يوم واحد فقط متبقّي على سفرها. لقد جمعت كل أغراضها، ودّعت كل أحبائها، وقضت أيامًا لا تُنسى من الأُنس والألفة الدافئة برفقة عائلته. لم يعد هناك خصومة مع أحد، تصالحت مع الجميع حتى الذين آذوها، لقد صفحت عنهم مقابل السعادة الغامرة التي رُزقت بها مؤخرًا. ولكن طبعًا مسألة غفرانها لا تعني لزوجها شيء، إذ أن ما يقرره هو ما يحدث دائمًا سواء شاءت أم أبت.
لطالما عرفت تلك الحقيقة، وأمنت بأنها لن تفلح بتغييرها، وقد كفت بالفعل عن المحاولة. إنها تترك له زمام نفسها، وتثق به ثقة عمياء. ألم يُثبت لها ولاءه حقًا وأنه جديرٌ بقلبها؟ تراقصت ابتسامة "إيمان" تلقائيًا عندما كسر صفير الإعجاب المنبعث من زوجها صمت الغرفة المطبق. إستدارت نحوه من حيث تقف أمام المرآة تتمم زينتها إستعدادًا للظهور بحفل الزفاف المرتقب لصديق زوجها المقرّب، "عثمان البحيري".
وإن كان خبرًا أثار دهشتها، فهو متزوج بالفعل ولديه ولدان. ماذا قد يدفعه لتجديد العرس؟ اكتفى "مراد" بإخبارها أن صديقه لم يقيم زفافًا لائقًا لزوجته عندما عقد عليها، ذلك لأن والده توفى بالفترة التي تعرّف فيها "عثمان" على زوجته "سمر" وأحبّها. لم تكن الفرصة سانحة له بإقامة أيّ مظهر من مظاهر الفرح، فتزوجا بتجمعٍ عائلي بسيط دون أيّ صخب. ولم يذكر "مراد" لها نهائيًا ولو لمحة عن زواجهما العرفي والفضيحة التي تلته.
"بفكر حقيقي أجي أشيل الإشارب عن راسك وأبوظ الروج الأحمر اللي على شفايفك ده ونفكس للفرح! ازدادت ابتسامة "إيمان" اتساعًا وهي تستمع إلى غزل زوجها الصريح، بينما تعلّقت نظراتها بجسده الذي يستره سوى منشفة صغيرة أحاطت بوركيه العضليين. رغمًا عنها تداعت ابتسامتها بضعفٍ استطاع استشفافه وهو يراها تركز عينيها على صدره البرونزي والمكسو بالشعيرات القاتمة التي علقت بها قطرات المياه على إثر استحمامه.
ابتسم "مراد" بدوره وهو يستطرد بمكرٍ بينما يجفف شعره المبلل بمنشفة أخرى في يده. "لو مش واثق إن عثمان هايقتلني إذا ماحضرتش كنت لاغيت كل حاجة وقضينا ليلتنا الأخيرة هنا لوحدنا. بعيد عن الكل! تحاول "إيمان" تشتيتت عقلها عن التفكير الحميمي به، لترد وهي تلوح ناحيته بكفّها. "يعني انت مخلّينا نسافر الإسكندرية ونقضي آخر يوم لينا في مصر هنا في فندق مخصوص عشان تحضر فرح صاحبك وفي الآخر مش عايز تحضر؟ أنا لو منه أخنقك بصراحة!
قهقه بانتعاشٍ وهو يمضي صوبها، ألقى المنشفة من يده ومد ذراعه يجتذبها إليه من خصرها. حبست أنفاسها مرة واحدة وهي تصطدم بصدره الصلب، بينما بقول مغمغمًا. "ماتبقيش متلهفة أوي كده على الحضور. قصر البحيري الليلة دي مش بس هايستقبل نخبة المجتمع. ده هايكون في ستات من إللي يتشافوا في الإعلانات. وأنا عارفك من زمان ومجرب غيرتك.. أخاف تخنقيني فعلًا هناك لو واحدة منهم سلمت عليا!
واستغرق في ضحكه من جديد، ليتلاشى مرحها هي الآن وتقول بجمود. "أنا طبعًا بغير عليك. بغير عليك حتى من هدومك.. لكن ولا واحدة تفرق معايا. غير.. غير هالة! "هالة! " تمتم وقد خبت ضحكته واختفت ابتسامته تمامًا. قطب قائلًا باستغراب. "انتي عايزة تقوليلي إنك قلقانة من ظهور هالة قصادك. وممكن تغيري منها!؟ صمتت "إيمان" وظل فمها مطبقًا بتوتر. يزفر "مراد" مطوّلًا ويفرك جانب وجهه بيده الحرّة مستطردًا.
"غيرتك منها مالهاش أي معنى يا إيمان. بغض النظر عن إن هالة مابقتش في حساباتي أصلًا ولا ممكن ألتفت ليها بأي شكل. ماتنسيش إنها ست متجوزة دلوقتي وعندها طفل." كأنه تفوّه ما تاقت لمناقشته فيه، فسألته على الفور. "صحيح قولّي يا مراد. انت وهي قضيتوا فترة متجوزين. ليه ماخلفتش منها؟ هز كتفيه وجاوب ببساطة.
"الهانم طبعًا تربية قصور ومدللة جدًا. لما اتجوزنا أنا كنت حابب أوي نخلّف بسرعة. لكن هي رفضت عشان تحافظ على شكل جسمها. قالت لي بعد سنتين أو تلاتة ممكن نجيب أول طفل. بس طبعًا مع عشرتي ليها عرفت إنها مش هاتنفذ كلمة من وعدها." "بس هي خلّفت لما اتجوزت بعدك! "وده يثبت إنها ماحبتنيش! " قالها "مراد" بابتسامة متصالحة. لم يبدي أيّ انزعاج من أفكاره التي يطرحها والتي صارت حقيقة منذ مدة للجميع.
"أيًّا كان مين إللي اتجوزته هالة البحيري فهي حبته. مش عشان قبلت تخلّف منه بس. دي كمان اتنازلت عن حياة القصور وسافرت معاه يبنوا حياتهم سوا." رفعت "إيمان" حاجبها معلّقة بحدة. "ده انت متابع أخبارها بقى. وعرفـت إنها سافرت!! عاودت الضحكة تتغلغل طبقات صوته العميقة وهو يرد عليها متفكهًا.
"والله ولا متابع ولا حاجة. أنا عرفت من عثمان لما جه يحضر فرحنا. لأنها هي كانت السبب إننا قاطعنا بعض أنا وهو ف قدملي ملخص عن أحوالها وإنه ما صدق خلص من مسؤوليتها لما جوّزها لأخو مراته. عثمان ندمان لحد إنهاردة إنه سابني اتجوزها. هي آه بنت عمه. لكن أنا وهو بالنسبة لبعض أخوات. وهو كرهها جدًا طول فترة خصامنا." أومأت بعينيها وإلتزمت الصمت مرةً أخرى، فحنى رأسه ليلامس رأس أنفها بأنفه وهمس.
"هاتشوفي بعنيكي الليلة دي. إن عيني مش هاتشوف واحدة غيرك. أنا كلي ليكي يا إيمان.. انتي و بس! همسه هذا كاد يُخدر حواسها، فرفعت يدها باسطة كفها فوق موضع قلبه تمامًا، تدفعه بعيدًا عنها بقوتها الضئيلة التي لم تزحزحه قيد أنملة، إنما هو من أفلتها طواعيةً وهو يسمعها تقول من بين أنفاسها المخطوفة. "ماتحاولش تغريني. ماتبقاش شيطان ورانا مشوار لازم نقضيه! وتركته متوّجهة صوب السرير حيث علبة الحذاء الجديد مقفلة فوقه.
ضحك "مراد" بانطلاقٍ ومشى نحو الخزانة، فتحها ليأخذ بذلته الرمادية الفاخرة، وقد اختارتها "إيمان" تماشيًا مع لون عينيه. بينما أختارت هي ثوب للسهرة محتشم، بلون التوت، ونسّقت مع حجابًا أسود. وأخيرًا ها هي تفتح علبة المستطيلة ليبرز هيكل الحذاء ذي الكعب العالِ، مكشوف بخيوط سباغتي رفيعة مرصّعة بالجواهر المتلألئة. جلست على حافة السرير العريض لترتديه في كلتا رجليها وهي تستمع لصوت "مراد".
"أدهم وسلاف جايين في الطريق وجايبين معاهم لمى. أنا لسا مكلمهم من شوية وبيتحركوا." تطلّعت "إيمان" إليه معقّبة. "لسا بيتحركوا دول كده قدامهم كتير. مش هايلحقوا السهرة من أولها! "وهو المطلوب. انتي عارفة أخوكي مش بيحب الاختلاط بالطبقة المتحررة. وفي نفس الوقت بيلبي دعوة عثمان. فقال يجي متأخر عشان يبارك علطول ويمشي." "حاجة متوقعة جدًا من أدهم! " ثم قالت ولمحة حزن بعينيها.
"كويس إني هاشوف سلاف على الأقل. كفاية مش هكون موجودة ساعة ولادتها.. حبيبتي مرعوبة من يوم ما الدكتورة قالت إنها حامل في توأم." "آه بس أدهم مبسوط. خصوصًا لما عرف إن التوأم ولد وبنت. كان نفسه في البنت أوي.. ربنا يحفظهم له." "يارب." أتمّ "مراد" ارتداء ملابسه في مدةٍ وجيزة، وقف أمام المرآة يصفف شعره بعنايةٍ ويضع على ذقنه الحليقة "الكولونيا" الثمينة التي لطالما جذبت أنوف النساء إليه.
ثم اكتفى بنثر القليل من العطر فوق كتفيه وعلى رسغيه. ارتدى ساعة معصمه الباهظة وبقي يرمق نفسه بالمرآة وهو يعدل هندامه ويضبط ياقتيّ قميصه الأسود. لاحظ السكون الذي خيّم منذ دقائق، فاستدار نحو زوجته هاتفًا. "جهزتي يا حبيبي؟ ولكن الصمت. لم ترد عليه، فعبس مندفعًا ناحيتها على الفور. "إيمان! انتزعها نداؤه من شرودها، فرفعت وجهها تحدق بوجهه المطل عليها متسائلة. "نعم يا مراد!؟
هبط بجسمه ليجلس بجوارها على طرف السرير، زحفت يده إلى يدها الملقاة بحجرها، قبض عليها بكفّه الكبير يبث الدفء فيها وهو يقول. "روحتي مني فين؟ تنهدت بعمقٍ وجاوبته بابتسامة منهكة. "أنا معاك! رمقها بنظرةٍ كما لو أنها لم تنطلي عليه، وقال. "أنا احساسي ممكن يخونّي في أي حاجة. بس مش ممكن أغلط باحساسي بيكي.. قوليلي مالك؟ واصلت النظر بعينيه لبرهةٍ، ثم صارحته بصوتٍ مكتوم.
"إنهاردة ماما قالت لي خبر زعلّني. وغصب عني. مش قادرة ماربطوش بيك!! سألها عابسًا: "إيه هو الخبر!؟ "انت ليك يد في فسخ خطوبة مايا؟ ماما قالت لي خطيبها راح لها شغلها في الجامعة وقطع علاقته بيها قصاد الناس كلها. كانت فضيحة لدرجة إن ماما عرفت من برا. الناس مالهاش سيرة غير إللي حصل لمايا.. من فضلك يا مراد قول إنك ماعملتش حاجة! بقي صامتًا ولم يرد، وجهه الخالِ من التعابير افقدها صوابها وهي تستنطقه بعصبية. "مراااد. رد عليا!!!
"كنتي متوقعة مني إيه يا إيمان!؟ " رد أخيرًا بهدوء. ولكن هدوء صدمها، فقست ملامحه وهو يتابع بخشونة. "آه. أنا وصلت لخطيبها وأثبت له إن أمها إللي هي عمتك ست لا عندها ضمير ولا دين. حكيت له كل حاجة عملتها فيكي وفي أخوكي أدهم من قبلك وإللي ممكن تعمله فيه لو اتجوز بنتها. آه أنا إللي نصحته يفسخ الخطوبة في أسرع وقت." فرغت فاها مرددة. "ليه كده. طيب ومايا ذنبها إيه؟
انت مش بتعمل غير إللي في راسك. حتى لما أتسببت في سجن مالك هناك في دبي. ماقولتش ولا أخدت رأي حد!! هز كتفيه غير مباليًا وقال. "أنا مافتريتش عليه. هو إللي بيغش في شغله. يستاهل عقابه! " ثم أضاف بوحشيةٍ مفاجئة. "وبعدين انتي بتدافعي عنه؟؟ هسّت من بين أنفاسها بغضب. "أنا مش بدافع عن حد. أنا بس مش عايزة أبقى زيهم. مع عايزة أتسبب في أذية حد." مراد بصرامةٍ عنيفة.
"انتي حرّة في نفسك. مش عايزة تئذي براحتك. لكن أنا مابعرفش أسامح إللي يئذيني. وإللي آذاكي كأنه آذاني بالظبط ومش هاسامح!!!! بدأ هجومها عليه ينحسر تدريجيًا، بينما لم يخف ولو قليلًا تأجج وجهه بالحمرة الخطرة وإلتهاب الرماد في عينيه المتسعتين بشراسةٍ. لم تجد ما تقوله، فقامت من أمامه يتبعها بعينيه. أمسك برسغها يستوقفها بخشونة. "راحة فين؟ "جاية! " تمتمت بصوت بالكاد سمعه.
وراقبها وهي تمضي نحو الخزانة، تستلّ حقيبة يدها المتوسطة وتسحب منها شيئًا لم يراه. عادت إليه الآن ووقفت قبالته وهو لا يزال جالسًا، تطلّع إليها وهي ترمقه بعينين ملؤهما الدموع، ثم تقول قبل أن تظهر ذلك الشريط الطبّي أمام عينيه.
"أنا ماكنتش بخلّف بسهولة. ومش عارفة إزاي حملت في لمى وأنا كنت محتاجة أتعالج.. ما اتعالجتش. ولحد ما اتجوزتك ما اتعالجتش.. وحصل تاني. ومش عارفة إزاي بسهولة كده. ده فعلًا رزق ومكتوب مهما كانت الظروف. لآخر لحظة ماكنتش مصدقة. لحد ما أكدتلي دكتورة سلاف! كان يحدق الآن لما بين يديها، مشدوهًا، مصدومًا، وما لبث أن عاود النظر إليها ثانيةً، واستطاع أن يتكلم وهو لا يصدق ما يحدث. "انتي حامل!؟؟؟
أغرورقت عيناها بالدموع حتى ساحت فوق خدّها وهي تومئ له مرتان مغمغمة بصعوبة. "أيوة. أيوة يا مراد. أنا حامل.. ومش قادرة أصدق إن أحلامي كلها اتحققت كده. أنا حامل منك انت. هاجيب طفل منك انت!! انتقلت الدموع إلى عينيه هو الآن، لتفلت أنفاسه المحبوسة من صدره وهو يهب واقفًا ليأخذها في عناقٍ محموم.
هي تبكي، هو يدمع ويقبّلها، يقبّلها لفترةٍ طويلة، حتى بدأ فمها يؤلمها، بقدر ما يتألم قلبها، ولكن قلبها لا يتألم من العذاب هذه المرة، إنه يتألم لأنه لم يشعر قط بهذه السعادة، هذا الشبع. حرر شفتيها من بين شفتيه أخيرًا وأسند جبينها إلى جبينه، همس بأنفاسٍ متلاحقة مغمضًا عينيه. "أنا عمري ما كنت مهووس بالأطفال. لكن دي كانت أمنيتي.. أنا هابقى أب. هابقى أب!
ظل يكررها وكأنه لا يزال غير متأكدًا، لتؤكدها له "إيمان" محيطة وجهه بكفّيها الناعمين. "هاتبقى أب يا مراد.. هاتبقى أب يا حبيبي!! ابتعد عنها قليلًا لكي يتمكن من النظر إليها و عاتبها بلوعة. "ليه ماقولتليش أول ما عرفتي؟ ابتسمت له بشجنٍ قائلة. "كنت بفكر إزاي أعملها لك مفاجأة. وماكنتش ناوية أقولك الليلة دي كمان.. بس اضطريت عشان عايزاك توعدني! هز رأسه وهو يخبرها بعاطفةٍ جيّاشة.
"قولي. قولي عايزة إيه. أطلبي مني إللي انتي عايزاه!! هدأت وهي تسحب نفسًا عميقًا إلى رئتيها، ثم تقول بجدية. "إحنا قررنا نبدأ حياة جديدة. قررنا سوا إننا هانرمي كل الماضي ورا ضهرنا ونعيش مستقبلنا زي ما احنا عايزين.. أرجوك. لازم تنسى فكرة الإنتقام. تشيلها من راسك. وكفاية إللي عملته. فكر في أدهم وسمعته. فكر في بنتي.. احنا هنسافر ونبعد بس أدهم هايفضل موجود هنا. ولمى مسيرها ترجع.. أرجوك يا مراد. أوعدني!
ولو أن انتقامه هكذا سيبقى ناقصًا، فما زالت "راجية" على قائمته، وقد احتار كيف يعاقبها. ولكن ما تلقّاه من أخبارٍ سعيدة الليلة كان كفيلًا بقلب خططه رأسًا على عقب. فلم يمنع نفسه من تقديم وعده لها بثقة. "أوعدك يا إيمان.. أوعدك…" وأمال رأسه من جديد ناويًا تقبّيلها، فحال كفّها بين شفاههما وهي تقول برقةٍ مرحة. "لأ. كفاية كده بقى. بالشكل ده مش هاننزل من هنا الليلة دي. ممكن لما نرجع! وضحكت بدلال.
ابتسم بمكرٍ وقال وحماسته تشتعل منذ الآن. "انتي كده إدّبستي خلاص. مش هقبل أيّ أعذار لما نرجع." أحاطت عنقه بذراعيه هامسة بكل ما يعتمل بداخلها من شوقٍ لا يفنى ولا يبلى إليه. "أنا إللي مش هقبل إنك تبعد عني لحظة واحدة.. مش هاسمح لك!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!