الفصل 2 | من 42 فصل

رواية اوصيك بقلبي عشقا الفصل الثاني 2 - بقلم مريم محمد

المشاهدات
42
كلمة
4,639
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 5%
حجم الخط: 18

تحت إلحاح خالته الشديد وكلمة "أدهم" التي قيدته، أذعن لهما وقرر البقاء لبعض الوقت. عليه أن يقر، هو بالأساس بحاجة إلى الرفقة، وخاصة إذا كانوا أهله. وفجأة وجد نفسه قد تجاوب مع الأجواء أسرع مما توقع. أحضرت له خالته من خزانة ابنها الاحتياطية بشقتها بيجامة زرقاء ناسبته تمامًا وكأنها فصلت لأجله. ارتداها بعد أن أخذ حمامًا سريعًا ليزيل آثار السفر الطويل الذي خاضه.

خرج أخيرًا، ليجد أن "أدهم" قد استأذن قليلًا وصعد إلى شقته على أن يهبط في موعد العشاء. كان يحمل في يده المنشفة، يجفف شعره بينما يسير بالرواق باحثًا عن خالته. "أيّ مساعدة!؟ التفتت "أمينة" إلى هتافه الهادئ، تبسمت في وجهه تلقائيًا وهي تشمله بنظرة فاحصة. "نعيمًا يا حبيبي." "الله ينعم عليكي يا أجمل خالتو في الكون." وأقبل عليها مادًا يده لكتفها، وضع كفه عند مؤخرة رأسها ودنى منها ليقبل جبينها. "باسك العافية يابن الغالية."

"قوليلي بقى محتاجة أساعدك في إيه؟ "مش محتاجة تساعدني في أي حاجة يا حبيبي. انت تطلع تقعد برا لحد ما الأكل كله يجهز ويجي لك لحد عندك. يلا." رفض "مراد" بشدة. "يا سلام أقعد ماليش لازمة يعني. لأ طبعًا لازم أعمل معاكي أي حاجة." قطبت "أمينة". "هتعمل إيه بس يابني. الشغل ده ماينفعكش! قال مصممًا: "لأ ينفع ماينفعش ليه.. بصي أنا هعمل السلطة."

واستدار نحو المنضدة التي حملت أطباق الخضروات، ترك المنشفة جانبًا، وبدون أن ينتظر أذنها بدأ بتقطيع أنواع الخضار المختلفة بحرفية متقنة. هزت "أمينة" كتفيها بعجز وانخرطت هي الأخرى في عملها. "هتدوقي أجمد طبق سلطة في حياتك! ضحكت. "طبعًا يا حبيبي. أمال.. انت بقى هتدوق أكل أنا واثقة من ساعة ما سافرت مع أمك وأبوك ماشفتوش أصلًا." أرهف حاسة الشم هنيهة، ثم خمن. "محشي! ضحكت ثانية. "صح." صاح محتفلًا: "الله عليكي بقى."

لم تمر دقيقة واحدة، إلا وسمع ذلك الهتاف الأنثوي، وقد ميز الصوت الذي يحفظه عن ظهر قلب رغم مرور السنين. "أنا جيت يا ماما!! جمدت أصابعه عن الحركة ورفع رأسه نحو باب المطبخ. إن هي إلا ثوانٍ وظهرت "إيمان".. ظهرت كما اعتاد أن يراها في الخلوات خلسة، بدون حجاب رأسها! تخشّب كلاهما في مواجهة الآخر. بينما أخذ يتأملها جاهدًا في السيطرة على انفعالاته.

حبيبته السابقة، أول فتاة يدق لها قلبه، والتي تركها بمحض إرادته ورحل، وقد علم مصادفة بخبر زواجها قبل بضعة سنوات. إنها لا تبدو كامرأة متزوجة إطلاقًا، لقد حافظت على قوامها الرشيق، كتفان نحيلان يبرزان عظمتي ترقوتها بإثارة شديدة، خصر رفيع. للأسف لم يستطع التحقق من ساقيها أو شكل ردفيها بسبب التنورة الفضفاضة التي ارتدتها. كم كان يعشق جسدها، ويحفظ كل شبر فيه، جسدها المحرم عليه.

كان هذا أول سبب جعله يسعى بشكل مستميت إليها ويستغل أقل فرصة تواتيه، وقد كانت تستحق العناء. كان وجهها لا يزال جميلًا، وجنتان بارزتان، أنف حاد وشفاة مكتنزة دقيقة وصغيرة جدًا. وشعرها.. شعرها حالك السواد قد ازداد طولًا بشكل لا يخطئه النظر. كانت هي "إيمان".. كانت حبيبته التي كأنما لم يتركها يومًا واحدًا. وكأن تلك الليلة كانت بالأمس. وليست منذ ثلاثة عشر عامًا. "إيمان!

كسر صوت "أمينة" السكون الجاثم والخانق، وكأنها تعويذة ربطت جسمها والآن انحلت. في لمح البصر كانت قد اختفت من أمامه. أجفل "مراد" مبهورًا من الذي حدث. أحس بصوت خالته قريبًا منه هذه المرة ولكن لم يستطع النظر إليها. "معلش يا مراد يا حبيبي. أظنك لاحظت إيمان ماكانتش تعرف إنك لسا هنا.. تلاقيها راحت تجهز عشان تيجي تسلم عليك." رد "مراد" عابسًا ولا يزال لم ينظر إليها. "براحتها يا خالتي! ألقت "أمينة" عبارتها الآن بكلمات ذات مغزى.

"أصل إيمان مش متعودة يجيلنا ضيوف. انت طبعًا مش ضيف يا حبيبي انت صاحب بيت. لكن معلش بحكم العادة. يعني مابقتش ساكنة لوحدها.. من يوم موتة سيف جوزها وهي قاعدة معايا هنا هي وبنتها!! وهنا أدار "مراد" رأسه فورًا ونظر إليها. "جوز إيمان مات!؟ كان مشدوهًا، وليس مصدومًا. كان شعوره غريب. أومأت له خالته وقالت بصوت خافت لا يسمعه سواه. "أيوة.. بعيد عنك مات بجرعة زايدة من المخدرات. وإيمان يا قلب أمها حالفة لتصوم عن جنس الرجالة…"

ثم لوت فمها مغمغمة. "أنا عارفة إيه اللي خلّاها تتنيل تحبه بس. محدش كان موافقها على اختيارها ده. رغم إن المرحوم ابن عمتها. بس لا أنا ولا أدهم ابني كنا موافقين.. هي اللي صممت عليه. وأدي النتيجة. بقت أرملة في عز شبابها وبنتها يا حبيبتي اتيتمت بدري.. يلا نحمده على كل حال! كان "مراد" يستمع إليها جيدًا حتى فرغت. عاودت مباشرة أعمالها، أما هو فشرد. المسكينة "إيمان".. كم تعذبت وعانت في حياتها. ***

لاذت "إيمان" بغرفتها دون أن تسأل عن أي شيء، دون حتى أن تسأل عن صغيرتها. إذ كانت كارثة. كارثة لم تعطها حق قدرها، فقد اتضح أن رؤية "مراد" مرة أخرى ستتسبب لها في كل هذا الدمار، كل هذا الانهيار. رباه! لقد تغير كثيرًا، لكنه لا يزال هو. نعم ملامحه الوسيمة نضجت وصارت أكثر حدة، وجهه الحليق الناعم في زمن المراهقة، الآن تزينه لحية وشارب أضفيا عليه رجولة أكثر وهيبة.

جسمه الرياضي النحيل الذي افتتنت به في الماضي، رأته اليوم مفتولًا وأضخم بكثير. مع ذلك كله. كان هو. كان هو نفسه "مراد" حبيبها.. بعينيه وإحساسه الذي تستشعره ولو لم تكن قريبة منه! "ليه!؟ " تمتمت "إيمان" من بين دموعها التي فاجأتها وانهمرت كالشلال. ولأول مرة منذ تلك الليلة ترمق فراشها بنظرات مصعوقة. لم تكن توليه اهتمام، ولكن الآن.. إنها مذعورة.

وفورًا ابتلعتها دوامة زمنية، نقلتها إلى الليلة والساعة التي غيرتها، بل وغيرت حياتها كلها. Flash Back "بس انتي مش من حقك يا إيمان. وأنا خلاص.. مابقتش حبيبك. أنا قلت لك علاقتنا انتهت. وإللي بينا أصلًا ماكنش حب." أصيب رأسها بدوار طفيف بفعل كلماته القاسية، فرددت بأنفاس مخطوفة. "ماكنش حب! كل إللي عيشنا ده ماكنش حب يا مراد!؟ رد منجرفًا وراء مشاعره المحبطة كليًا منها. "أيوة يا إيمان ماكنش حب. مستغربة ليه؟

إحنا مش شبه بعض. وأنا لا يمكن أكمل في علاقة عقيمة زي دي." "مسمومة!؟ "آه مسمومة. انتي بالنسبة لي ماينفعش تكوني أكتر من بنت خالتي وبس. لأني مقدرش أخون صلة القرابة يا إيمان." "وانت مسمي وعدك ليا بالجواز خيانة لصلة القرابة!؟

"جواز إيه يا مجنونة انتي إحنا لسا طلبة.. وبعدين في كل الأحوال إنتي ماتنفعنيش. أنا مقدرش أجوز واحدة زيك. كل حاجة عندك حرام. قربي منك حرام. مسكة أيدينا دي بردو بالنسبة لك حرام. أنا البنت اللي هاجوزها ماينفعش تقولي ابعد عني. ماينفعش أجي أمسك ايدها تقولي شيل ايدك.. ده مايبقاش اسمه حب وماينفعش يتبني عليه علاقة. على الأقل بالنسبة لشخص زيي!

مع كل كلمة خرجت من فاهه كان يسدد لها صدمة أقوى من التي قبلها، حتى منحها أخيرًا سببًا لتكف عن عويلها وبكائها. سحبت يدها برفق من قبضته وهذه المرة أفلتها. فرفعت رأسها وحدقت بقوة إلى عينيه وأعلنت. "صح. انت صح يا مراد.. إللي بينا ماكنش حب. لأن انت أصلًا ماينفعش تتحب. ولا هاتعرف تحب!! وجاءت لتغادر بكل غضبها الدفين وانفعالها، لكنه تحرك من جديد ومنعها بالقوة. "قلت لك مش هاتمشي لوحدك يا إيمان."

سيطرت على نفسها بصعوبة حتى لا تصرخ فيه ثانية. فغمغمت بحرقة. "إوعى يا مراد. شيل إيدك عني وسيبني بقى. عايز مني إيه تاني!! لم يرخي قبضته عن معصميها بوصة واحدة، وقال بصرامة. "هاوصلك.. أنا لسا لحد دلوقتي مش عارف إزاي خرجتي من بيتكوا في ساعة زي دي. مين سمح لك!!؟ لكنها لم تعطيه ردًا. فأخذها في يده يجرجر خطواتها حتى وصلا عند دراجته النارية السوداء ماركة "هارلي ديفيدسون".

استقل فوق مقدمة القاعدة، لم يعتمر الخوذة الواقية وناولها إياها بلا تردد. "خدي إلبسي دي! أخذتها منه لغرض واحد فقط، حتى لا يتعرف عليها أحد وهي برفقته، وخاصة في وضع كهذا. ليست المرة الأولى التي تخرج معه على الدراجة، فعلتها مرات عديدة في الخفاء، وكانت أسعد لحظاتها. أن تكون قريبة منه إلى الحد.. مجبرة على التشبث به واحتضانه بقوة.

في قرارة نفسها كانت تستمتع وتتنعم بذلك كثيرًا، وتتمنى ألا ينفصلا أبدًا، تمامًا كما تفعل الآن، لا تود أن ينتهي بهما الطريق. لكن جاءت اللحظة، أوقف "مراد" الموتور أمام بناية المنزل الخلفية، بعيدًا عن مرأى البواب والجيران. -استني هاوصلك للبوابة! " قالها "مراد" وهو يطفئ دراجته ويعلق الخوذة بمكانه. ردت بصوت جاف دون أن تنظر إليه. "مالوش لزوم أنا عارفة السكة."

ومشيت خطوتين، فلحق بها وأمسك بكتفيها، أدارها إليه صائحًا من بين أسنانه. "إيمان ماتخرجنيش عن شعوري. انتي عايزة إيه يعني!؟ حاول أن يحدق في عينيها عبر الظلام، لكنها كانت تشيح عنه. وفجأة تطلعت إليه. كانت تبكي في صمت وقد صدمته. "مراد! " نطقت اسمه بلوعة.

"عشان خاطري.. ماتمشيش. خليك معايا هنا. كمل دراستك هنا. مش مهم تاخد الشهادة من برا. لو كان مهم أوي كده كان أدهم عملها وأهو دكتور.. عشان خاطري يا مراد ماتسبنيش وتمشي. أنا أموت من غيرك…" كان هذا لا يطاق، أن يراها في قمّة الضعف والتذلل إليه. تحولت مئة وثمانون درجة، بعد أن تظاهرت بالاعراض عن حبه وقررت أنه شخص لا يستحق الحب، ها هي تضرب بكلامها وكرامتها عرض الحائط. ها هي تتسول حبه!

رأت "إيمان" في عينيه صراعًا واضطرابًا، كان يعبس بشدة ويكز على فكيه، كان كأنما يقبض على الجمر ولا يستطيع تركه. "إيمان!!! وأطلق نهدة محمّلة بكمّ ضيقه وهمّه. "تعالي طيب! وأمسك بيدها ومشيا سويًا حتى بوابة المنزل. لم يجد "مراد" رجل الحراسة في مكانه فقط. معلقًا: "أمال فين عم راضي؟ كفكفت "إيمان" دموعها بطرف كمها وجاوبته. "تيتة حليمة تعبت بعد العشا علطول. ماما ندهت له عشان يشيلها مع أدهم ويودوها المستشفى." رفع "مراد" حاجبه.

"عشان كده.. وأنا بقول إزاي خرجتي الساعة 10 بالليل. على كده محدش فوق يعني!؟ هزت رأسها نفيًا. "عائشة بس. بتذاكر في أوضتها عشان وراها امتحان مهم بكرة.. ماما وأدهم هايبيتوا مع تيتة في المستشفى لحد ما نتيجة الفحوصات كلها تطلع الصبح." تصرف بطبيعية وهو يشد على يدها قائلًا. "طيب يلا هاطلع معاكي لحد فوق عشان أطمن عليكي." أومأت له وقد لاحت طيف ابتسامة فوق ثغرها.

وبالفعل صعدا إلى شقة خالته، وكانت الأضواء مقفلة، مما يفسر خلود "عائشة" إلى فراشها بعد قضاء اليوم كله في التحصيل الدراسي. "الظاهر عائشة نامت! " دمدمت "إيمان" وهي تمد يدها لتكبس زر إشعال الضوء. أضاءت الصالة كلها، والتفتت لتنظر إليه، بدت عليه الغرابة الآن وهو يسألها. "وانتي بقى هتعملي إيه دلوقتي!؟ هزت كتفيها. "هادخل أقعد في أوضتي لغاية ما يجيلي نوم! رد بنصف ابتسامة.. تلك التي تزيده جاذبية.

"تعرفي أمنيتي كانت إني أشوف أوضتك. ده طبعًا كان مستحيل!! ضحكت لابتسامته وقالت. "امم بس دلوقتي ممكن مش كده؟ طيب هاحقق لك أمنيتك.. تعالى! تلاشت ابتسامته وسألها غير مصدقًا. "بجد!!؟ أكدت بجدية هامسة. "بس امشي بالراحة. اوعى تعمل صوت أحسن عائشة تصحى." أومأ لها موافقًا وقد اتقدت الحماسة بداخله. أغلق باب الشقة أولًا بهدوء وحرص شديدين، ثم مشى وراءها على أطراف أصابعه وصولًا إلى غرفتها.

أدخلته أولًا، ثم استدارت خطوتين نحو غرفة شقيقتها لتتفقّدها، فتحت الباب وورابته قليلًا، أطلت برأسها، فوجدت الغرفة غارقة في الظلام، و"عائشة" نفسها تعزف لحن النوم الشهير خاصتها. اطمأنت لذلك وعادت إليه، ولجت إلى غرفتها وأغلقت الباب من خلفها.

كان هو يجول هنا وهناك مستكشفًا بحماسة، يفتش في أغراضها فوق مكتب الدراسة، وبين الأركان وكمات الدُمى والعرائس التي أوردها الكثير منهم ليشبع هوسها بهم، فقد كان حريصًا على إرضائها وإسعادها طوال فترة المواعدة. وصل "مراد" عند الخزانة، فتحها بلا تردد وأخذ يقلب فيها، حتى رأته "إيمان" يعبث في درج الملابس الداخلية، هرعت إليه وحاولت إغلاق الخزانة كلها، لكنه حجزها بقدمه مستلًا حمالة صدر زهرية اللون.

راح يلوح بها أمام عينيها مغمغمًا بخبث. "إيه ده إيمي.. لطيف أوي البرا ده. ماكنتش أعرف إن ذوقك حلو في الحاجات دي." حاولت "إيمان" أخذه من يده. "مراد ماتهزرش في الحاجات دي.. سيب يا مراد! أمسكها "مراد" بيد، وبالأخرى قرب القماش الناعم من أنفه وتمتم محدقًا في عينيها الواسعتين سعة أعين الغزلان. "الله.. ريحتك فيهم يا إيمي… ريحتك حلوة أوي! أجفلت "إيمان" مرتبكة منه، من كلماته، من نظرته.. من قرب.

عثرت في عينيه على تلك الشعلة التي لطالما أوقدتها فيه، وهي الرغبة، الرغبة الخالصة فيها. عيناه الجميلتين، إنهما مزيجًا من الخضرة والزرقة تتآلقان سواء النور أو حتى الظلام، لا تستطيع مقاومتهما أبدًا! ارتجفت حين ارتفعت يده وأزاحت الحجاب عن رأسها، ليتحرر شعرها من عقاله ويحيط بوجهها كهالة سوداء فاحمة. وكان هذا بمثابة الإذن له ليمضي كما يهوى. لأنها تحبه.

لم تستطع أن تقول لا.. وهو يلتصق بها ويطوقها مانحًا إياها تلك القبلة الأولى بحياته. لأنها تحبه. لم تستطع أن تقول لا.. وهو يستكشف بكفوفه معالم ودهاليز أنوثتها بجرأة صرف. لأنها تحبه. لم تستطع أن تقول لا.. وهو يسحبها إلى الفراش دون أن يتوقف عن تقبيلها مجردًا كليهما من أي ملابس.

فعلت كل شيء لأنها تحبه، لم تفتح فمها ولم تعترض أبدًا، وكانت مدركة وخامة فعلتها، لكن لذة الثواني الأولى في العلاقة أنستها كل مخاوفها، استسلمت للحظة الراهنة. حتى حانت تلك اللحظة التي صفعتها.. لحظة تأكدها من الخسارة التي طالتها بقسوة، وقد كانت هذه نقطة اللا عودة بالنسبة إليه. أما هي، فقد كان كل همها ألا يطلع صوتها إلى أن ينتهي… حتى لا توقظ شقيقتها التي لا يفصلهما عنها سوى حائط ويفضح أمرها! *** رحل "مراد".

رحل بعد الانتهاء من فعلته مباشرةً، رحل دون أن يقول كلمة، أو حتى وداعًا. انتهت النزوة، احترقت اللذة وفنت، وذهب هو تاركًا إياها مجللة بالخسائر. خسارة نفسها، خسارة مبادئها وتربيتها القويمة، والأهم من كل هذا.. خسارة الميثاق الإلهي. لقد ارتكبت الكبائر، لقد زنت، لا تصدق أنها وقعت بخطيئة كهذه. ما العمل الآن.. ماذا يتوجب عليها أن تفعل لتتطهر من ذاك الإثم؟ لا يمكن أن تموت قبل أن تكفر عنها. لا يمكن أن تلقى الله به… لا يمكن!!!

استيقظت على صوت أمها في الصباح. "إيمان.. اصحي يا حبيبتي بقينا الضهر. إيه النوم ده كله! باعدت "إيمان" بين جفنيها بصعوبة، شعرت سلفًا بشعاع الشمس النافذ عبر الستائر التي فتحتها أمها على مصراعيها. فتحت عينيها الآن وقد ضايقتها حدة الضوء، فغطت وجهها بكفيها. "جيتوا يا ماما!؟ "من بدري يا حبيبتي بس لاقيتك نايمة ماحبتش اصحيكي." "تيتة عاملة إيه؟

"بقت أحسن الحمدلله. والتحاليل كلها تمام.. هي بس تقلّت في العشا والحلو امبارح ف ده اللي تعبها." كانت سترد عليها بتلقائية، لولا أن ضربتها ذكريات الليلة الماضية. تزامن ذلك مع صياح أمها الهلوع. "إيه ده يا إيمان!!؟ انتفضت "إيمان" عندما شعرت بالملاءة تُسحب من أسفلها وقامت نصف جالسة فورًا، تطلعت إلى أمها بتشوش، خافت من تعبير "أمينة" المصدوم، إذ حملت بين يديها ملاءة ملوثة بالدماء الغزيرة.

"أصل أنا نمت معدتي بتوجعني أوي امبارح يا ماما! " قالت "إيمان" ما خطر على بالها حالًا فقط لتتخلص من هذا التعبير على وجه أمها. "شكل الضيفة المزعجة دي جت!! عبست "أمينة" بدهشة. "الله! انتي مش لسا خالصة منها الأسبوع اللي فات.. لحقت!؟ حاولت "إيمان" إقناعها بشتى الطرق. "عادي يا ماما بتحصل. وحصلت قبل كده.. مش فاكرة؟ سكتت "أمينة" وهي تمعن النظر بما تمسك، ثم قالت بتعجب.

"تقوم تيجي بالشكل ده.. أعوذ بالله. لأ بصي طالما اتكررت كده نروح نكشف أحسن يكون عندك حاجة يابنتي! رفضت "إيمان" في الحال وقد اعتراها التوتر الآن. "لأ يا أمي نكشف إيه.. أنا مابحبش الدكاترة وانتِ عارفة. لأ مالهاش لازمة صدقيني." "إزاي مالهاش لازمة بس. دي حاجة مهمة أوي يا إيمان. لأ مش هطاوعك." قامت "إيمان" من سريرها متجاهلة آلامها المبرحة ووقفت أمام أمها.

"يا أمي يا حبيبتي صدقيني أنا. أنا حاسة إني كويسة.. وبعدين أنا بقولك معدتي وجعتني قبل ما أنام يعني ماكنتش عاملة حسابي.. بصي نعديها المرة دي. لو حصلت تاني هانعمل اللي انتي عايزاه. خلاص؟ اقتنعت الأم بعد عناء، لم تقتنع في الحقيقة، لكنها أذعنت لفراد ابنتها، إذ تعلم كم إنها بالفعل تخشى الأطباء والمشافي منذ طفولتها، لم تشأ ترويعها وفضلت الانتظار حتى الموعد التالي. *** ومرت سنوات على رحيله.

سنوات بعد الحادث المخزي، سنوات من الرفض غير المبرر لأفضل الرجال المتقدمين لخطبتها، سنوات من الضغط عليها لمعرفة السبب وهي لا تنطق. قضت كل أيامها بعد تلك الليلة تائبة، منيبة، محاولة التكفير عن ذنبها، تصلي وتصوم فوق المفروض عليها أضعافًا مضاعفة. لكنها لا تزال تشعر بأنه لم يُغفر لها بعد. لأنها لا تزال تتعذب. لا تزال لا تشعر بالراحة والسكينة! حتى أتاها يومًا ما وحاول معها. "إيه بقى يا آنسة إيمان.. هاتفضلي عايشة راهبة كده؟

على فكرة الرجالة على قفا مين يشيل! ألقى "سيف" دعابته ضاحكًا، ابتسمت مجاملة له وقالت. "لسه ما جاش يا سيف." "طيب ده مين أعمى النظر ده؟ قوليلي بصراحة انتي حاطة عينك على حد!؟ "لأ طبعًا! " هتفت بحدة مفاجئة. لكنها عدلت عنها مسرعة وقالت وهي تباشر سقي مزروعات الشرفة. "قصدي مافيش حد. أنا من ساعة خلصت الثانوي قاعدة في البيت يا سيف.. هاشوف مين في البيت؟ تنهد بحبور وقال. "طمنتيني يا شيخة." نظرت له باستغراب. فابتسم قائلًا.

"ماتبوصلّيش كده.. بصي يا إيمان من غير لف ولا دوران. أنا بحبك. وانتي عارفة كده من زمان أنا حاطط عيني عليكي.. بس رفضك للعرسان كان مخوفني أجي أفاتحك تقومي ترفضيني أنا كمان. بس الحمدلله. طلع مافيش سبب معين…" حاول أن يقبض على نظراتها، لكن كانت عيناها تائهتين، تنظران في الفراغ، وبدت فجأة وكأنها استسلمت لقدرها. لا يمكن أن تهرب منه طوال عمرها. "قولتي إيه يا إيمان!؟ نظرت له ثانية. "قلت إيه في إيه؟ قطب "سيف" قائلًا بتوتر عصبي.

"أنا بحبك وعايزك. عايز أتجوزك.. موافقة ولا لأ!؟ ولأنها كانت واثقة من أنه هو الذي سيرفض لاحقًا، وسيذاع سرها أيضًا، وهو المطلوب تمامًا، يكفي أنها سترتاح من عبء الإفصاح لأقرب الناس إليها. "موافقة! أشرق وجهه حين نطقت بذلك، لكنها أردفت. "بس في حاجة لازم تعرفها الأول…" حثها بحذر. "قولي.. سامعك! بدون أدنى تردد أو تراجع، مضت تحكي له كل شيء، وبالتفاصيل. لم يكن ينظر إليها عندما فرغت، كان تعبيره يخلط بين الصدمة والغضب.

وكانت جاهزة لأي ردة فعل. لكن ما أدهشها هو رده، إذ قال باقتضاب. "بكرة هاجيب أبويا وأمي عشان نطلبك. أدي خبر لطنط أمينة وبلغيها بموافقتك.. آخر الشهر ده هانكون مجوزين!! واختفى من أمامها. تركها هكذا على ذهولها وعدم تصديقها. لقد تم الأمر. بهذه البساطة. ستتزوج كأي فتاة عادية! Back أفاقت "إيمان" من استغراقها. كم كانت ساذجة وغرها حب زوجها الراحل إليها. لقد ظنت أنه بسبب حبه لها يمكنه أن يتنسى أو يتناسى ما فعلت، ولكن لا.

لم تسير الأمور على هذا المنوال اليسير. فهو لم يفوت فرصة، أو عراك أو حتى مشادّة كلامية بينهما إلا وعمد إلى التلميح لجريرتها. كان يعايرها ويضغط على الجرح كلما سنحت له الفرصة، وكان يخونها ويفسق ويرتكب كل الموبقات، بينما هي مكممة الفاه، تحفظ له صنيعه الطيب معها بأن ارتضى أن تكون زوجته، تقر بشجاعته على الأقل أسرارها لا تبلغ جدار غرفة نومها. وكان من المستحيل أن يفضحها "سيف".. لأنه حقًا أحبها!

سالت دمعة من عينها وهي تقف بمنتصف غرفتها، أمام فراشها الذي دارت دورتها وعادت إليه. وخلفها الباب الذي إن فتحته تلتقي بماضيها الأليم. إنه يحاصرها. لماذا عاد؟ ماذا ينوي أن يفعل بها هذه المرة؟ ماذا يريد منها ذاك النذل بحق الله!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...