“أنتِ بحاجة لطفلٍ يا حبيبتي ! مراد وقفت تجلي بقية الصحون بذهن شارد، رغم إنها ليست مضطرة للقيام بهذا، فهناك مغسلة مخصوصة تقوم بذلك عنها، لكنها كانت بحاجة لعمل تلهي نفسها حتى لا تتذكر تفاصيل النهار المؤرقة لعقلها ونفسيتها. والدي زوجها، جدته، لقد غادروا قبل ساعة فقط، ولا زالت تستعرض أمام عينيها ما يضايقها حقًا، لا زال السيد محمود غير راضٍ عن زواج ابنه منها، ظهر ذلك في طريقته الجافة معه ومعها، بالأخص في جملته التي
قالها قبل المغادرة مباشرة: “المرة الجاية نيجي نبارك في حفيدنا. شدي حيلك بس يا.. عروسة! شعرت حينها بأن قلبها تفتت لمليون قطعة، بالكاد أمسكت دموعها، حتى خالتها بدت منزعجة كثيرًا من الوضع، إنها خالتها! كيف تكون هكذا معها؟ كانت لتتفهم لو أنها تزوجت من غريب، ولكن، أمه.. إنها شقيقة والدتها، إنهما من دم واحد، إنها في مقام أمها، كيف؟
الوحيدة التي أبدت لها القليل من العطف هي الجدة نازلي.. إنها امرأة مدهشة، جميلة حتى وهي في هذا العمر، طيبة، حنونة، لم تجرحها بكلمة أو بنظرة حتى، وقد أثنت على طعامها وشكلها، لا تعلم لولا دعمها هي ومراد ماذا كان سيحدث لها بحلول الآن! “إيمي! وقع الصحن الزجاجي من يديها في الحوض لحظة إتيان صوته من خلفها، أمسك مراد بكتفيها باللحظة التالية وتمتم بلطف يطمئنها: “إيه يا حبيبي ماتخضيش. ده أنا..”
سمعتها تتنهد بقوة، ثم تطرق برأسها وهي تستند بيديها إلى الحافة الرخامية، كان يعي بالضبط ما يحدث معها، لذلك بقي يلازمها، مد يده مغلقًا صنبور المياه، ثم أدارها في مقابلته، لف ذراعه حول خصرها وبيده الحرة رفع ذقنها ليجعلها تنظر إليه. “ممكن أعرف إيه الحالة دي؟ ” تمتم بصوت خافت وهو يأبى قطع اتصالهما البصري لحظة واحدة.
أحست إيمان بتردد أنفاسه الدافئة على بشرتها، مع شعورها بيداه تلمسانها، كان هذا الاحتواء أكثر من كافٍ ليشجعها على التحدث إليه.. ففتحت فمها وصارحته بحزن بين: “زي ما قلت لك يا مراد. جوازي منك لسا مش مقبول بالنسبة لباباك وخالتي. احساسي كان في محله.” عبس قائلًا بجدية:
“بصرف النظر عن إيه إللي خلاكي تقولي كده. أيًّا كان السبب. لازم تعرفي حاجة واحدة بس. أنا راجل راشد. مش معنى إن امي وابويا موجودين إنهم يتحكموا فيا وفي حياتي. أنا اختارتك. أنا إللي هاعيش معاكي عمري الجاي كله. زي ما انتي قررتي تبدأي معايا من جديد وسيبتي حياتك إللي فاتت كلها أنا كمان قررت زيك. مايهمكيش من حد. أي حد مش عاجبه دي مشكلته. أنا وانتي لبعض. أنا وانتي بس بنتشارك الحياة دي. أمي وابويا شوية وهايرجعوا مكان ما جم.. فهماني يا إيمان؟
أومأت له وقد رقت نظرتها الدامعة، راح يمسّد على خدها هامسًا بحنان: “أنا دلوقتي مش عايزك تفكري أي حاجة سلبية. إحنا كويسين. أنا وانتي سوا ومعانا لمى. بكرة هايبقى أحسن.. عارفة انتي هتبقي كويسة إمتى يا إيمان؟ نظرت له بتساؤل وقد ملأها الفضول، ليبتسم وهو يدنو لاثمًا شفتها العلية ويغمغم: “لما نخاوي لمى! لما تخيبي مني بيبي مش بس هاينسيكي الماضي. ده هاينسيكي اسمك من مسؤوليته هو وأخته!
نجح أخيرًا بانتزاع تلك الضحكة الملعلة منها، اتسعت ابتسامته وهو يرى نتيجة جهوده تثمر أمامه، أخذ يراقبها بحبور وقد انتبه مجددًا لذلك الرداء المنزلي الذي ترتديه منذ مجيئ والديه وجدته. إنه أشبه بالثوب، بلون اللافندر وقد زركش به، قصير، بحمالات رفيعة، كانت فاتنة للغاية فيه. “بس انتي تعبتي إنهاردة أوي! ” قالها ماسحًا على رأسها. “من حقك ترتاحي بعد المجهود ده. يلا تعالي معايا على الأوضة.”
وأمسك بيدها، لكنها قبضت على كفه مستوقفة إياه وهي حقًا لا تدرك نواياه. “لسا عندي شغل هنا. وهاوضب الغدا بتاع بكرة.” أنهى مراد النقاش بصرامة: “سيبي كل حاجة. أنا بكرة هاكلم عم رضا البواب يخلّي مراته تيجي تنضف لك. ولو على الغدا نطلبه من برا أو نخرج ناكل برا. مش هاتعملي أي حاجة تاني الليلة دي أو بكرة خلاص انتهى! أذعنت إيمان لرغبته مبتسمة، هذا الدلال والاهتمام اللذان يصبّهما عليها صبًّا منذ زواجهما، إنها حقًا ممتنّة.
مشيت معه يدًا بيد وصولًا إلى غرفة النوم، وكانت ستخلد إلى النوم بالفعل ما إن استلقت على الفراش، لكنه أزاح الغطاء عنها متمتمًا: “أنا قلت هاتريحي آه. بس مافيش نوم دلوقتي. لسا الليل طويل يا حبيبي! رفرفت بأجفانها وحدقت فيه مطولًا، ورغم إنها تشعر بالتعب، لكنها أبدت موافقة على تلميحه قائلة: “إللي انت عايزه. طيب أدخل أخد شاور.” أمسك بمقدمة ساقها حيث يقف وقال: “زي ما انتي. انتي زي الفل. خليكي بس مرتاحة. هاجيب حاجة وراجع لك.”
كانت تنتظر بمكانها كما قال، فقط راقبته وهو يتحرك بالغرفة وشاهدته يلج إلى حجرة الخزانة ويغيب للحظات، ثم عاد حاملًا في يده قنينة شفافة ملصق عليها إحدى العلامات التجارية، لكنها لا تعلم ما طبيعتها. “عايزك تفسّي دماغك خالص بقى! ” قالها مراد بلطف ناقد حركة يديه النزقتين وهو يزيل عنها الرداء الآن. شخصت إيمان بعينيها غير متوقعة تصرفه، لكنها لم تفزع على أي حال، إنما سألته باستغراب: “انت بتعمل إيه يا مراد؟
خلع كنزته من رأسه ليتشعث شعره الأسود اللامع تحت ضوء الغرفة الخافت، ثم جاوبها مبتسمًا بخبث: “ماتقلقيش. لسا مش دلوقتي.. الأول بس نفك عضلاتك. حاولي تسترخي.” سلم تفهم ما يفعله بالضبط، إلا حين جاء وجلس القرفصاء عند قدميها، رفعت رأسها عن الوسادة لتنظر إليه وهو يمسك بالقنينة ويفتحها، ثم يسكب السائل الأحمر في كفه بوفرة، يضع القنينة جانبًا ويضم كفاه سويًا كأنما يدعكهما وهو يقول مركزًا عيناه بعينيها اللامعتين:
“لازم قبل ما تحطي زيت المساج على جسمك تدعكيه في كفك كده. عشان يسخن.. أول ما يسخن. تحطيه كده!
ووضع بكفيه فوق مشطي قدميها صعودًا إلى ساقيها، هكذا صعودًا ونزولًا ببطء، جعلتها لمساته تسترخي حقًا، وكأنه عازف بارع، وهو يتنقل من جزء لجزء آخر من جسمها، مع كثافة انتشار رائحة الزيت الجذابة، كانت كناية عن رائحة الخوخ والمسك، مزيج خطير، بحلول وصوله إلى نصفها العلوي وقد قلبها على وجهها ليدلك ظهرها، لم تعد تشعر بأي تعب.. إنها فقط، مثارة. “حاسة بإيه دلوقتي يا حبيبي؟
التقطت أذنها صوته الرخيم من فوقها مباشرة، وبخفة الريشة انقلبت على ظهرها لتواجهه الآن، فصار يطل عليها مبتسمًا بحميمية، بادلته الابتسامة وخدّيها حمراوين مثل الخوخ الذي عطرها به، ثم قالت مطوقة عنقه بذراعيها: “حاسة إني طايرة فوق السحاب. هل ده منطقي؟ أكد لها على الفور: “منطقي جدًا. إللي مش منطقي بعد المساج والراحة دي هو إللي هايحصل حالًا!
لم تسنح لها الفرصة لسؤاله، إذ أحست بيديه تسحبانها إلى عمق الفراش في طرفة عين، وليست بحاجة أن تسأل بعد الآن، فنيته واضحة كل الوضوح، لم يسعها إلا مجاراته قدر استطاعتها وأن يعلو صوتها بالضحك المغري الذي يستخلصه منها بفن. ***
الصغيرة التي جافاها النوم بسبب ظلال الأشجار المتراقصة على حائط غرفتها الخاصة، لم تتمكن من الاستلقاء براحة، كانت بحاجة ماسة إلى أمها، فقفزت من سريرها بلا تردد وركضت عبر الردهة الطويلة لتصل إلى الغرفة التي تتشاركها أمها مع زوجها الجديد.
كانت ستدق الباب، لكنها تصنمت بمكانها وهي تستمع إلى ضحكات الأخيرة، بدت لها سعيدة، من مجرد صوت ضحكها، تمامًا كما كانت في الصباح عندما نزلت من غرفتها وشاهدتها مع مراد في المطبخ وكأنه يدغدغها كطفلة.
ربطت لمى الفعل الذي هي مقدمة عليه بنتيجة فعلتها في الصباح، إذا قامت بازعاجهما الآن ستغضب أمها من جديد وستصرخ عليها، لذلك لم تفعل، تراجعت لمى والدموع ملء عينيها، جمعت كل مخاوفها وحزنها وانطلقت تجري إلى الأسفل، أضاءت غرفة المعيشة وشغلت التلفاز على الرسوم المتحركة، ثم اندست في الأريكة ضامة ساقيها القصيرين إلى صدرها وهي تبكي في هدوء.
حتى لمحت بالصدفة هاتف والدتها الخلوي، لم تتردد وهي تمد يديها لتاخذه من فوق الطاولة أمامها، فتحته بسهولة ونقرت على لوحة المفاتيح رقم جدتها، وضعت الهاتف على أذنها ودموعها تجري على خديها، لم تنتظر طويلًا حتى برز صوت الجدة. “السلام عليكوا. مين!؟ “تيتة راجية! ” خرج صوت الصغيرة مختنقًا بالبكاء. “أنا. أنا لمى!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!