الفصل 3 | من 15 فصل

رواية اوتار حاده الفصل الثالث 3 - بقلم مروه اليماني

المشاهدات
23
كلمة
4,792
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 20%
حجم الخط: 18

في المول، قال ياسين بغضب: مش تفتحي يا أنسه. وقفت نور وقالت بغضب مماثل: أنا اللي أفتح يا أعمي... كسرت لي الموبايل. قال ياسين: عارفه أنتي لو اتكلمتي باحترام كان ممكن أفكر أديلك تمنه، بس للأسف أنتِ قليلة الذوق. قالت نور بغضب وسخرية: ده على أساس إني محتاجة فلوس من واحد زيك أنت. ضغط على يداه محاولاً تمالك أعصابه. أعطته إيمان السلسلة وأمسكت يد نور وأبعدتها عنه لتنهي تلك المشكلة.

نظر للخلف قليلاً ثم مضى في طريقه حتى خرج من المول. ثم صعد السيارة مع عاصم ومصطفى دون أن يخبرهم شيئًا أو يسبها، ولكن هذا الموقف لم يغادر ذهنه. قال مصطفى: أي يا عم مالك؟! ياسين: مفيش، ركز أنت في الطريق بدل ما نخبط في حاجة. *** ما زالوا يقفون مكانهم في صدمة، وخاصة نور التي اندفعت بالحديث، وكأنها في حرب وتلقن عدوها درسًا. قالت نور لصديقتها: إيمان أنا هرجع البيت، كملوا أنتوا.

قالت نيفين بغضب: لا هنكمل، مش معقول يا نور نبوظ اليوم عشان الغبي ده. نظرت لها نور وقالت: مش هقدر يا بنات، أعصابي تعبت بجد، نرفزني جدًا. إيمان: طب يلا يا حبيبتي، هنروح كلنا. *** توقف مصطفى أمام المعرض، فنزل الثلاثة وولجوا إليه. ظلوا يتجولون فيه وصعدوا للدور العلوي ومعهم التاجر. قال مصطفى: جميل أوي، إيه رأيكم؟ نظر عاصم لياسين، فقال ياسين وهو يصافح التاجر: ماشي، شكرًا، هنفكر ونكلمك.

هز الرجل رأسه إيجابًا ونزل الثلاثة. صعدوا السيارة، فقال ياسين: أنت عبيط يا بني. مصطفى: إيه، المكان معجبكوش؟ والله شكلكم بتسعبطوا ومش عايزين تشتغلوا. ياسين: والله عايزين نشتغل أكتر منك... عشان محتاجين فلوس. قال مصطفى بتعجب: أمال في إيه؟ عاصم: المكان مش حلو. ياسين: ده غير المنطقة دي نايمة، يعني آخرنا نهش دبان في المعرض ده. عاصم: عايزين منطقة زحمة، ومعرض عدل شوية... ده هناخده ونصرف عليه عشان يتجدد، يعني تكلفة أكبر.

مصطفى: اهاااا. ضربه ياسين على رأسه وقال: فهمت يا غبي. قال مصطفى وهو يزيل يد عاصم: ما تهدأ يا عم بدل ما نعمل حادثة. *** في غرفة نور، وضعت حقيبتها، ثم خلعت الحذاء وجلست على طرف الفراش وهي ما زالت غاضبة من نفسها ومن هذا الشاب الذي لا تعرفه. أعادت خصلات شعرها للخلف، وأمسكت حقيبتها، أخرجت الهاتف. قالت لنفسها وهي تنظر له: فاكر أن نور ياسر مستنية فلوس من واحد زيه. ماما.

قالت كلمتها الأخيرة وهي تنهض بزعر حين تذكرت أنها أخذت موعدًا من والدتها اليوم. نظرت في ساعتها ولملمت أشياءها بسرعة وارتدت الحذاء وأسرعت للأسفل. *** قادت سيارتها وعقلها يعبث في الماضي كماء يعبث البحر بالرمال. ما زالت تذكر اليوم الذي انفصلت فيه أمها عن أبوها. تتذكر حدة ياسر علام وقوته أمامها وهي في سن الرابعة عشر، ولم يتجاوز أخيها الصغير الخامسة بعد، لينحرموا حنانها ما تبقى من عمرهم، وينحرموا الدفء بجوارها. تذكرته وهو

يقف أمامها ويقول بصوت حاد: أنا اللي غلطان إني اتجوزت واحدة زيك وعملتلها قيمة، وجه الوقت اللي أصلح فيه الغلط ده... أنتي طالق، ولعلمك ولادك هيفضلوا هنا وهيتربوا أحسن تربية وأحسن عيشة، ومش هتشوفيهم طول ما أنا على وش الأرض. قال كلماته ورحل، وانهمرت الدموع من مقلتي أمها كشلالات من المياه الساخنة. لم يكفيه طلاقها، فأخذ أبناءها ليحطم قلبها.

بالفعل، استطاع أن يأخذهم منها ومنعهم من الذهاب إليها، ورباهم كما قال، أحسن مدارس وأجود أنواع الطعام والسيارات من أفخم الموديلات، ولكن ماذا يأتي كل هذا في حنان الأم؟ ماذا يأتي بجوار ضمة واحدة منها؟ فضمة منها تساوي أموال العالم بأسره. فمال الدنيا بأكملها لا يضاهي حضن دافئ من الأم يشعرك بالحنان والرضا، وكأنك تملك الدنيا بأسرها. لذلك قررت نور أن تذهب لأمها في الخفاء دون علم أبيها لتحظى بدقائق تساوي عدد أيام الأرض. ***

في منزل في إحدى عمارات مصر، راقي الأثاث، يحوي صالون مذهب من النوع الكلاسيكي والطراز العتيق الجذاب، وغرفتين. صغير المساحة بالنسبة لفيلا ياسر علام، ماذا يأتي بجواره؟ لا شيء، ولكنه دافئ على عكس سراياه الباردة، أكثر راحة وطمأنينة، فهو منزل جدها والآن منزل ابنته الوحيدة. دلفت بعدما فتحت لها أمها، احتضنتها بشوق وحنان. ودموع أمها لم تنقطع. لا تصدق عينيها، ترى فتاتها التي كبرت، هل تراها حقًا أمام عينيها الآن؟

غابت عنها كثيرًا حين رحلت، وكانت تخشى أن ترحل عن الدنيا قبل رؤيتها. فلا أحد يزورها سوى نور. قالت نور وهي تجفف لها عينيها: كفاية عياط عشان والله هعيط أنا كمان. زادت من احتضانها بقوة وقالت: وحشتيني يا نور عيني.. وحشتيني. قالت نور ببكاء: وأنتي كمان وحشاني أوي والله، لو عليا يا أمي ما أسيبك أبدًا، بس مش بأيدي. ***

جلست والدتها على الأريكة، وجلست نور بجوارها وهي تمسك يدها بقوة، وكأنها الحبل السري الذي يربطهم ولم ينقطع بعد. قالت أمها وهي تمسد على شعرها بحنان وتضمها إليها: احكي لي بقى عامله إيه؟ قالت نور بحزن: النهاردة خبطت في واحد في المول وتليفوني انكسر. اعتدلت والدتها بينما هي تحكي، ثم أردفت نور: كان خارج من محل إكسسوارات وكان مركز في العلبة اللي في إيده، وأنا كنت بكلم البنات وخبطنا في بعض.

نظرت زينب لها بيقين ولوم: وطبعًا مسكتيش للشاب. نور: يا ماما كان قليل الذوق جدًا، كان لازم أعامله بنفس الطريقة. زينب: نور، رغم إني مش عايشة معاكي، بس في كل مرة كنتي بتيجي هنا، كنت بعلمك الأصول يا بنتي وبعرفك دينك بيقول إيه... ومربيتكيش على كده... أنتي بنت، مينفعش تقفي وتعلي صوتك على واحد حتى لو غلط فيكي، تسيبيه وتمشي يا حبيبتي.

هزت رأسها إيجابًا، فهي تتفق معها في ذلك وتعلم أنها مخطئة، ولكنها شعرت وكأن بركان ثار داخلها إثر كلماته. وقالت وهي تنظر في الأرض: أنا جايلي عريس. فرحت والدتها وقالت لها بعدما رأت الحزن في عينيها: شكلك مش موافقة؟ هزت رأسها إيجابًا وأردفت: مش عايزة أحس إني ملك من أملاكهم وجه الدور عليا في البيع. شكه أنها جوازة مصلحة وخصوصًا أنه قريب عصمت هانم. احتضنتها أمها بحنان لتخفف عنها، وسرعان ما تحولت فرحتها لخوف وقلق على طفلتها.

*** في منزل نادر، وضعت نشوى الطعام على المائدة وجلست بجوار زوجها. قال: كان في مشكلة كبيرة في الشركة. رفعت نشوى حاجبيها متعجبة وقالت: ليه، إيه اللي حصل؟ نادر: مش مهم بقى... ياسين عامل إيه؟ نشوى: كويس الحمد لله... أنت مكلمتوش من يومها. هز رأسه بالنفي وقال: لا يا حبيبتي، ما أنا كنت مشغول في الشركة الفترة اللي فاتت. هحاول أكلمه النهارده. قالت نشوى ببرود: ماشي. أكملت طعامها وشعر نادر أنها غضبت منه،

فقال: هو قالك هيعمل إيه في موضوع الشغل. هزت رأسها بالنفي وقالت: لا، هكلمه بالليل. امبارح قفل عشان كان مش عايزنا نتكلم في موضوع السفر وكده. نادر: حبيبتي، سيبيه على راحته، وبعدين كلها كام شهر يا ستي ونسافر له إحنا في إجازة الميني ترم.

ابتسمت نشوى، وأكمل كل منهم طعامه في صمت، وهو يعلم أنه مهما حاول إقناعها، ستظل قلقة على ياسين. فهي رغم أنها لا تكبره إلا بأعوام قليلة، كانت أمه وأخته وصديقته. كيف لا تقلق عليه، وهي تهتم بكل أفراد عائلتها. فهي تشبه أمها، وكثيرًا ما يخبرها ياسين بذلك. ***

في المساء، ارتدى ملابسه الأنيقة ووضع البرفان الذي يحبه وربط رابطة عنقه. نظر لتلك الهدية وتذكر ما حدث معه في المول. تذكر تلك الغريبة قليلة الذوق التي تطاولت عليه في الصباح. أغلق العلبة بغضب وأخذها وخرج من المنزل. طرق باب شيرين، فتحت له. قال وهو يعطيها العلبة: كل سنة وأنتِ طيبة. ابتسمت شيرين وهي تأخذها وقالت: وأنت طيب... شكرًا أنك جيت. ثم أردفت وهي تشير بيدها للداخل: اتفضل.

دلف، وجدها حفلة صغيرة بها بعض البنات، وسيدة علم أنها والدتها، وشاب واحد. عادت إليه شيرين وهي تحضر والدتها، قالت وهي تشير إليها: ماما. ثم أردفت وهي تشير إليه: ياسين يا ماما، جارنا. قالت والدتها: أهلًا وسهلًا يا ابني. ياسين: أهلًا بحضرتك. ذهبت شيرين لتقف مع صديقاتها. قالت صديقتها المقربة أسيل: مين اللي واقف هناك ده؟ شيرين: ده ياسين، هبقى أحكي لك عنه بكرة في الشغل. قالت وهي تنظر إليهم وتبتسم: لقي هيطق، شوفي بيبصله إزاي!

ضحكت شيرين وحاولت كتم ضحكتها. بينما ياسين يقف، أتى لقي ومد يده ليصافحه قائلًا: أنا لقي. ابتسم ياسين وصافحه قائلًا: أهلًا... ياسين. لقي: أنت تعرف شيرين من زمان؟ ياسين رأسه بالنفي وأردف: لا، من يومين تلاتة. أنا جارهم في البيت اللي قصادهم على طول. ابتسم لقي وقال: اهاااا، عشان كده... أنا أعرفها من حوالي سنة و... قاطعه ياسين قائلًا ببرود: مش عايز أعرف... عن إذنك. وجدته شيرين سيرحل، فأسرعت إليه وهي تقول: ياسين. نظر لها

ثم في الأرض كعادته وقال: أنا لازم أمشي، معلشي. شيرين: طب مش هتستنى نطفي الشمع. ياسين: أسف، ورايا حاجة مهمة لازم أعملها... عن إذنك. رحل ياسين. وأتى لقي، وقف بجوارها وقال: هتفضلي باصة كتير؟ مش نطفي الشمع ولا إيه. نظرت له وقالت: اه... يلا. انتهى الحفل ورحل الجميع. قالت أمها وهي تعاونها في حمل الأطباق: مُريب أوي ياسين ده... شكله وراه أسرار كتير.

ألقت قنبلتها التي أرعبت قلب شيرين، ثم رحلت. وبدأ الشك يحيط بأسوار قلبها. ظلت شيرين مكانها تفكر في كلام أمها وفي ياسين. لا يبدو على وجهه الوسيم الريبة مطلقًا، ولا شك أنه يبدو مزعجًا وغليظًا في بعض الأحيان. ***

على مائدة الطعام، جلست تتناول العشاء مع والدتها بعدما أصرت على ذلك. فأبت نور أن ترفض طلب أمها الحبيبة، وخاصة أن سفر ياسر بك سهّل الأمر عليها كثيرًا. وأن سألها أحد إخوتها، ستخبرهم أنها كانت مع البنات. ستضطر للكذب! لماذا تضطر للقاء أمها في الخفاء؟ لما تضطر في كل مرة للكذب عليهم واختراع أي حجة لتجيب على سؤالهم السخيف "كنتِ فين؟!

". بينما يمكنها البقاء مع أمها طيلة العمر إذا أرادت. فهي فتاة مسؤولة وتبلغ من العمر ما يؤهلها للاختيار حتى لو أمام محكمة الأسرة. هل تخاف من أبيها أن يضربها أو يمنعها بقوته؟ أم الخوف على والدتها التي قد يؤذيها أو يقتلها ويخفيها إذا أراد؟ لم تتخيل أن أبيها يفعل هذا، فهي تعلم أنه طيب القلب ولن يؤذي أمها لأجلها أو لأجل صورته أمام أبنائه على الأقل، لكنها كانت على يقين أنه سيمنعها من العيش مع أمها.

نظرت لأمها وهي تبتسم، ثم أطعمتها. كم تمنت لو عاشت مع عائلتها تحت سقف بيت واحد، بيت يجمعها هي ووالدها وأمها وإخوتها، يجمعهم الحب، الدفء، الحنان. انتهوا من الطعام، فقالت نور وهي تنهض لتحمل الأطباق: خليكِ يا ماما، أنا هغسل الأطباق. زينب: لا خليكي يا حبيبتي. ابتسمت نور وقالت: لا، ما هو أنا مش هسيبك تغسلي الأطباق وتقفي على رجلك وتوجعك، كفاية أنك أصررتِ وعملتي العشاء.

قالت زينب بقلة حيلة وهي تعرف عناد ابنتها جيدًا: طب هدخل الأطباق معاكي بس. دلفت نور للمطبخ وتتبعها أمها. وقفت على الحوض تغسل الأطباق بعدما نزعت سترتها الزرقاء وطوت أكمام قميصها جيدًا. قالت أمها وبداخلها الحزن العميق: إنهاردة أول يوم اتعشى فيه...

فتحتي نفسي على الأكل. لم تكن الكلمات بالقدر الذي يجعلها تبكي، ولكن مضمونها يعكس مرارة الوحدة التي تحيا فيها أمها وتجعلها بلا نفس للحياة بأكملها. أرتمت في حضن أمها، لا تعلم كيف تواسيها. ترقرق دموعها، كانت تبكي بصمت، ولكن أمها شعرت بنبضات قلبها، وصدرها الذي يعلو ويهبط ببطء. ***

عادت إلى منزلها، دلفت غرفتها ووضعت الحقيبة على الفراش. لحسن حظها أنه لم يكن هناك أحد بالأسفل، الجميع بغرفهم. وقفت أمام المرآة تنزع ساعة يدها وقرطها الذي يزين أذنيها. دلف إياد، صاحب الوجه البشوش وسعادتها في هذا البيت. قال وهو يبتسم ابتسامته التي لا تفارقه: أميرتي الجميلة، كانت فين؟ ضحكت نور، فأردف بوجه متهكم هذه المرة: مقلتش حاجة تضحك على فكرة. نور: اه عارفة، بس كنت فكرت إني فلّت من السؤال ده.

إياد: هههههه، تفلتي من مين؟ ده أنا إياد. قالت نور وهي تقف: ماشي يا عم المفتح... كنت عند... قصدي كنت مع البنات. لم يلاحظ إياد ارتباكها الذي يوحي بكذبها، أو أدعاء ذلك! قال بشقاوة ومرح: يا عم المفتح!! ده أنتي خدتي على الجو المصري بسرعة تاني. ضحكت نور وقالت: ده على أساس إني اتولدت في أمريكا مثلًا... يلا روح نام عشان أنام أنا كمان.

خرج من الغرفة وأوصد الباب خلفه. تنفست بقوة وكأنه كان يمسك بتلابيبها ويخنقها. حمدت ربها أنه لم يلاحظ توترها ويعرف أنها تكذب. لا تعرف لماذا خافت من هذا المفعوص الصغير؟ هل لأنها لا تحب تلك الكذبة؟ المفروض أنها اعتادت عليها، وكانت تكررها قبل سفرها. ولكن ليس أمامها سوى ذلك، حتى لا يفشي أحد أخواتها سرها قصدًا أو بغير قصد أمام أبيها وامرأته الحي التي تبخ السم في أذنه، ومن ثم يمتصه قلبه.

ظلت جالسة على فراشها والأرق رفيقها، لم يغفل لها جفن، تفكر في هذا الغريب الذي صارعها اليوم. *** جلس هو أيضًا على فراشه، وكأن لهم نصيب في تشارك الأرق. فهو ظل يفكر في مشاكله التي لا تنتهي. كان يرى في عين شيرين تلك اللهفة، وخشي أن يكون ما بدر في ذهنه حقيقة. تمنى لو ظل هذا وهمًا فقط، ليس إلا. على صوت هاتفه الذي لم يكف عن الرنين منذ حوالي ساعة، أخذ هاتفه ورد قائلًا: الو يا نشوى. نادر: أنا نادر يا ياسين...

أردف وهو يضحك: بس الحكومة جنبي، خد بالك بقى. سمع صوت نادر يتأوه، فعلم أن شيرين ضربته مداعبة. قال ياسين وهو يضحك رغم ما به: سلم لي عليها وعلى الأولاد. نادر: الله يسلمك... معلشي بقى مقصر معاك اليومين اللي فاتوا... بس كان في مشاكل في الشغل. قال ياسين متفهمًا الأمر: لا ولا يهمك، ربنا يعينك. نادر: طب أنت عامل إيه؟ وأخبار الشغل؟ ياسين: أنا كويس...

والحمد لله لقيت شغل. اتفقت مع اتنين أصحابي يشاركوني عشان السيولة مش هتكفي المشروع، يدوب بيها أشتري معرض. نادر: ربنا معاك... ورسيت على الشغل في أي؟ ياسين: الموتوسيكلات... بس هنبدأ على قدنا كدا. نادر: إن شاء الله تكون فتحة خير عليك. ياسين: إن شاء الله. نادر: بتقولك نشوى لقيت معرض وبدأت ولا لسه؟ ياسين: لسه بنشوف مكان مناسب الأول، وبعدين هنشتغل. نادر: تمام، ابقى طمني عليك... هسيبك أنا بقى عشان تنام. أستودعك الله.

ياسين: في رعاية الله. أغلق هاتفه، وانهالت الأفكار عليه كأب يبرح ابنه ضربًا بالسياط فيتألم مرة خوفًا، ومرة حزنًا، ومرة حسرة. وكان لهذه الغريبة المتكبرة جزء منها. حاول جاهدًا النوم ولكنه لم يستطع، ولم يستطع حجب أفكاره والتخلص منها. كم هي مزعجة! ظل ينتقل من مقعد لمقعد ومكان لمكان بغرفته يحاول تمرير الوقت. ***

اختفى القمر أخيرًا، وبدأت الشمس في اعتلاء عرش السماء بتبختر وفخر، وكأنها تعلم أنها سر من أسرار الحياة. أزعجها الضوء الذي ينعكس عليها. نهضت سريعًا من على المقعد وأغلقت الستار. ثم غيرت ثيابها ونزلت مبكرًا. وجدت عصام: إيه اللي مصحيك بدري؟ ردت نور سؤاله بسؤال: أنت اللي مصحيك بدري؟ قال بحدة: أنا عندي شغل وشغلي ملوش مواعيد، ثم أردف محذرًا: ودي آخر مرة هسمح لك تردي على سؤالي بسؤال. ازدردت غصتها وقالت: أنا كمان عندي شغل...

سلام. ودعته ورحلت، فذهب هو الآخر لعمله لأن اللواء يريد منه الحضور فورًا. *** في مكتب سيادة اللواء إبراهيم بيه الدهشوري، دلف عصام وأدى تحيته العسكرية. قال اللواء: اقعد يا سيادة الرائد. رفع حاجبيه متعجبًا، فهو ما زال نقيب. قال: أنا يا فندم. قال اللواء إبراهيم بغضب: هو في غيرك في المكتب؟ ابتسم عصام وقال: لا يا باشا، قالها وهو يجلس. فقال اللواء: مبروك، الإدارة قررت ترقيتك وخصوصًا بعد العملية الأخيرة.

قال عصام بسعادة: شكرًا يا فندم، إحنا في خدمة الوطن. *** فتحت الباب، وجدت نور أمامها. احتضنتها أمها بقوة وقالت: مقلتليش إنك هتيجي. نور: حبيت أعملك مفاجأة... واعملي حسابك كل يوم هاجي أفطر معاكي. ضحكت زينب وقالت: بيتك يا بنتي، تيجي في أي وقت. *** في فيلا عثمان والد عاصم، يجلسون على المائدة ويتناولون الطعام. هم الثلاثة بعد وفاة الجميع، صارت العائلة تتكون منهم فقط. قال عثمان: إيه أخبار مشروعكم الجديد؟

عاصم: لسه بندور على معرض يا عمي. مصطفى: عاصم وياسين دول ميعجبهمش العجب أصلًا. ضحك والده ثم قال متعجبًا: هو ياسين رجع من السفر امتى؟ عاصم: من فترة. إحنا نسينا نقولك إنه شريك معانا في المشروع ودي فكرته أصلًا. قال عثمان وهو ينهض: ماشي يا ولاد، ربنا يوفقكم. ثم قال وهو يشير لهم بيده متوعدًا: متنسوش تعزموا الولد ده على الغداء، وحشني وعايز أسلم عليه. هز مصطفى رأسه إيجابًا وقال ممازحًا: أوامر معاليك يا فندم.

ضحك والده ثم رحل. قال عاصم لمصطفى: قولت للسمسار على مواصفات المعرض اللي إحنا عايزينه؟ مصطفى: أيوه، قالي يومين وهكلمك. بقولك إيه، الموضوع ده شكله هيطول. ما تيجي نروح الشركة مع بابا بدل القعدة دي. عاصم: ماشي، بس تعالَ نعدي على الواد ياسين الأول. قالها عاصم وهو يقف ويوعك آخر قطعة من التوست. *** دلف الحارس وهو يحمل الحقائب، صعد بها للأعلى، وبعده دلف ياسر وزوجته. قالت: يعني أنت عرفتها إنهم جايين النهارده. ياسر: أكيد.

عصمت: معتقدش إن نور هترفضه. شريف عريس لقطة، أي بنت تتمناه. ياسر: والله تقبله، ترفضه هي حرة. عصمت: أنت هتفرط في عريس زي ده لبنتك؟ دي فرصة متتعوضش، شاب ابن ناس ومتربي كويس وعارفينه ومستقبله مضمون، يعني مفيش أحسن من كده. قال ياسر بغضب وثقة: والله أنا اللي بنتي فرصة متتعوضش، ويتمناها ألف واحد، وبرضه هيفضلوا مش من مقامها. دي دكتورة نور بنت دكتور ياسر علام. قالت عصمت بغيظ دفين تداريه تلك العيون والابتسامة: اه طبعًا.

نزل إياد سريعًا من على الدرج قال: بابا، حمد الله على السلامة. ابتسم ياسر وقال: الله يسلمك يا حبيبي. إياد: طب سلام بقى عشان بنتك سابتني الصبح وراحت هي الجامعة. ياسر: طب السواق برا هيوصلك. إياد: ماشي... بس خلي بالك، أنا لسه فاكر وعدك ومش هسيبك إلا لما يجيلي موتوسيكل عشان نور شكلها اتخنقت مني. قالها وهو يفتح باب الفيلا ليخرج. قال والده بلامبالاة: هنبقى نشوف الموضوع ده بعدين.

عصمت: أنا هطلع أرتاح شوية من السفر. هتروح المستشفى؟ قال ياسر وهو يبتسم: أيوه... بس هفطر على ما السواق يوصل إياد ويجي. *** الثالثة عصرًا، رن الجرس، فذهب مصطفى ليفتح: مواعيدك مضبوطة. قالها وهو يصافح ياسين الذي قبل دعوتهم على الغداء اليوم، وخاصة أنها دعوة مباشرة من السيد عثمان الذي يعتبره في مقام الوالد، فهو رجل ذكي وحكيم، دائمًا يذكره بوالده. قال عاصم وهو ينهض من على مقعده ليرحب بصديقه: أكيد مش ياسين القاضي.

ضحك ياسين وقال: طب يا عم الفالح أنت... هو فين عثمان بيه؟ مصطفى: طلع فوق ونازل حالًا... اقعد يا ياسين. بعد دقائق، حوالي عشر دقائق، نزل عثمان البارودي، فقام ياسين وقال: أهلًا عثمان بيه، حضرتك عامل إيه؟ عثمان: كويس يا حبيبي، اتفضل. قال كلمته الأخيرة وهو يشير لمائدة الطعام. جلسوا جميعًا على المائدة ورص الخادم الطعام عليها. قال عثمان وهو ينظر لياسين مبتسمًا: أحلى حاجة يا ياسين إنك شجعت الأولاد دول يعملوا مشروع لوحدهم.

ضحك ياسين وقال: أنا حاسس بيك، هما فعلًا خانقين. ضحك الجميع وقال مصطفى ممازحًا: بقا كده... ماشي، بكرة تقول ولا يوم من أيامك يا مصطفى. ضحك عاصم وقال: يا أخي، اتنيل. *** بينما في منزل ياسر علام، قال عصام بفرح شديد وهو يجلس على مقعده ليشاركهم الغداء: بابا، أنا اترقيت لرتبة رائد. قال ياسر وهو يبتسم: اه، ما النسر منور كتفك. نور: مبروك يا حبيبي... عقبال ما نشوفك لواء. ضحك الجميع،

وقالت عصمت بمكر: عقبال ما نفرح بيكي أنتي يا حبيبتي. رمقتها نور بطرف عينها وقالت: إن شاء الله. عن إذنك يا بابا، هطلع أوضتي أريح شوية. ياسر: ماشي يا نور. عصمت: ارتاحي يا حبيبتي عشان لما الضيوف يجوا تبقي كويسة ووشك رايق. غادرت نور بضيق وهي تعلم ما تريده عصمت، ولو رفضت هذه الزيجة، ستفعل لتفسد خطتها ليس إلا.

مال لون السماء إلى الأسود تزينه نجومها اللامعة. كان الجميع مجتمعون في غرفة الصالون. قال شريف، وهو شاب طويل القامة في عمر أخيها عصام ويعمل معه في قسم مكافحة المخدرات وهو نقيب: مبروك يا عصام... فرحت لك جدًا يا صاحبي. عصام: الله يبارك فيك. نظر شريف لياسر واعتدل قائلًا: أنا طالب إيد نور يا عمي، وسأكون سعيدًا لو قبلت طلبي، لأن لي الشرف أن أكون واحدًا من عائلتكم. قال ياسر: والله يا ابني، أنا ما عنديش مانع.

ثم أردف وهو ينظر لنور: بس الرأي في الآخر يرجع لنور، لازم هي كمان توافق. قالت عصمت للخادمة وهي تبتسم: اعملي شربات. قالت نور وهي تنظر لعصمت: بيتهيأ لي ناجل موضوع الشربات ده، أنا لسه هفكر والوقت قدامنا طويل. شريف: أكيد يا نور، خدي وقتك وفكري كويس. قالت عصمت وهي تحاول إخفاء غضبها وتنظر لأختها الصامتة منذ البداية والتي ظهر على وجهها الوجوم من فعلت نور: طب هاتي عصير.

انتهوا من تناول العصير، وأخبرتهم والدة شريف أنهم سيرحلون. وأخبر شريف نور أنه ينتظر قرارها. فظلت نور في غرفتها تفكر حتى غلبها النعاس ونامت. *** بينما في غرفة ياسر وعصمت، قالت عصمت بغضب: ينفع اللي بنتك عملته ده؟ ياسر: عملت إيه يعني؟ أنا مش شايف أنها عملت حاجة. البنت قالت رأيها، وده من حقها. قالت عصمت وهي تجلس على الفراش: أيوا، بس كانت المفروض تتكلم بطريقة أحسن من كده. أميرة كانت متضايقة وكان باين عليها. ياسر: والله...

بقول إيه يا عصمت، ملناش دعوة إحنا، وسيبيهم الولاد يخططوا حياتهم زي ما هما عايزين، سواء نور وافقت أو رفضت. أنا مش عايزك تتكلمي في الموضوع ده. قالت عصمت بتعجب: أنت شايف كده؟ قال ياسر وهو يطفئ النور: اه، وسيبني أنام عشان عندي شغل. في الأسفل، كان عصام يجلس منتظرًا إياد الذي لم يأتِ بعد. فُتح الباب، فوقف وقال: كنت فين يا أستاذ؟ إياد: إيه يا أبيه مالك؟ كنت مع صحابي عادي يعني. قال عصام بنفاذ صبر: لا ولا حاجة...

مش المفروض تشيل المسؤولية بقى. شريف كان جاي يتقدم لأختك، وكنت فاكرك بقيت راجل وقلت لك عشان تبقى موجود، بس للأسف طلعت عيل. إياد: عادي يعني، ما أنا عيل... مسؤولية إيه يا أبيه؟ يعني أنا عايز أفهم، وجودي كان هيفرق في إيه؟ عصام: عندك حق، أنا اللي غلطان إني عايز أخليك راجل يعتمد عليه. ثم أردف وهو يدفعه نحو الدرج: اتنيل اطلع نام عشان جامعتك، ولينا كلام تاني لما تصحى عشان رجوعك متأخر.

صعد إياد لغرفته وهو يتمتم: يااا ربي، هو مفيش غيري في البيت ده بيتهزق؟ أمته نخلص بقى. *** أنا بريء... بريء، قالها ياسين وهو يصرخ بقوة ويضرب بيده الحديد. تململ في الفراش والعرق يكسو وجهه، ففزع من على الفراش.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...