. ماعنتش هاغصب عليكي.. بس عشان خاطري. من باب الذوق. اخرجي سلّمي على ابن خالتك و اقعدي معانا. ماتسوّديش وشي!"
*****
قسرًا عنها، وجدت نفسها هكذا مجبرة على الالتقاء به مجددًا.. فقط نزولًا عند رغبة أمها ؛أصرت "أمينة" على البقاء معها حتى ترتدي ثيابًا ملائمة، فاختارت "إيمان" عباءة منزلية داكنة الأوان على الطراز الخليجي، و وضعت حجابها، ثم آخر شيء.. عطرها المفضل "المِسك الأبيض".
نثرت منه بداخل جسمها، بحيث لا يتشممه سوى من يقترب منها كثيرًا أو من يضمها من محارمها، كأخيها و زوجته، أو حتى طفلتها، فهي تهوى الاهتمام بنفسها كثيرًا، حتى لو لم يكن من أجل رجل.
"السلام عليكم!"
رأت تصلّب ظهره من مكانها، كانت تقف خلفه، على بعد خطواتٍ قليلة من السفرة، أمها بجانبها، بينما تراه ينهض واقفًا و يلتفت صوبها باسرع مِمّ تخيّلت، حبست أنفاسها فورًا، حين إلتقت نظراتيهما، و انتابتها نفس المشاعر.. كلها التي شعرت بها منذ رأته اليوم قبل ساعةٍ من الآن.
التوتر، دفقات الأدرنالين، الخيّبة، الحب و الكراهية في آنٍ !!!!
"و عليكم السلام. إزيك يا إيمان!"
حاول "مراد" أن يبدو طبيعيًا أمام خالته و ابن خالته، قدر استطاعته جاهد حتى يستطيع النظر في عينيها مباشرةً، إذ كان صعبًا، خاصةً أنه قرأ فيهما ما توقّعه تمامًا… الخذلان !
لا.. إنه لن يطيق هذا إن استمر أكثر.
لن يطيقه مطلقًا …
كان يعرف بأنها لا تصافح، أو بمعنى أصح كان يعرف بأن للمنزل الذي يقف فيه قوانين صارمة، و أن النساء هنا حتى و إن كُنّ أقارب، لا يُمسسن بأيّ شكل !!
"إزيك انت يا مراد!"
هتفت "إيمان" و هي تتقدّم نحو الجهة الأخرى المقابلة له فوق السفرة.
رد عليها متجنبًا النظر إليها بأقصى ما يمكنه، و جلست هي بجوار أخيها، أخذت منه صغيرتها التي كانت تجلس على قدمه، جلست "أمينة" بدورها ثم بدأ الجميع بتناول العشاء.
"أمال سلاف فين يا أدهم!؟"
تساءلت "إيمان" بعفوية هادئة.
جاوبها "أدهم" و هو يلوّك قطعة خبز:
"فوق مع الولاد. هي كانت عاوزة تنزل تتعشّى معانا عشان تسلّم على مراد كمان. لكن عبد الرحمن حرارته عليت شوية ف قلت لها تقعد و تبقى تنزل بكرة ان شاء الله."
"ألف سلامة عليه يا أدهم!"
تمتم "مراد" و هو يتظاهر بالانهماك في طعامه.
بالكاد كان يبتلع بضعة لقمات.
و لحسن الحظ مرّت ساعة العشاء على خير، فقاما الرجلين و توجها إلى الشرفة البانورامية الإطلالة، و قد أوصى "أدهم شقيقته بصنع فنجانيّ قهوة له و لابن خالته.. و كم كان هذا ثقيلًا عليها.
الشر ليس من شيمها، و لكن رغبة مُلحة داهمتها في أن تضع سُمًا بأحد الفناجين، إلا أنها سيطرت على وساوسها المجنونة بسرعة.. و بسرعة أيضًا أعدت الشاي ؛ثم اتجهت ناحية الشرفة، و لا تعرف لماذا تملّكها الفضول لتقف، و تسترق السمع لحظة سماعها التالي:
"بس أنا محتاج أعرف تفاصيل أكتر يا مراد. ماتتكسفش و خليك صريح معايا أرجوك. عشان أقدر أفيدك!"
بدا صوت الأخير مترددًا و هو يخبره:
"مش مكسوف يا أدهم.. بس مش عارف أشرحها لك إزاي. بص.. احنا في بداية جوازنا كنا زي الفل مع بعض. و كانت مبسوطة معايا و أنا كمان كنت مبسوط. يمكن في الأول كان عادي. بس شوية شوية بدأت أحبها بجد. تصدق من كتر حبي ليها كنت بتعامل معاها بحذر شديد. كنت شايفها ملاك. يعني غير كل إللي عرفتهم قبلها.. فاهمني!؟"
"كمل!"
"مع مرور الوقت بدأت تتغير. بقت متطلبة و جريئة.. فاجئتني بصراحة. ماكنتش مصدق إن عندها الميول دي. كنت فاكرها رومانسية زيادة بس و حاجات شبه كده. بس للأسف الوضع كان بيزداد سوء كل مرة. ماكنتش متقبل شخصيتها و أفكارها الجديدة. بالنسبة لي كانت صدمة."
"الطلاق حصل كام مرة؟"
"أول مرة اطلقنا لسبب تافه جدًا. بس الخناقة كانت جامدة. و قبل ما دماغك تروح لبعيد أنا عمري ما مديت إيدي عليها إلا انهاردة بس!"
"و تاني مرة؟"
"دي كانت بسبب الإقامة في لندن. كانت مكتئبة فترة عشان بعيد عن أهلها و نفسها نرجع و نستقر في مصر بس أنا كنت متفق معاها قبل الجواز إن هي دي حياتي و مستقبلي و وافقت.. كانت مُصرّة ف طلّقتها. ساعتها أبوها جالنا على هناك و اتصالحنا."
"حصل طلاق للمرة التالتة يا مراد!؟"
سكت صوته للحظاتٍ، ثم قال مراوغًا:
"مش فاكر يا أدهم!"
"يعني إيه مش فاكر؟ هي دي حاجة تتنسي.. ما تتكلم يا مراد!!"
"يا أدهم صدقني من كتر الضغط مش فاكر أي حاجة."
"مش فاكر و لا مش عايز تقول!؟"
"………."
"طيب الخلاف الأخير كان على إيه؟"
سكت صوته للمرة الثانية… ليقول بعد دقيقة كاملة بصوتٍ تثقله الغصّة:
"و احنا مع بعض.. انت فاهم يعني. غلطت و قالت اسمه. خدت أكبر قلم في حياتي ساعتها.. ماتتخيّلش حالتي كانت إزاي. كنت هاتجنن. ماحستش بنفسي غير و أنا قايم بحجز تذاكر الطيارة و مجرجرها من شعرها من لندن لحد بيت أهلها في اسكندرية.. رجعتها و جيت على هنا علطول!"
"هممم.. طيب أنا هسألك السؤال الأهم دلوقتي. انت لسا بتحبها؟"
لم يتأخر ردّه بتاتًا هذه المرة:
"بحبها يا أدهم.. بحبها و مش قابل فكرة أنها ممكن تخونّي حتى و لو بقلبها. أنا حتى مش قادر أتخيّل إللي جاي من عمري منغيرها.. بحبها و عاوزها!!"
كانت تبكي في الزاوية، بلا حسيب و لا رقيب.. حتى تفوّه بكلماته الأخيرة ؛انقبض قلبها النازف منذ ما ينوف عن إثنى عشر سنة، الآن فقط أحسّت بقدر جريرتها، الآن فقط أدركت مدى غبائها و أنها أبخست بنفسها إلى الحضيض يوم وثقت به و سلّمته عِرضها …
أخذت الأرض تميد تحت قدميها، و بالكاد أبصرت أمها تقترب، قبل أن تراها تدور أمامها بفعل الدوخة التي أمسكت برأسها.. و كان آخر ما سمعته هو صراخ "أمينة" قبل أن تسقط مغشية !
…………………….
رواية اوصيك بقلبي عشقا الفصل الرابع 4 - بقلم مريم محمد
انتفض كلاهما إثر سماع أصوات الجلبة الناجمة عن تكسير الأواني، و خاصةً مع صراخ أمينة باسم ابنها.
وثب أدهم عن مقعده و ركض إلى الخارج يتبعه مراد.
و كان المشهد كالتالي؛ وسط حطام طقم الشاي و المياه اللاهبة، رقدت إيمان بلا حراك مغشيًا عليها، و قد كانت أمها تجثو بجوارها محاولة إفاقتها، و الصغيرة لمى تصرخ باكية و هي تنادي عليها بحرقة.
“إيه إللي حصل؟” تساءل أدهم بذعر لمرآى شقيقته على تلك الحالة.
من خلفه جمد مراد في مكانه غير مستوعبًا ما يحدث. لم يتحرك إلا حين استرعاه بكاء الصغيرة الحار، انحنى صوبها من فوره و حملها بين ذراعيه مهدهدًا إيّاها بأقصى ما لديه من لطف.
على الطرف الآخر تمضي أمينة مفسّرة لابنها باضطرابٍ كبير:
“مش عارفة يابني. مش عارفة إيه إللي حصل. أنا كنت معدية في الطرقة بصيت لاقيتها لسا هاتدخل بصينية الشاي قامت وقعت من طولها فجأة!”
لم يحتاج الأمر تفسيرًا أكثر من ذلك بالنسبة إلى مراد. إذ كان بديهيًا له أن يعلم بأنها سمعت الحوار بينه و بين أخيها، و إلا فلمَ يحدث لها هذا و فجأة!!
“اتصلي على سلاف يا أمي خليها تجيب لي شنطة الكشف بسرعة!” قالها أدهم و هو يحني جزعه حاملًا شقيقته على ذراعيه بخفةٍ و سهولة.
توّجه بها نحو غرفة نومها، و ذهبت أمينة لتحضر هاتفها. أما هو؛ بقي مراد هو و الصغيرة معًا، يعلم بأنه محظورًا عليه مقاربتها، لذا آثر البقاء هنا و الاعتناء على الأقل بطفلتها.
***
ربما فقدت السيطرة على جسمها كليًا، لكن عقلها لا يزال يعمل، لكنه كان يعمل في إتجاهٍ آخر، لقد خاض رحلةٍ أخرى إلى الماضي.
ماضيها المليئ بالمآسي و العذابات المختلفة؛ ليلة عرسها، الليلة التي لطالما تخيّلتها بشكلٍ مثالي مع الشخص الوحيد الذي أحبّته من كل قلبها، لم تكن تتوقّع قط أن تمضي على هذا النحو المروّع. رغم أنها تعلم يقينًا بأن سيف يحبها و مغرمٌ بها بحق، و إلا لما صمت و لم يذيع لها سرًا.
أقلّه كانت مطمئِنة بأنها في أيدي أمينة، لأنه دمها أولًا و أخيرًا، ابن عمته.
لكن كيف كانت لها كل تلك الثقة؟ إنه رجل على أيّة حال…
لحظة أغلق عليهما بابٍ واحد، تحوّل جذريًا انتابه، قادها مباشرةً إلى غرفة النوم و أمرها بإطاعة كافة أوامره التي صدمتها و أخافتها في آنٍ.
و حاولت أن تتحدث معه برفقٍ:
“سيف.. انت بتخوّفني منك ليه؟ ممكن تديني فرصة بس!”
رد سيف بجلافة و هو يحلّ ربطة عنقه:
“أديكي فرصة؟ لإيه بالظبط؟ مانتي كده كده جاهزة لا محتاجة مسايسة و لا مقدمات. هانتعب نفسنا على الفاضي؟ يلا يا حبيبتي خليكي حلوة و اسمعي الكلام.. اقلعي الفستان ده. و لا أساعدك بنفسي!؟”
من شدة الصدمة التي خلّفتها كلماته المتعاقبة لم تستطع نطقًا، فقد شعرت بالإهانة، و لم تشعر بأيّ شيء و هو بالفعل يهم بالاقتراب منها ليفعل ما أمرها به بنفسه دون أن يرف له جفن!
في تلك الليلة ذاقت شتّى أنواع الذل و الحرج، أحسّت بأنها صفر قيمة، لا فرق بينها و بين العاهرات. أجل.. في بضع مواطئ تعمّد زوجها أن يوصل لها ذلك انتقامًا منها على فعلتها. اقتص منها بهذا الشكل و عذّبها نفسيًا بدهاءٍ يُحسب له.
حتى تركها في الأخير بطريقةٍ مهينة، روحها مُعلّقة، تنتحب بحرقة و هي لا تجرؤ على أيّ ردة فعل، لأنها من أحطّت بنفسها إلى هذا المستوى، عليها أن تتحمل نتائج خطيئتها، عليها أن تتلقّى منه كل شيء بفمٍ مطبق.. و إلا فأنه لن يتردد و سيفضحها أمام الجميع و لا شك…
“إيمان!”
استيقظت في صبيحة ليلة زفافها بدون أدنى مجهود. ارتعشت فرائصها بادئ الأمر و هي تشد الغطاء حول جسمها، بينما تتراجع منكمشة على نفسها إلى مؤخرة السرير. أخذت تفرك عينها بقبضتها لتنظر جيدًا، فإذا بزوجها يجلس أمامها عاري الجزع، و قد وضع بجوارها طاولة الفطور التي تراص فوقها ما لذ و طاب.
بست بكآبةٍ و هي تراه وجهه مشرقًا هكذا، على النقيض منها تمامًا، حتى صوته بدا رائقًا:
“صحي النوم يا حبيبتي. يلا فوّقي كده.. بصي شوفي. أنا حضرت لك الفطار بنفسي!”
و أشار إلى صحن “الأومليت” بالخضار و الجبن صنع يداه، و أيضًا السجق المطبوخ و البطاطا المقلية، و لم ينسى العصير الطازج الذي تحبه…
“دوقي كده و قوليلي رأيك!” قالها و هو يقرّب من فمها قطعة من السجق الشهي.
لكنها أعرضت و أشاحت بوجهها بعيدًا.
أنزل يده معقبًا:
“أفهم من كده إنك زعلانة مني؟”
لم ترد عليه أيضًا، فتنهد و ترك من يده، ثم اقترب منها غير عابئًا بانقباضاتها، أحاط بكتفيها و قال و قد عاد إلى اسلوبه اللطيف الذي عهدته بالسابق:
“إيمان. حبيبتي.. مش أنا اعتذرت لك؟ و طول الليل بحاول اتأسف على إللي عملته. أعمل إيه تاني بس!؟”
أحس برعشتها الطفيفة، فأخذ يمسّد على شعرها بحنوٍ و هو يستطرد مسيطرًا على انفعالاته:
“انتي لازم تعذريني.. مش قادر أنسى. كل ما أفتكر إن في حد غيري قرب لك باتجنن. أنا بحبك يا إيمان. بحبك من و انتي لسا عيّلة.. ماكانش المفروض يحصل لك ده. ماكانش المفروض حد غيري يلمسك!!!”
أفلت من بين شفاهها نشيجًا خفيفًا، كان يضغط على جرحها بكل قوته الآن، لكنه تدارك هذا بسرعة و ضمها إليه متمتمًا:
“خلاص يا حبيبتي. أنا آسف حقك عليا.. أرجوكي مش عاوزك تزعلي كده في يوم زي ده. و أنا مش هافتح الموضوع ده تاني.. هاننسى. هاننسى يا إيمان.. خلاص بقى.”
قسرت نفسها من جديد على التعاطي معه، كفّت عن البكاء و كفكف هو لها دموعها، ثم قرّب الطعام إليهما و بدأ هو يطعمها بيده و يأكل في آنٍ، إلى أن اطمئن لأنها أكلت جيدًا و لديها القدرة. سحبها من يدها لتقوم من السرير هاتفًا:
“يلا تعالي معايا!”
كانت تلف الغطاء حول جسمها جيدًا حين أوقفها على قدميها بحركةٍ مباغتة، و نطقت أخيرًا بصوتٍ مهزوز مرتاب:
“على فين!؟”
جاوبها بغمزة:
“هاناخد شاور سوا. ماتنسيش كمان شوية الناس إللي تحت طالعين يطمنوا علينا. لازم نبان في أحسن شكل قصادهم.. يلا يا قلبي!”
و اجتذب يدها دون أن يسمح لها بالرد.
في قاعة الحمام الفاخر، كان هو المسيطر كالعادة، رغم أنها لا زالت خجلى في التعامل الجديد بينهما، لم يكن بيدها شيء تفعله أو تقوله. أمام سيل المداعبات هنا أسفل رذاذ المياه الفاترة، تفاجأت بسؤاله:
“قوليلي صحيح يا إيمان. إنتي عمرك ما خدتي بالك مني!؟”
نظرت بعينيه بعدم فهم:
“مش فاهمة قصدك؟”
أوضح لها:
“يعني أنا قلت لك إني من زمان و أنا بحبك و حاطط عيني عليكي.. انتي بقى و لا مرة لاحظتيني؟ يعني أد كده حبي ليكي كان شفاف و مش باين!!؟”
أطرقت نظراتها و صمتت لهنيهةً، ثم تطلعت إليه ثانيةً و قالت عبر المياه الجارية فوق وجهها و فمها:
“أكدب عليك لو قلت آه.. بصراحة عمري ما فكرت إنك معجب بيا أساسًا.”
احتدمت لهجته كنظراته الآن:
“و ليه مافكرتيش؟ عشان تفكيرك كان مع حد تاني مش كده؟?”
ارتبكت عندما قلب مجرى الحديث بهذا الشكل، و حاولت صياغة عبارتها، لكنه قاطعها قابضًا على فكها بأصابعٍ قاسية:
“هشششش خلاص. مش مهم. مش مهم تبرري أو تقولي أي حاجة.. المهم إنك معايا في اللحظة دي. احنا ولاد انهاردة.. مش كده!؟”
و مع أنه تعهّد لها بأنه لن يعيد الكرّة ذاتها مجددًا، لن يتصرّف كما كان بليلة الزفاف، أعاد كل شيء بشكلٍ أسوأ؛ ألمها، أبكاها، أذاها.. و لم يُبالي أبدًا هذه المرة.
و لولا جرس الباب الذي أخذ يدق بإلحاحٍ الآن، ما كان لينتهى عذابها على ما يُحمد عقباه، تركها على مضضٍ و هو يُغمغم بخشونة:
“باينهم طلعوا.. خلّصي بسرعة. مش هافتح إلا و انتي معايا. لازم نبان عصافير الحب قصادهم. هاروح أجيب لك الروب بسرعة …”
و اختفى من أمامها في لحظة.
لكن من أين لها بالقوة الآن؟ لقد استُنزفت بالفعل، بالكاد تمكنت من الجلوس على حافة المغطس الزبدي، و بيدٍ مرتعشة أخذت قنينة الشامبو خاصتها و سكبت على رأسها، لكنها ما لبثت أن سقطت من قبضتها الواهنة، و لم تستطع أن تحضرها مرةً أخرى.
إلى أن عاد سيف و رآها لا تزال كما تركها، فشتم بغضبٍ و علّق روب الاستحمام، ثم وقف أمامها و بدأ يفرك شعرها و جسمها بالشامبو، حمّمها بنفسه ثم أحضر الروب و ألبسها إيّاه و ربط المنشفة حول رأسها.
و هو أيضًا كان قد ارتدى الروب الخاص به، لف ذراعه حول خصرها و قادها معه إلى الخارج، و قبل أن يفتح باب الشقة لذويهم همس لها زاجرًا:
“اعدلى وشك ده. مافيش عروسة تكشر كده في صباحيتها. ابتسمي شوية يا.. عروسة!”
و لم يفتح إلا حين رآها تغاصب تلك الابتسامة الجزلى، و ظهرت من وراء الباب أمها و شقيقتها تحملان طعام العروسان و تبتسمان بسعادة كبيرة.
“صباحية مباركة يا عرسان!” هتفت أمينة بسرور.
ليرد سيف و هو يحاوط خصر إيمان و يميل صوبها بموّدة:
“الله يبارك فيكي يا مرات عمي. ادخلوا طيب.”
توّردت كلًا من أمينة و عائشة خجلًا من مشاهدتهم بألبسة الاستحمام، و قالت أمينة:
“لا ندخل إيه. ده أنا كنت هانزل لما لاقيتكوا مش بتفتحوا.. أنا يا حبيبي جاية أحط لكم الأكل و أنزل علطول. ده فطار و غدا. و العشا أمك موّصية عليه.”
“مافيش فرق يا مرات عمي. طيب اتفضلي!”
و أفسح لها لتلج.
دخلت و وضعت الصينية من يديها فوق السفرة، كذلك فعلت عائشة. ثم توّجهت نحو ابنتها و هي تهدل:
“بسم الله الله أكبر. عيني عليكي باردة يا إيمان يابنتي.. هو الجواز بيحلّي كده. تعالي في حضني وحشتيني.”
و أقبلت عليها ضامّة إيّاها بقوةٍ، فتشبثت إيمان بأمها متمتمة بضبابية:
“و انتي كمان وحشتيني يا ماما!”
و لم تعد ساقاها تقوَ على حملها أكثر، فسقطت مغشيًا عليها بين أحضان أمها…
انطلق صراخ أمينة في الحال، و انسحبت الدماء من وجه سيف. أما عائشة فهرولت تنادي على أخيها لتخبره اتباعًا لأمر والدتها.
لم تمر دقيقتان إلا و حضر أدهم حاملًا حقيبته الطبيّة، دخل الشقة صائحًا:
“إيه إللي حصل!؟”
كانوا الآن بالصالون، و قد رفض سيف أن يطّلع أحد على أسرار غرفة النوم، فأراح جسد زوجته فوق الآريكة الواسعة هناك. كانت أمها فوق رأسها تذرف الدموع و هي تخبر ابنها:
“ماعرفش يابني.. أغم عليها فجأة. حبيبتي يابنتي. إيه إللي صابك!”
فتح أدهم حقيبته و أخرج سماعته يقيس النبض في صدرها، ثم استلّ جهاز قياس الضغط و لفّه حول ذراعها. انتظر لحظاتٍ قبل أن يُقرر بصوتٍ أجش دون أن يحيّد عن وجه أخته الشاحب:
“ضغطها واطي جدًا.. لازم تعلّق محاليل!”
ضربت أمينة على صدرها:
“يا لهوي محاليل. لـيه؟ و تنزل من البيت يوم صباحيتها على المستشفيات!!!”
أدهم بصرامة:
“ماتقلقيش يا أمي أنا هاتصرف خمس دقايق بالتليفون كل إللي محتاجه هايكون هنا …”
ثم إلتفت نحو زوج أخته و ابن عمته، حدجه بنظرة عدائية تعبّر عن عدم الوفاق الدائم بينهما و قال مُشككًا فيه:
“أنا عاوز أعرف.. انت عملت فيها إيه بالظبط!؟”
***
استعادت إيمان وعيها أخيرًا…
كان الأمر أشبه بحالة من “الديجافو”.. شعرت بأن الموقف يتكرر مرةً أخرى. إذ ترى وجهيّ أمها و أخيها يطلان عليها بقلقٍ، و تشعر بوخزٍ في يدها، تأوهت و هي تحاول رفع معصمها، فبادر صوت أدهم مستبقيًا يدها كما هي:
“لأ يا إيمان. سيبي إيدك زي ما هي.. لسا المحلول ماخلصش!”
“محلول!” رددت إيمان بوهنٍ.
“هو إيه إللي حصل!؟”
و أخذت تتلفت حولها، فتبيّنت بأنها قد نُقلت إلى غرفتها، بينما تجاوبها أمينة:
“أغم عليكي يا حبيبتي. بس انتي كويسة دلوقتي الحمدلله.. ضغطك كان شوية.”
تساءلت إيمان بتلّهفٍ:
“فين لمى.. بنتي فين!؟”
طمأنها أدهم على الفور:
“ماتخافيش يا حبيبتي. لمى نزلت مع مراد أنا بعته يجيب لك شوية أدوية.. و هو كمان إللي نزل جاب لوازم المحلول.”
احتجت:
“ليه نزلت البنت معاه يا أدهم؟”
أجاب بمنطقية:
“البنت كانت خايفة عليكي و منهارة. أكيد ماكنتش هاخليها تشوفك كده.. و في نفس الوقت ارتاحت و سكتت معاه. إيه المشكلة!؟”
لم تجد ردًا.
فصمتت و أشاحت بوجهها للجهة الأخرى، شعرت بيد أمها تربت على قدمها و سمعتها تقول بحنانٍ:
“خوّفتيني عليكي يا حبيبتي. ربنا ما يورّيني فيكي وحش أبدًا.”
“إحم إحم!” صدرت تلك النحنحة من جهة باب الغرفة.
و تعرّفت إيمان على صوته فورًا قبل أن ينادي من عند العتبة:
“أدهم!”
رد أدهم و هو يثب واقفًا:
“أيوة يا مراد جايلك أهو …”
بقيت إيمان راقدة مكانها، تشد الحجاب الذي حلّته أمها قليلًا عن رأسها، ثم بقيت تنصت و تترقب:
“دي كل الأدوية إللي كتبتها. جبتهم كلهم.”
“العفو.. المهم إيمان تبقى كويسة بس.”
“الحمدلله بقت أحسن. حتى فاقت جوا أهيه.”
“بجد؟ الحمدلله …”
و علا صوت في اللحظة التالية:
“سلامتك يا إيمان. ألف سلامة عليكي!”
سمعته جيدًا و اخترق صوته حواسها المتألمة، لكنها لم تمنحه ردًا، فلم يبدو أنه تأثر بذلك. بل سرعان ما انسحب و ترك الأسرة على حدة و قد أعاد الصغيرة إلى خالها.
ولج أدهم حاملًا لمى على ذراعه، سلّمها إلى أحضان أمها التي ضمتها إلى صدرها بشدة و قبّلتها على رأسها بقوة.
“انتي لسا تعبانة يا مامي؟”
ترقرقت الدموع بعينيّ إيمان و هي ترد عليها بتأثرٍ:
“لأ يا حبيبتي أنا كويسة. أنا كويسة خالص.. بس ماكلتش كويس انهاردة. شوفتي بقى إللي مش بياكل بيجراله إيه. عشان تبقي تسمعي كلامي و تخلصي الأكل بتاعك كله.”
أومأت الصغيرة محتضنة أمها بذراعيها القصيرين:
“هاسمع الكلام و هاخلّص أكلي كله.. بس تبقي كويسة تاني يا مامي!”
تنهدت إيمان بحرارة و هي تمسح على شعرها الكستنائي برفقٍ متمتمة:
“أنا هابقى كويسة يا لمى.. هابقى كويسة عشانك!”
رواية اوصيك بقلبي عشقا الفصل الخامس 5 - بقلم مريم محمد
يجلس يهز قدمه اليمنى بعصبيةٍ واضحة، بينما "أدهم" أمامه يمسك بهاتفه يضعه على أذنه، بعد أن دوّن رقم المدعو "عثمان البحيري" من هاتف ابن خالته، ها هو يخابره.
"أستاذ عثمان البحيري معايا.. أنا أدهم عمران. مراد صديقك يبقى ابن خالتي.. أهلًا بيك.. هو عندي هنا و أنا عارف كل حاجة يا أستاذ عثمان.. أكيد عاوزين نحل.. بس مش هاينفع الكلام على التليفون كده.. أنا بدعيك تشرفني هنا في القاهرة. أرض محايدة بينكم و بين ابن خالتي. إذا ماعندكش مانع.. تمام. إن شاء الله بكرة الساعة 8 مساءً هاكون في انتظارك.. العنوان …"
أنهى المكالمة معه على عجالةٍ، ثم إلتفت نحو "مراد" هاتفًا:
"خلاص يا عم. أديني هاجيبه لحد عندك نتفاهم و كلّمته بنفسي و عافيتك من المهمة دي.. مستريح؟"
تنهّد "مراد" بثقلٍ و مد جسمه للأمام ممسكًا رأسه بكلتا يديه:
"مافيش راحة يا أدهم.. أنا تعبان جدًا. عشان كده مش هقدر أحمّلكوا تعبي ده. أنا مش عارف أشكرك إزاي على استقبالك ليا هنا. أنا قايم أغير هدومي و ماشي …"
"بطل هبل ياض إنت!" زجره "أدهم" و هو يشير له بالبقاء جالسًا بمكانه.
"مافيش الكلام ده. انت مش هاتتحرك من هنا طول فترة وجودك في القاهرة. خلص الكلام."
أصر "مراد" على موقفه بجدية:
"يا أدهم من فضلك. مش هاينفع. أنا مقدرش أقعد و أقيّد حرية خالتي و إيمان لا أنا و لا هما هانكون مرتاحين!"
"و مين قالك أصلّا إني كنت هاسيبك تقعد هنا مع خالتك و إيمان؟ يمكن كان يحصل لو كانت إيمان متجوزة مثلًا. كنت هاتقعد مع خالتك عادي. لكن في وجود إيمان.. زي ما انت عارف جوزها مات و قاعدة هنا مع ماما …"
عبس "مراد" متمتمًا:
"أمال انت تقصد إيه يعني مش هامشي إزاي كده!؟"
شرح له "أدهم" و هو يعبث بهاتفه:
"انت هاتقعد في شقة عمتي راجية."
"الله. و أنا أقعد عند عمتك ليه بس يا أدهم!!؟"
تأفف "أدهم" بسأمٍ و صاح بنفاذ صبر:
"يابني الشقة فاضية. عمتي سابتها هي و عيالها بعد موت سيف علطول. سابتها و مش هاترجع تاني."
"إممم فهمت!"
"الحمدلله إنك فهمت ياخويا …"
ثم أضاف يحثه:
"يلا بقى قوم معايا نطلع نوضب لك أمورك. زي ما قلت لك الشقة فاضية. بس لحسن الحظ مراتي حبت تغيّر أوضة ولادنا بعد ما خلفنا انت عارف إنهم تلاتة ما شاء الله. ف احنا كنا جايبين سرير واحد ماكنش هاينفعهم. نقلنا الأوضة كلها شقة عمتي. هو السرير صغير شوية. بش معلش دبر نفسك الليلة دي بس و بكرة هاننقل أوضتي إللي في شقة أمي هنا عشانك فوق."
لم يتحمّل "مراد" كل ما سمعه فحاول الاعتراض:
"لأ أرجوك يا أدهم كده كتير. أنا مش جاي أتعبكوا. ماتخلنيش أندم إني جيت!!"
"مراااد. أنا مابحبش الكلام الكتير. انت لو وجودك مش مرغوب فيه هاقولك في وشك. عيب عليك إللي بتقوله. إحنا أهل يا محترم.. و لا انت شايف إيه!؟"
ابتلع "مراد" ريقه و هو يتطلع إليه و لا يرى بعد كلماته سوى فعلته القديمة، تتجسّد أمامه، تحول بينه و بين ابن خالته، تشعره بفداحة غلطته الآن.
***
كانت لا تزال راقدة بفراشها، حزينة، مكتئبة، تحتضن طفلتها الغافية على صدرها.
بينما زوجة أخيها تلج إلى الغرفة حاملة صينية الطعام و هي تهتف معتذرة للمرة العاشرة:
"حقك عليا يا إيمي. و الله الولاد مش عارفة جرالهم إيه إنهاردة. شابطانين فيا بطريقة غريبة. ما صدقت نايمتهم و نزلت لك."
تبسّمت "إيمان" و هي تقول بوهنٍ:
"طيب سبتيهم و نزلتي ليه يا سلاف. اطلعي أحسن يصحوا و مايلاقوكيش يتخضوا."
جلست "سلاف" و أسندت الصينية فوق الطاولة المجاورة للسرير، تنهدت و هي تسحب هاتفها مشيرة لشقيقة زوجها قائلة:
"ماتقلقيش. لو همسوا بس هاعرف!"
ثم تناولت صحن الحساء و بدأت تطعم الأخيرة:
"يلا بقى كلي عشان تعوضي الضعف ده. بالهنا و الشفا يا حبيبتي."
استجابت "إيمان" لها و أنهت الطعام على مهلٍ. فاطمأنت "سلاف" لاستقرار حالتها بحلول الآن و بدأت تتحدث بحذرٍ:
"قوليلي بقى. إنتي حصل لك إيه فجأة؟ حد ضايقك؟"
سألتها بوضوح أكثر:
"مراد ضايقك!؟؟"
حرفيًا عينا "إيمان" امتلأتا بالدموع بغتةً و صارت غير قادرة على النطق. توترت "سلاف" و هي تقول مجفلة:
"في إيه بس يا إيمان. إيه إللي وصلك للحالة دي.. ما كنا كويسين إنهاردة و أنا سايباكي زي الفل!"
بدأت تجهش بالبكاء، فذعرت "سلاف" و اقتربت لتحضنها على الفور:
"بسم الله عليكي.. إيه ده كله. ليه. ليه يا إيمان!?"
تركت "إيمان" طفلتها و تشبثت بأحضان "سلاف" منتحبة بحرارة:
"مش طايقاه. مش طايقة أشوفه و لا أسمع صوته.. هو جه ليه؟ رجع ليه يا سلاف أنا بموووت. مش قادرة أستحمل خلاص!!!"
أخذت تربت عليها و تهدئها قدر ما استطاعت:
"طيب اهدي. لا حول و لا قوة إلا بالله. اهدي يا حبيبتي …"
***
تركه "أدهم" لدقائق حتى يعتاد على الشقة المهجورة.
انتبه "مراد" حين عاد "أدهم" حاملًا على ذراعيه بعض الأغطية و المفروشات:
"اتفضل يا عم. شوية فرش و بطنية و كوفرتة و لحاف كمان."
ضحك الأخير معلّقًا و يحمل عنه:
"إيه ده كله يا أدهم.. انت عاوز تردمني بقى!"
"الجو برد يا حبيبي و أنا مش مستعد أشيل ذنبك لو جرى لك حاجة عندي. أنا واخدك سليم ف لازم أسيبك سليم بردو."
"إيه الجو ده محسسني إني عمر ابن أختك!"
"هي عائشة خلّفت تاني من ورايا؟ مين عمر ده يابني!؟"
قهقه "مراد" بمرحٍ كبير:
"مش ممكن. يا أخي بهزر.. القافية جت كده."
ابتسم بتهكمٍ:
"ماشي ماشي.. هزر."
و مضى يساعده في افتراش حيّزٍ له كي ينام به.
بمرور بعد الوقت سمعا نقتين على الباب، ثم علا صوت "سلاف" الرقيق:
"مساء الخير!"
إلتفتا كلًا من "مراد" و "أدهم" معًا و نظرا إليها.
"أهلًا أهلًا. مساء الورد. ياااااه انتي بقى سلاف؟"
"إزيك يا مراد. أيوة أنا سلاف.. بنت خالك إللي عمرك ما سألت عنها. بس أنا كنت بشوف صورك مع بابي الله يرحمه على فكرة."
"الله مالك يا أدهم.. أنا بتكلم عادي. ماتقولش إنك ممكن تغير عليها مني."
"و ماغيرش ليه سيادتك مش راجل؟"
"مش قصدي أنا كنت بتكلم من المنطلق إنها بنت خالي و تخصّني. و فعلًا لو كنت أعرف طريقها ماكنتش سيبتها يعني كنت هسأل عليها و أزورها باستمرار. بس. هو ده كل قصدي يا عم الشيخ.. أو يا دكتور. إللي تحبه يعني!"
"نعم! .." ندت صيحة الاحتجاج الغاضبة عن "أدهم" فجأة.
"تقصد إيه يا مراد بيه ماكنتش سيبتها إزاي يعني!؟؟؟"
"مبدئيًا كده سلاف دلوقت ماتخصش حد غيري يا مراد بيه. و بعدين لو كان أي حد فينا يعرف انها موجودة أساسًا ماكنش حد سابها لوحدها. بدليل أول ما خالي اتوفى لاقت البيت ده مفتوح لها.. و دي كانت أجمل هدية و أحلى حاجة حصلت في حياتنا و حياتي أنا بالتحديد. سلاف!"
نظرت "سلاف" إلى زوجها بأعين دامعة من شدة العاطفة التي أثارتها كلماته الأخيرة.
"ربنا يحفظكوا لبعض.. و يديم الحب ده بينكوا."
فارقا الزوجين ضيفهما أخيرًا.
"سلاف. أنا مش هاطير منك!"
"عمري ما سمعتك بتتكلم عني كده قصاد حد. علطول بسمع منك أحلى كلام بيني و بينك و بس لما بنكون لوحدنا.. فاجئتني يا أدهم !!"
"يسلام.. مبسوطة يعني من كلامي و لا من كلام سي مراد!?"
"أنا مقدرة انك بتغير عليا و بتحبني. بس الحق مراد ماقالش حاجة. بالعكس كان لطيف."
"لطيف!!؟ طيب اسكتي بقى و قصّري الحوار ده عشان مانَّامش متنكدين الليلة دي يا سلاف."
"مافيش فايدة فيك. غيرتك كل مادا ما بتزيد. انت ماكنتش كده أول ما عرفتك و قربنا لبعض …"
"و كمان بتترحمي على الو××× ده !!؟؟"
"أدهم انت بتقول إيه؟ سيف مات.. ماتجوزش عليه غير الرحمة مش أنا إللي هاقولك كده !!"
"انتي ناسية كان عايز يعمل فيكي إيه؟ أنا كنت هاموته !!!"
"آه آه. أدهـم انت اتجننت.. سيب دراعي يا أدهم بتوجعني !!!!"
***
جافاها النوم و خاصم جفونها الليلة.
هبت "إيمان" من فراشها فجأة، تلهث و تنهج و هي تتحسس جبينها و عنقها الملتهب.
"إيه إللي جابك.. رجعت تاني ليه يا مراد!؟"
رواية اوصيك بقلبي عشقا الفصل السادس 6 - بقلم مريم محمد
“هنا يمكنك أن ترى أن إيمان كانت تُحب مراد دائمًا !”
ماذا توقّع بعد الذي فعله معها على الدرج !؟
لقد كان غليظًا معها و لأول مرة يقسو عليها هكذا بيده، يعترف بأنه قد آذاها عندما أمسكها بقوة قاصدًا إيلامها، إنه نادمٌ أشدّ الندم، و يجب أن يعوض عليها هذا و يعتذر منها.
إنها حبيبته، زوجته، أم أولاده. إنها “سُلاف” …
- مش هاتتعشّي معايا ؟
قالها “أدهم” متسائلًا حين شاهد زوجته تضع صحن واحد أمامه على مائدة العشاء بدون أن تنظر إليه.
جاوبته بجفاءٍ:
- لأ. مش جعانة.. لما تخلّص نادي عليا عشان أشيل الأطباق.
و جاءت لتمضي متجهة إلى غرفة النوم، فقام عن مقعده معترضًا طريقها، فتوقفت مجبرة، بينما يقول بصوته الهادئ مُلطفًا الأجواء بينهما:
- أنا مابعرفش أحط لقمة في بؤي منغيرك و انتي عارفة. حتى الغدا تحت معاهم اتظاهرت إني باكل. أقعدي يا سلاف و كُلي معايا. من فضلك !
سلاف بنفس الجفاء:
- لو قعدت مش هاكل. هاقعد عشان انت عايزني أقعد بس.
سأجفل متنهدًا بثقلٍ و قال:
- يعني بجد مش جعانة ؟
هزت رأسها نفيًا، فهز كتفيه مدمدمًا:
- طيب. خلاص شيلي بقى العشا. أنا كمان مش جعان. بس ممكن تحضري حاجة خفيفة أبقى أنزلها لمراد يتعشّى بيها !
توقّع أن تتراجع عن موقفها لتجعله يجلس و ينهي عشاؤه كما اعتادت أن تفعل دومًا، و هذا ما كانت تقف لبرهةٍ مترددة بشأنه، لكنها على عكس توقعاته أخذت تجمع الصحون و تتجه بهم إلى المطبخ ثانيةً …
توتر “أدهم” الآن و قد شعر بفداحة ما فعله لها، أراد أن يصلح ما بينهما، بل أن عليه أن يصلحه الليلة و قبل أن يبزغ نهارٌ جديد، و إلا سيصعب نسيانه.
ذهب “أدهم” إلى غرفة نومهما و انتظرها هناك، لكنها تأخرت و خيّل إليه بأنها لن تأتي، فقام و بحث عنها في الشقة، حتى وجدها في غرفة الأطفال، تهم بالأستلقاء إلى جوار ابنها الأوسط في سريره المتسع لفردُ آخر، إذ أن الصغير لا يحبذ النوم بجوار أحد و لا حتى إخوته، فقط أمه التي يعطيها هذا الامتياز …
- سلاف !
هتف “أدهم” مدهوشًا.
إلتفتت نحوه في لحظة فانزلق روبها الحريري عن كتفها بنعومةٍ، رشقته بنظرة زاجرة و مشت ناحيته قائلة بصوت مائل للهمس:
- وطّي صوتك. الولاد يصحوا !!
تجاهل ما قالته و أمسك بيدها، شدها إلى الخارج و أغلق الباب على الصغار، أسندها إلى الجدار و استجوبها بجدية:
- لما خايفة الولاد يصحوا. إيه دخلك عليهم.. ماحصلتنيش على أوضتنا ليه ؟
لا تزال متحاشية النظر إليه و قالت:
- أنا هنام الليلة دي جمب نور.
أدهم باستنكار:
- تنامي جمب نور ؟ و بالنسبة لي أنا. شفاف قصادك !!
- نور محتاج لي أكتر, انت عارف إنه اليومين دول حساسية جسمه مضايقاه.
- يسـلام طيب ما أنا كمان محتاج لك بردو. ماينفعش تقسمي وقتك بيني و بين الولاد. الولاد إللي سايبك ليهم طول النهار !!!
سلاف بعناد:
- انت عارف الولاد دايمًا في أولويات.
تتدرج وجهه بحمرة الغيظ في هذه اللحظة و أمسك غضبه بجهدٍ، ثم قال بحدة:
- طيب أنا عايزك في الفراش يا سلاف. و حالًا !
بدون أن تنبس بكلمةٍ أطرقت برأسها و مشت أمامه وصولًا إلى غرفة النوم، خلعت الروب القصير و بقيت الآن بالقميص الرقيق الذي يكشف أكثر مِمّ يستر، اسلتقت أمامه فوق الفراش و ظلّت ترنو إليه فقط.
رفع “أدهم” حاجبه معقّبًا على أفعالها:
- إيه ده !؟
ردت ببديهية:
- قلت عاوزني في الفراش. أهو.. أنا قدامك.
- ببساطة كده !
- أمال فاكرني هاتمنع عليك و أبقى ناشز ؟ يرضيك أبقى ناشز !؟
عض “أدهم” على شفته و كظم غيظه بصعوبة، فهو يعلم تلك اللعبة التي تلعبها معه، و كم يكره و بشدة ما تنوي أن تمليه عليه كعقوبةٍ، فليس هناك ما هو اسوأ أن تمسح له بالتقرّب إليها دون أن تبادله شيئًا، هي التي دائمًا ما تذوب بين ذراعيه، و لكنها قادرة على أن تتحوّل إلى البرود التام إن أرادت أن تعاقبه.
و لطالما كان هذا أقسى و أصعب عقاب يتلقّاه منها …
- سلاف بلاش الطريقة دي قلت لك 100 مرة.. مش واخدة بالك إني بحاول أصالحك ؟
تقلّدت البرودة نهجًا في كلامها و هي ترد عليها بينما تلف خصلة شعرها الشقراء على سبابتها:
- أنا ماطلبتش مصالحة منك يا أدهم.. عمري ما طلبت !
شد على قبضتيه مواصلًا طمر الغضب بدواخله، و ارتأى أن يبتعد عنها قليلًا حتى يتمكن من تهدئة أعصابه و التفكير في سبيلٍ أكثر لطفًا إليها.. أخذ نفسًا عميقًا و قال:
- استغفر الله العظيم.. بصي. أنا هانزل أودي العشا لمراد. راجع لك بسرعة ان شاء الله.. و هانشوف ماشي. ماشي يا سلاف. ماشي !
و ظل يردد آخر كلمة و هو يمضي إلى الخارج، بينما بقيت مكانها تضحك في صمتٍ، و تقسم بينها و بين نفسها بأن تضاعف العقاب له هذه المرة، كما ضاعف هو قسوته عليها …
*****
مضى وقت ليس بقليل و هما يقفان قبالة بعضهما بلا حراك هكذا، كصنمين خاليان من الحياة، بعد أن طرحت عليه سؤالها، ران الصمت تمامًا بينهما، حتى شاهد “مراد” وجهها يعتصر ألمًا… لطالما كانت نقطة ضعفه أن يرى الوهن يتلبّسها هي بالذات.
لم يتحمل أكثر من ذلك و أفسح لها لتدخل مغمغمًا باسراع:
- ادخلي يا إيمان. ادخلي بسرعة !
كان يخشى أن يقبض عليهما بأيّ لحظة، لذلك سمح لها بالدخول فقد بدا أنها بصدد إحداث فضيحة لو لم يحتوي الموقف بسرعة، ولجت “إيمان” بخطى وئيدة و هي تضم شالها الأسود إلى صدرها، بينما يغلق “مراد” الباب بعدها مباشرةً.
في منتصف الشقة الخاوية، وقفا الآن وجهًا لوجه يحدق كل منهما في عينيّ الآخر محاولًا قراءة أفكاره.. إلى أن تشجّع هو و كسر الصمت أولًا:
- أنا جيت و أنا فاكر إني مش هالاقيكي هنا. ماسمعتش بخبر موت جوزك غير من خالتي. و عرفت إنك رجعتي تعيشي هنا تاني.. و الله لو كنت أعرف ماكنتـ آ …
- ماكنتش ورتني وشك صح !؟
قاطعته بعدائية سافرة.
عدائية ورت خلفها كم حبّها و سُهدها و عذابها، كانت قشرة تهدد في أيّ لحظة بالانكسار… تابعت “إيمان” باسلوبٍ هجومي:
- كويس إنك لسا فاكر عملتك. أنا كنت بدأت أشك إن إللي حصل بينا ده كان في خيالي أنا و بس.. لما مشيت و سبتني بمنتهى البساطة بعد ما …
- إيمان أرجوكي !
هو الذي قاطعها هذه المرة بإشارةٍ من يده.
لكنها لم تأبه و واصلت بشراسةٍ و قد إتقدت عيناها:
- إيه مش طايق تسمع ؟ عندك ضمير لسا ؟ يا راجل.. ده انت حتى ماطلعتش ندل و بس. لأ طلعت كداب كمان. مش كانت حجتك لما سبنا بعض إنك مسافر تكمل تعليمك برا ؟ إللي عرفته أنا بعدها إنك ماسفرتش و لا حاجة و كملت الجامعة هنا عادي ..
و أضافت كأنما حلّت عليها الصدمة لأول مرة:
- كدبت عليا.. خدعتني !!!
رغم حقيقة ما تقول إلا أنه انبرى للدفاع عن نفسه بغلظةٍ:
- لأ يا إيمان أنا ماكدبتش عليكي و لا خدعتك. أنا فعلًا كملت الجامعة هنا. لكن بعدها علطول سافرت و درست برا فوق إللي درسته هنا. إنتي عارفة إن شهادات العالم التالت مش مُعترف بيها في أوروبا. و أنا كنت ببني مستقبلي. ماكنتش سامح لأيّ حاجة تعطلني و ماكنتش شايف غير كاريري و كياني. انتي أكتر واحدة كنتي عارفة أحلامي.
- و انت قضيت على أحلامي أنا !
تمتمت بصوتٍ متهدج أثقلته دموعها الحبيسة.
- عما ني حبي ليك. نساني نفسي و ربّي. سلّمت لك نفسي بارادتي و وقعت في الزنا عشان بحبك.. تعرف. ساعتها و لآخر لحظة كنت مديالك الأمان. كنت متخيّلة إني حتى لو رميت نفسي تحت رجليك انت لا يمكن تخون ثقتي فيك. كنت مطمنة جدًا و مستنية تفوق و تعتذر لي و تقول لي إنك مش هاتسبني و لا تتخلّى عن حبنا.. لكن أنا إللي فقت من أوهامي على غدرك بيا. و بعدين ندالتك لما مشيت و لا بصيت وراك حتى.. انت دمرتني يا مراد !
انسحق فؤاده، بتواطؤ دموعها مع كلماتها عليه، كان هذا موطن ضعفه بالتحديد، لهذا السبب و قبل إثنى عشر سنة هو لم يستطع السيطرة على مشاعره عندما غدر بها كما قالت و وقعا في الزنا، على الرغم من أنه فعل ذلك الإثم مرارًا منذ بلوغه و حتى قبل زواجه بفترةٍ، لكنه لم يستطع أن يغفر لنفسه جرّها معه إليه.
تزوج و عشق على أمل أن ينساها و ينسى ما فعله بها في لحظة طيشٍ، لكن ها هي تذكّره، و ها هو يكتشف بأنه لم يزل أسير جريرته في حقها …
- إيمان !
تحدّث مجددًا بلهجةٍ خاضعة كأنما يرجو لو يركع أمامها و يطلب العفو.
- مافيش كلام ممكن يوصف مشاعري ناحيتك سواء زمان أو دلوقتي. انتي غالية أوي عندي. و الحقيقة إنك مش لوحدك إللي اتعذّبتي.. أنا مقدرتش أسيطر على نفسي ليلتها. كنت صغير و مش دارك. إيمان انتي عارفة ان اتربيت في مجتمع متحرر. أنا من يوم ما اتولدت و أنا عايش برا مع أبويا وأمي. أصلي عربي و مسلم و عارف تعاليم ديني. بس غصب عني اتطبّعت بطباع ناس تانية.. انتي عارفة أول علاقة عملتها في حياتي كان عندي كام سنة.. 15 سنة. تخيّلي. شهيتي للعلاقات من النوع ده إتفتحت من بدري أوي. و ماكنش في حدود طول ما كنت عايش برا. كان شيء عادي جدًا و اتعلّمت إنه سهل و مسموح بيه طالما في قبول بين الطرفين.. و لما رجعت و شوفتك و قربنا من بعض و حبيتك. كنت عاوزك أقرب ليا من مجرد علاقة حب سطحية. كنت عاوز أحبك بالطريقة إللي اتعلمتها لأنها الطريقة الوحيدة إللي بقدر أعبر بيها عن حبي. ماكنتش قابل إنك دايمًا تبعديني عنك و مش موافقة حتى إني ألمسك بأيّ شكل.. وهمت نفسي إني ممكن أستغنى عنك و أسيبك عادي. بس أنا كنت خلاص غرزت فيكي يا إيمان. كنت وقعت في حبك و ماتأكدتش من ده مية في المية غير لما بعدت عنك بجد.. سامحيني يا إيمي !
كانت مستغرقة في تفاصيل ما يروي عليها، تائهة بين كلماته و معانيها، حتى فرغ.. ردد لسانها باستنكارٍ بينما دموعها تسيل:
- انت لسا هاتكدب ؟ ما اتخلّيت عني و عرّضتني للفضيحة أنا و أهلي إللي هما أهلك.. لسا بتقول بتحبني !!؟
علا صوتها المكتوم في صدرها بقدر من الانفعال، ما جعله يتمرد لوهلةٍ على تعاطفه نحوها خاصةً و هي تبدي كل هذا القدر من البغض و الحقد عليه …
- إنتي ليه محملاني الغلط كله لوحدي ؟
- أمال أحمله لمين ؟ انت استغلّيت ضعفي و حبّي ليك !!
زفر بقوة و بدا كأنه مضطر أن يواجهها بالحقيقة …
- أنا ماعملتش حاجة غصب عنك !
قالها “مراد” دون أيّ أثر للندم.
- لو كنتي بيّنتي ذرة رفض واحدة عمري ما كنت غصبتك يا إيمان.
انفعلت و تسارعت أنفاسها و هي تحملق فيه بشراسة، إذ ذكّرها بالنصف الآخر من قصّتها الأليمة، و الذي لم تُطلع أحدٍ عليه أبدًا غير زوجها الراحل، حتى كانت تخشى التفكير فيه بينها و بين نفسها …
نكأ الجرح الغائر مرةً أخرى و احتقن وجهها بشدة أخافته، أطلت دموع الغضب و الخزي من عينيها و هي تثور وجعًا من أعماقها:
- لآخر لحظة كنت فاكرة إني حبيتك بجد.. بس تعرف. كنت غلطانة.. أنا ماحبتش غير سيف. سيف إللي رغم إني اعترفت له بالحقيقة قبل الجواز من يأسي و كرهي لنفسي. و كنت مستعدة لأيّ عقاب.. ماعملش معايا أي حاجة. قبلني زي ما أنا.. مش زيك انت. ماكنش زيك. انت اصلًا مافيش حد زيك… انت أكتر ندل و جبان عرفته في حياتي.. انت خطيتي و غلطة عمري كله يا مراد !!!
حملق فيها مصدومًا و هو يعلّق:
- إنتي بتهرجي صح ؟ قولي إن ده مش بجد.. إنتي اعترفتي لجوزك بإللي حصل بينا يا إيمان !!؟؟؟
لم يكن يصدق الحماقة التي اقترفتها، لكن أكدت له ثانيةً و الدموع ملء عينيها:
- أيوة اعترفت له. أمال كنت عاوزني أخدعه و أخلّيه يتحمّل غلطة غيره ؟ انت فاكرني زيك !؟؟
هز رأسه مشدوهًا و ردد:
- إنتي مجنونة. ليه عملتي كده ؟ ليه حوّلت حياتك و بإيدك لجحيم.. كان ممكن تبدأي من جديد !!
- ابدأ من جديد ؟؟
عقّبت بشبه صراخٍ و قد أغضبتها كلماته بشدة.
- انت صاحي لكلامك ؟ هو انت واحد كنت اعرفه فترة و سيبنا بعض. انت من دمي و دبحتني. نهشتني و إدتني ضهرك و مشيت.. انت خايـــن !!!
لم تعطِه فرصة ليستوعب فداحة فعلته على ضوء اتهاماتها، و إذ نناهى لسمعه صوت جرس المصعد بالخارج، تحرك بسرعة البرق و شد ذراعها بقوة و دار حول نفسه، إلتصق ظهرها بصدره و حبسها بين ذراعيه، و كمم فمها الباكي بكفّه الآخر.
سكن كليًا و بقى ينصت فقط …
لحظات و سمع جرس الباب يدق مرتين.. صمت.. ثم دق مرتين.
تسارعت نبضات قلبها، بينما تصبب جبينه عرقًا و هو يستمع إلى الصوت المنبعث من الخارج، و الذي لم يكن سوى صوت “أدهم” محدثًا نفسه:
- شكله نام و لا إيه.. الله يكون في عونه أكيد ماحطش منطق بعد السفر ده كله في يوم واحد !
و أرهف “مراد” السمع أكثر ليتبيّن بأن خطوات “أدهم” قد ابتعد، بل أنه استقلّ المصعد و اختفى من الطابق نهائيًا، الآن فقط أفلت “مراد” أسيرته من بين ذراعيه و غمغم معتذرًا بارتباكٍ:
- إيمان..
لم تتحرك قيد أنملة، فارتاب و استدار ليقف في مواجهتها، دنى برأسه لينظر في وجهها جيدًا …
- إيمان.. انتي كويسة. إيمـان مالك !!!؟
ارتفع رأسها رويدًا رويدًا، حتى تشابكت نظراتيهما، و رمقته بنظرةٍ أفزعته من داخله، ثم قالت و هي تمسح دموعها بظاهر كفها دون أن يرف لها جفن:
- أنا بكرهك.. وعد مني يا مراد. أنا هاحفرك من جوايا.. شكرًا ليك. عشان انت إنهاردة و أخيرًا ادتني أهم سبب عشان أمحيك من حياتي… شكرًا !
لم يكاد يأتي بأيّ فعل حتى رآها و قد إلتفتت و انطلقت كالرياح العاصفة مغادرة إيّاه هذه المرة، و دون أن تنظر وراءها، تمامًا كما فعل هو بها من قبل !
رواية اوصيك بقلبي عشقا الفصل السابع 7 - بقلم مريم محمد
حلّ الصباح و لأول مرة يبيت كلاهما متخاصمان، فقد نفذت “سلاف” ما برأسها و عاقبته، لكنه هذه المرة لم يقع في شِراكها كليًا، لم يشأ أن يتقرّب إليها ليلة أمس حتى لا تقابله بالجفاء و البرودة، تحمّل أن يطبق جفونه و يغفو دون أن تكون بين ذراعيه مثل كل ليلة، و قرر أن يحل ما بينهما حين يستقيظا.
و لكنها لم تكن بجواره الآن، و قد فتح عيناه و لم يجدها في فراشه، خمن فورًا بأنها ذهبت إلى الصغار. تثاءب “أدهم” و هو ينفض عنه الكسل في الحال، أطفأ المنبّه و قام مرتديًا خفيّه، مضى رأسًا إلى الحمام أولًا، أدّى روتينه الصباحي و توضأ، ثم خرج و عاد إلى غرفته.
أثناء مروره بالرواق سمع قهقهات صغاره و أمهم فابتسم. بعد فرغ من صلاته خرج و عرج عليهم بغرفة الأطفال. ليجد “سلاف” قد أطعمتهم و ألبستهم ملابس غير التي ناموا فيها، كعادة كل يوم. و ها هي تنهي تمشيط شعر طفلها الأوسط. كانوا جميعهم آية في الجمال و بهجة لنظره، فمكث مكانه دون أن يصدر صوت يراقبهم و هو يبتسم بحب و موّدة.
حتى صرخ طفله الأصغر بسعادة عندما لاحظ وجوده، قام عن قوائمه و مشى كما يسير طائر البطريق وصولًا إليه.
“بـ بـ بآااااااااااااااععع !”
انحنى “أدهم” بلحظةٍ و حمله بين ذراعيه هاتفًا:
“حبيب بابا. روحي. صباح الفل يا نور عيني !”
كانت قافيته الشهيرة دائمًا في محلها، متناغمة مع اسم طفله “نور”. احتضنه و قبّله دون أن يحيّد بعينيه عن زوجته التي ما زالت تعامله بجفافٍ و بل أزادت عليه التجاهل. فلم يجد بُدًا من إتخاذ الخطوة الأولى كعهده. سار ناحيتها حيث كانت تجلس فوق كرسي صغير و تضع في حجرها الصغير “آدم” تضع له المرطبات العطرية الخاصة ببشرة الأطفال.
“نور عامل إيه إنهاردة. حساسيته هديّت؟” تساءل “أدهم” بصوته الهادئ الرزين.
جاوبته “سلاف” دون أن تنظر إليه:
“كويس على دراعك أهو. العلاج إللي مشي عليه كان سريع الحمدلله.”
تمتم إثرها:
“الحمدلله. الله يعافيه و يحفظه هو اخواته.”
و قبّل الصغير مرةً أخرى، ثم أنزله على قدميه، و إلتفت لأمه:
“عايزك يا سلاف من فضلك !”
ردت بصوتها الناعم الطبيعي و لكن باللهجة اللا مبالية نفسها:
“حاضر. هاخلص مع الولاد بسرعة و هاروح أحضر لك الفطار. مسافة ما تغيّر هدومك هايكون جاهز.”
أدهم بصرامةٍ:
“أنا مش عايز فطار. أنا عايزك.. حالًا !!”
و أدار لها ظهره فورًا، عاد أدراجه إلى غرفة النوم و انتظرها هناك و هو يقف مستعرضًا محتويات خزانته. لم تمر دقائق إلا و أتت إليه في الحال كما أمرها.
“نعم !”
انبعث صوتها ناعمًا من خلفه، فلامسه بنفس ذات النعومة و جعله توّاقًا أكثر إليها. تنهد “أدهم” و إلتفت نحوها. كانت تقف أمامه بمنتهى الأريحية، كما لو أنها لم تضايقه أبدًا مِمّ استفزه.
لكنه كظم غيظه من جديد و تحدّث برفقٍ:
“تعالي يا سلاف.. قرّبي عندي.”
أطاعته و مشيت إليه وئيدًا، حتى وقفت قبالته. تطلعت إليه بشجاعة، فظل فقط ينظر إليها لبضع لحظاتٍ دون كلام. تنهد من أعماقه و هو يرفع كفّه ليحط به جانب وجهها قائلًا بلطفٍ:
“هانوصل لفين يا سلاف؟ في كل مرة نختلف فيها. ليه الخلافات بتاخد أكتر من قيمتها. بدل حبنا.. ليه مش هو إللي يتغلّب على عنادك. ليه بتتعمدي تقسي كده و أنا عمري ما قسيت عليكي !”
رفعت حاجبيها و رددت بذهولٍ:
“لأ بجد. و الله.. انت عمرك ما قسيت عليا يا أدهم؟ انت بتكدب يا دكتور؟ أمال إللي عملته فيا إمبارح على السلّم ده كان إيه !؟?”
عبس بتأثر متمتمًا:
“ماكنش قصدي. إنتي عارفة.. أنا في الأساس مابستحملش أشوف فيكي أي سوء. إزاي ممكن تفكري إني آذيكي يا سلاف !”
بالفعل أقرّت بصدق قوله، فهو الوحيد من بعد والديها و جدتها المرحومة الذي حملها حرفيًا في قلبه و عاملها بأبوّة في المقام الأول قبل أن يكون زوجها، و لكن لا يمكنها أن تتغافل أيضًا عن عمّا فعله ليلة أمس، كان جديدًا و لا تريده أن يتكرر حتى و لو كان بدون قصدٍ.
كانت ستقول له ذلك، لكنه استبقها بالقول:
“و بعدين اسلوبك كله غلط. يعني إيه تفرضي عليا عقوبة كل ما تحصل بينا مشكلة؟ أنا دايمًا بحاول أحل معاكي أي حاجة و إنتي كالعادة بتعندي. ليه بتعملي معايا كده. بتبقي مبسوطة لما كل واحد فينا يكون في طرف. ده بيعجبك.. ردي من فضلك يا سلاف !!”
كان السأم المرير يجلل قسماته الوسيمة بشكلٍ أنساها غضبها منه، محيىّ كل شيء و لم يبقى أمامها سواه، أثار حقيقته بداخلها و ماذا يعني لها، زوجها “أدهم” يمثل لها الهواء الذي تتنفسه، قلبها ينبض لأجله و لا تتخيّل حياتها بلاه. جاءت ردة فعلها مندفعةً. حيث شبّت على أطراف أصابعها و تعلّقت بعنقه و مقبّلةً إيّاه بكل حبها و شوقها الدائم إليه.
طفا تجاوبه معها في اللحظة نفسها، أخيرًا ذاب الجليد و ألقت أسلحتها أسرع مِمّ توقّع هذه المرة، كان بينهما تلهف، وصب، رغبة سافرة… و لكن!
“الولاد !!!” غمغمت “سلاف” بين قبلاتهما.
همس لها “أدهم” بأنفاسه الرطبة الساخنة:
“أنا مش نازل طول النهار. و ماما مش هاتقول حاجة. دلوقت أكلمها تاخدهم عندها و نقضي الوقت ده كله لوحدنا.. إيه رأيك ؟”
توّردت خجلًا و هي تبتسم، ثم قالت على استحياءٍ:
“أوكي. حطهم في العربية بتاعتهم و نزلهم في الأسانسير.. و أنا. أنا هاخد شاور بسرعة و أرجع لك.”
ابتسم بدوره و قال بحماسة و هو يستلّ هاتفه ليحدث أمه:
“تمام. بس لو اتأخرتي عليا إنتي حرة. هاجي لك ناخد الشاور سوا !”
لم تستطع تمرير مزحته الجديّة كما تعلم، ضحكت بانطلاقٍ و شقاوة و ركضت بسرعة من أمامه. أما هو و قد استعاد إشراقة وجهه و نشاطه، زفر بارتياحٍ شديد و مضى مسرعًا ليحضّر صغاره للنزول إلى جدتهم.
*****
كان عبءً ثقيل عليه، أن يلتقي بها مجددًا، و خاصةً بعد مواجهة البارحة. مرةً أخرى مدى غبائه حين قرر العودة إلى هذا البيت، كان قد قطع صلته به مثلما قطعها معها منذ تلك الليلة، لكنه تحامق و عاد. ما الذي توقّعه؟ ألّن يأتي ذلك اليوم الذي يتواجها فيه؟ يا له من أبله حقًا.
و ها هو يكرر نفس الخطأ و يذهب إلى حيث هي بقدميه.
“صباخ الخير يا خالتو !”
ارتاح كثيرًا لأن التي قابلته عند باب الشقة هي خالته و ليست هي. استقبلته “أمينة” بابتسامة ملء وجهها و دعته فورًا للدخول:
“صباح الفل يا حبيب خالتك. خش يا حبيبي. أنا كنت لسا هاطلع أشوفك صحيت و لا لأ. الفطار جهز خلاص.”
لبّى “مراد” دعوتها و دلف مطرقًا رأسه تحسبًا و قلقًا من لقاء “إيمان”. لكنه دحض مخاوفه عندما علا صوت خالته متجهة إلى رواق الغرف:
“الله يخليك يا مراد يا حبيبي تقف بس عند الأسانسير تقابل ولاد أدهم و تجيبهم على هنا على ما أدخل أصحي إيمان !”
و كأنه طوق الإنقاذ، صاح من مكانه:
“أكيد حاضر يا خالتو. طالع أهوو.”
هرول إلى الخارج ثانيةً ليأتي لها بصغار “أدهم” الثلاثة. فتح باب المصعد حين وصل إلى الطابق، فإذا بالصغار متراصين بجوار بعضهم داخل عربتهم العريضة. استقبلهم مبتسمًا و أسند الباب بقدمه ريثما يتمكن من إدارة العربة ليخرجهم.
و قد نجح في وقتٍ وجيز، دفع بهم على مهلٍ للداخل و هو يتأملهم لأول مرة مرددًا بحبورٍ و حنين للشعور الذي يفتقده بشدة:
“الله أكبر. ما شاء الله. ما شاء الله !”
و أجفل فجأة حين عادت خالته راكضة شاحبة الوجه.
“إلحقني يا مراد !!”
فزع “مراد” من حالتها و سألها من فوره:
“إيه حصل إيه !؟?”
أمينة بهلعٍ كبير:
“إيمان مش في أوضتها لا هي و لا لمى. و دولابها فاضي.. إيمان سابت البيت !”
رواية اوصيك بقلبي عشقا الفصل الثامن 8 - بقلم مريم محمد
"هربتُ لأنّك لو بقيتَ أمامي أكثر، فإني أخشى أن يغويني شيطاني و أُخطئ من جديد ؛ هربتُ لأنني ما زلتُ أحبك !"
إيمان
"مراد" خالته مشدوهًا للحظاتٍ، قبل أن يدفعه عقله للحديث أخيرًا:
- يعني إيه سابت البيت؟ هي متعودة تمشي فجأة كده!؟
هزت "أمينة" رأسها نفيًا:
- لأ يابني طبعًا. إيمان عمرها ما عملتها!
- طيب إيه العمل دلوقت. أكلم أدهم ينزل يدور عليها!
وهم بإخراج هاتفه ليجري الاتصال.
استوقفته "أمينة" فورًا:
- لأ ماتتصلش بأدهم. سيبه ماتزعجهوش.. أنا هاكلمها.
استدارت باحثة عن هاتفها الخلوي، سرعان ما وجدته فوق طاولة جانبية، أمسكت به وعبثت فيه لحظاتٍ، ثم وضعته على أذنها و انتظرت.
لم يطول انتظارها، إلا وصاحت ملتاعةً:
- إيمـان… إنتي فين يابنتي؟ روحتي فين يا إيمـان ردي عليا…. إيـه؟ و إيه إللي وداكي عند راجية.. طيب إزاي تمشي كده منغير ما تقولي لحد… لأ يا إيمان إللي عملتيه مايصحش أبدًا. أقول إيه لأخوكي لما يسأل عنك… طيب هاترجعي إمتى.. ماشي يا إيمان. ماشي!
وأقفلت الخط معها مُطلقة تنهيدة عميقة.
نظرت التفتت نحو "مراد" ثانيةً وقالت:
- الحمدلله على الأقل اطمنت عليها.
تساءل "مراد" بترددٍ:
- خير يا خالتو حصل إيه؟
- خير.. قامت الصبح بدري على رسالة من عمتها راجية. أم المرحوم سيف أبو لمى. كلهم كان نفسهم يشوفوها هي و البنت وحشينهم. ف لمت هدومهم و راحت تقعد لها كام يوم عندهم.
- طيب الحمدلله طلع الموضوع بسيط!
علّق "مراد" مرتاحًا، وتابع بضحك متوتر:
- أنا كنت مفكرها مشيت بسببي يعني.
أمينة ببلاهة متعمّدة:
- و هي هاتمشي بسببك ليه يا مراد!؟
تندّى جبينه وهو يجاوبها هاربًا بعينيه من نظراتها الثاقبة:
- يعني. ممكن تكون مش واخدة راحتها في وجودي.. و عندها حق بصراحة. أنا ماكنش ينفع أطب عليكوا كده و أقلب نظام البيت!
ارتفعت زاوية فمها وهي ترد بشيء من التهكم:
- بتتكلم كأنك حد غريب عننا. أنا فاكرة إنك انت و إيمان كنتوا قريبين من بعض في يوم من الأيام…
وهنا نظر "مراد" إليها، أجفل مرتبكًا بادئ الأمر، لكنه ما لبث أن قال بثباتٍ متكلف:
- صحيح. كنا صغيرين و بتربط بينّا صداقة قوية.. و لحد إنهاردة. إيمان غالية عليا أوي.
تنامى صمت سحيق بينهما لدقيقةٍ كاملة، لم يتخلّى "مراد" عن هدوئه، إلى أن دعته "أمينة" بآلية وهي تدنو من عربة الصغار لتحررهم وينطلقوا في أرجاء الشقة:
- طيب يلا على السفرة. الفطار لو استنى أكتر من كده مش هايتبلع.. و أنا عارفاك. بتحب الحاجة طازة. فريش يعني.
تأكدت من سلامة الصغار الثلاثة، ثم مشيت أمامه فتبعها وصولًا إلى حجرة الطعام، أشارت إليه ليجلس على رأس المائدة، ففعل، وجلست هي إلى جواره، بدأ كليهما في تناول الفطور، وانتظرت "أمينة" بتمحيصٍ مدروس حتى ابتلع بضعة لقيمات كافية ليستقبل حديثها التالي.
- قولي صحيح يا مراد!
تكلّمت "أمنية" بلطفٍ وهي تصب له فنجان الشاي.
- انت صحيح ناوي ترجّع مراتك؟
توقف "مراد" عن المضغ ثوانٍ، ثم قال وهو يرفع ناظريه إليها:
- و الله يا خالتو أنا جاي لأدهم مخصوص عشان كده. أنا عملت غلطة كبيرة أوي لما طلّقتها.. بس لسا عندي أمل. و أيوة.. عاوز أرجعها. أنا بحبها!
احتقن وجهها بالدماء في هذه اللحظة، سيطرت على أعصابها بجهدٍ وقد جمدت أصابعها حول دورق الشاي الخزفي، استرعى ذلك انتباه "مراد".. لكنه آثر الصمت.
وفجأة وضعت "أمينة" كل شيء من يدها، ثم أسندت ذقنها إلى يديها وهي تصوّب نحوه نظراتها الآن.
- لما انت بتحبها أوي كده. إيه إللي جابك لحد هنا تاني؟ كان ممكن تطلب أدهم يجي لك. ليه تيجي لحد هنا و تخلي إيمان تعيش خيبة الأمل تاني!؟
حدق فيها مصعوقًا، وقال بصعوبةٍ:
- إنتي. إنتي عارفة يا خالتو؟؟
أمينة بحدةٍ:
- طبعًا عارفة.. عارفة كل حاجة من زمان يا مراد!!!
تضاعفت صدمته وشخصت عيناه على الأخير، انتابه الخرس تمامًا، بينما تعاود الحديث قائلة:
- من أول يوم و بنتي عمرها ما دارت عني حاجة. قالت لي إنها بتحبك من أول يوم يا مراد. و إنك انت كمان بتحبها حسب قوالتك ليها.. و تعرف سيبتكوا ليه على كده؟ لأن ثقتي في بنتي مالهاش حدود. و متأكدة دايمًا إنها لا يمكن تعمل حاجة غلط أبدًا.. بس تعرف بردو؟ أنا طلعت غلطانة. لأن إللي حصل بينكوا زمان ده كان لعب عيال. و كان لازم أفهم إنه مش هايوصّل لأي حاجة غير حسرة و وجع قلب بنتي.. و انت فوق إللي عملته راجع تكمل عليها. و أنا إللي فكرت إنك عقلت و رجعت عشانها!!!!
استغرقه الأمر كله بعض الوقت ليدرك مقاصد خالته بوضوح، وقد تبيّن له بأنها لم تكن تعني بأنها تعلم ما جرى بينهما، لا زال السر محفوظًا، ولا أحد يعلمه سوى هو و "إيمان" وزوجها الراحل، العلاقة الحميمة التي أقاماها في لحظة طيش… لا زالت طيّ الكتمان!!
- يا خالتو أنا عمري ما خدعت إيمان!
غمغم "مراد" والخجل يتآكله.
لم يستطع النظر بعينيّ خالته الآن وهو يكمل:
- زي ما قلت لك كنا صغيرين. و أنا حبيتها بجد و الله.. و لسا بحبها. لكن طريقنا اختلف من زمان. أنا و إيمان ماينفعش نمشي سكة واحدة. و ده في الأصل سبب إنفصالنا. إحنا طول عمرنا مختلفين!
ظلّت "أمينة" ساكنة لبرهةٍ، تتمعن كلماته، ثم أومأت متقبلة قراره الأخير ونتيجة محاولتها معه لأجل ابنتها، وقالت بهدوء:
- ماشي يا مراد.. إللي تشوفه طبعًا. و مقدرش أقول غير ربنا يوفقك في حياتك مع أي واحدة تختارها.. انا بردو أبقى خالتك. في مقام أمك يا حبيبي…
ثم قامت فجأة هاتفة:
- أقعد انت كمل فطارك. أنا هاروح أشوف على ولاد أدهم.
لكنه استبقاها مسرعًا:
- لحظة واحدة يا خالتو من فضلك…
قام بدوره عن المائدة، وأتى ليقف أمامها، عبس مطرقًا برأسه وهو يقول بصوتٍ أجش:
- أنا كده كده مش مطول هنا. و ماشي إنهاردة بعد القاعدة إللي اقترحها أدهم.. كلمي إيمان و قوليلها ترجع البيت. أنا عارف إنها مشيت بسببي… عن إذنك!
ولم ينتظر ردها، ولّى هاربًا بسرعة.
*****
بضاحية ما بمدينة القاهرة…
يصل "عثمان البحيري" إلى العنوان الذي بعثه إليه صديقه برسالة مقتضبة، يجد "صالح" ينتظره أسفل البناية المتواضعة.
ما إن رآه يترجل من سيارته حتى مضى صوبه مسرعًا وهو يهتف:
- أخيرًا وصلت.. أنا واقف ملطوع هنا بقالي ساعتين و شوفت الزفت مراد و هو طالع. كنت هارتكب جريمة لولا مسكت نفسي.
يغلق "عثمان" سيارته وهو يرد عليه ببروده المعهود:
- ياريت بقى تمسك أعصابك أكتر عشان لسا التقبل جاي. أنا ماكنتش عايزك في القاعدة دي أصلًا. ف ماتخلنيش أندم…
ومشى نحو بوابة البناية.
تبعه "صالح" مغمغمًا بغيظ:
- إنت شايفني عيل صغير؟ ماشي هاسيبك إنت تتكلم و أما نشوف أخرتها!
عثمان بضجر:
- شاطر. ورايا بقى من سكات!
دقيقتان و كانا قد وصلا إلى الطابق الأخير، حيث صارا أمام غرفة مشيدة بالطوب و الحجارة يكسوها طلاء مريح للبصر ويتوسطها باب خشبي مصقول غامق لونه.
كان الباب مفتوحًا عن آخره، لكن "عثمان" لم يرى شيئًا خلفه، مجرد ضوء أصفر مشع بالداخل، فسار للأمام يجاوره "صالح"، حتى صارا عند الباب تمامًا.
دق "عثمان" عليه وهو يمد رأسه مستطلعًا.
- سلام عليكوا!
صاح "عثمان" بصوته القوي.
آتاه صوت رجولي أجش على الفور:
- و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته.. اتفضلوا!
مد "عثمان" ساقه و ولج وهو يحث "صالح" على إتباعه، رفع نظراته مستكشفًا، ليرى صديقه و رجلًا آخر وجهه غريب عليه، لا يعرفه إطلاقًا لكنه بدا سمحًا و إمارات الورع تتجلى على ملامحه العذبة الهادئة.. كانا يجلسان أمامه فوق آريكة صغيرة بنهاية الغرفة الأشبه بغرفة مكتب أنيق و قديم الطراز، فتوقف "عثمان" عند نقطة معينة و أشار لـ"صالح" ليقف هو الآخر.
تطلع "عثمان" إلى صديقه الجالس هناك على بعد خطوات منه عابس الوجه متوترًا، وتساءل بجمود وهو يشير لذلك الشخص الغريب الذي يجلس إلى جواره:
- مراد باشا! ممكن أعرف مين الأستاذ؟
وهنا يرد الرجل ذو الوقار و الرصانة المثيرة للإعجاب نيابة عن "مراد" المتأهب للإنفجار كبركان بأيّ لحظة:
- أنا الشيخ أدهم عمران.. إتفضل يا أخي لو سمحت. كنا في إنتظارك!
في هذه اللحظة تبادل كلًا من "عثمان" و "صالح" النظرات و قالا في صوتٍ واحد:
- شيخ!!!
*****
جحظت عينيّ "إيمان" وهي تستمع إلى كلمات أمها كابحة انفعالها لكي لا يسمعها أحد في الخارج:
- إزااااااي تعملي كده يا ماما.. مين قالك تقولي كده لمراد!؟؟؟؟
- يعني كنتي عاوزاني أعمل إيه. وأنا شايفاكي مقهورة و بالذات لما جه. قلت أحاول مرة أخيرة يابنتي.. على الأقل عشان ربنا مايحاسبنيش عليكي.
- إنتي عارفة عملتي إيـه؟ إنتي رميتي إللي باقي من كرامتي في الأرض. حرام عليكي يا ماما.
- ماتكبريش الموضوع يا إيمان بقى. ماحصلش حاجة. كانوا كلمتين و راحوا لحالهم.. خلاص. بصي المهم دلوقتي تاخدي بعضك انتي و بنتك و ترجعوا دلوقتي حالًا. لسا أخوكي أدهم واخده و راحوا المضافة بتاعة أبوكي. أخوكي سأل عليكي و قلت له بتزوري عمتك. مش هاينفع يرجع مايلاقكيش هنا!
دق باب غرفتها المخصصة، فاضطرت لقطع المكالمة، واستدارت والدموع ملء عينيها الواسعتين؛ فإذا بها تجد "مايا" أمامها.. "مايا" شقيقة "سيف" وعمة صغيرتها "لمى".
- إيمان!
هتفت "مايا" بعفوية.
- يلا الغدا جاهز.
أومأت لها "إيمان" وقالت بصوتٍ أ:
- حاضر يا مايا جاية وراكي.
قطبت الأخيرة حاجبيها وهي تشير ناحيتها بذقنها:
- إنتي معيطة و لا إيه يا إيمان!؟
لم تنكر "إيمان".. لكنها اختلقت كذبة وهي تكفكف دموعها بظاهر يدها:
- أيوة. شوية.. أصلي افتكرت سيف الله يرحمه. وحشني أوي يا مايا!
تأثرت "مايا" كثيرًا ودلفت إليها، بدون مقدمات عانقتها وشاطرتها حزنها المفتعل متمتمة بحزنٍ شديد:
- إنتي عارفة كل ما بيوحشني بعمل إيه؟ ببص في عيون لمى. وبحضنها جامد. لمى حتة من سيف يا إيمان.. لمى هي سيف. مش بيقولوا إللي خلّف مامتش!؟
تنهدت "إيمان" بحرارة، وابتعدت عنها "مايا".. ابتسمت لها ودعتها ثانيةً:
- يلا عشان الغدا. كلنا ماستنيينك!
بادلتها "إيمان" الابتسامة وقالت:
- حاضر.. بس أنا مضطرة أمشي بعد الغدا علطول. لازم أرجع البيت.
مايا باحباطٍ:
- ليه كده بس يا إيمان.. هو لحقنا نشبع منكوا؟
إيمان متأسفة:
- معلش يا مايا. ماما تعبت و سلاف كلمتني من وراها.. لازم أكون جمبها!
*****
جلس كلًا من "عثمان" و "صالح" إلى مقعدين متجاورين، بينما يجلس مقابلهما ذلك الرجل المهيب ذو اللحية السوداء الكثة المشذبة بعناية، و "مراد" الذي ما زال صامتًا حتى الآن ولم ينطق بحرف.
هذا السكون الثقيل قد بدأ يوتر الأجواء، حتى أن بعض تململ أصاب "صالح" وشعر بأنه قاب قوسين أو أدنى من فقدان سيطرته على نفسه.. إلا أن صوت المدعو "أدهم" سرعان ما برز قالبًا موازين الجلسة إلى صالحه فقط.
- منورين مكاني المتواضع يا سادة!
قالها "أدهم" بصوته القوي مزيدًا الترحيب بضيوفه.
رد "عثمان" التحية بنفسه ونيابة عن إبن عمه الغضوب:
- بنورك يا دكتور أدهم. متشكرين أوي على حسن إستقبالك لينا و خاصةً إننا أغراب عنك.
أدهم معاتبًا بحليمية:
- عيب تقول كده يا أستاذ عثمان. مراد ده يبقى إبن خالتي حتى لو مش بنشوفه إلا كل كام سنة مرة…
وضحك مكملًا:
- و حضرتك تبقى صاحبه و صديق عمره زي ما حكالي. يعني تقريبًا بقيت مننا و علينا زي ما بيقولوا.
- صحح كلامك يا أدهم من فضلك!
صاح "مراد" بحدة فجأة.
تركزت الأنظار عليه، ليتابع بنفس الإسلوب:
- الصداقة دي كانت في الماضي و خلاص خلصت.. أنا صحابي رجالة. مش زبالة و أنجاس زيه!
يتمالك "عثمان" أعصابه بصعوبة عندما سمع هذا الكلام يخرج من فم صديقه المقرب لأول مرة، بينما يلتفت "أدهم" نحو "مراد" موبخًا:
- مراد! إحنا قولنا إيه؟ القاعدة دي إتعملت عشان نحل الموضوع مش نعقده و نجرح في الناس كده منغير ما نفهم كل حاجة كويس.
مراد بسخرية:
- إنت فاكر إن ده بيتجرح؟ ده أبرد من لوح التلج. ده يجيبلك شلل و إنت قاعد صلى عالنبي يا أدهم إنت ماتعرفوش أدي.
أدهم بهدوء:
- عليه الصلاة و السلام.. يا سيدي طبيعي ماعرفوش و إنت تعرفه أكتر مني عشان صاحبك. بس لازم نتكلم و نتناقش بالمعروف. دي مش طريقة يا مراد إهدا عشان تفهم.
قطب "مراد" جبينه بشدة مغمغمًا:
- أنا مش طايقه. مش طايق أي حاجة تيجي من ناحيته. و مش عارف يا أدهم إنت صممت على القاعدة دي ليه؟ ده واحد قذر عايش طول عمره في نجاسة و قرف و ماستبعدش أبدًا إنه يكون غوى بنت عمه و إنهم إستغفلوني هما الإتنين.
في هذه اللحظة لم يستطع "صالح" كبح نفسه أكثر، فقفز واقفًا لينقض على "مراد" بلمح البصر، فيكيل له الضرب و اللكمات العنيفة.
يهب على الفور كلًا من "عثمان" و "أدهم" للحؤول بينهما، ورغم أن ذلك كان صعبًا بادئ الأمر خاصةً وأن "مراد" إستطاع أن يتغلب على "صالح" في لحظة وكاد ينال منه.. ألا أن "عثمان" حال دون ذلك و أمسك بتلابيب إبن عمه وإجتذبه بعنف صائحًا:
- تعالى هنـــا! إنت إتجننت؟ إثبت. إرجع مكانك و إوعى تتحرك سامعنـــي؟ يا إما تنزل تستناني تحت!
يتراجع "صالح" مذعنًا لأمر "عثمان".. لكن ما زال غضبه يتفاقم، فيدس يده يجيب سترته ويخرج قارورة الكحول الفضية التي يحملها دائمًا وبدون مقدمات يفتحها ويفرغ منها بقوة داخل جوفه.
بنفس اللحظة "أدهم" يترك "مراد" بعد أن ضمن سيطرته على نفسه، يلتفت فيرى "صالح" يتجرع هذا الشيء، فتجحظ عيناه وهو يصيح بلهجة مهددة:
- إنت بتشرب إيه يا بيـه؟؟؟
أبعد "صالح" القارورة عن فمه، لينقل نظراته بينها وبين ذاك الذي أطلق سؤاله الساذج بالنسبة إليه، ثم يرد بمنتهى البساطة:
- تيكيلا!
- خمـــرة!!!
هدر "أدهم" بغضب شديد.
- بـــراااااا. إطلعوا بـــراااااااا كلكوا!!!
حاول "عثمان" أن يهدئ "أدهم" عبثًا لم يستطع التفاهم معه، إذ كان مصممًا على طردهم وبدا أن لا نقاش سيجدي معه.. ورغم شدة اضطراب "عثمان" إلا أنه أصر ألا يخرج من هنا إلا بالحل النهائي، فهداه عقله إلى تصرف يرضي مضيفه.
ميلتفت نحو إبن عمه بوجهه المحتقن غضبًا، يدفع به إلى خارج الغرفة بطريقته الهمجية ليخفف من غضب "أدهم" عليهم.. وهكذا طرد "صالح" وأمره بالبقاء في الأسفل ريثما يهبط إليه، ثم عاد إلى المجلس الصغير وقال وهو يعدل هندامه الذي تشعث كليًا إثر هذه الفوضى:
- إللي إنت عايزه يادكتور أدهم.. ماتزعلش نفسك. صالح مشي خالص. ممكن بقى نتكلم في المفيد؟ أنا سامع!
أغمض "أدهم" عيناه مطلقًا زفيرًا مشحونًا وقال بجفاف شديد:
- أستغفر الله.. بص يا أستاذ عثمان. إنتوا بصراحة ماتشجعوش على أي نقاش. لسا ردود أفعالكوا هوجاء و طايشين و ده ماينفعش. إذا كنت إنت و لا إبن خالتي إنتوا الإتنين غلطانين!
عثمان بصلابة:
- أنا مش جاي أسأل مين الغلطان يا دكتور. أنا جيت عشان حضرتك كلمتني و قولتلي جايز الموضوع يتحل.. أنا عايز أعرف بقى هايتحل إزاي؟؟
صمت "أدهم" قليلًا يستجمع عقلانيته كاملةً، ثم أشار نحو "مراد" قائلاً:
- البيه ده لسا بيحب بنت عم حضرتك و عايزها و ندمان على إللي عمله. سيبك من كلامه ده. أنا متأكد من إللي بقوله هو بس كان رافض يصارحني عشان رجولته ناقحة عليه أوي!
عقد "عثمان" حاجبيه ممعنًا النظر بكلماته، تطلع إلى صديقه فوجده يجلس نفس الجلسة المتوترة ومنكمشًا على نفسه بطريقة مضطربة.
بعد تأمله لبرهة بدأ يقتنع بأقوال "أدهم" نوعًا ما، لكنه عاد يقول له بجدية:
- الكلام ده جميل. و من ناحيتي أقسملك بالله إن مافيش حاجة حصلت بيني و بين بنت عمي و إنها طول عمرها زي أختي. و طبعًا رجوعها لمراد شيء هايبسطنا و يريحنا كلنا.. بس إزاي يا دكتور؟!
أدهم بجدية مماثلة:
- ده إللي كنت عاوزك فيه.. مراد زي ما قولتلك رافض يصارحني. هو قالي إنه طلقها أكتر من مرة. بس بيلف و يدور عليا مش عايز يقولي كام مرة بالظبط.
- 3 مرات يا دكتور!
أجابه "عثمان" بصرامة.
عبس "أدهم" قائلًا بلهجة متشددة:
- متأكد؟!
أومأ "عثمان":
- متأكد.
وهنا ساد صمت مريب، فتململ "مراد" قلقًا ورغمًا عنه تطلع نحو "أدهم" منتظرًا رده.. فلم يجعله ينتظر طويلًا.
- كده يبقى الموضوع منتهي!
مراد بتوتر:
- يعني إيه منتهي يا أدهم؟!
نظر "أدهم" له وقال بصوته القوي:
- يعني خلاص متحرمة عليك يا مراد. لازم محلل.. والمحلل عندنا في الدين لو بغرض الرجوع للزوج الأولاني محرم لقول النبي صلى الله عليه و سلم: «لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ».
- طيب ما هو زواج المحلل مش محرم يا دكتور!
قالها "عثمان" مستفهمًا.
التفت "أدهم" إليه، ليكمل موضحًا:
- في ناس كتير بتعمل كده. أعتقد إنه شيء مكروه في الدين لكن مش محرم!
رفع "أدهم" حاجبيه مدهوشًا من تفكيره وجداله حتى بعد أن آتاه بالبينة.
أراد أن يبرهن له أكثر على صحة كلامه، لكنه أمسك بآخر لحظة وعوض ذلك قال بغلظة:
- حتى لو ده ينفع.. أعتقد مافيش راجل يقبلها على نفسه!
عثمان بتساؤل:
- يقبل إيه بالظبط؟ الجواز؟ ومن هو الزوج أو المحلل؟!
أدهم بحدة:
- الإتنين. وبعدين ده مش مجرد جواز على ورق.. شروط المحلل عشان ترجع للزوج الأول ماتطلقش “حتى يذوق عُسيلتها و تذوق عُسيلته”. ده حديث عن النبي برد.
مراد بقلق أكبر:
- يعني إيه الكلام ده يا أدهم؟!
نظر "أدهم" إليه من جديد وفسر له بمنتهى الصراحة:
- يعني المحلل ده لازم يدخل عليها يا رايق عشان ترجعلك!
جحظت عينيّ "مراد" بصدمة وما لبث أن نقل ناظريه نحو "عثمان" وكأنه أخيرًا يناشده الحل والمساعدة.
إلا أن "عثمان" لم يكن هنا أبدًا، كان يفكر بعمق… بمسألة حساسة جدًا للغاية!
رواية اوصيك بقلبي عشقا الفصل التاسع 9 - بقلم مريم محمد
“لا تنظري هكذا أرجوكِ ؛ تحطمين قلبي بدموعكِ.. هي ما لا أتحملها!”
_ مراد
كانت حجته للفرار بعد أن أوصل ابن خالته عند المنزل، أنه ينقصه بضعة أغراض سيذهب لشرائها بشكلٍ عاجل. ورغم أن القصة التي اختلقها لم تنطلي على “أدهم”.. لكنه عرف بأن الأخير يريد أن يتخذ مساحة و يبقى بمعزلٍ و لو قليلًا. وهو ما يحق له، خاصةً بعد كل ما جرى طوال الأمسية الصعبة.
عسيرٌ عليه أن يدرك بأن المرأة التي أعجب بها و اختارها بمحض إرادته و جعلها زوجته من بين عشرات الفتيات، حتى أنه فضّلها على المرآة الوحيدة التي أحبها من أعماقه و لبث سنوات يقنع نفسه بالعكس، لماذا؟
لأنها استسلمت له، لأنها منحته كل شيء مرةً واحدة و من دون ترددٍ. قال في نفسه: ما فائدة الزواج.. إن كان قد أخذ ما يريد من دونه! ما فائدة أن يرتبطا و هما قد ارتبطا بالفعل.. حتى و لو تمت العلاقة بينهما مرة… لكنه نالها و انتهى.
الفاكهة المُحرمة لقد حقق مآربه و تذوّقها، ما حاجته لامتلاكها و قد امتلكها.. تلك كانت مبرراته.. كان مقتنعٌ بها، لكن هل لا يزال!؟
لقد وجد نفسه فجأة في الخلاء، مجرّدًا من كل أسلحته و دفاعاته، بعد أن تخلّت عنه الأخرى التي إلتمس فيها السلوى و العشق أيضًا.. اتضح بأنها لا تحبه أبدًا… لقد أقصى القدر لحبيبته الوحيدة منه بفعلة زوجته التي طعنت رجولته في الصميم، لقد أخذت بثأرها بالفعل، ليتها تدرك ذلك!!
يتوقف “مراد” أمام حانة شهيرة بوسط المدينة، ترجل من سيارته و أغلقها بضغطة زر، ثم مضى نحو الواجهة المضيئة الملوّنة. دلف إلى الداخل و هدفه واضح و محدد من البداية، لن يذهب إلا و هو يترنّح من الثمالة …
***
بقيت واقفة خلف باب غرفتها الموارب، تستمع إلى حديث أخيها و والدتها بالغرفة المجاورة، كانت ترتجف لشعورٍ غريب لا تفهمه يعتمل بصدرها …
-يعني خلاص ماعادي في رجوع؟
-رجوع إزاي بس يا أمي. ما قلت لك طلّقها 3 مرات. مافيش رجوع.. هو بقى لازم ينسى الموضوع ده و يشوف حاله.
-يشوف إيه يابني انت أصلك مش عارف.. بيحب مراته يا أدهم.
-طليقته. طليقته يا أمي.. أنا عارف إنه بيحبها. و عارف إنها صعبة عليه. لكن خلاص السهم نفد. و دي حدود الله. لازم يقتنع و يشيلها من دماغه نهائي.
-طيب هو فين ما جاش معاك ليه؟
-وصلّني و قال هايلف شوية بعربيته يجيب شوية حاجات. أنا طبعًا عارف إنه مخنوق و محتاج يروّح عن نفسه. عشان كده سيبته يعمل إللي عاوزه.. هايروح فين. شوية و هايرجع ماتقلقيش.
-أمه كلّمتني إنّهارده.. مش عارفة تكلّمه خالص!
-كلّميها طمنيها. إن شاء الله ربنا هايصلحه.. أنا حاسس بكده.
-إلهي يسمع منك يا أدهم.
-طيب يا حبيبتي.. أنا طالع بقى. ألحق الولاد قبل ما يناموا. اليومين دول متعلّق بيهم شويتين زيادة و بيوحشوني.
-لا يا واد.. هما بردو إللي واحشينك. عشان كده سربتهم عندي الصبح.. عليا أمك يا أدهم!!
-جرى إيه بس يا أمي.. بلاش إحراج. و ياستي أيوة الولاد و أمهم واحشني علطول.. بحبهم.
-الله يبارك لك فيهم يا حبيبي و مايحرمهمش منك أبدًا.. ماشي يا قلبي. يلا تصبح على خير …
توارت “إيمان” مسرعة حين سمعت خطوات أخيها. أطفأت ضوء غرفتها و بقيت تنتظر ريثما غادر الشقة كلها. تنفست الصعداء و أشعلت مصباحٌ خافت الإنارة، ثم مضت بخطوات ثقيلة نحو الفراش. جلست بجوار صغيرتها النائمة كالملاك في بيجامتها القرمزية الرقيقة.. ابتسمت و هي تمد كفّها لتمسح على شعرها الناعم بحنانٍ.
و بغتةً أتى على خاطرها حديث “مايا” اليوم.. تذكرت كلماتها التي تشير إلى شدة تشابه الطفلة “لمى” بأبيها الراحل “سيف”… كانت واثقة من هذا كثيرًا!
لكن.. حتمًا إن “مايا” مخطئة، فالصغيرة لا تشبه أباها البتّة، بل الحقيقة أنها تشبه “مراد”!!!!
رغم أنه ليس والدها، و أنها ولدت بعد حادثة أمها معه بتسعة أعوامٍ، زمن طويل.. لكن للغرابة أنها تحمل ملامحه أكثر، عينيه الرماديتين، لونه البرونزي، تمويجة شعره الناعمة، و تعبيرات وجهه حين يضحك، و حين يغضب.
كان شيئًا عجيب، لو تزوجت بعد ذهابه مباشرةً لظنّت أن طفلتها منه هو، و ليس من “سيف” الذي على قدر عشقه له قد أذاقها ألوان و سجايا العذاب النفسي و الجسدي في آنٍ واحد …
انتبهت “إيمان” لدموعها الجارية على خديّها عندما تناهى إلى سمعها صوت موتور سيارته. كفكفت دموعها بظاهريّ يديها بسرعة و قامت. قفزت صوب النافذة و تطلعت من وراء الستار، فإذا به يخرج من سيارته متعثرًا في خطاه، كان يتكئ قليلًا بيديه على باب السيارة المغلق و كأنه يختبر إتزانه.. ثم رأته يمشي للداخل و اختفى.
لا تنكر إنقباضة قلبها عليه، إذ لأول مرة تراه على هذه الحالة، لا تعلم به، أهو متعب أم ماذا؟
و في ظرفٍ آخر غير الذي رأته كانت لتفعل ما برأسها أيضًا، كانت لتذهب عنده و تظهر الشماتة به، إنه يستحقها، بعد ما فعله بها.. أخيرًا صار معه نفس الشيء.
أخيرًا ها هو يتألم و يعاني كما عانت و لا تزال تُعاني.
بدون تفكير سحبت “إيمان” غطاء رأسها و الشال الأسود الذي تتدثر به خارج غرفتها في خضم هذا البرد القارس، ثم مثل المرة الفائتة، خرجت بخطواتٍ صمّاء …
***
يجب أن تحمد الله كثيرًا و تشكره على تلطفه بها، بالرغم من الكبائر التي اقترفتها، و لكن يبدو أنها تتطهر منها، بموت ابنها البِكر و مفضلها “سيف”.. ثم بمرضها الذي أبقاها طريحة الفراش بمشفى للأمراض العقلية لمدة عامين كاملين.
صحيح أنها شاخت كثيرًا بالنظر إلى عمرها، و لكنها بصحةٍ جيدة، حتى لو كان الحزن قد غيّرها و جعلها أكثر انعزالًا و انطوائية.
دق باب غرفتها، و قد كانت تقرأ في المصحف الخاص بها، أنهت الآية التي تقرأها، ثم أغلقت دفتيّ الكتاب الشريف و هتفت و هي تنظر جهة الباب:
-ادخل!
إنفتح الباب، ليدخل ابنها الشاب “مالك” مبتسمًا:
-نعم يا ماما. مايا قالت لي إنك عايزاني أول ما وصلت!
أشارت “راجية” برأسها:
-تعالى يا مالك. اقفل الباب وراك و تعالى.
فعل ما طلبته منه، و جاء ليجلس أمامها على طرف السرير. دنا منها أولًا و قبّلها على خدها متمتمًا:
-اخبارك إيه يا حبيبتي.. وحشتيني.
غضّت “راجية” الطرف عن مداعبته الودودة و سألته مباشرةً:
-كنت فين كل ده برا يا مالك؟
-كنت قاعد على القهوة مع اصحابي. كان في ماتش إنهاردة عشان كده اتأخرت شوية.
-انا بسألك! .. قالتها بابتسامة عطوفة.
-مش بحقق معاك. أنا بطمن عليك يا حبيبي.. بقيت راجل و ملو هدومك. بس في نظري هاتفضل ابني الصغير.
بادلها الأخير نفس الابتسامة و حنى رأسه ليطبع قبلة على يدها، ثم عاود النظر إليها و قال:
-ماما انتي تعملي إللي يعجبك. اسألي حققي.. براحتك يا حبيبتي.
تنهدت و هي تمسح بيدها الأخرى على رأسه …
-في موضوع مهم عايزاك فيه.. موضوع متعلق بحياتي يا مالك.
اختفى كل مظهر من مظاهر الاسترخاء من وجهه ليحل العبوس الكامل، و يسألها بصوتٍ أجش بعد ذلك:
-خير يا ماما.. إتكلمي من فضلك!
***
كان يرتقي الدرج من دون المصعد هذه المرة، على أمل أن يشعر بألمٍ في جسمه المتثاقل عوض آلام روحه، كان يذرف الدموع لأول مرة بحياته، يشعر بالهزيمة، الضياع.. و أنه بلا مأوى.
هكذا وصولًا إلى الشقة التي منحه إيّاها “أدهم” مؤقتًا، و لكن المفاجأة غير المتوقعة في هذه الساعة، أن يراها هنا، في انتظاره.. على ما يبدو …
-إيمان! .. نطق اسمها بأحرفٍ غائمة.
كانت صورتها تهتز أمامه، بينما اشتد قلقها عليه، فالنظر إليه من على قربٍ يظهر مدى حالته المزرية، و لعلها لم تفهم ما أحل به و هي ترى تلك الزجاجة الشفافة بيده …
-بتعملي إيه هنا؟
بدا لها صوته غريبًا كشكله، لكنه كان يترنّح يمنة و يسرى، كان و كأنه معرضٌ للسقوط و كان قلبها رهن إشارةٌ منه، لا يمكنها أن تراه بحاجة لمساعدتها و تعرض عن هذا، مطلقًا …
-انت كويس يا مراد؟ مالك تعبان و لا إيه؟
كانت في صراعٍ بداخلها، أتهب لمساعدته أم تلتزم السكون تفاديًا للكوارث المحتملة!!
و لكن ردّه العنيف صدمها كليًا:
-و انتي مالـك بيـا. حد قال إنك الدادة بتاعتي. امشي من وشي يا إيمان!
و أستل مفتاح الشقة من جيبه و دسّه أمام نظراتها المصدومة بالقفل، فتح الباب و ولج، ثم تأهب ليغلقه بوجهها، لكنها دفعته بكفها و دخلت رغمًا عنه، أغلقته من ورائها و وقفت قبالته عاقدة ذراعيها أمام صدرها.
تنظر إليه شزرًا، بينما ينظر إليها بمزيج من السخط و الألم …
-عايزة مني إيه يا إيمان؟ .. سألها “مراد” بغلظةٍ.
-أنا شبعان حوارات و مش حمل ضغط منك إنتي كمان. مش هايكون حلو لا ليا و لا ليكي و أنا بحذرك!!
قست ملامحها الآن و هي تقول بحدةٍ:
-مانخليش دماغك دي تسافر بيك يا مراد.. أنا مش جاية أتمسّح فيك. أبدًا.. أنا جاية أفرح. و أشمت فيك.
حدجها بنظرةٍ تتأرجح بين الذهول و الغضب، فأومأت مؤكدة بتشفٍ:
-أيوة.. جزاء ما عملت فيا و سيبتني. إتعمل فيك نفس الفصل.. و لسا يا مراد. و لا كنت مفكر إنها هاتعدي كده؟ ده ربنا اسمه العدل!!
كان يصغي إليها و لا يزال غاضبًا، و بحركة أجفلتها فجأةً رمى بطول ذراعه بقنينة المشروب، فاصطدمت بالحائط و لطخته بسائل أحمر قانٍ:
-إنتي جاية تحاسبيني على غلطة حصلت من 13 سنة؟ .. إيـــه.. متخيّلة إنها غلطتي بس؟ إنتي كمان شريكتي في الغلط ده. إنتي سبتي لي نفسك برضاكي يا إيمـان …
احتقن وجهها بالدم و هي ترفع يديها تصك أذنيها مغمغمة بصراخٍ:
-اسكـــت.. اسكــــــت!!!!
لم يستمع لها و أضاف بنظراتٍ مسعورة تدعم لهجته الغليظة:
-ليه مارفضتيش ساعتها. ليه سبتي نفسك للنهاية. لآخر لحظة. المفاجأة إللي إنتي نفسك مش عايزة تعترفي بيها.. إنتي إللي كنتي عايزة كده. الراجل بيفهم لما واحدة بتنده له. و إنتي يا إيمان. إنتي كل شبر فيكي كان بيصرخ باسمي و أنا لبّيت.. إنتي إللي ضعفتي مش أنـا.
تسرب النشيج من بين شفاهها و هي تنوح و تسيل دموعها الساخنة بغزارة:
-حرام عليك.. كفاية… أسكـــت!
بقيّ صدره يعلو و يهبط و قد شعر بوخزة من الأدرنالين تندفع من معدته لبقية أعضاؤه، فقال بلهاثٍ و هو يتحرك صوب باب الشقة ليغلقه بالقفل:
-أنا هاثبت لك مرة تانية.. إن إللي حصل كان بارادتك. أنا هاثبت لك إنك مش الضحية زي ما إنتي واهمة نفسك!
إتسعت عيناها هلعًا في هذه اللحظة، عندما فهمت قصده و قرأت نيّته في عينيه.. و إذ سدّ منفذ الهرب أمامها.
إنها هالكة لا محالة!!!!!
***
-مستحيل يا ماما.. مش معقول عايزاني أتجوز إيمـان؟ عايزاني أتجوز مـرات سيف أخويـااا!؟؟؟
كاد حديث أمه أن يصيبه بالجنون، لا زال غير واثق من أنها طلبت منه ذلك بالفعل.. حتى أكدت عليه:
-أيوة عايزاك تتجوز إيمان أرملة أخوك سيف.. و هاتتجوزها يا مالك.
أراد أن يفتح فمه ليحتج، لكنها قاطعته بصرامةٍ:
-اسمعني و ماتقاطعنيش.. إيمان مش بس كانت مرات أخوك. دي كمان أم بينته. حتة منه. لمى.. و إيمان مش كبيرة. دي لسا شابة و صغيرة. مهما تقول عايشة لبنتها و مش بتفكر في الجواز مسيرها في يوم تميل. ما هي مش هتحارب طبيعة ربنا. و خصوصًا مع زن أمها و أخوها. يرضيك بنت أخوك يربيها راجل غريب؟ أنطق!؟؟
مالك بصلابةٍ: يا ماما دي افتراضات من دماغك. فات خمس سنين على موت سيف. لو إيمان كانت بتفكر في الجواز كانت عملتها من مدة. و انتي عارفة عدد الرجالة إللي اتقدمو لها و مراكزهم. لكنها رفضت!!!
-مش في وجود مراد.. ابن خالتها!
هكذا ألقت بالكارت الرابح أمامه، تنفست بعمقٍ و هي تراه يقطب جبينه متسائلًا و قد أثارت نخوته:
-مراد ابن خالتها؟ مش فاهم يا ماما عايزة تقولي إيه!!
شرحت له ما كانت تفطن إليه منذ زمانٍ:
-من سنين طويلة. كنت انت لسا صغير. و كانت خالة إيمان و جوزها و ابنهم إللي طول عمرهم عايشين برا مصر عاملين زيارة لبيت خالتك. قعدوا فترة في ضيافتها و إيمان كانت طالبة و مراهقة. إللي شوفته و حسيته إنها كانت متعلّقة بابن خالتها.. و إللي أكد لي لما شوفتهم مرة مع بعض ماشيين في الشارع و بيديها وردة. كان شغل عيال وقتها. بس أنا مش ضامنة الظروف دلوقتي!
-طيب حتى لو فرضنا إللي بتقوليه.. هو فين سي مراد ده. أنا عمري ما سمعت عنه أصلًا و مش فاكره خالص.
-و أنا بكلم أمينة أطمن عليها إنهاردة. قالت لي إن مراد ابن اختها رجع و أدهم مقعده في شقتنا إللي في البيتاح.
احتقن وجهه و صاح منفعلًا:
-نعــم.. و إزاي يعمل حاجة زي دي؟ هو مش عارف إن دي شقتك؟ ورثك!؟؟؟
تأففت “راجية” مغمغمة:
-إحنا مش في قصة الشقة دلوقتي يا مالك. انت عارف ان البيت ده بقى متحرم علينا. و أنا ماليش عين أبص في وش أدهم و مراته بعد إللي عملته فيهم. ده غير إنه عرض قصادك تمن خروجنا منها. بس أنا إللي رفضت.. المهم عندي في اللحظة دي إيمان و لمى. لازم تريحني و تقبل بالوضع ده. عشان خاطري يابني.
طرق “مالك” يفكر بكلامها، ثم قال بعد برهةٍ:
-هي إيمان ماتتعيبش. و أنا ماعنديش اعتراض عليها شخصيًا. بس في مشكلتين مش هقدر أغفل عنهم.
-أول مشكلة؟
قلبت “راجية” عينيها بسأمٍ مستطردة:
-و تاني مشكلة؟
جاوبها غير مرتاحًا:
-السن.. أنا أصغر منها بكتير!!
ردت ببساطةٍ: و لا كتير و لا حاجة. هي دلوقتي عندها 32 سنة. و انت يا حبيبي 24. يعني الفرق كله 8 سنين.. و بعدين ماتنساش الرسول صل الله عليه و سلم تزوج من السيدة خديجة و كانت أكبر منه بـ25 سنة.
-عليه الصلاة و السىلام.. بس يا أمي ده الرسول.
-و هو بردو قدوتنا! .. ثم قالت بحزمٍ:
-بقولك إيه يابني. هي أيام و بقضيها في الدنيا دي. لو عايزني أعيش إللي باقي ليا حزينة و تعيسة فوق تعاستي و قهرتي على أخوك أرفض طلبي!
كز “مالك” على أسنانه بشدة و هو ينظر إليها عاجزًا على النطق، لقد حاصرته في خانة اليك، آخر ما كان يفكر فيه أن تكون “إيمان” زوجته هو في يومٍ من الأيام… و لكن في الأساس رأيه فيها ثابتٌ و معروف.
إنها جميلة و آلاف الرجال يتمنوا نظرةً منها، كان شقيقه حمارًا، أحمقٌ و وغد.. كيف كان يقسو على امرأةٍ حنونة و رقيقة مثلها؟ إنها تستحق كل التفاني و الحب، بل العشق!
رواية اوصيك بقلبي عشقا الفصل العاشر 10 - بقلم مريم محمد
“لكان من المستحيل أن أفكر بهذا ما حييت؛ لكنّكِ آسرة.. تحرّكين شيئًا بداخلي!”
مالك
الآن أدركت فداحة تصرفاتها المتهوّرة، الآن هي في ورطة حقيقية بسبب غبائها ورعوتها غير القابلة للإصلاح، وها هو "مراد" يتجرّد من ثوب التحضّر وتقديس كيان المرأة، ليتحول إلى وحشٍ ضارٍ، وهو يحل أزرار قميصه ويقترب منها خطوةً بخطوة كالذئب الذي يحاصر شاه.
صارت ترتجف كليًا وهي تتراجع بظهرها متمتمة بتوتر شديد:
"انت قفلت الباب بالمفتاح ليه.. افتح لي يا مراد لو سمحت خليني أنزل!"
إلتمعت على شفتي "مراد" ابتسامة سادية ولم يرد عليها، واصل تقرّبه إليها وأصابعه تنتقل إلى طوق خصره الآن فتخلّص خلال ثوانٍ منه. شخصت عينا "إيمان" لمّا رأته عازمًا هكذا وبغير رجعة، همّت بالفرار نحو باب الشقة، لكنه سبقها رغم تأثير الكحول عليه، كان سريعًا وانقض عليها مرةً واحدة.
كتمت "إيمان" صراخها عندما أسندها بعنفٍ إلى الجدار وإلتصق بها، ضغط على فمها بقوة خشية أن يسمعها أهلها بالبيت وتكون فضيحتها اليوم بعد كل تلك السنوات.
"مراااد. انت مش في وعيك.. أرجوك فوق!"
كانت تتوسله وهي تكافح للإفلات منه، لكنه أبقاها بالقوة بين ذراعيه وقد أثاره أن تكون في أحضانه من جديد. همس بقسوةٍ وهو يحشر ركبته بين فخذيها:
"إنتي جيتي لحد عندي و إنتي عارفة إني مش وعيي. ماتلوميش غير نفسك دلوقتي!"
سالت دموعها وهي تشعر بتحرّشه بها يزداد عمقًا وجرأة وهي عبثًا تقاومه منتحبة:
"بالله عليك كفاية يا مراد. أنا توبت.. كفاية عشان خاطري…"
قهقه بشرٍ وهو يقول محملقًا بشفاهها الفريدة التي لا يكف عن اشتهاء مذاقها يومًا:
"عرفتي إنك ضعيفة لوحدك يا إيمان. وإني أقدر وحالًا أخضِعك ليا وتنفيذي كل إللي أنا عايزه؟"
أومأت له وأقرت بخزي:
"أيوة. أيوة عندك حق.. أنا ضعيفة. ولو ضغطت عليا أكتر من كده مش هاتردد وهاغلط تاني. بس أنا مش عايزة أغلط يا مراد. أرجوووووك."
ازدرد ريقه وهو يمرر بسبّابته على شفتيها المكتنزتين، بينما يفك بيده الأخرى أزرار البيجامة التي ترتديها أسفل الشال الذي سقط في هذه الأثناء عند قدميها. والآن وقفت عاجزة بين يديه وصار هو ضامنًا استسلامها، ولعله لم يهتم بقضية التوبة التي أخبرته عنها؛ إذ أحس بحواسه تتضخم لحظة أن كشف عن جزء من بشرتها الغضّة أمام عينيه.
لم يتمالك نفسه ولم يردعها ويده تمتد لتلمس توأميها المعتقلين بقوة في حمالةٍ سوداء أبرزت صفاء ونصاعة جلدها الناعم المشدود.
أطلق سبّة خافتة وهو يرتتمي عليها مقتطفًا من فمها تلك القبلة التي قاومها منذ أن رآها من جديد. لا يصدق.. إنها "إيمان" حبيبته.
الفتاة التي أحبّها في مراهقته وجعلها امرأة في مطلع شبابه.
إنها بين ذراعيه مرةً أخرى.
تحت سيطرته كما كانت دومًا.
إنها الغواية التي لا تقاوم وهو ليس نبيًا.
ها هي تناجيه بكل ذرة في كيانها حتى ولو لم تنطق بلسانها. سمع خفقان قلبه الشديد وكذا تنفسه الثقيل. ابتعد وجهه ومال ليقبّل عنقها مغمغمًا بشبقٍ لا رادع له:
"أنا أول واحد لمس الجسم ده. إنتي ملكي أنا إيمان. اسمي محفور جواكي ولا يمكن يتمحي.. ف توبة إيه إللي بتتكلمي عنها؟ إنتي ماتقدريش تقولي لي لأ!"
كانت وجنتاها ملتهبتين وعيناها تفيض بقطرات دموع كبيرة لم تذرف مثلها قط. كانت تتململ بلا حول ولا قوة وهي ترد عليه بصوتٍ باكي:
"مش هقولك لأ.. لكن أقسم بالله. بعدها مش هاعيش عشان أشوف صبح جديد. هاموت نفسي وأرتاح من العار ده كله.. انت عاري في الدنيا والآخرة يا مراد. عمري ما هسامحك. أبدًا!!!"
القسم الذي تلته على مسامعه جمّده في لحظة، وأدرك بأنها لا تعبث بالكلام، وفجأة انحسرت الرغبة كما اندلعت فجأة، تراجع عنها.
أحسّت وكأنها تعرت عندما انفصل عنها بغتةً مُعرضًا مواطن قبلاته الرطبة على بشرتها الدافئة للبرودة من حولهما. وبأيدي مرتعشة حاولت "إيمان" إغلاق أزرار بيجامتها ثانيةً وهي لا تكف أبدًا عن النحيب الصامت. من جهة أخرى انحنى "مراد" والتقط شالها، وضعه فوق كتفيها ثم عدل الحجاب فوق رأسها.
ابتعد خطوتين للوراء وتشابكت نظراتيهما لبرهةٍ، ثم أمرها بهدوء:
"إمشي يا إيمان.. انزلي دلوقتي. يلا!"
ما كانت لديها القدرة على المضي خطوة، لكنها أجبرت نفسها وهربت بأسرع ما أمكنها من أمامه، بينما وقف يحدق في إثرها مستشعرًا تأثير الشراب الذي لم يزل بعد عن عقله، لكنه لحسن حظها كان أخف من أن يدفعه لارتكاب جريمة أخرى بحقها. فهو لا يزال يكفّر عن الأولى.
إلا أنه لا يبتغي التوبة منها. الليلة تأكد بأنها جزء منه، لا يزال يعشقها، ولن يعثر على نظيرة مثلها أو أعلى منها مكانةً مهما بحث. إنها شغفه الأول.
الحب الذي تمنحه إياه لا يجده في سواها.
كيف يتخلى عن الحب والشغف وينتظر السعادة إذن.. إنها ضالته التي تركها بجهلٍ وكاد أن يدمرها للأبد.
هل يكرر نفس الحماقة!!؟
عادت إلى شقة أمها منتفضة البدن، أغلقت الباب ورائها واستندت إليه لبضعة دقائق محاولة تهدئة أعصابها، لكن بلا جدوى.
جرت قدميها ناحية الرواق، لم تتجه إلى غرفتها، بل مشيت رأسًا صوب المرحاض. مدت ساقيها الساق وراء الأخرى داخل حوض الاستحمام، وفتحت الصنبور وهي تقف أسفله بملابسها لينهمر فوق رأسها رذاذٍ بارد كالثلج.
أخذت تجهش بالبكاء وهي تلتقط زجاجة الصابون وتسكب فوق صدرها _ أماكن قبلاته _ وتفرك عليهم إلى حد كاد يخدش جلدها. وأخذت حفنة أخرى من الصابون وطفقت تفعل نفس الشيء بفمها بل و أزادت عليه، إذ كان أكثر موضع أسهب إليه وذكرها بكل شيء كما لو أنها عايشت الماضي بتفاصيله ثانيةً.
قضت ساعة كاملة تحاول محو آثاره عنها، لكنها لا تزول، ولا زالت تحس بطعم قبلاته على فمها. لقد أثمت، مهما حاولت أن تقتنع بالعكس، كررت الذنب الذي خرب حياتها. صحيح أنه ليس كاملًا، لكن لا فرق.
بعد ما حدث ليس لها الحق في التوبة.
ليس لها الحق في الوقوف بين يديّ خالقها وطلب العفو بعد أن عاهدته ونقضت عهدها.
هذا ما حدثت به نفسها المحطمة وهي تخرج من المرحاض بملابسها المشبعة بالماء. دلفت إلى غرفتها وتهاوت فورًا أمام السرير، تركته لطفلتها ورقدت فوق الأرض الصلدة الباردة.
وكما لو أنها لم تنم لأيامٍ، غفت من فورها، كالمغشي عليه.
ضمن عائلة "أدهم" و "سلاف". إذ تدثرا بمنشفتين لمواراة العورة، وجعلوا صغارهم هم العرايا فقط، كانت بهجة كبيرة داخل قاعة المرحاض ولهو مرح كبير.
تسلم "أدهم" اثنين من الصغار، وفضلت "سلاف" الأقرب دوماً إلى قلبها والأرهف إحساساً بين إخوته "نور". حممته معها ولم تتركه لحظة وهو الآخر لم يكن أقل تعلقاً بها. تناولوا جميعهم الفطور بعد ذلك في غرفة الصغار، عقب أن ارتدوا ملابسهم وتناوبوا على تلبيس أطفالهم وإطعامهم.
"إنقضى يوم الشاور على خير!" قالتها "سلاف" بظفرٍ وهي ترتشف القليل من قهوتها بالحليب.
كانت تقف على عتبة غرفة الصغار بجوارها زوجها يتأملان مرح أطفالهم بسعادة.
"مش عارفة لو ربنا ماكنش رزقني بزوج متعاون زيك كنت عملت إيه مع التلاتة دول يا دومي!"
ابتسم "أدهم" لها وقال غامزاً بعينه:
"ما هي دي شركة بينّا يا حبيبتي. وبعدين لسا اخواتهم ماجوش أنا كده ماقدمتش أقصى ما عندي."
تلاشت ابتسامتها في هذه اللحظة وهي تعلق:
"ثواني.. أنا متخيلة إني ممكن أخلف تاني يا أدهم؟"
هز كتفيه: طبعاً. وليه لأ يا حبيبتي. إحنا أصلاً متفقين."
سلاف باستنكار: "متفقين على إيـه!!"
"إيه هاتسحبي كلامك؟ قبل ما دول يجوا قلتي لي نفسي أجيب منك 10. أنا ذاكرتي كويسة ومش هقبل أقل من العدد ده."
قهقهت بعلوٍ وقالت:
"لاااا ده انت بتصدق الهزار فعلاً. يا حبيبي دي كانت لحظة حماس وراحت لحالها!" ثم أضافت بحدة:
"أنا عمري ما هانسى يوم الولادة. أنا كنت بموت يا أدهم حرام عليك وخلص جاتلي ترومة من الحمل. إنسى."
وتركته مولية تجاه غرفة النوم، فتبعها هاتفاً:
"استني بس يا سلاف.. هانتفاهم يا حبيبتي."
لم تتوقف الأخيرة حتى غابت بالداخل صائحة:
"إنســــى…"
ولج ورائها وأمسك بذراعها، أدارها صوبه وحاول التعاطي معها بهدوء:
"إيه بس إللي راعبك كده. أنا بتكلم جد دلوقتي.. إنتي فعلاً مش عايزة تخلفي مني تاني؟"
تأففت بضيق:
"أدهم وأنا بتكلم جد. مش قصة مش عايزة أخلف منك.. بس ده شيء متعب ويكاد يكون مميت. انت ماجربتوش بس أنا جربته."
حاول استعطافها:
"يعني ولادنا طلعوا مايستحقوش التجربة دي يا سلاف."
إنفعلت قليلاً:
"انت ليه مصمم كده. ما انت عندك 3 صبيان. عايز إيه تاني يا أدهم!"
جاوبها مبتسماً:
"عايز زيهم بنات. وبإذن الله هايكونوا معانا قريب!"
تدلى فكها وهي تعقب:
"3 زيهم و قريب كمان!؟"
"لأ انت بجد بجد بتحلم يا أدهم. مستحيــل…"
وهربت من أمامه للخارج مجدداً، بينما ظل مكانه يضحك عليها، إلى أن قاطعه صوت الهاتف، أستله من جيب سرواله ونظر إلى الشاشة المضاءة، فعبس مستغرباً لرؤية اسم ابن عمته الكبيرة، لكنه رد في الأخير:
"السلام عليكم.. أهلاً يا مالك!"
إنقطع صمت وسكون البيت بصراخ الطفلة الباكية لحظة أن استيقظت ولم تجد أمها في الفراش بجوارها، اقتحمت "أمينة" الغرفة مذعورةً على صوتها، ولكنها ازدادت هلعاً حين رأت ابنتها مكوّمة أمام الفراش.
ظنت أنها فقدت الوعي كما هو حالها دائماً عندما تُصاب بتعبٍ نفسي. هبّت "أمينة" إليها، جثت إلى جوارها وأمسكت بها صائحة:
"إيمــاااااان. مالـك يابنتي حصل لك إيــه.. إيمـاااااااان!!!"
كانت استجابتها أسرع مِمّ توقعت، فقد انفتح جفناها ونظرت بعيني أمها. زفرت "أمينة" بارتياحٍ بينما تمتمت "إيمان":
"إيه يا ماما.. في إيه مين بيزعق كده!"
أمينة بتوبيخ:
"إنتي إللي بتعملي إيه على الأرض إيمان. إيه منيّمك بالشكل ده وقّعتي قلبي!!"
كانت الصغيرة "لمى" قد نزلت عن السرير وجاءت لتجلس بحضن أمها. استقبلتها "إيمان" محتضنةً إياها وهي تجلس بمساعدة أمها التي لامست عرضياً جبينها الملتهب:
"يا لهوي! إنتي سخنة مولعة كده ليه!?"
كانت أسئلتها الملتاعة كثيرة، لكن الأخيرة عمدت إلى تهدئتها بأقصى ما استطاعت:
"اهدي يا ماما أنا كويسة. كل الحكاية إني دخلت استحميت قبل ما أنام وقعدت شوية هنا لحد ما شعري ينشف. ماحستش بنفسي باين نمت مكاني!"
نهرتها "أمينة" مجدداً:
"إيه تصرفات العيال دي؟ عجبك يعني تاخدي برد وكمان باين إمن هدومك منديّة. إنتي بلّيتي نفسك و لا إيه!?"
غمغمت "إيمان" بنفاذ صبر:
"يا ماما قلت لك مافياش حاجة. أنا هقوم أفطر وأشرب حاجة سخنة و هابقى كويسة.. خلاص لو سمحتي بقى!"
أذعنت "أمينة" لإرادة ابنتها وكفّت لسانها، لتسألها "إيمان" تالياً:
"هي الساعة كام دلوقتي؟"
"الساعة 12 الضهر يا حبيبتي."
"ياااااه!" ردت وهي تدلك رأسها الذي يؤلمها.
"ده أنا اتأخرت إنهاردة في النوم أوي."
"أنا صاحية من النجمة والله. بس ماحبتش أصحيكي قلت أسيبك براحتك."
نظرت لها باستغرابٍ:
"وإيه صحاكي بدري أوي؟"
أخبرتها بايجازٍ وقد بدا عليها الامتعاض:
"مراد ابن خالتك. نزل يديني مفتاح الشقة الساعة 6 الصبح ومشّي."
"ماقالش يابنتي. كل إللي قاله إنه هايبقى يكلم أدهم ويشرح له. يشرح إيه بقى ماعرفش!"
ارتجف قلبها بين أضلعها وهي تتلقى الأخبار.
إذن فعل مثل المرة السابقة.. تركها وأدار ظهره كما أول مرة دون أن ينبس ببنت شفة.
لن يتغير أبداً.
ولن تكون ذكراه في حياتها إلا عبارةً عن الألم.
تباً للحب… لقد كرهته للأبد بسببه!