الفصل 13 | من 42 فصل

رواية اوصيك بقلبي عشقا الفصل الثالث عشر 13 - بقلم مريم محمد

المشاهدات
20
كلمة
2,819
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 31%
حجم الخط: 18

أدخل ! .. هتفت "إيمان" بصوتٍ ذي نبرات مرتجفة. لينفتح باب غرفتها بعد لحظة وتطل رأس "مايا" عبر فتحته. ابتسمتا لبعضهما من خلال المرآة. واستأذنت "مايا" بلباقةٍ: ممكن أدخل يا إيمي ؟ أومأت لها الأخيرة: معقول بتستأذني.. ادخلي يا مايا ! دلفت "مايا" وأغلقت خلفها باب الغرفة. توجهت ناحية "إيمان" رأسًا وعانقتها من ظهرها متمتمة: عاملة إيه !؟ جاوبتها مبتسمة بمسحة حزنٍ: كويسة ! مايا مشككة: يا بنت. عيني في عينك كده !!

تنهدت "إيمان" بعمقٍ واستدارت لها. بدا الوهن على قسماتها وهي تخبرها: إنتي عارفة يا مايا.. أنا لازم أبين كويسة دايمًا. حتى لو مش كده.. سيف الله يرحمه علّمني كويس. عبست "مايا" قائلة بتعاطفٍ: إنتي مش مقتنعة بمالك صح ؟ ماتداريش عليا. أنا كمان مش مصدقة. وماكنتش أتخيل حتى أن مالك يفكر في كده.. بس إنتي يا إيمان في إيدك تنهي المهزلة دي !

-مش عايزة أنهي حاجة يا مايا. صحيح كل إللي قلتيه ده.. لكن أنا ماعدتش بفكر في نفسي. أنا نسيت نفسي من زمان أصلًا. -أومال بتفكري في مين يا إيمان !؟؟ .. غمغمت "مايا" بشيءٍ من العصبية. لترد "إيمان" بلا ترددٍ: بنتي يا مايا.. لمى هي إللي لازم تشغل كل تفكيري. ولمى محتاجة أب. مش هاتعيش فترة طفولتها وحتى لما تكبر من غير أب. وأنا مش هالاقي لبنتي أحسن من مالك يقوم بالدور ده.. هو عمها وأحق بتربيتها. وأكتر واحد ممكن يحبها ويرعاها !

***** صدمة.. قشعريرة… ألم في المعدة.. جبينه يتندى بالعرق الطفيف. بعد سماعه تلك الأخبار، لم يستطع نطقًا بعدها وظل فقط يحملق بأبن خالته دون أن يحرّك ساكنًا. ليستأنف "أدهم" غير منتبهٍ بما وقع عليه: أنا كنت متوقع إنها ترفض لما بلّغتها بطلبه. لكن بصراحة ذُهلت وهي بتقولي موافقة.. بس طبعًا مقدرش غير إني أحترم رغبتها. في النهاية هي ست وأكيد محتاجة لراجل في حياتها ! لم يزل على صمته. فقطب "أدهم" مسغربًا وسأله: مالك يا مراد ؟

أجفل "مراد" منتزعًا نفسه من حالته المريبة. اغتصب ابتسامة لم تصل إلى عيناه وقال: مافيش يا أدهم. أنا تمام.. بس افتكرت مشوار لازم أعمله دلوقتي … وبدأ بجمع أغراضه من فوق الطاولة أمام عينيّ "أدهم" المشدوتين: هو أنا لحقت أقعد معاك. وبعدين انت مش كنت عاوزني ! مراد باقتضابٍ: أيوة بس الوقت مش هايسعفنا. أنا مضطر أقوم معلش. ممكن أعدي عليك في البيت على بليل لو ممكن. أدهم مرحبًا: آه طبعًا ممكن. تعالى مستنيك.

قام "مراد" وسحب سلسلة مفاتيحه في يده قائلًا: أوكي يا أدهم.. أشوفك بليل ! أدهم بابتسامة: إن شاء الله.. في رعاية الله. رد له "مراد" الابتسامة مجاملًا.. ثم مضى مغادرًا المقهى العصري بخطىٍ حثيثة … *****

حضّرت "إيمان" القهوة التي لطالما أعدّتها لشقيق زوجها الراحل في أوقات الدراسة وحتى بعد أن صار رجلًا مستقلًا. الآن هي تعدّها من أجله ولكن بصفةٍ أخرى، فهو قريبًا سيغدو رجلها.. أجل ذلك الولد الذي درست له في فترة صباه، ونصحت له في أمور العشق بمراهقته، وكانت تعامله كأخٍ مقرّب طيلة سنوات زواجها وحتى بعد أن ترملت. تحتى هذه اللحظة لا تعرف كيف بات ينظر إليها تلك النظرة !!؟

صحيح أن قبلت به، ولكن حتى ولو كان غيره الذي أتاها لترضى هربًا من ماضيها الذي لا ينفك يلاحقها. كانت لترضى بأيّ رجلٍ مخافةً أن تقع في وحل الآثام من جديد. لكن.. ماذا عنه هو ؟ كيف طاوعته نفسه أن يتقبل مثل هذا.. إنها زوجة أخيه، في مكانة أخته، هل يمكن هذا، هل يمكنه أن يتخيلها بين ذراعيه ؟ بعد أن كانت ملكًا لأخيه.. هذا شيء لا يُصدق! ولكنها الحقيقة للأسف.. "مالك" يريدها. و هي قبلته وانتهى …

حملت "إيمان" صينية القهوة، وخرجت على مهلٍ مطرقة الرأس. وصلت إلى حجرة المعيشة متماسكة، ولكن الارتباك ما لبث أن اغتالها حين خبت الأصوات فجأة عند ظهورها. رغمًا عنها رفعت وجهها لتشتبك نظراتها بنظراته. ارتعش بداخلها وهي ترى عيناه تتفحصانها لأول مرة بهذا التدقيق والجرأة. ابتلعت ريقها بتوترٍ وأجبرت نفسها على المضي بنفس الوتيرة المتزنة، وصولًا إلى أمها أولًا …

قدمت إليها شايًا كما تفضل، ثم انتقلت إلى "مايا" وقدمت لها العصير الطازج، وأخيرًا انتهى بها المطاف أمامه…. ليست المرة الأولى التي تقف قبالته هذا الموقف… لكنها المرة الأولى وهي تعلم جيدًا النوايا التي تطل من عينيه الآن. كان لا بد أن تثير تلك القشعريرة التي سرت بأوصالها مشاعر مُحببة… إنما لا.. العينين ليست عينيّ "مراد". النظرات ليست له. تبًا له وتبًا لحظها إذ ما زالت تراه في كل شيء وكأنه مركز الكون وحياتها تتوقف عليه. هي كذلك بالفعل …

-تسلم إيديكي ! .. قالها "مالك" ممتنًا لها وقد تلامست أيديهما عرضيًا. فأنتفضت "إيمان" وارتجت الصينية بين يديها وانسكب الماء والعصير المخصص لطفلتها. جمدت المسكينة مضطربة أشد الاضطراب، بينما يسارع "مالك" لتفادي الضرر الواقع قدر استطاعته. -مافيش حاجة. حصل خير. على مهلك ! .. حاول "مالك" أن يُلطف الأجواء ليخفف عنها.

لم تقوَ "إيمان" على النطق، وقد كانت أمها تقف إلى جوارها خلال تلك الأثناء. ربتت على كتفها مرةً ثم قالت وهي تنحني لتجمع ما سقط فوق الأرض: معلش يا حبيبتي فداكي. خلاص يا مالك يا حبيبي. أنا هالم إللي وقع. قوم يابني عيب .. لم يصغِ "مالك" لأمرها وأعاد الكؤوس إلى الصينية، ثم نهض مبتسمًا وقال: عيب إيه يا طنط أمينة. هو أنا غريب يعني !؟ -يا حبيبي مش القصد. طيب ماشي. تسلم إيدك ! .. وحملت الصينية عن ابنتها بالفارغ وأردفت:

أنا بقى عاملة على الغدا مفاجأة هاتعجبك انت وأختك أوي يا مالك.. تعالي معايا يا مايا ولا لسا مش بتدخلي المطبخ ؟ أخذت "مايا" كأسها وقامت على الفور مُرحبة: لأ يا طنط وده معقول. أنا خلاص بقى معايا كتكوت. ومستوايا في المطبخ بقى عالي أوي .. وغمزت لها. ضحكت "أمينة" مجلجلة: طيب ياختي الماية تكدب الغطّاس. تعالي ورايا ! .. ولكنها التفتت نحو ابنتها أولًا وقالت:

وإنتي يا إيمان روحي انتي ومالك الفراندة عشان تتكلموا براحتكوا. وخلّي معاكوا لمى تلعب حواليكوا على المرجيحة ولا بلعبها جمبك .. و لم تعطها فرصة الرد، هكذا قامت بتدبيسها وفرّت مع "مايا". لتجد "إيمان" نفسها وجهًا لوجه أمام "مالك" !!! لم تجرؤ على النظر إليه البتة، هي التي كانت تكيل له المزح والدلال، صار الوضع أكثر غرابة وغير معقولًا الآن … -إيمان !

أجبرت نفسها على النظر إليه. كان وجهها محتقنًا بشدة، وفي المقابل كان هو أكثر استرخاءً ومرحًا. لا يزال يبتسم لها ابتسامته العذبة الجذابة وهو يستطرد: مالك يابنتي في إيه. متنشنة ليه من ساعة ما شوفتيني. أنا مش واخد عليكي كده ! ارتعش فكها بشكلٍ طفيف وملحوظ لفت انتباهه وجعله يحدق أكثر إلى فمها المغري وهي تتحدث بتوترٍ: أنا تمام يا مالك. مافياش حاجة.. ممكن تاخد قهوتك وإحنا داخلين الفراندة !

أومأ لها واستدار ليحمل فنجان قهوته. في نفس اللحظة تصيح هي منادية صغيرتها التي جلست فوق الأريكة وحدها مشغولة بالدمى والهدايا التي جلبها عمها لأجلها: لمى.. يلا يا قلبي تعالي معايا وهاتي عروستك معاكي. أذعنت الصغيرة لأمها، قامت مصطحبة معها الدمية الشقراء الجديدة، أخذتها وجلست فوق الأرجوحة وانخرطت في حوارٌ هزلي معها.

جلسا كلًا منهما إلى الطاولة الوحيدة بالشرفة الأنيقة، وعدا عن صوت "لمى" الطفولي الناعم، كان الجو هادئًا، إلا أن "إيمان" لم تشعر بالراحة مطلقًا، خاصةً وهي تشعر بنظراته تكتنفها، ثم تسمع صوته مبغتةً: أظن طنط أمينة قالت هاتسيبنا على إنفراد عشان نتكلم براحتنا.. بس أنا حاسك غريبة أوي إنهاردة يا إيمان !! وجهت ناظريها إليه وهو يتحدث امتثالًا لآداب الحديث، ثم قالت وهي تبتسم بخفةٍ: انت متهيألك يا مالك. أنا كويسة خالص والله.

-فعلًا ؟ -أيوة ! -إمم.. طيب إنتي عارفة أنا جاي ليه إنهاردة !؟ لاحظ على شعاع الظهيرة الشتوية الغائم قسماتها الرقيقة المتعبة، وعينيها العسليتان منطفئتين قليلًا، لكن مع ذلك كانت جميلة كما هي شيمتها، بعيدة عن التكلّف، طبيعية، وهنا يكمن سر جاذبيتها.. منذ أن جاء اليوم وكلما نظر إليها شعر بما يشبه صعقة كهربائية … -جاي تكلم أدهم وماما ! .. تمتمت "إيمان" بشيءٍ من الارتباك. راوغ "مالك" قائلًا باسلوبه الماكر: أكلمهم في إيه ؟

ماتعرفيش !؟؟ تنحنحت "إيمان" وهي تقول بمزيدٍ من الاضطراب: مالك.. المسألة مش ناقصة إحراج أكتر من كده. أنا عارفة إنك طلبت تتجوزني وأنا موافقة. خلاص بقى من فضلك ! انحسر مرحه فجأة وهو يرد عليها بحدةٍ: خلاص يعني إيه ؟

إنتي شايفاني إيه قدامك يا إيمان.. أنا مش الولد الصغير ابن إمبارح إللي كنتي تعرفيه. أنا بقيت واحد تاني وإنتي دلوقتي في حكم خطيبتي. مهما كانت الظروف. مهما كانت العوائق بينا من وجهة نظرك ده ماينفيش إني راشد كفاية وراجل أقدر أتحمل قراراتي.. أنا اخترت ارتبط بيكي بارادتي. وإوعك تفكري إن فارق السن ده يديكي أفضلية عليا بأي شكل. جايز مقدرش أثبت لك ده دلوقتي. لكن لحظة ما تبقي مراتي هاتتأكدي مليون في المية من كلامي !!

تلميحاته المبطنة أصابت معدتها بألمٍ حاد. هذا التطور لا يزيد الوضع إلا سوءً. لا يمكنها تحمل الأفكار التي يشير إليها. رغم أنها فرصتها لتنال حياة أكثر آدمية. لكنها لا تريدها معه. إنه رجل وراشد كما قال، بل ويمتلك من الوسامة ما يميزه عن أخيه الراحل ويجعله متفوقًا عليه. لكن كل هذا لا يحرك فيها شعرة. قلبها لم يكن يومًا ملكًا لأخيه، وحتمًا لن يكون له.

"منك لله يا مراد. مش مسامحاك".. همست بهذه العبارة بينها وبين نفسها وقد فشلت بحبس الدموع التي طفرت من عينيها بغتةً وخانتها جارية على خديها. تجمّد "مالك" من الصدمة. حين رأى دموعها تبخرت كل مخططاته للسيطرة عليها منذ البادئ. هب واقفًا من فوره، أتى بجوارها ومد لها منديل قائلًا بارتباكٍ كان نصيبه هو هذه المرة: إيمان. إنتي بتعيطي بجد. ليه ؟ خدي طيب ..

أخذت من المنديل الورقي دون أن تنظر إليه، لكنه كان غير كافٍ لتجفيف مدامعها التي فتحت على الآخر ولم يعد لها سلطانٌ عليها. ولما عجزت أكثر حجبت وجهها بكفّيه وراحت تجهش ببكاءٍ مرير اجتذب نظرات الصغيرة "لمى" نحوها. من جهة أخرى شعر "مالك" بتأنيب الضمير أكثر وهو يحاول معها مرةً أخرى:

أنا آسف والله. والله مقصدش أزعلك. حقك عليا طيب.. يا إيمان. إهدي عشان أشرح لك. إنتي أهم عندي أنا بالأخص من كل حاجة. مهما حصل أنا مش ممكن أغلط في حقك. أنا جايز أكون فهمتك غلط وقلت كلام زعلك.. أنا آسف تاني ! -ماما ! تناهى صوت "لمى" إلى مسامعها في هذه اللحظة. غصّت نشيجها في الحال حابسة أنفاسها، ثم كفكفت عينيها في كمّ كنزتها قبل أن تتطلع إليها… كانت الصغيرة تقف إلى جوار عمها، ولكن أقرب إليها. -نعم يا حبيبتي !؟

.. خاطبتها "إيمان" بلهجةٍ منكسرة. قلبت "لمى" شفتها السفلى وهي تشير إلى آثار الدموع اللامعة على وجنتيها: إنتي بتعيطي ! هزت رأسها سلبًا وهي تقول بشبه ابتسامةٍ: لأ يا روحي. أنا عيني دخل فيها تراب بس. أنا كويسة.. بصي روحي هاتيلي كوباية ماية من عند تيتة بسرعة وتعالي. -حاضر ! قبّلتها "إيمان" على خدها أولًا، ثم تركتها تركض حيث أمرتها. أخذت تستغل هذا الوقت في غيابها لتكبح كل هذا الجزع والضعف الذي طفى على السطح فجأة.

كان "مالك" لا يزال واقفًا مكانه. رفعت "إيمان" رأسها لتنظر إليه بعينيها اللامعتان. -أنا مش هاسامح نفسي على إللي عملته فيكي ده ! .. قالها بندمٍ جمّ. عبست محدقة فيه بغرابةٍ. أجل هي تعلم أن ردة فعلها مبالغٌ بها، على الأقل بالنسبة إليه، لكن ردّه هو أدهشها.. لماذا يشعر بكل هذا الأسى ؟ يتحتّم أن يراها سلبية ورمزًا للكآبة والنكد كما كان يتفنن أخيه بتلقيبها !!

تفاجأت "إيمان" وهي تراه يجثو فوق ركبته باللحظة التالية، ولم تأتِ بحركة عندما قبض على يدها بكفٍ، وبكفّه الأخرى يمسح على رأسها المغطى بالوشاح الزهري. -أنا بقدّرك جدًا.. إنتي عارفة. مافيش راجل مايتمناش واحدة زيك. إنتي جوهرة نادرة يا إيمان. لسا حلوة وجميلة زي مانتي.. صدقيني. أنا مش زي سيف. أنا عمري ما هاسيئ معاملتك.. أنا هاعوضك عن كل إللي عشتيه معاه. و هاتشوفي … -مـالك !!!

بدد هتاف "أدهم" هدوء الأجواء بقساوة مفاجئة ودبّ الذعر بقلب "إيمان" !

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...