“لا أتقبّل أنّي أفقدك ! مراد جلست “إيمان” على الكرسي أمام “مالك”.. ما زالت ترتدي حجابها من الرأس حتى أخمص القدمين. مرّ الوقت وهي تتوتر فقط ولا تنظر إليه. لولا أن الطقس المسائي منعش هنا في الشرفة والليل هادئ وصافٍ، ربما كل هذا ساعدها ولو قليلًا. “هاتفضلي ساكتة كتير؟ ” قالها “مالك” مادًا جسمه عبر الطاولة الفاصلة بينه وبين زوجته.
كانت تعابيره أكثر رِقة عمّا كانت ظهر اليوم، كذلك لهجته كانت لطيفة جدًا. أضفى عليها نبرات الاعتذار وهو يستأنف محاولًا القبض على نظراتها المنكسة. “إيمان. أنا بقالي كتير بعتذر لك.. بصي أنا حتى مش بطالبك بتفسير. عاوزك بس تعذريني. وتسامحيني أرجوكي! بصعوبة كبيرة ولكن تحت إجبارها لنفسها، رفعت رأسها لتنظر إليه. حدقت بعينيه بشجاعةٍ متزعزعة وهي تقول مداعبة بنبرة المتهم:
“انت ما ادتنيش فرصة أفهمك أصلًا. والله الموقف مش زي ما شوفته مـ آ…” “قلت لك مش بطالبك بتفسير يا إيمان! ” قاطعها بحزم. “أنا جاي أعتذر لك وأقولك حقك عليا. أكيد أنا غلطان. المفروض مهما حصل وشفت عمري ما أفكر فيكي بسوء. أنا أكتر حد يعرفك واتربيت معاكي. إيمان إنتي أنقى واحدة شوفتها في حياتي. إنتي نضيفة جدًا لدرجة إني أخاف أوسخك بأيّ شكل…”
أجفلت حين قام فجأة من مكانه. رفرفت بأجفانها وهي تراه يقترب منها، ثم يجثو فوق ركبته أمامها ويمسك بيديها. خفضت رأسها لتلاقي نظراته المتضرعة، بينما يقول: “إنتي مش عارفة قيمة نفسك يا إيمان. محدش إدالك قيمتك. جايز عشان كده حبيتك بالسرعة دي وقلبت معايا بغيرة. طبعًا عمري ما أطيق أشوف حد يقرب منك. عايزك ليا أنا وبس. والله أنا بتمنى أعوضك عن كل حاجة وحشة حصلت لك. وأمسح كل الحزن إللي جواكي وأحوّله فرح وسعادة…”
ودت كثيرًا أن تصدق ما قاله، إن ما وصفه الآن هو بالضبط ما تتوق إليه، ولكن ليس منه أو من غيره. إنما هو رجلٌ وحيد تريده بكل جوارحها. هو “مراد” الذي تخضع له كل ذرة بكيانها وتهتف باسمه وتنتمي إليه فقط. فقط “مراد”! لعنة عشقه التي تلاحقها ما دامت حية وربما حتى بعد مماتها!!! كتمت شهقة عندما سحبها من يدها بغتةً لتقف. شدّها بقوة نحو زاوية الشرفة المعتمة خلف الشباك تمامًا، حاصرها هناك وقد اصطدم صدره الصلب بصدرها الطري المتماسك.
“مالك! ” تمتمت “إيمان” بارتباك شديد. لكنها لم تفلح في تكوين جملة أخرى، ليفاجئها وهو يجذب وجهها بكفيه نحو وجهه. أخذها في قبلة ناعمة، بالكاد فمه يمس فمها مسًّا خفيفًا وقد راعى القطع في شفته الذي تسبب له فيه غريمه ظهر اليوم. أخيرًا وجدت الإرادة بنفسها وهي تحاول إبعاده عنها وتتلمص منه مغمغمة: “ما يصحش كده يا مالك. من فضلك.. ماما وأدهم. ولمى كمان ممكن تيجي في أي لحظة. مــالك!!
جمد فجأة ضدها، وأحست بجسده يتصلب ويزداد حرارة. والأدهى حين نظرت بوجهه ولاحظت إلتماع عينيه بنظرة ضارية. ارتجف قلبها بشدة لا تعرف لماذا تشعر بهذه الخطورة كلها إزائه. بينما تمكن أخيرًا من ضبط نفسه واستعادة هدوئه. تنفس بعمق وفك حجابها قليلًا وأطلق أنفاسه الحارة في عنقها، محاولًا بذلك استمالة عواطفها، ولكن عبثًا. هذا الباب تحديدًا ليس له سوى نسخة مفتاح واحدة، تلك بحوزة رجل واحد. هذا الرجل هو “مراد”!
“مش قادر أصدق إنك بقيتي مراتي ومش عارف إزاي أقرب منك زي ما بتمنى! كان همسه حارًا، عزز نزعة الخوف بصدرها، خوفٌ غريب مجهول المصدر. ضغط بشفته على جانب فمها متمتمًا: “لما أمشي هتقولي لأدهم إننا هانعمل مشوار إنهاردة بكرة. وأنا هاجيلك بكرة في نفس المعاد الضهر. هانكون لوحدنا. مش هاجيب مايا معايا. هاخدك ونروح أي مكان نبقى فيه لوحدنا! تحفزت بين ذراعيه الآن وهي تقول من فورها بجمود: “إيه إللي بتقوله ده. انت قصدك إيه يعني؟
إللي بتفكر فيه ده مش آ ا…” “إهدي يا إيمان! ” قاطعها للمرة الثانية. ثم سعى لإقناعها ضاغطًا عليها ما استطاع بحيلته الماكرة:
“أنا مش قصدي إللي فهمتيه. كل إللي أنا عايزه بس أحس إنك بتاعتي أنا. نفسي مثلًا أضمك في حضني براحتي. منغير رقابة. أقولك كلام نفسي تسمعيه مني. عايز اتأكد إنك ليا أنا. ماحسش بأي تهديد زي ما حسيت إنهاردة. أنا عارف إنه شعور وهمي. لكن أنا محتاج أمحيه خالص. ومنغير ما أضايقك. صدقيني. وخلّيكي واثقة فيا شوية. إنتي مراتي يا إيمان. محدش ممكن يخاف عليكي ويحميكي زيي!
أفكارها لا تنسجم مع كلماته، جسدها لا يستسيغ أيّ من لمساته. إنه غريب، إنه مقيت للقرف!!! “مامي! أعاد نداء “لمى” القريب الأوضاع إلى نصابها، وأطلق “مالك” سراحها. أخذت تعدل ثيابها مسرعة وهي تخرج من وراء الشباك. في نفس اللحظة ظهرت صغيرتها على أعتاب الشرفة. وقفت “إيمان” أمامها مادة يدها لتربت على رأسها. “نعم يا لمى عاوزة إيه يا حبيبتي؟ ” تساءلت “إيمان” وهي تداري احمرارها بكفها قدر المستطاع. عقست “لمى” حاجبيها
قائلة بصوتها الطفولي: “خالو أدهم مش عاوز يلعب معايا! مسّدت “إيمان” على خدها بلطف: “حبيبتي أكيد خالو تعبان وعاوز يستريح. هو لسا برا؟ هزت الصغيرة رأسها: “لأ. هو خالتو سلاف طلعوا وأخدوا آدم ونور. سابو عبده لتيتة بس.” “طيب يا حبيبتي شفتي إنه طالع يستريح إزاي!؟ لوت “لمى” فمها باستياء: “بس أنا بحب ألعب معاه. وخالو بيحكي لي حدوتة كل يوم. إنهاردة مش هايحكي لي!
وأغرورقت عيناها بالدموع، حتى إنهمرت بالفعل وأفلتت شهقات بكاءٍ من بين شفاهها. سارعت “إيمان” باحتضانها وهي تقول: “لأ يا حبيبتي. لأ ماتعيطيش عشان خاطر مامي. طيب مش أنا بحكي لك حواديت حلوة بتعجبك!؟ “أنا عاوزة خالو! نهنهت “لمى” ببكاء حار وصوتها مكتومٌ في صدر أمها. تدخل “مالك” في هذه اللحظة جاذبًا الصغيرة إليه: “خلاص يا لولي ماتزعليش. تحبي أستنى أنا معاكي ونلعب للصبح أو نعمل إللي إنتي عاوزاه لحد ما تنامي؟ قاومت “لمى” يديّ
عمها مغمغمة: “أنا عاوزة خالو أدهم. عاوزة خالـووو…” ضمتها “إيمان” إلى صدرها ثانيةً قائلة: “طيب خلاص يا لمى. خلاص يا روحي هاعملك إللي إنتي عاوزاه. ماتعيطيش بقى عشان خاطري! في جهةٍ أخرى، يتنهد “مالك” بسأمٍ وهو يقول: “إيمان أنا ماشي طيب. هاكلمك لما أروح…” أدارت “إيمان” رأسها ونظرت إليه، وكأنها تمتن لأنه قال ذلك. أومأت له: “تمام. هاستنى تليفونك. مع السلامة.”
لكنه لم يقبل بوداعٍ كهذا. مد يده ومرر كفّه على ظهرها مِمّا تسبب لها بقشعريرةٍ قوية. كل عصب ينطق بالنفور من لمسته. حتى قبض على ذراعها، شدّها مراعيًا عدم لفت انتباه الصغيرة. غسلت أنفاسه الساخنة أذنها وهو يهمس لها: “أوعديني ماتفكريش في حاجة طول الليل غيري. وإوعك تفكري تخلعي من معادنا بكرة. هازعل منك أوي. ماشي يا إيمي! وسرق قبلةً خاطفة من خدها. “باي يا لولي يا حبّي! ” قبّل ابنة أخيه مودعًا.
“أشوفك بكرة بقى. وليكي عندي مفاجأة كبيرة هاتعجبك. بس تسمعي كلام مامي إتفقنا؟ لم ترد عليه الصغيرة واكتفت بالصمت وهي تلوذ بأحضان أمها. مرّ “مالك” متجاوزًا “لمى” ومن وراء ظهرها بعث بقبلة في الهواء لأمها أتبعها بغمزة، ثم اختفى. اختفى ولكنه ترك أثره يزلزل تلك المسكينة ذعرًا. *****
استيقظ اليوم متأخرًا على غير عادته مؤخرًا، فقد قضى الليل كله ساهرًا على أعماله الهامة التي هو بصدد نقلها جميعًا إلى هنا بلده الأم. حيث قرر سواء ظفر بـ”إيمان” أو لا فإنه جاد بشأن الاستقرار هنا. لن يهاجر مجددًا، لقد اكتفى من الغربة وسنوات التيه. آن أوان التنعم بحياته الحقيقية، واعتناق شخصيته الأصلية، ليست تلك المصطنعة التي اكتسبها جراء فجراته وغدراته. هو ليس هذا الرجل السيئ تمامًا، وسيبذل وسعه ليثبت عكس ذلك.
أفاق على صوت التنبيه الذي استبعده لقرابة الساعتين حتى الآن. مد ذراعه ليسكته فوق الطاولة المحاذية لفراشه. تغلّب على كسله بسرعة وقام فورًا إلى الحمام الملحق بغرفتهم. مشى عاري الجزع إلى هناك، وخرج بعد فترةٍ وجيزة مرتجيًا مئزر الاستحمام. كان قد توضأ بالفعل، ففتح خزانته واستخرج كنزة وسروالًا من الجين. ارتدى ملابسه وذهب إلى سجادة الصلاة بمنتصف الغرفة ليؤدي فريضة الظهر المتأخرة عليه.
انتهى تمامًا مع ارتفاع نغمة هاتفه معلنة عن مكالمة واردة إليه. قام عن السجادة وتوجه نحو الهاتف المضاء بين أغطية فراشه. ألقى نظرة على هوية المتصل، عبس عندما تبيّن أنه رقمٌ مجهول، لكنه رد في الأخير بصوتٍ به نبرة مستوضحة. “آلو! لم يأتِ أيّ رد في الحال. لكن ما هي إلا ثوانٍ وتسرّب عبر السماعة صوت نحيبٍ تعرّف عليه فورًا. قبل حتى أن يتأكد صاح: “إيمـان!؟ ” “إيمان. رقم مين ده. إنتي فين يا إيمان!؟
أصابه الهلع بشدة حين تعلّى صوت بكائها الآن، ثم صوتها هي وكأنه مكتومًا: “مراد.. أنا.. باين. لأ. مش باين.. أنا بموت يا مراد! فقد عقله كليًا وهو يصرخ بالهاتف: “إنتـي فيـــن!؟ لم ينتظر ليسمع الإجابة حالًا، قفز يجمع حاجياته، سلسلة مفاتيحه وبعض المتعلقات الأخرى، ثم انطلق خارج الغرفة صافعًا الباب خلفه.
كان يتنفس بعنفٍ وهو يهبط الدرج، سامعًا نداءات والديه من حيث يجلسان هناك بالمطبخ المفتوح، لكنه تجاهل كل شيء، خاصةً عندما استمع لصوت رجولي يخاطب “إيمان” على الطرف الآخر. إلا أنه لم يلتقط الكلمات بدقة، إنما أتاه صوتها هي: “مراد! وصل الآن بمرآب السيارات. فتح سيارته وأستقل بها مسرعًا وهو يجاوبها بصوته الواهن المتألم: “أنا معاكي يا حبيبتي. أنا جاي لك. بس قوليلي إنتي فين؟؟
تأهب بتركيزٍ ليسمع ما أراده وهو يشغل محرك السيارة استعدادًا للانطلاق. لكن ما حدث هو العكس تمامًا. استمع إلى كلماتٍ جمدت الدماء بعروقه: “ماتخليش. مالك يقول.. يقول حاجة لأدهم. عشان خاطري. مراد.. ماتخليش أدهم. يعرف حاجة!!!
وبعدها لم يسمع منها أيّ شيء آخر. صعد قلبه إلى حلقه الآن، وكأنه يشق طريقه للخروج. يدرك قلبه من خلال كل ما سمعه من تلك المكالمة الهاتفية أن حبيبته في خطر. إن قلبه يحارب بفوضى، يقاتل ليركض لها. لا يلوم قلبه. لا يلومه إن انفجر بصدره في هذه اللحظة. إن لم يذهب إليها. لكن أين هي “إيمان”؟ أين هي حبيبته؟ امرأة حياته وحبه الوحيد! “إيمــان! ” ردد بهمسٍ مصدوم. ربما أنه قد فقد عقله بالفعل. ***** قبل ذلك بخمس ساعاتٍ!
“كنت سأضيع أخيرًا بين آلاف النجوم وملايين المجرّات؛ حتى لاحت عينيك بينهم.. وأنا ألومك لهذا فعلًا! إيمان اقتنع أخاها بسهولة عندما أخبرته برغبتها في الذهاب مع “مالك”. سمح لها قبل ذهابه إلى العمل مع تأكيدها الكاذب بأن “مايا” سترافقهما. أنهت “إيمان” الفطور لصغيرتها ولم ترحل إلا حين فرغت من إطعامها جيدًا. أوصت أمها عليها مرةً أخيرة، ثم نزلت لتقابل “مالك” أمام البناية، حيث وجدته بانتظارها داخل سيارته. “وحشتيني!
” قالها “مالك” مبتهجًا لرؤيتها وقد قبض على كفّها بقوة سببت لها مشاعر التوتر. حاولت “إيمان” سحب يدها من قبضته، فبدوره لم يضايقها كثيرًا وأفلتها، لترد عليه وتعبير التحفز على وجهها: “وحشتك بالسرعة دي. ماعداش يوم بحاله وكنت لسا معاك إمبارح! مالك بنعومةٍ مريبة: “إنتي بتوحشيني علطول يا قلبي. لو تعرفي بس بتوحشيني أد إيه هاتعذريني.” سحبت “إيمان” نفسًا مرتعشًا وهي تسأله: “طيب إحنا هانعمل إيه دلوقتي بقى!؟
جاوبها بسؤالٍ وقد حلّ تعبيرٌ جاد على ملامحه: “قوليلي الأول قولتي لأدهم إللي إتفقنا عليه؟ أومأت. “أيوة. لو كان عرف إني ماشية معاك لوحدي ماكنش رضي ينزلني. هو متفق معاك على كده. مافيش خلوة غير بعد الفرح! انبلجت نصف ابتسامة على وجهه، ولم يرد عليها بعد ذلك. أدار رأسه لينظر إلى الطريق، ثم شغّل المحرك وانطلق. *****
بعد ساعة تقريبًا، بلغا تخوم المدينة تقريبًا. لا تستطيع “إيمان” التعرف على المناطق حولها، لكنها أيضًا لا ترى سوى الرمال والبيوت النائية. ثم لاح أمامها أثر تعرفه جيدًا. لم تزره قط، لكنها تعرفه حتمًا. سقّارة! هرم سقّارة!!! ماذا قد يفعلا هنا بحق الجحيم!؟ “هو إحنا رايحين فين يا مالك؟ ” تساءلت “إيمان” ولا يمكن إخفاء نبرة القلق في صوته.
لا يمكن أن تحجم مشاعرها السلبية أكثر بعد الآن. انتظرت ردّه، لكنه لا يتكلم، ولمحت فكّه يشتد بقساوةٍ ساهمت في تفاقم وضعها. لم تجد صوتها أصلًا لتسأله مرةً أخرى. ما هي إلا دقيقة وانحرف بالسيارة ليلج عبر بوابةٍ ضخمة إلى ممر حجري محفوف بالمزروعات. في آخره باحة تتوسطها مسقاة كبيرة تنساب منها جداول الماء بخريرٍ مريحٍ للأعصاب. ثم في الواجهة تمامًا ذلك البيت المكون من طابقٍ واحد.
ما إن صفط سيارته بالباحة حتى برز فجأة رجلٌ غريب، طويل القامة، ربما طوله ما بين الـ 180 حتى الـ 190. يرتدي ملابس عصرية مؤلفة من جينز وقميص أزرق محلول الأزرار تقريبًا، وشعره الطويل قد جمعه في ربطة على شكل ذيل حصان. انكمشت “إيمان” على نفسها عندما رأته يخفض نظارة الشمس بإصبعه لينظر إليها مباشرةً. وارتعدت فرائصها بعنفٍ حين صاح “مالك” بغتةً وهو يترجل من السيارة: “المعلم رامز. واحشني يسطـا!
وهرول إليه ليأخذه في حضنٍ رجولي لم يستغرق ثانية. أمسكه المدعو “رامز” من كتفه وقال مبتسمًا: “لا يا شيخ. ولما تاخد غرضك من رامز تبقى خلصت خلصت حاجتي من جارتي ويبقى وشك ولا القمر صح؟ قهقه “مالك” قائلاً: “إيه يا عم جو أمي وخالتك ده. ماتكبرش الحوارات كده. إحنا مانستغناش عنك يا كبير.” هز “رامز” رأسه وأخذ ينقل بصره بين صديقه ومرافقته بالسيارة، وتمتم: “هي دي بقى مراتك؟
مش كان بدري عليك يابني. ده انت لسا صغير مش حِمل جواز وواحدة ست تشيبك قبل الأوان.” ابتسم “مالك” وقال غامزًا: “لأ ماتقلقش. صاحبك جامد ومسيطِر. إللي قدامك دي ماتقدرش ترفض لي طلب وخاتم صباعي.” رفع الأخير حاجبه. “لأ ما هو باين.. بتقول كاتب كتابك بس وعرفِت تجيبها هنا وكرنا. بقيت معلم ياض! أزهاه الإطراء كثيرًا، ليتنهد “رامز” رابتًا على كتفه: “بص. عيش حياتك. المزرعة كلها تحت أمرك. بس مش عايز أي نوش فاهمني؟
“عيب عليك يسطا هي أول مرة! “أمين…” ومد يده خلسةً إلى جيب سرواله الخلفي، ليسلمه قنينة دواء صغيرة قائلًا بصوتٍ خفيض: “امسك الأمانة. تعبت لحد ما جبتها لك في الوقت القصير ده.” إلتمعت أعين “مالك” بشيء هو أبلغ من الشر وهو يقول: “تسلم الأيادي…” رفع “رامز” سبابته منذرًا إياه: “بس خلّي بالك. هو نص قرص كفاية أوي. المادة دي شديدة. مش كل الحريم بيحبوا ياخدوها كمان. إللي في إيدك ده بيسمّوه Date Rape Drug (عقار الإغتصاب)
لا بيخلّيها على حامي ولا بارد. لو مش عايز تتفضح بيها أو يحصل الأسوأ ماتنساش كلامي! مالك بأريحية تامة: “قولنا ماتقلقش بقى. مش تلميذ أنا يا رامز.” “ماشي يا عم.. أطير أنا بقى عشان عندي مصلحة…” وتصافحا مرةً أخيرة. ثم انطلق “رامز” مغادرًا على دراجته النارية.
من مكانه، أشار “مالك” لزوجته بيده فقط لتحضر إليه. أطاعته “إيمان” وهي تقدم رجل وتؤخر أخرى. وقفت أمامه الآن وعيناها ملآى بالأسئلة، لكنه لم يسمح لها بطرح أيّ منها، ليس بعد. أشار لها برأسه أن تتقدمه لداخل البيت، كان يقبض على ذراعها كالكماشة. بالكاد بقيت هادئة حتى دخلا إحدى الغرف. رأت بها أجواء شاعرية بحتة، فرش من القواني، ستائر بيضاء، سرير ضخم في صدر الغرفة، وهناك بالوسط طاولة مستطيلة فوقها ما لذ وطاب من الطعام والشراب.
“ممكن تفهمني بقى!! ” هتفت “إيمان” بشجاعة واهية. “إيه المكان إللي إحنا فيه ده؟ وجايبني هنا ليه!؟ دارت نظراته المريبة عليها وهو يقول بلهجة جوفاء: “مالك بس يا حبيبتي. إيه التحقيقات دي كلها. مش قايلك هانقضي وقت لطيف سوا. هانتغدا وهافرجك المزرعة وبعدين أروحك.” نظرت حولها من جديد، ثم استقرت عينيها بعينيه ثانيةً وهي تقول بشك: “و الغدا ماينفعش غير في أوضة نوم زي دي!؟ ابتسم “مالك” وقال:
“إنتي قلوقة أوي. عارفة. إحنا نبدأ بالعصير الأول عشان تروّقي دمك…” وتوجه نحو طاولة الغداء. لم ترى منه سوى ظهره بينما تسمعه يعب العصير في كأسين، ثم عاد لها مجددًا، ناولها كأسها بابتسامة وديعة: “اشربي يا قلبي. اشربي وأرمي كل حاجة ورا ضهرك. أنا خدامك إنهاردة. أحلامك كلها أوامر!
متأثرة بتشجيعه لها، أخذت الكأس منه وبدأت ترتشف، ولكن شعور الريبة لا يزال يدق أجراس الإنذار بداخلها، وكأنها رادار الآن يلتقط الخطر الوشيك. لكن شخصها الجبان لا يصدق كالعادة. لا يصدق حتى تقع الكارثة!!! “اشربيه كله! ” قالها “مالك” دافعًا بيده الكأس لفمها بتصميم. وبرر فعلته فورًا بشكل احترافي: “وشك أصفر يا حبيبتي. إنتي شكلك مش بتتغذى كويس اليومين دول. اشربيه كله عشان خاطري…”
شهقت “إيمان” بقوة ما إن بعد يده عن فمها أخيرًا، سعلت قليلًا، بينما لمحت ابتسامة خبيثة على جانب فمه. لم يحاول إخفائها الآن وشاهدته وهو يتجرع كأسه دفعة واحدة، ثم يلقيه من يده على الأرض. استلّ هاتفه وقنينةٍ ضئيلة الحجم ورمى بهما تجاه الفراش. رفع يديه وحلّ أمام عينيها أزرار قميصه. في غضون ثوانٍ ألقاه بجانب الكأس عند قدميه وبقى عاري الجزع. علت مستويات الأدرينالين بشرايينه. ولكن عجبًا! جسدها لا يتخذ أيّ ردة فعل.
تقف هكذا بلا حراك. عقلها يسيطر عليه الدوار والحيرة. وكأنها بالون هيليوم. في أي لحظة سيطير!!! “قوليلي بقى إتعرّيتي مع كام واحد قبل أخويا؟ ” قالها “مالك” بفجاجة زلزلتها داخليًا. قبل أن يمد يديه إليها وينتزع ملابسها القطعة تلو الأخرى بسرعة ومهارة وبلا أدنى مقاومة منها. “و مع كام واحد بعده بردو.. غير حبيب القلب ابن خالتك؟
جحظت عيناها، وكم أرادت أن ترد عنها كل ما يفعله، تصرخ من داخلها لكن لا يخرج من فمها سوى العويل والبكاء الحار!!! كانت لتسقط في هذه المرحلة، مع إتيان العقار مفعوله شيئًا فشيئًا، لكنه تلقّفها بأحضانه وقد صارت عارية تمامًا بين ذراعيه. “هوب هوب هوب! ” تمتم وهو يحملها بسهولةٍ إلى الفراش. “مسكتك يا مُزتي ماتخافيش.” ضبطها على الوسادة وتراجع ليخلع حذاءه وبقية ثيابه، ثم أمسك بربلتيّ قدمها وباعد بين ساقيها ليستقر فوقها مغمغمًا
بشهوانية: “أقولك سر.. أنا من زمان كانت بتجيلي أحلام عنك. ماكنتش متخيل إنها ممكن تتحقق. واكتشفت من قريب إن طول عمري نفسي أعمل كده! يرتعش فكها ويزداد الاحتقان بوجهها وعينيها، ترتعب مما يحدث معها وينبض قلبها اللعين بعنفٍ في صدرها، تشعر بمزيدٍ من الاسترخاء وبضعفٍ في عضلاتها، بينما يستطرد مغتصبها بصوته الكريه أمام شفتيها مباشرةً:
“أنا بشكرك إنك ادتيني سبب عشان أطلّع مالك الحقيقي إللي جوايا. صعب عليا جدًا استمتع بحياتي على طريقتك. بس من هنا ورايح كله على طريقتي أنا يا.. يا مزّتي! أصبعه يزيل دمعة تجري على وجنتها، يده الأخرى تندس تحت ركبتها ويلف ساقها الرخو حوله ليمنح نفسه تمكنًا أكثر.
لا ينتظر ثانية أخرى، يفاجئها، يقضي على البقايا الصالحة منها التي خلّفها أخيه، يدمّرها الآن، بينما لا تحسّ سوى بأنها تنزلق عن نفسها أبعد وأبعد مع كل غزوٍ منه. وكأنها تُسحق. لا تنبس بأيّ صوت رغم الألم. لا يسعها أيّ حركة سوى ذرف الدموع. وربما شهيقٍ محموم يتسرّب منها الآن، لا تصدق بأنها تشعر في هذه اللحظة بذلك. لا يمكن أن يداهمها هذا الشعور وهي بين ذراعيه. ولماذا بحق الجحيم! من أين تهاجم الإثارة بهذه الضراوة؟
إنها أشياء عجيبة تحدث لها، مؤثرات شيطانية تجعلها تتلوى وتزوم كالممسوسة. خالت بأن هذا سينتهي بموتها، كان كثيفًا ومميتًا وفي زيادة مرعبة. لكن لم يحدث شيء. لم يحدث أيّ شيء. وها هو يتنفّس أنفاسًا ثقيلة على عنقها، ثم يتوقف عن الحركة وبعد ثوانٍ يتنهد وينفصل عنها تمامًا. وكأنه يضبط ساعته عليها.
بدأ مفعول هذا الشيء في الزوال أخيرًا، بدأت في استعادة السيطرة على جسمها. اختبرت هذا في تحريك ساقها ويدها، نجحت، لكنها لم تحاول أبدًا ستر عريها. “الحمام على إيدك اليمين! ” هتف “مالك” بجلافةٍ وهو يقذف بوجهها ملابسها. وقف عند حافة السرير ليرتدي بنطاله وقميصه وهو يقول: “جهزي نفسك عشان نمشي. لسا ورايا مشاغل أهم منك. يلا قـومي…”
غادرت “إيمان” الفراش ساحبة في يديها ملابسها، سارت مثل الزومبي وصولًا إلى دورة المياه بأقصى الغرفة، مخلّفة ورائها مغتصبها يدنو من طاولة الطعام ليتغذى بعد أن استهلك قواه معها. أغلقت الباب ورائها وأوصدته بالمفتاح الداخلي. استندت إلى الجدار المقابل و تركت ملابسها تسقط من يديها، ليبرز ما أخفته أسفلها.
لعله لم يلاحظها وهي تستلّ قنينة العقار من جواره خلسةً، لكنها أخذتها بدون تفكيرٍ، كما تجرأت وقامت بسرقة هاتفه، بعد أن جرّدها من كافة أشياؤها، والأهم.. بعد أن منحها أعلى أوسمة الدمار… والعار!!! وما يحرقها أكثر أنه أعلمها جيدًا سبب تدميره لها، لم يخفي شيء، قاله هكذا ليضاعف العذاب أكثر. لم تعد تتحمل، هناك سلاحان بيدها؛ الهاتف، العقار. أيهما تختار!؟ إذا اختارت الهاتف فماذا عساها تفعل به بحق الجحيم.. بمن تتصل؟
بأخيها ليتحقق أبشع كابوسٍ في حياتها ويدري بكل شيء؟ أم تتصل بـ”سلاف” التي لم ترى منها عونًا قط؟ أم تتصل بأمها وتكون سببًا في مكروهٍ قد يحدث لها إن علمت.. بل إنها بلا شك سوف تعلم… حتمًا الليلة سيُذاع الخبر. عليها الاعتراف. لقد انتهى. كل شيء انتهى.
تلوّى وجهها فجأة حين داهمها ذلك الإحساس المقيت مجددًا، تلملمت مكانها وهي تئن وتبكي من الخزي وليس من أيّ شيء آخر مم ادّعى. كانت الدموع تنهمر من عينيها عزيزةً ولا يمكن إيقافها أو السيطرة عليها.
وللمرة الثانية تتصرّف بلا تفكيرٍ أو تعقّل. وضعت الهاتف جانبًا وأمسكت بالقنينة الصغيرة وأفرغت الحبوب الصغيرة كلها في كفّها، ثم دفعت بهم داخل فمها دفعةً واحدة. انحنت صوب حوض المياه وابتعلتهم بجرعتين من الماء، ثم سمحت لساقيها بالتداعي أخيرًا بجوار حوض الاستحمام.
لم تكن تتوقّع أن يأتي مفعول هذا الشيء بسرعةٍ هكذا. الآن الأعراض تتزايد، تشعر بسخونةٍ كالجحيم في سائر جسدها. ولكن حدث النقيض المجنون أسرع، أحسّت ببرودةٍ مفاجئة، وفجأة وكأن قواها تخور. لا تعرف لماذا ساورها الندم في لحظةٍ ما. حين أرادت أن تقف ولم تقدر، حتى دموعها توقفت من تلقائها. شعرت بخفقات قلبها تتباطأ بوتيرةٍ مرعبة، تتصبب عرقًا مثلجًا. لم يكن هناك وقت للتفكير.
شحذت ما تبقّى لها من إرادة وقوى. رفعت يدها بصعوبةٍ لتأخذ الهاتف المسنود فوق رأسها تمامًا على حوض الاستحمام. فتحته وكانت تعرف جيدًا بمن سوف تتصل. لم تتردد لحظة وهي تنقر بإبهامها المرتجف والبقية الباقية من حركاتها المعدودة. وضعت رقم “مراد” الذي حفظته كاسمها في وقتٍ قصير، ثم رفعت الهاتف لتسنده بين كتفها وأذنها. “آلو!
جاء صوته حائرًا مستوضحًا، ردة فعل طبيعية على رقمٍ مجهول. ما إن سمعت هي صوته حتى تسرّب من بين شفاهها نحيبٌ مرير. “إيمان!؟ ” صوته أعلى بكثيرٍ الآن. “إيمان. رقم مين ده. إنتي فين يا إيمان!؟ همسًا بالكاد يُسمع. “أنا.. باين. لأ. مش باين.. أنا بموت يا مراد! “إنتي فـين!؟ ” كرر سؤاله وبإمكانها سماع الذعر بصوته.
بإمكانها أيضًا سماعه وهو يقفز واقفًا ويتحرّك قليلًا، قبل أن يصفع بابًا ما وتخترق أنفاسه العنيفة جرّاء الركض سماعة الهاتف. “إيمــان! ” صاح “مراد”. عصرت جفنيها بشدةٍ، تزامنًا مع قرع “مالك” لباب الحمام الآن بقوة وهو يهتف من الخارج: “كل ده بتعملي إيـه. إنجزي يا قلبي هنتأخر. يلا و ماتقلقيش.. هانيجي هنا تاني وعد. أنا عارف إنك حبيتي الموضوع.. يــلا بقـى عشان زهقت!
بدأ الوعي ينفذ منها وهي تتشبث بالهاتف بأقصى ما تستطيع حتى لا ينزلق عن كتفها. “مراد! ” نطقت بلهثٍ مضنٍ. رد “مراد” والألم يمزّق نبراته: “أنا معاكي يا حبيبتي. ماتخافيش. أنا جاي لك. بس قوليلي إنتي فيـن؟؟ بدلًا من إعطائه الجواب الذي ينشده، ناشدته هي بكل ذرة حيّة في كيانها، آخر طلب في حياتها تتمنى الحصول عليه: “ماتخليش. مالك يقول.. يقول حاجة لأدهم. عشان خاطري. يا مراد… ماتخليش أدهم. يعرف حاجة!!!
وابتلعها الظلام فجأة، هكذا تاركة ورائها أسئلة لا تهتم لمعرفة جوابها. لا تهتم من أين اكتشف “مالك” سرّها مع “مراد”. لم يعد أيّ شيء يهم. انتهى كل شيء الآن.. لينتهي فقط!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!