الفصل 4 | من 15 فصل

رواية اوتار حاده الفصل الرابع 4 - بقلم مروه اليماني

المشاهدات
22
كلمة
4,007
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 27%
حجم الخط: 18

أنا برئ .... برئ قالها ياسين وهو يصرخ بقوة ويضرب بيده. تململ في الفراش والعرق يكسو وجهه. فزع من على الفراش وأشعل ضوء المصباح الكهربي. ثم أمسك رقبته يتحسسها، كان يشعر وكأنه يختنق، وكأن أوتار الماضي الحادة تلتف حول عنقه بقوة لتأخذ روحه معها. شرب من الماء الموضوع بجواره ونهض من على الفراش سريعاً بعدما أزال الغطاء. صلى ركعتين ليريح قلبه، ثم ظل يتجول في المنزل حتى تعبت قدماه فجلس على الأريكة.

مر سبعة أيام منذ لقائه بنور في المول. سبعة أيام لم يفعل فيهم شيء سوى التفكير في الماضي وعدد الأيام التي تمر من عمره بلا فائدة. صلى الفجر وجلس مكانه ليرتل ورد القرآن. بعدما انتهى، عادة به ذاكرته إلى الماضي. بعدما انتهى من صلاته، جلس والده بجواره واضعاً يده على كتفه وقال: "حاجتين اثنين يا ياسين،

إياك تسيبهم في حياتك: الصلاة والقرآن. مهما كان عندك مشاكل أو هموم، ارمي حملك على الله وقرب منه، هتلاقي حلول لمشاكلك وراحة مهما كان الحمل تقيل." ابتسم لياسين وضمه أباه إلى حضنه وقبل جبينه. قطع تفكيره صوت هاتفه المزعج. أمسك هاتفه بكسل وقال: "آلو." مصطفى: إيه يا بني انت فين؟ ياسين: في البيت. مصطفى: مش هتيجي المعرض؟ ده الحاجه جايه انهاردة. ياسين: هغير وأجي على طول. مصطفى: ماشي... سلام. "كيف نسيت هذا اليوم يا ياسين...

اليوم ستفتتح المعرض أخيراً. اليوم ستتغير حياتك وتبدأ رحلتك من جديد." هذا ما قاله ياسين لنفسه وهو ينهض من على الأريكة. *** في المعرض، كان عاصم ومصطفى منشغلين مع العمال في تنظيم المعرض ووضع الدراجات البخارية على مسافات متساوية. دلف ياسين وهو مبتسم واحتضن عاصم ومن ثم مصطفى وهو يقول: "مبروك." عاصم: مبروك علينا كلنا.

انتهوا من وضع الدراجات وتوزيعها على الطابقين الموجودين في المعرض وتركوا المساحة الموجودة أمام المعرض فارغة. قال مصطفى بمرح وحماس: "إن شاء الله نملا المعرض دا قريب. أنا بدأت أتفاءل يا جماعة." ضحك عاصم ثم نقل الاثنان نظراتهم بين ياسين وبين بعضهم البعض يتساءلون عن صمته الطويل وكأنه ليس معهم. قال عاصم بتساؤل: "ياسين مالك؟! أنت مقولتش غير كلمة واحدة من ساعة ما جيت."

قال ياسين الذي كان يفكر في هذا الكابوس الذي راوده اليوم مجدداً، مثلما حدث في أسبوعه الماضي. وكأن هذا الكابوس وعده بعدم الرحيل وعدم تركه وحيداً: "أنا كويس متقلقوش... بس بفكر في انهاردة، يا ترى هيكون عامل إزاي؟! نهض مصطفى وربت على كتفه وقال: "يا عم سيبها على الله، مش دايماً كنت بتقول كدا." ثم قال ممازحاً وهو يضحك: "مش عيب تقول حاجة ومتعملهاش ولا إيه يا بطل؟ نظر له ياسين ووجهه تعتليه ابتسامة زائفة: "معاك حق...

يلا نجهز المكان مع العمال عشان الافتتاح." انشغلوا في ترتيب حفل الافتتاح، ولكن عقله كان منشغل بشيء واحد فقط، هو الماضي المزعج الذي يأبى الرحيل. *** "يا ربي مش عارفة إيه إلي خلاني أسمع كلامك وأجي كدا، هتأخر على الشغل." قالتها إيمان وهي تجلس على الفراش في غرفة نور التي ظلت تتحرك ذهاباً وإياباً بدون كلل أو ملل. قالت وهي تنظر في الأرض: "مش لازم تروحي.. مجاش غلي انهاردة يا معالي الوزيرة."

إيمان: طب ممكن أفهم جايباني على ملي وشي ليه؟! جلست نور وقالت بحزن: "مبطلتش تفكير في اللي حصل في المول من يومها." نظرت لها إيمان بغضب وحاولت تمالك أعصابها وقالت: "أسبوع كامل يا نور... أسبوع كامل ارحميني أبوس إيدك." نظرت لها نور وقالت: "أصلي غلطت في الشاب وحرجته، بس هو بصراحة طلع محترم. أنا كنت متخيلة رد فعل تاني خالص! إيمان: أه فعلاً... بس إنتي لما تفكري في الموضوع إيه اللي هيحصل يا روحي....

ممكن مترهقيش نفسك وتنسي اللي حصل. نور: حاولت ومعرفتش. قالت إيمان: هو إنتي لو شفتي الشاب تاني هتعتذري؟ أجابتها نور بحيرة: مش عارفة! قالت إيمان بغضب وصوت حاد: "قومي يا نور البسي خلينا نخرج... قومي أنا عارفة إنك هتجننيني قريب." *** تململت على الفراش وهي تشعر بالتعب والإرهاق الذي يدب في أوصلها ويهشم عظامها. نظرت في هاتفها لتتفحص الساعة وجدتها التاسعة. كيف لم تستيقظ على صوت المنبه؟ ماذا فعل أولادها وزوجها؟

هل ذهبوا لأشغالهم دون تناول الإفطار؟ وكيف لم يوقظها نادر؟ وضعت الهاتف وأعادت يدها بهمجية ولكنها شعرت وكأنها لمست شيئاً ما وحركته قليلاً. فتحت عينيها ببطء وبدأت الصورة تتضح أمامها. رأت علبة سوداء يزينها شريط أحمر موضوعة على الكومدينو. ثم ظهر فجأة من الفراغ ودون سابق إنذار، وقف واستند على حافة الباب بيديه اللتان يضمهما إلى صدره. قال وهو يبتسم: "صباح الخير يا أحلى شوشو في الدنيا."

رأى علامات الضجر تعتلي وجهها وهي تضغط على شفتها لتحاول تمالك أعصابها. فقال سريعاً بعدما أدرك أن هذا الاسم يثير غضبها واشمئزازها: "قصدي أحلى نشوى في الدنيا." قالت نشوى بوجه تعلوه ابتسامة: "صباح النور يا حبيبي." ثم أردفت مستفهمة: "هو أنت مصحتنيش ليه؟! نادر: لقيتك تعبانة ومش قادرة، طفيت المنبه وصحيت عملت للأولاد سندويتشات وفطرنا. قالت نشوى بفرح وهي تعدل على السرير: "ربنا يخليك ليا."

نادر: ويخليكي ليا يا أجمل زوجة في الدنيا. ابتسمت ولكنه لاحظ عينيها التي كانت تركز على شيء واحد فقط، مسلطة عينيها عليها، تلك العلبة السوداء. فجلس بجوارها على الفراش وحمل العلبة ثم أعطاها إياها. وقال بوجهه البشوش: "انهاردة حصلت أحلى حاجة في حياتي.... اليوم اللي دخلتي فيه حياتي ودخل معاكي النور والبركة ليها.... أنا بحمد ربنا كل يوم إنه رزقني بيكي."

كانت كلماته صادقة فتسللت بسرعة إلى قلبها وتوغلت في أعماقها. كم هو جميل هذا الصباح! قبل رأسها وقال وهو ينهض سريعاً: "كان نفسي أقعد أكتر من كدا بس متأخر على الشغل ومقدرتش أفوت الفرصة وأروح الشغل قبل ما أصبح عليكي." ثم أردف وهو ينظر لها مودعاً بيده: "نكمل كلامنا بالليل على العشاء يا جميل." ***

كان الصمت سائد بينهم وكل منهم ينغمس في تناول طعامه. حتى إياد، صاحب الوجه المرح في البيت والذي لا يصمت فمه عن الثرثرة والهزار أبداً، كان يسود عليه الصمت وطُفئ هذا المرح. وكان كل منهم يجلس على مقعده. أبها يجلس في المنتصف كعادته، وبجواره على يده اليسرى زوجته ونور، وعلى الجهة اليمنى عصام وإياد.

حتى قطع هذا الصمت أخيراً صوت هاتفها الموضوع أمامها على المائدة بجوار طبقها. تناولته بسرعة وهي تنظر لزوجة أبيها التي ترمقها وتحاول رؤية المتصل. ردت نور بتردد قائلة: "ألو." زينب: إيه يا نور قلقتيني عليكي يا حبيبتي... بقالك يومين مبتجيش. نور: أنا كويسة الحمد لله بس كنت مشغولة شوية يا نيفين. علمت والدتها بخبرتها أن هناك أحد من العائلة بجوارها فقالت: "في حد جنبك؟ نظرت نور حولها بتردد وقالت: "أنا بتغدى...

هخلص وأكلمك بعدين." أغلقت الهاتف ووضعته على المائدة ثم أكملت تناول طعامها. قالت زوجة أمها التي ترمقها بطرف عينها: "هي مش نيفين كانت معاكي الصبح... غريب أنها ترن في وقت زي ده." نظرت لها نور وقالت: "تحبي حضرتك تحطيلي جدول أوزعه على أصحابي عشان يرنوا عليا في وقت يناسبك؟ حاول إياد كتم ضحكته ولكنه لم يستطع، وكذلك الجميع، ولكنهم اختلفوا عنهم في تمكنهم من السيطرة على أنفسهم. قال والدها معاتباً: "نور...

مينفعش تكلمي عصمت بالشكل ده... دي زي والدتك." قالت نور بعفوية: "لا عمرها ما كانت ولا هتكون زي أمي." نظر لها والدها بغضب وقال بحده: "اعتذري." لم تعتذر تلك العنيدة وأخذت هاتفها ثم انطلقت مهرولة وتركت لهم المكان بأكمله متوجهة لغرفتها. قالت عصمت بحنان وهي تضع يدها على رسغ ياسر وتكمل مسرحيتها السخيفة: "لا يا ياسر مكنش ينفع تضغط على البنت كدا...

هي صغيرة. وبعدين نور بنتي وأنا مسامحاها مهما غلطت فيا، بس عشان خاطري أوعي تزعلها تاني... لأنها كدا ممكن تكرهني." أكمل إياد طعامه بعدما نظر لأخيه وأبتسم ساخراً من كلام تلك الحرباء. "ألم تعرف بعد أنها تكرهها، تكره وجودها واحتلالها مكان أمها في العائلة! هذا ما جال بخاطرها بعدما استمعت لحديث زوجته الشمطاء وهي تصعد الدرج. ألقت جسدها على الفراش وظلت تبكي حسرة. ***

دلف عصام المطعم الفاخر وهو ينظر حوله يبحث بين الجالسين عن خاطبته. وجدها تشير له من على طاولتها فتوجه إليها، ثم سحب مقعداً وجلس. قالت: "أخيراً شفتك." قال عصام مبرراً: "أسف يا حبيبتي الشغل كتير جداً." سارة: يا حبيبي مقدرة والله... بس على الأقل أبقى رد عليا. عصام: حاضر... استحمليني بقى الفترة دي كلها، أسبوع ونبقى في بيتنا. ابتسمت سارة وقالت: "حاضر عشان بحبك مستعدة أستحمل العمر كله." بادلها الابتسامة ثم قال: "تشربي إيه؟

سارة: لا لا هنتغدى الأول. عصام: يا حبيبتي ما إنتي عارفة اليوم اللي بكون فيه في البيت لازم أتغدى مع بابا... دي قوانين دكتور ياسر. ثم ضحك فضحكت. قال: "بس ممكن أنا أشرب قهوة وإنتي اطلبي غداء." *** وقف يتأمل حوله وابتسامته أخيراً وجدت طريقها لوجهه وهو يرى نجاحه الذي تمناه بدأ في البزوغ. نظر لأصدقائه يتأمل وجوههم التي يكسوها الفرح والبشاشة وهم يستقبلون المهنئين.

دلف والد مصطفى المعرض ليشاركهم تلك الفرحة ويهنئهم على المعرض، فتوجهوا نحوه فرحين كفرحة طفل يوم العيد بملابسه الجديدة. *** أما في غرفة ياسر، قالت عصمت وهي تجلس أمام المرآة: "هي بنتك لسه مفكرتش.... بيتهيألي أسبوع كفاية أوي عشان تاخد قرارها." قال ياسر بغضب وهو يترك ما بيده وينهض من على فراشه: "يوووه مش هنخلص بقى من الكلام في الموضوع ده..... كل يوم قبل ما ننام تقولي نفس الكلمتين." قالت عصمت بحده: "إنت بتزعق ليه دلوقتي؟!

ياسر: مبزعقش.... هي من حقها تاخد وقتها ويلا بقى عشان ننزل نتعشى مع الأولاد، زمنهم مستنينا على السفرة. نزلوا للأسفل وهي تنظر لنور كلما اقتربت وكأنها عدو لها تقترب من الحرب التي نشبت بينهم. جلست بحوارها كعادتها. قال إياد: "ها يا بابا هفضل أتمرمط في المواصلات كدا كتير.... مش ناوي تحن عليا وتجيب لي الموتسكل بقى؟ نظر له والده لعصام وقال: "هبقى أشوف الموضوع ده بعدين يا إياد مش وقته." شعر إياد أن والده يتهرب منه،

كاد يتكلم ولكن قال عصام: "ما السواق تحت أمرك، أنا مش شايف إن فيه أي لازمة دلوقتي يا إياد." قال إياد: "بس أنت وعدتني." قال ياسر بغضب: "إياد اقفل على الموضوع ده ومتفتحهوش تاني فاهم." قالت بخبث وهي تنظر نحو نور: "قولي لي يا حبيبتي خدتي قرارك في موضوع شريف؟ رمقها ياسر بغضب، فقالت نور وهي لا تعيرها اهتمام وتنظر في الطبق الذي أمامها: "خدت قرار ومش موافقة." هنا قال عصام وهو ينظر لها متعجباً: "ليه مش موافقة؟!

نور: شريف شاب كويس وطبعاً أي واحدة تتمناه ومفيهوش عيوب وكل حاجة زي ما أنتوا بتقولوا، بس مش مناسب ليا أنا. عصام: في حد تاني في حياتك؟ نظرت ساخرة، كانت تتوقع هذا السؤال ولكن ليس من عصام بل عصمت. قالت: "حبيبي مش شرط عشان رفضت يبقى في حد تاني.... كل الفكرة إني مش شيفاه مناسب ليا." قال ياسر وهو ينظر لها مبتسم لينهي هذا النقاش: "خلاص يا حبيبتي اللي يريحك." ثم أكملوا طعامهم جميعاً وكل منهم عاد لصمته منشغلاً بأفكاره. ***

"حاضر يا حبيبتي خلي بالك إنتي بس من نفسك ومتقلقيش عليا، أنا كبرت والله." قالها ياسين وهو يفتح باب منزله ويتحدث مع نشوى التي كانت تبارك له هي وزوجها نادر على المعرض. سمع ما قالت وهو يغلق الباب، ثم قال: "الحمد لله." أغلق هاتفه وخلع سترته وهو متوجه لغرفته. ألقى السترة، ثم جسده على الفراش وتعتليه الابتسامة كلما تذكر حفل الافتتاح وقال "الحمد لله". *** بينما في غرفة عصمت التي كانت تشتعل غضباً من نور، قالت لياسر بحده

وهي تجلس على طرف الفراش: "لا كدا كتير أوي بصراحة..... أنت عاجبك اللي بنتك عملته ده؟ قال ياسر بضيق: "يا رب ارحمني برحمتك." ثم نزل أسفل الفراش وأردف: "اطفي النور عشان أنام." وقفت وأطفأت النور، ظلت تنظر له قليلاً ثم خرجت من الغرفة وظلت بالحديقة تفكر في مخططها حتى الصباح، لا تعبأ ببرودة الجو. *** مع بزوغ شمس اليوم التالي. ثم رحل. وقفت نور أمام منزل زينب تنتظرها لتفتح لها. بعد دقائق من الانتظار، فُتح الباب أخيراً.

قالت نور بقلق: "ماما إنتي كويسة؟ بقالي فترة برن الجرس." زينب: معلشي يا حبيبتي كنت نايمة. دلفت نور فقالت زينب: "إنتي عملتي إيه في موضوع شريف؟! نور: عملت زي ما اتفقنا بالظبط وبابا سهّل علي الأمور لما وقف في صفي وقال إنه حقي.... كنت خايفة إن عصام والست عصمت يقوموه عليّ. زينب: الحمد لله يا بنتي إن ده محصلش. نور: الحمد لله.... هدخل أعمل الفطار بسرعة لحسن هموت من الجوع وأكيد إنتِ كمان.

هزت زينب رأسها إيجاباً ثم دلفت نور لتعد الطعام. وقفت نور في المطبخ وعقلها منشغل ليس بأمها فقط، وإنما بعصمت تلك التي صارت كارثة كبرى في حياتها وتخرب كل شيء عليها. *** في المعرض، دلف ياسين وهو يحمل بعض الأكياس. قال: "الفطار.... يلا يا ابني أنت وهو."

جلسوا يتناولون الطعام ويتحدثون وضحكتهم لم تنقطع. ورغم تحقق ما يحلم به، كان يشعر أنها حلاوة البدايات فقط وما هو آتٍ أكبر. لا يعلم لما يراوده هذا الشعور، فسر ذلك لأنه كان له تجربتين سابقتين بدأ كما يريد وانتهى نهاية لم يتوقعها. لاحظ رفاقه هذا الشرود الذي بدأ عليه، فقال عاصم متسائلاً: "ياسين! .... مالك؟ ياسين: أنا كويس متقلقش... يلا نشوف شغلنا.

نهضوا جميعاً وذهب كل منهم لعمله كما اتفقوا، وزعوا أدوارهم. فعاصم سيدير الحسابات وكل ما يتعلق بها لأنه خريج التجارة بينهم. مصطفى مسؤول عن إدارة المكان والعمال لأنه خريج إدارة أعمال. أما ياسين فكان هو من يستقبل الزبائن ويبيع لهم بعدما يشرح لهم مواصفات كل دراجة.

ظل يبتسم وهو يستقبل الناس، منهم من يشتري ومنهم من يشاهد ويخرج. ورمى تلك الأفكار بعيداً وقرر أن يحيي كل لحظة بلحظتها ويترك ما هو آتٍ في يد الله، فهو المدبر والمعين. أوشكت الساعة على التاسعة مساءً، فأجتمع الثلاثة. قال ياسين: "أنا بقول كفاية كدا النهارده، معتش قادر." عاصم: تمام... الحمد لله من امبارح للنهاردة بعنا 5 موتسيكلات.... إلا من الحق يا مصطفى الشحنة الجديدة هتيجي امتى؟ مصطفى: أول الأسبوع إن شاء الله...

وبطلوا قر، إحنا لسه بنقول يا هادي ها. ضحك الثلاثة ثم رحل كل منهم بعدما اشترى ياسين دراجته الجديدة التي كان يتشوق لقيادتها، وها قد أصبحت معه رغم ثمنها المكلف، إلا أنه أصر على شرائها. *** في منزل نور، كانوا يتناولون العشاء. قال إياد: "يرضيك يا بابا كل يوم نور تمشي بدري وتسيبني؟ نظر لها والدها متعجباً وقال: "إنتي بتروحي فين بدري كدا يا نور؟! أنزلت نور الكوب من يدها، كانت تتوقع هذا السؤال وها قد أتى وقته.

قالت: "مفيش يا بابا بروح لإيمان ساعات وساعات بيكون عندي حاجات مهمة قبل الجامعة. إحنا قولنا تجيبله المتسكل وتريحنا من زنه." ضحك والدها والجميع عدا عصمت التي كانت ترمقها بنظراتها الحاقدة. قال إياد: "أنا رحت النهارده مع أصحابي وسألت وطلبت المكنة اللي عايزها، قالوا لي أول الأسبوع هتكون موجودة." نظر له والده بغضب وقال: "إنت برضوا عملت اللي في دماغك. إحنا مش قفلنا الموضوع ده قبل كدا وقلنا مفيش متسكلات هتيجي."

قالت نور لتهدئة والدها: "ممكن تفهمني يا بابا ليه لأ؟ أنت كنت وعدت إياد ولازم توفي بوعدك ليه؟ ياسر: أخوكي متهور في السواقة وأنا مش مستعد أخسره، مش كفاية عصام برا وكل يوم مأموريات وعصابات وحاجة آخر قلق. ترك إياد الطعام وصعد لغرفته، فتبعته نور قائلة: "عن إذنك يا بابا." قالت عصمت بخبث: "اهدأ يا حبيبي الأمور متتاخدش كدا." نظر لها ياسر وظل صامتاً لم يتفوه بكلمة واحدة.

في الأعلى، دلفت نور غرفة أخيها الذي كان يجلس على طرف الفراش وعليه علامات الحزن. جلست بجواره. قال إياد وهو مازال ينظر في الأرض: "يا ريت أمي كانت عايشة، كنت على الأقل لقيت حد ياخدني في حضنه ويقف جنبي." حزنت جداً لأجل أخيها وقلبها يعتصر ألماً، فهو يظن أن أمه ماتت!

كما أخبره والده بعدما أقنعته عصمت أن هذا الحل مناسب ليبتعد عنها ابنه ويحافظ عليه. ربما كان هذا أحد أسباب نور لتكره عصمت، لكن نور لم يكن بيدها شيء، تخشى أن تخبر أخيها فيغضب والدها منها ويعاقبها وتتألم لحال أخيها الذي يحتاج لأمه ويظن أنها راقدة تحت التراب. قررت نور أن تطفئ نار أخيها قليلاً وتحقق له شيئاً واحداً على الأقل، حتى لو اضطرت أن تتحدى أرادت والدها، ولأنها كانت تعرف جيداً كيف تقنعه بأمر كهذا، احتضنت أخيها.

قالت: "وأنا فين يا عبيط؟ أنا ضهرك والحضن اللي هيحميك من العالم كله واللي هيضمك في الوقت اللي تحتاجه. ولو على المتسكل يا سيدي هاجي معاك أنا وأجيبهولك على حسابي." اعتدل أخيها ورأت ابتسامة على وجهه وهو يقول: "بجد! ... أوعى يكون كلام وخلاص." أشارت نور لنفسها وقالت: "بذمتك أنا بتاع كلام؟ بس المهم متقولش لبابا حاجة لحد ما نجيبه." هز رأسه إيجاباً وهو يصافحها قائلاً: "اتفقنا." قالت نور لتزيح هم أخيها: "اتفقنا."

ثم أردفت بطريقة طفولية: "بس ربنا يستر من اللي ياسر علام هيعمله فيا ساعتها." ضحك أخيها فضحك قلبها لأجله. جميل أن يكون هناك أحد يهتم لأمرك، يحزن قلبه لقلبك حين يحزن، ويضحك لأجلك حين تفرح. *** دلف ياسين منزله ووضع المفاتيح على الطاولة. نظر لها قليلاً وهو يبتسم. استمتع جداً بركوب دراجته وهو يشعر أنه يطير في الهواء بلا قيود. رن هاتفه فإذا بها نشوى كما توقع، رد عليها قائلاً: "السلام عليكم ورحمة الله."

نشوى: السلام عليكم يا ياسين.... قولي بقى عملت إيه؟ أخبرها ما حدث معه اليوم وعن تلك الدراجة التي مضى عقودها اليوم وصارت ملكه. نهرته في البداية لأنها تعلم أنه متهور، ثم هدأت وطلبت منه أن يخفف سرعته. وما كان منه إلا أن يضحك عليها، فهي كانت تعامله وكأنها أمه وكأنه هو ابنه البكري الكبير الذي مهما كبر أمام عينيها سيظل فتاها الصغير. ياسين: مش هتبطلي تخافي عليا، أنا كبرت يا نونو والله. قالت نشوى: أه هبطل....

بس لما أشوفك متجوز عشان أرتاح. ثم أكملت وهي تدعو له: "يا رب يرزقك ببنت الحلال يا ياسين اللي تصونك وتخلي بالها منك." قال ياسين بحزن: "ومين دي بقى اللي هتقبل بواحد زيي... أعتقد إنك فهمة قصدي كويس." نشوى: ياسين اللي هتحبك بجد هتقبلك مهما كانت الظروف يا حبيبي وبعدين بلاش تشاءم، متعرفش ربنا كتب لك إيه. ياسين: ونعم بالله، أنا هقفل أنا بقى تصبحي على خير، أه وسلمي على نادر والأولاد. نشوى: وإنت من أهل الخير يا حبيبي.

أغلق هاتفه وظل يفكر في كلام نشوى: هل سيأتي هذا اليوم حقاً يا أختاه؟ هل ستقبل إحداهن بي؟ إن علمت ما أخفيه. *** نزلت نور وأخيها ليجلسا معهم بالأسفل وكأن شيئاً لم يكن. جلسوا على أريكة بجوار أبيهم وظلوا يشاهدون التلفاز ويأكلون الفشار ويضحكون. صدح صوت هاتف ياسر فأخرجه ورد قائلاً: "آلو مين معايا؟ أتت إليه صوت لا يعرفه. كان الشخص يقول: "السلام عليكم... دكتور ياسر علام." ياسر: أيوه أنا. قال الشاب: "أنا صديق شريف وعصام....

أنا بكلم حضرتك عشان أقولك إن.... إن عصام انضرب بالنار....

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...