الفصل 8 | من 15 فصل

رواية اوتار حاده الفصل الثامن 8 - بقلم مروه اليماني

المشاهدات
18
كلمة
4,054
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 53%
حجم الخط: 18

نهرب حين لا يبقى أمامنا طريق للنجاة سوى الهروب. لكن ماذا لو لم نجد تلك النجاة؟ ماذا لو وجدنا أنفسنا نغرق أكثر وأكثر؟ نعتقد أن في الهروب حل للمشكلة، لكن ماذا لو كنا نزيد مشاكلنا ونعقدها أكثر بذلك؟ ماذا لو اكتشفنا أننا ربطنا حول عنقنا وترًا جديدًا نخنق به أنفسنا ونبتر به رقابنا؟ هذا ما حدث معه. خرج من القاهرة هاربًا من ألمه، لكنه لم يجد نجاته. وجد نفسه يزيد مشكلته القديمة بأخرى جديدة.

في يوم يتذكره جيدًا، كان في الأيام الأولى من شهره الرابع في عروس البحر المتوسط. كان يجلس في أحد المقاهي يريح قدمه بعدما عجزت قدماه عن حمله من كثرة سيره، وخارت كل قواه. طلب من الشاب أن يحضر له كوب قهوة. هذا قبل أن يتطفل عليه أحدهم. كان يعبث في هاتفه حتى شعر بشخص يسحب مقعدًا ويجلس بجواره. نظر له متعجبًا، ثم عاد بنظره يطالع هاتفه كأن الشخص غير موجود. كان الرجل كبيرًا في السن، يبدو أنه في أواخر عقده الخمسين. قال

وهو يمد يده ليصافح ياسين: أنا جمال خطاب، رجل أعمال. قال ياسين ببرود وهي يصافحه: تشرفنا. ربنا يعزك. ثم نظر لداخل المقهى وقال بصوت مزعج: واحد شاي يا ابني. ثم نظر لياسين وقال: دا لو ميضيقش أني أشرب الشاي هنا. قال ياسين وهو يرسم ابتسامة زائفة على وجهه: اتفضل. تناول الرجل كوب الشاي، وياسين ما زال يعبث بالهاتف ولا يعبئ بوجوده، حتى قال الرجل: شكلك بيقول إنك أنت كمان مش إسكندراني. هز ياسين رأسه إيجابًا، فقال الشخص:

مبسوط إني قابلتك، أصل نادر ما بقابل واحد مصري هنا. رفع ياسين حاجبيه متعجبًا وقال في نفسه: (عبيط دا ولا إيه... أمال لو اتقابلنا في أوروبا، لا حول ولا قوة إلا بالله) تابع جمال كلامه قائلًا: وأسف مرة تانية لو أزعجتك. ابتسم ياسين وقال: لا ولا يهمك. لم يرحل!

ظل جالسًا مع ياسين وكأنه أحد أصدقائه القدامى، وظل يتحدث معه ويضحك حتى ارتاح إليه ياسين شيئًا فشيئًا، لدرجة أنه لم يشعر بالثلاث ساعات التي قضاها في الحديث مع هذا الغريب. نظر في ساعته وقال: معلشي، أنا لازم أمشي. نهض الرجل وقال وهو يمسكه من يده: لا والله ما يحصل، أحنا هنتغدى مع بعض النهارده، ولا أنت بخيل بقى؟!

لم يجد نفسه إلا وهو ذاهب معه في سيارته. وعزمه هذا الغريب على الغداء في إحدى المطاعم المطلة على البحر. تناول معه الغداء، وكان سمك. طلب الرجل العديد من الأطباق البحرية وتعامل معه بود وكرم. فهم ياسين وقتها أنه ليس فرحًا لأنه التقى بشاب من مصر كما قال، إنما سبب فرحته هو وجود من يؤنس وحدته، فقد أخبره أنه وحيد.

قضى اليوم بأكمله معه، وكان يومًا رائعًا. أوصله الشخص لمنزله وتبادلا أرقام الهواتف. استمرت لقاءاتهم لأيام حتى ارتاح له ياسين واعتبره صديقًا له. والشخص الذي يدعي جمال أيضًا كان يتميز بذكائه الاجتماعي، فاستطاع التقرب من ياسين في أسبوع واحد! حتى أنه عرف عن ياسين الكثير وأنه بلا عمل حتى الآن. قال له وهو يتوقف بسيارته على جنب: إزاي قاعد كل دا من غير شغل يا ابني...

أنا رغم إني رجل أعمال وإللي زيي بيفضلوا ينهوا شغلهم في السن دا، إلا إني مش حابب أقعد في البيت.... أنت فاهم شخص زيي وحيد ملوش حد يورثه كان ممكن أبعزق فلوسي وأعيش حياتي.... بس أنا مش حابب كدا خالص. قال ياسين: يعني هو أنا لقيت شغل ومشتغلتش؟ صمت ياسين قليلاً ثم قال: بقولك إيه، ما تدخلني معاك شريك في مشروعك إللي كنت كلمتني عنه دا.

كان الرجل قد أخبره أن سيفتح مشروعًا ضخمًا في الإسكندرية، سيعود عليه بمبالغ ضخمة، وأن هذا المشروع هو سبب وجوده هنا. لمعت عين الرجل حين ذكر ياسين أمر الشراكة، ولكنه أزاحها بعيدًا تجاه البحر وكأنه يفكر. قال دون أن ينظر إليه بمكر ودهاء: لا يا ياسين مش هينفع... أنا قولتلك مبحبش الشراكة... على رأي المثل: قطة ملك ولا جمل شركة. حزن ياسين ولكنه لم يفعل شيئًا سوى الإيماء برأسه. نظر إليه وابتسامة ظهرت على وجهه محاها سريعًا،

وقال لياسين بمكر: خلاص ياسين عشان أنت ابن أصول وجدع ومليش صاحب غيرك... أوعدك إني أفكر، وأكيد لو حبيت أشارك حد مش هلاقي حد أمين زيك أستأمنه على فلوسي. تحولت ملامح ياسين بسرعة إلى الفرح وقال بتودد: متشكر أوي يا جمال بيه... وإن شاء الله مش هتندم. وبالفعل وافق على مشاركة ياسين له، وليته لم يوافق!

بعدما عملوا في المشروع وربح منه مبالغ كثيرة، أخبره جمال عن صفقة العمر. ولأنه كان يثق به، وافق وأعطاه كل نقوده ولم يترك لنفسه إلا القليل. وفي اليوم التالي، كان جمال قد اختفى من الإسكندرية بأكملها. بحث عنه لشهرين كاملين، لم يترك مكانًا إلا وبحث فيه، ولا قسم شرطة إلا وقدم فيه بلاغًا. دخل في حالة اكتئاب بعدها لمدة أسبوعين. كان من النوع الصبور القادر على التحمل (جبل)

كما يدعوه أصدقاؤه. كان على إيمان بأن الله لن يتركه في محنته، وأن هذا ليس الدرس الأول ولا الأخير من دروس الحياة واختباراتها التي لا تنتهي. ولكن هذا الجرح ظل ينزف، رغم تخطيه للأمر. فالبقاء عامين في الإسكندرية، ثم العودة بنصف ما يملك وخسارة الملايين التي جناها هناك أيضًا ليس أمرًا هينًا.

أخرجه من ماضيه القاسي صوت السيارات والأنوار المزعجة ليزيد من سرعته وينطلق متحديًا الريح. تمنى لو أن الاتصال الذي أتاه يتعلق بهذا النصاب. ***

خرجت نور من غرفة أخيها وهي تشعر بالوهن والضعف. لم تخرج إلا وقد أعطاها وعدًا بأن لا يكرر محاولته في الانتحار، لكن هذا شيء غير مضمون. حين تأتي تلك الفكرة في عقله من جديد لن يكترث أو يتذكر أي وعود. وضعت بين نارين، أن تختار أحدهم، فهناك أخرى على وشك اقتلاع كل شيء. هل سينصاع لها والدها إذا علم بمحاولة أخيها؟ أم سيحبسه بين أربع جدران كي يمنعه؟

فهذا ليس جديدًا عليه فعلها من قبل معها ومع عصام أيضًا حين علم بطلبهم في الذهاب لرؤية أمهم وهم ما زالوا صغارًا. قالت عصمت وهي تستند على حافة الدرج: أزيك يا نور... مش هتنزلِ تتعشي؟ لم تكن في حالة تسمح لها بخوض نقاش مع تلك الأفعى الآن، فقالت ببرود وهي تتجه لغرفتها: مليش نفس. نظرت لها عصمت بتوعد وقالت في نفسها: ماشي يا بنت زينب، إن ما وريتك مبقاش أنا عصمت الشرقاوي.

دلفت غرفتها وأوصدت الباب، ثم ألقت بثقلها على الفراش وقلبها يعتصر وعقلها تنخره الأفكار كما ينخر السوس السن. قالت لنفسها وكأن الحوار دائر بين عقلها وقلبها: طب إيه العمل دلوقتي يا نور... أكيد لو إياد عرف هتحميه، أيوه بس لو بابا عرف هتبقى مشكلة كبيرة... وإياد ممكن ما يعرفش يخبي زيك وتحصل مشكلة بينه وبين بابا وكمان ماما ممكن أوي بابا يؤذيها يعني هتستني لما يحاول ينتحر تاني.

وضعت رأسها بين كفيها في حيرة من أمرها. أتت إليها فكرة، فنظرت في ساعتها ووجدتها العاشرة. أمسكت بالهاتف واتصلت بإيمان، ردت عليها بصوت ناعس قائلة: السلام عليكم... مين؟ أنا نور، أنتي نمتي بدري؟! عندي اجتماع بكرة الصبح... مالك صوتك بيقول إن فيه حاجة؟ أنتي هتيجي امتى؟ بكرة بالليل هكون في البيت... بس أنتي مردتيش عليا... مالك يا نور؟! لا خلاص هسيبك تنامي عشان شغلك وبكرة بالليل هجيلك البيت.

أنتي كدا قلقتيني ومش هعرف أنام، ما تقولي يا بنتي. لا أنتي شكلك عايزة تنامي ومش هتركزي معايا... سلام. أغلقت الهاتف في خيبة أمل. ظلت تفكر حتى الصباح وتذهب لغرفة أخيها تطمئن عليه بين الحين والآخر. سمعته وهو يُخترف، وكان من الواضح أنه يحلم بأمه وأنه التقى بها ويبكي في منامه. لم تفهم الكثير من خترفته تلك، كان يقول (ماما) ثم يصمت. ظلت بجواره بعدما قاسَت حرارته ووجدتها طبيعية، فعلمت أن ما يحدث من عقل اللاوعي ليس إلا.

لم تكن تلك الليلة هينة، وخاصة بعدما تذكرت اتصال سارة الذي أتاها اليوم ومشكِلتها مع عصام التي أخبرتها بها، ولم يعد من عمله تلك الليلة لتتحدث معه. *** يا بنتي عشان خاطري ارجعي الشغل بقى... لقيت مطلع روحي هنا. هذا ما قالته أسيل صديقة شيرين وهي تحدثها في الهاتف. ابتسمت شيرين ابتسامة خفيفة وقالت: لا مش هاجي... بفكر أستقيل. صرخت في وجهها قائلة: تستقيلِ؟ عشان أنا أنتحر! أنتي مش متخيلة الشغل كله فوق دماغي، حرام عليكِ.

ضحكت شيرين وقالت: بهزر معاكي... جاية بكرة، إجازتي خلصت... بس شكل لقِي هو إللي هيرفدني. ضحكت أسيل وقالت: ميتهيقليش إن المهندس لقِي يعرف يستغنى عنكِ يا جميل. فهمت ما تلمح له صديقتها فقالت: طب اقفلي بقى عشان أعرف أصحى بدري بدل ما يبقى الشغل عليكي بكرة كمان. قالت أسيل وهي تضحك: لا لو على كدا تصبحي على خير، ولو تحبي أصحيكِ من عيوني... بس متغيبيش أبوس رجلك.

أغلقت الهاتف، وحدقت في النافذة الزجاجية، بدأت تشعر بالارتياح. مع كل دقيقة تمر عليها، كانت تدرك أنه لا داعي للحزن، فهي التي أوهمت نفسها بأشياء ليس لها وجود منذ البداية. قررت الذهاب لعملها، لعله يساعدها على النسيان وتخطي تلك العقبة. ظلت تفكر في كلام أسيل عن لقِي حتى غلبها النوم. ***

في صباح اليوم التالي، في منزل نيفين التي تعيش مع أبويها. وكانت أختها الصغيرة تعيش معهم قبل زواجها بثلاث سنوات. أما الآن فهي تقطن في منزل زوجها ولديها طفل رضيع عمره عام واحد. استيقظت على الصوت المعتاد، شجار جديد بين أبويها. خرجت من غرفتها بعدما أزالت الفراش بضيق، قالت: هو مفيش يوم يعدي إلا ولازم نسمع الناس صوتنا فيه. تركهم والدها ونزل ليجلس على القهوة كالعادة. فجلست بجوار أمها على الأريكة وقالت: إيه اللي حصل تاني؟

مفيش يا حبيبتي... بقوله ينزل يشوف شغل جديد زعق، متشغليش نفسك أنتي بالكلام دا... جايلك عريس النهارده. نهضت غاضبة وقالت: ماما إحنا مش كنا قفلنا الموضوع دا قبل كدا... أنا مش هتجوز ولا هقابل حد... تمام.

تركت والدتها ودلفت لغرفتها. لم يكن والدها فقط سببًا في كرهها لجنس الرجال، هو فقط كان أول سبب وسط أسباب كثيرة. كان والدها رجلًا بسيطًا ينتقل من عمل لآخر بحثًا عن رزقه ولم يكن يثبت في أي منهم حتى قرر أن لا يعمل مطلقًا، ولم يكتفِ بذلك، جعل زوجته وابنتيه تعملان وكان يأخذ المال من أمها ويسبها ويضربها كل يوم، ثم يصرفها على نفسه. عملتا هي وأختها وهي في الثانوية وكانت أختها تصغرها بعامين. قرروا العمل ليعولوا أسرتهم وتكمل كل منهم تعليمها. كانت قد وجدت عملًا في صيدلية في نفس الشارع الذي تسكن به، وهذا ما جعلها تحلم بأن تصبح دكتورة وتتخصص في الصيدلة تحديدًا.

أما الأسباب الأخرى فهي أنها لم تسمع قصة حب مكتملة حتى يومنا هذا. كل علاقة مليئة بالمشاكل، وكل واحدة تنفرها من الزواج عكس أختها التي تزوجت لتتخلص من والدها ومشاكله التي لا تنتهي. كانت ترى الزواج مسؤولية لا تقدر على حملها. خرجت من غرفتها بعدما ارتدت ملابسها، قالت لها والدتها: رايحة فين؟ هكون رايحة فين... نازلة الصيدلية. ثم أخرجت أموالًا من حقيبتها وأعطتها لأمها قائلة: اتفضلي يا ماما شوفي البيت محتاج إيه...

وأنا سبت فلوس لبابا على التسريحة لو رجع أبقى أديهم له. متعينيهم يا بنتي لجهازك. نظرت لوالدتها بتعجب وقالت: أنا نازلة. خرجت من المنزل وهي ما زالت تفكر هل سيأتي يوم فارس مميزاته تغطي عيوبه لينتشلها من هذا البيت؟ أم أن هذا الزمن ليس فيه مكان للميزات! *** في قسم شرطة سيدي جابر، قال الظابط أحمد إمام، رئيس القسم، وهو ينهض ليصافح ياسين:

أنا هدخل طابور العرض دلوقتي، ركز كويس وشوف مين الشخص إللي أنت قدمت فيه بلاغ وقولت إنه نصب عليك. أومأ برأسه إيجابًا، فطلب الظابط من العسكري تدخيل طابور العرض. دلف مجموعة من المجرمين واصطفوا في صف واحد. نهض ياسين ودقق في ملامح كل منهم حتى أمسك بتلابيب شخص وكاد يخنقه، فنهض الظابط سريعًا وقال: اهدأ يا ياسين... هو دا متأكد؟! أومأ برأسه إيجابًا وقال: أيوه هو... أنا أطلعه من وسط ألف. طب ممكن تقعد بقى وتسيبنا نشوف شغلنا.

طلب الشرطي من العسكري أن يأخذ المتهمين ويزج بهم في السجن. ثم جلس وقال: احكيلي بقى كل التفاصيل وكنتوا بتتقابلوا فين... ومين شافكم مع بعض... عشان نجيب شهود ونرجع لك حقك. أخبره ياسين بكل ما حدث منذ لقائهم في القهوة حتى الصفقة المزعومة، وأخبره عن الشباب الذين عملوا معهم وأسمائهم وعناوينهم. ثم غادر بعدما انتهى. كان يعلم أن هذا سيفيده، فكلما كان المحضر أقوى ومثبت فيه كل الواقعة، كلما انتهت القضية أسرع في يد المحكمة. ***

على مائدة الإفطار، سحبت نور المقعد ثم جلست. فنظر لها والدها متعجبًا وقال: إيه دا يا حبيبتي، معندكيش محاضرات في الجامعة النهارده ولا إيه. لا يا بابا، عندي بس الساعة 11. قال والدها دون أن ينظر لها: كويس، أهو تفطري معانا يوم من نفسنا. نظر لعصمت التي كانت تنظر له وابتسم. فتناول كل منهم طعامه، حتى قال والدها: أنا رايح المستشفى... عايزين حاجة.

قالت عصمت: سلامتك. بينما اكتفت نور بهز رأسها وهي تبتسم. دلفت عصام وهو ينطلق نحو غرفته في عجلة بعدما ألقى عليهم التحية، فأسرعت نور خلفه. طرقت باب الغرفة فأذن لها عصام بالدخول. قال وهو ينظر لها: فيه حاجة يا نور؟ أيوه، كنت عايزة أتكلم معاك... فاضي؟! لا، أنا جاي آخد حاجة وراجع، عندي شغل كتير... بس لو في حاجة مهمة أوي ممكن تتكلمي، أنا سامعك. أخذت نفسًا عميقًا، ثم قالت: سبت سارة ليه؟ نظر لها متعجبًا،

فتابعت كلامها قائلة: سارة كلمتني امبارح وقالت لي إللي حصل، البنت منهارة يا عصام... أنت غلطت غلطة كبيرة في حقها وحق نفسك لما خدت قرار زي دا... سارة بتحبك، أنا فاهمة إنك بعد الحادثة مصدوم وقلقان مش عارف تفكر وخايف تظلمها معاك... بس إللي أنت ما خدتش بالك منه إنك ظلمتها أكتر لما سبتها... ومش بس هي، ظلمت نفسك كمان. نظر لها

أخوها وقبل جبينها ثم قال: متقلقيش، أنا هحل الموضوع وأرجع لها، بس متقوليش لسارة، أنا عايز أعملها لها مفاجأة وأصالحها بنفسي. تركها وغادر، فحمدت الله على انتهاء تلك الأزمة. ثم ذهبت لغرفتها هي الأخرى لتبدل ثيابها. نزلت للأسفل وجدت عصمت تجلس على الأريكة. وقفت مسرعة حين رأتها وقالت: أنتي مش قولتي محاضراتك الساعة 11، على فين العزم؟! تنهدت بقوة ونظرت لها قائلة بضيق ونفاذ صبر: وأنتِ مالك أنتي. ثم تركتها تغلي ورحلت. ***

في غرفة سارة، كانت تجلس على الفراش تسترجع كلماته التي لم تغادر ذهنها منذ تركها في المطعم: (عشان كدا يا بنت الناس أنا مش هظلمك معايا... أنا واحد مش ضامن عمره في أي لحظة... حياتي مش ملكي... مش هينفع أربط حد بيا أو بحياتي... لازم نسيب بعض) انهمرت دموعها من جديد وهي تتذكره وهو يتركها بلا رجعة. كيف يتركها هكذا؟ لماذا لم يعبئ بمشاعرها حين تركها؟ كيف ظن أنه يحميها بهذه الخطوة؟ ومما يحميها؟! أهذا جزاؤها لأنها أحبته؟

سمعت طرقات على الباب فردت بصوت محشرج: قلت سيبوني لوحدي. قالت نور: أنا نور. لم تجبها، فدَلفت. جلست بجوارها على الفراش. كانت تعرف أنها في أمس الحاجة لها الآن. ضمّتها، فبكت في حضنها. قالت نور: ممكن تهدي... والله كل حاجة هترجع زي الأول وأحسن. حتى لو أخوكِ فكر يرجع لي... أنا مش هرجعله... مش وقت ما يحب يسبني، يسبني ووقت ما يحب نرجع يبقى نرجع. نظرت لها نور بتعجب وقالت: تبقي غبية! يعني أنتي لو مكاني كنتي هتقبلي؟

كنتي هتهيني نفسك كدا. قالت نور بهدوء وهي تجفف دموع صديقتها الغالية: يا حبيبتي أنتي لازم تقدري إن عصام كان خارج من المستشفى متلخبط ومش عارف يفكر كويس... وعصام بيحبك... بمجرد ما هدى فهم إن إللي عمله دا غلط... وأن الأعمار بيد الله... وأنتم الاتنين بتحبوا بعض ومش سنة ولا اتنين، دا من أربع سنين... واللي بيحب بيسامح يا سارة.

نظرت لسارة التي ظهر على ملامحها الاقتناع، ولم تمر دقائق إلا وأتت نيفين هي الأخرى وشاركتهم الجلسة وعلمت منهن ما حدث. لم تتحدث، فقد زادت عقدتها واحدة الآن، وها هي مشكلة جديدة تطرح أمامها. حتى وإن عادوا وتصالحوا، فبقت المشكلة في عقل نيفين في شيء واحد لم ترَ سواه، هذا الجرح الذي نخره الحب في قلب تلك المسكينة. *** في المعرض، وقف مصطفى بجوار عاصم وقال: كلمت ياسين. لا لسه. طب ما تكلمه تطمن عمل إيه؟ هي الساعة كام؟

مش عارف، بس العصر هيأذن. طب خلاص نصلي العصر ونكلمه، حتى يكون خلص هو كمان. أومأ مصطفى برأسه وتبع عاصم ليذهبوا للجامع بعدما طلب من العمال متابعة الشغل حتى عودتهم. انتهوا من الصلاة فأخرج مصطفى هاتفه واتصل بياسين. أتاه الرد بعد اتصاله الثاني فرد قائلًا: أخبارك يا ياسين... طمني عملت إيه؟ الحمد لله متقلقش... قبضوا على جمال دا لو كان اسمه جمال فعلًا. طب الحمد لله، المهم إنهم قبضوا عليه... بس قبضوا عليه إزاي؟

لا دا موضوع يطول شرحه... لما أرجع هحكي لكم كل حاجة. هتيجي امتى؟ قال ياسين بنبرة مجهدة: مش عارف... الموضوع شكله هيطول. قال مصطفى مازحًا ليخفف عنه ما حسه من ألم في صوته: لا وحياة الغاليين عندك... دا أنا مقدرش على بعدك. ضحك ياسين وقال: طب غور يا خفيف. بقى هي دي آخرتها يا صاحبي... ماشي، خلي بالك من نفسك. سلام. أغلق مصطفى الهاتف وقال: أنا قلقان على ياسين. عاصم: ادعيله.

قال مصطفى: ربنا يعينه يا رب. ثم عاد كل منهم إلى عمله حتى حل عليهم المساء، فعاد مصطفى للمنزل وأخبره عاصم بأنه سيذهب ليرى خالته ويطمئن عليها. *** في منزل إيمان، جلس عاصم على الأريكة وخالته كانت تجلس على المقعد المجاور لها بعدما وضعت الشاي أمامه. قالت بلؤم: بقى كدا يا عاصم... متسألش على خالتك كل دا يا ابني. معلشي بقى يا أم عاصم، ابنك كان مشغول لشوشته الشهر اللي فات... ادعي لي بقى عشان ربنا يبارك لي ببركة دعواتك.

بدعيلك يا حبيبي... بس متخليش الشغل ياخدك مننا... أنت إللي باقي من ريحة الغالية الله يرحمها. الله يرحمها... من عنيا يا ست الكل... أوعدك إني هاجيلك على طول. دلفت إيمان وهي تحمل حقيبتها فأسرعت إليها أمها قائلة: حمد الله على سلامتك يا حبيبتي، أحضر لك الأكل. قبلت جبينها وقالت: لا يا حبيبتي تسلمي. ألقت التحية على عاصم ودلفت لغرفتها بعدما أخبرت أمها أن نور ستأتي. قال عاصم لخالته: أنا هامشي أنا بقى يا أمي... هتعوزي حاجة.

متخليك يا عاصم شوية... ملحقتش أشبع منك. ابتسم عاصم وقال: هاجي تاني إن شاء الله. رحل عاصم والتقى بنور وهو ينزل من على الدرج فالقى عليها التحية ثم ذهب، بينما صعدت هي للأعلى. فتحت لها والدة إيمان فاحتضنتها، ثم دلفت لغرفة صديقتها. نهضت إيمان تحتضن نور بشوق وحرارة. قالت إيمان

وهن يجلسن على الفراش: قوليلي بقى مالك من امبارح عشان أنا قلقت. كادت نور أن تخبرها ولكنها صمتت حين دلفت والدة نور وهي تحمل العصير. وضعته وتركتهم يتسامرون. أخبرتها نور مشكلة إياد فقالت لها إيمان ووجهه تعتليه الصدمة والدهشة: معقول! معقولة إياد يفكر كدا. دا إللي حصل يا إيمان وأنا مش عارفة أعمل إيه دلوقتي... محتارة. يبقي تصلي صلاة استخارة والخيرة فيما يختاره الله.

نظرت لها نور مستفهمة، فعملت إيمان أنها لا تعرف كيف تصلي الاستخارة، فأخبرتها على طريقتها وعلاماتها التي قد تظهر في الحلم أو تكون بانشراح الصدر لما فيه الخير أو انقباض القلب ونفور الشيء أو غيرها من الدلائل. *** عادت نور من عند إيمان وهي سعيدة أنها وجدت الحل أخيرًا. فتحت باب الفيلا وكان الدور السفلي مظلمًا، فأخرجت هاتفها لتنير به. كادت تصعد الدرج لولا أنها سمعت صوت والدها يناديها. كان يخرج من المكتب،

فوقفت ونظرت له فقال: أنتي بتروحي حي العجوزة كل يوم الصبح تعملي إيه؟ اعتلتها الدهشة والصدمة وشعرت بضربات قلبها التي تتسارع وكأنه يريد الفرار.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...