الفصل 24 | من 42 فصل

رواية اوصيك بقلبي عشقا الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم مريم محمد

المشاهدات
20
كلمة
2,226
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 57%
حجم الخط: 18

بحلول ساعة المغرب، عاد "أدهم" من العمل كعادة كل يومٍ، ما لم يتطلب وجوده ضروريًا بالمشفى التي شارك فيها. ومثل المعتاد أيضًا، ولج عند شقة أمه أولًا، ليجد أولاده وابنة أخته في انتظاره، أما "سلاف" و "أمينة" فبالتأكيد في المطبخ تعدّان العشاء. زقزق الأطفال فور رؤيته، وتقافز التوائم عليه، فركع نفسه ليمكّنهم من نفسه ويضمهم ثلاثتهم ضاحكًا: "حبايبي الأبطال. فرساني التلاتة.. انتوا كمان وحشتوني أوي."

وحتّمت منه نظرة صوب "لمى" التي وقفت بعيدًا، تشيح بوجهها عنه وتعقد ذراعيها أمام صدرها. عبس "أدهم" مناديًا عليها: "لمى.. ما جيتيش تسلمي عليا وتبوسيني ليه زي كل يوم؟ لكنها لم ترد عليه، فكرر ندائه باستغرابٍ مدهوش: "لمى.. إنتي سامعاني!؟ لا رد أيضًا... فقام تاركًا أولاده ليمضي نحوها. وقف أمامها وأمسك بكتفها بضغطة خفيفة وهو يقول بصوتٍ أجش: "أنا بكلمك يا لمى. مش بتردي عليا!؟ ثم أمرها بحزمٍ: "بصيلي."

أطاعت "لمى" وتطلعت إليه ببطءٍ. ركّزت عيناها الواسعتين كعيون الغزال، مثل أمها، على عينيّ خالها الحادتين. ما إن التقت نظراتهما حتى لانت نظراته ومسح على شعرها الناعم متمتمًا: "بقى مش بتردي عليا يا لمى.. إنتي زعلانة مني يعني؟ أومأت برأسها وهي تقلب شفتها السفلى بحزنٍ جمّ. تنهد "أدهم" وانحنى ليحملها على ذراعه، مشى خطوتين وجلس فوق مقعدٍ قريب، أجلاها على حضنه وقال بلطفٍ وهو يربت على ظهرها: "قوليلي بقى زعلانة ليه حبيبة خالها؟

التلمعت عيناها وهي تفتح فاها الصغير لتقول بصوتها الطفولي الحلو: "عشان انت إمبارح طلعت وسبتني من غير ما تحكيلي حدوتة زي ما بتعمل كل يوم." همهم وهو يخاطبها بأسلوبه المقنع: "أمم.. طيب مش أنا قلت لك إمبارح إني تعبان طول اليوم ومحتاج أستريح وأنام عشان شغلي؟ أومأت ثانيةً، فابتسم مكملاً: "يبقى تزعلي مني عشان كده. إنتي تحبي خالو يبقى تعبان!؟ هزت رأسها أن لا وقالت بتأثرٍ تشوبه نبرة بكاء:

"أنا زعلت عشان مش بقيت أعرف أنام كويس غير لما تحكيلي الحدوتة وتحضني لحد ما أنام. مامي مش بتعرف تعمل كده وبتفضل تعيط طول الليل وأنا بكون صاحية زعلانة لحد ما هي تنام." زم شفتيه بتعاطفٍ على الصغيرة وأسفٍ على أمها، لكنه بدد ذلك التعبير فورًا وقال بنعومةٍ:

"حبيبتي إنتي بنت شاطرة وكبيرة. صح مابقتيش صغيرة. يعني زي ما ماما بتاخد بالها منك إنتي كمان تاخدي بالك من ماما.. وأنا كلي ليكي يا قلبي. أوعدك كل يوم أحكيلك حدوتة إلا مثلًا لو وقع مننا يوم كنت فيه تعبان زي إمبارح.. تمام؟ أومأت له مرةً أخرى. "يعني خلاص صالحتيني!؟ ابتسمت ودنت لتقبّله على لحيته الكثّة، ففاجأها وهو يظهر من جيب سترته مغلف الحلوى المفضل لها. شهقت من الإثارة، فقدمه لها غامزًا:

"عشان تعرفي إني كده كده كنت جاي أصالحك. مقدرش على زعل حبيبة قلبي." أخذته "لمى" من يده وصاحت وهي تحتضنه بشدة: "خـالو حبيبي. بحبك بحبك بحبك أد الدنياااااااا." علّق "أدهم" مستاءً: "الدنيا هاتخلص في يوم من الأيام يا لمى. كده ممكن حبك ليا يخلص!؟ تراجعت لتنظر إليه. فكرت قليلًا وقالت بابتسامة متألقة: "أيوة خلاص. بحبك أد الجنة! أعجبه ما قالت. "صح كده. هو ده الكلام. حبيبتي! ثم سألها بمرونةٍ: "ماما رجعت إمتى؟

جاوبته الصغيرة بهزة كتف: "لسا مارجعتش." قطب "أدهم" مرددًا: "معقول. كل ده برا." ما كاد يتمم جملته إلا وجاءت "سلاف" مسرعة من الداخل وفي يدها هاتف "أمينة". "أدهـم!!! " هتفت "سلاف" شاحبة الوجه. خفق قلب "أدهم" بين أضلعه بقوةٍ لمرآها هكذا وهب واقفًا وهو يسألها بقلقٍ: "في إيه يا سلاف!؟ ردت "سلاف" بالكاد ولا تزال تحت تأثير الصدمة: "سيبت عمتو أمينة بتلبس. جات لها مكالمة. حد بيقول إيمان نقلوها المستشفى في حالة خطر!!! ***

جلس محطمًا أمام قسم الطوارئ. ساهم النظرات، حواسه مفتوحة، لكنه لا يسمع شيئًا ولا يرى شيئًا. فقط لحظات وصوله بها إلى هنا والأحداث التي تلت ذلك هي كل ما يُعاد أمام ناظريه. *** عندما اقتحم المشفى وهي على ذراعيه وقد تساقط حجابها خلال هرولته المضطربة بها. "دكتور. عايز دكتور. دكتـوووور!!! ظل يصيح وقد اجتمع حوله طاقم التمريض، وسرعان ما شق طبيبٌ شاب الجمع نحو مصدر الغوغاء هاتفًا: "إيـه إللي بيحصل هنا!؟

وقعت عيناه على الحالة التي يحملها "مراد" وأخذ يرمقها، بينما يطالبه "مراد" منفعلًا: "مش شايفين الإنسانة إللي على إيدي؟ حد يشوفهـااااا!!!! أعطى الطبيب الشاب أوامره: "هاتوا التروللي بسرعة وخدوها على الطوارئ." أحضر الممرض السرير النقّال مسرعًا، فوضعها "مراد" فوقه. دفعها طاقم التمريض تجاه الطوارئ باسراعٍ يتبعها "مراد" حتى أُغلق الباب بوجهه. ظل بالخارج يروح ويجيء أمام الغرفة في عصبيةٍ. إلى أن خرج الطبيب سارع نحوه متسائلًا:

"دكتور. طمنّي إيمان فاقت!؟ الطبيب بحدةٍ: "فاقت إيه يا أستاذ. دي دخلت في كوما. أنا محتاج أعرف وحالًا إيه إللي حصل!! لم يتسع "مراد" الخبر وتدلّى فكه من الصدمة. ألح الطبيب بصلابةٍ: "لازم أعرف الأسباب عشان نكسب وقت. الفحص المبدئي مبيّن إنها اتعرضت لاعتداء. حصل إيـه كمـان؟ قسر "مراد" نفسه على الخروج من الحالة التي استبدت به، وجاوب الطبيب بصعوبةٍ: "حاولت تنتحر. بلعت أقراص GHB! احتقنت أعين الطبيب وهو يسأله مزمجرًا:

"حضرتك تقرب لها إيه؟ رد "مراد" بأحرفٍ متثاقلة: "تبقى بنت. بنت خالتي." -انت إللي عملت فيها كده؟ " كان يشير لأمر الاعتداء. فتح فاهه لينفي في الحال، ولكن جملتها رنت بأذنيه: "ماتخليش مالك يقول حاجة. ماتخليش أدهم يعرف حاجة! غصّ النفي كله بحلقه ولم يتكلم، فازداد غضب الطبيب وهو يخبره: "كده كده الشرطة بتحضر في أي حادثة. وفي عسكري هنا على باب المستشفى مش بيمشي. هاندي له خبر والقسم هايبعت ظابط يفتح محضر. عن إذنك!

وتركه عائدًا إلى غرفة الطوارئ حيث "إيمان". *** -مـراد!؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ أفاق "مراد" من استغراقه على صوت ابن خالته. هو الوحيد الذي انتزعه صوته الدوامة السحيقة. رفع رأسه تجاه الصوت، ليرى "أدهم" مقبلًا عليه عبر الرواق الطويل في إثره خالته. كلاهما يملأ أعينهم الذعر وعلامات الاستفهام. "إيه إللي حصل!؟ " تساءل "أدهم" وهو يلهث بأنفاسٍ عنيفة ما إن وصل أمامه. قام "مراد" واقفًا ليواجههم، وتسابقت "أمينة" بالتساؤلات عقب ابنها:

"في أي يا مرااااد بنتي فيـن؟ وجّه "أدهم" السؤال البديهي في الحال: "انت بتعمل إيه هنا أساسًا؟ ونظر لأمه: "إيمان مش المفروض مع مالك!! نظرت "أمينة" بدورها إلى "مراد" منتظرة جواب سؤال ابنها منه هو، ولكنّه لم يرد. وقف عاجزًا تمامًا. يحدق فيهم فقط، وتعابيره كلها خالية من أيّ مشاعر. "مـا تـرررررردددددددددد!!!! " صرخ "أدهم" فيه: "إنطــق و قـولي أختـــي فيـــن. حصلـها إيــه؟ "هدوء من فضلكوا!

أتى الصوت الرجولي الصارم من خلفهم فجأة. التفت الجميع إليه، ونظر "أدهم" ليرى امامه ضابط يرتدي الملكي. قبل أن ينبس أيّ منهم بكلمة، تكلم الضابط الثلاثيني بشدة: "حضرتكوا أكيد أهل المجني عليها." "المجني عليها!؟ " قاطعته "أمينة" نائحة: "بنتـي جرالها إيه ياناس. بنتي فين. أختك فين يا أدهم؟ رد الضابط بحزمٍ: "إهدي يا مدام من فضلك. احنا واقفين في مستشفى وفي مرضى نحترم ده لو سمحتوا." "أختي فين وحصلها إيه يافندم؟

" سأله "أدهم" مباشرةً. تنهد الضابط، ثم قال مشيرًا بذقنه: "أختك جوا بيسعفوها يا أستاذ. جات لنا إخبارية بوصولها في حادث فجينا وفتحنا محضر وتم الاستجواب. ناقص أقوالها هي لما تتجاوز الخطر وتفوق إن شاء الله." تماسك "أدهم" وهو يواصل أسئلته: "حادث إيه بالظبط!؟ صمت الأخير هنيهةً مدركًا جيدًا نتائج ما سيقوله عليهم، لكنه قال وهو ينقل نظراته بين الأخ وابن الخالة في الخلف:

"الفحص بيّن إن أختك اتعرّضت للإغتصاب. وتناولت أو حد أجبرها تاخد حبوب على جدول المخدرات. الكميّة إللي بلعتها كبيرة. دخلت في غيبوبة ووظائف الكلى عطلت تمامًا. الدكاترة بيعملوا إللي عليهم." كان هذا كثيرًا ليستوعبوه، بينما كادت "أمينة" أن تنهار لولا ذراع "أدهم" الذي ساندها فورًا. ذلك لم يمنعه من طرح السؤال الأخير والأهم حتى يكون متأكدًا مئة بالمئة: "مين إللي عملها؟

حدق الضابط للحظات في "مراد" الذي بدا باردًا، غير واعيًا، وقبل أن يجاوب أشار لفردين من العساكر خلفه ليحضرا تحسبًا: "الأستاذ ده جابها على هنا. بسؤاله تحديدصا النقطة دي عليه.. مأنكرش! قبل أن يتمكن أيّ أحد من ملاحظة أيّ شيء، وصلت قبضة "أدهم" إلى فم "مراد". تعثر للخلف، لكن "أدهم" لحق به فورًا، أمسكه من ياقته ولكمه على أنفه بقوةٍ. لم يفعل "مراد" أيّ شيء، لأنه بطريقةٍ ما يشعر بالذنب، بطريقةٍ ما يلقي باللوم كله على نفسه.

ترك ابن خالته يظن هذا فيه كليًا، وحتى لو أراد أن يزهق روحه فلن يدافع عن نفسه. "سيبـــوووووووني. محـدش يمسكنـي!!!!! " صاح "أدهم" بضراوةٍ في اثنين من العساكر الأشدّاء. لو كانا أقل سعة في البدن لما تمكنا من تخليص "مراد" منه مطلقًا، قاطع المقعد المعدني سقوط "مراد". بينما يصرخ "أدهم" محاولًا الإفلات وعينيه صوب "مراد" تلتمعان بوحشيةٍ:

"مع إيمـان. عملـت كده في أختــــي. يا كلـب. يا خايــن. مش هاسيبك. مش هاسيبـك يـا مـرااااااااااااااااد!!!!! اندفع عسكر ثالث نحو "مراد" يمسك به، يمنعه على فرض لو أراد رد الصاع لابن خالته الهائج، لكنه بقى هادئًا. إن يفعل في أيّ شيء فهو يستحق ذلك، ولا يسعه الآن إلا المثول أمامه هكذا، يتلقى كلماتٍ ونعوت تغرس بروحه كنصالٍ حادة. لو يقتله لكان أهون!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...