الفصل 1 | من 24 فصل

رواية أرض الدوم الفصل الأول 1 - بقلم رحمة نبيل

المشاهدات
127
كلمة
12,250
وقت القراءة
62 د
التقدم في الرواية 4%
حجم الخط: 18

قبل الوقت الحالي بعام: الصمت يعبق بالمكان، والجميع في حالة صمت، كما لو كان حدادًا على أحدهم. وفي الواقع كان... للمرة التي لا يعلمون عددها، يجمعهم جدهم. الكل بلا استثناء، ليودعهم ويلقي عليهم وصيته نفسها، التي يستطيع كل فرد بينهم ترديدها دون أن يغفل عن حرف واحد منها. صدح صوت الشيخ "حليم" الضعيف في المكان، وهو يحرك إصبعًا مرتجفًا في الهواء: _حقي... حقي أنا وأخواتي السبعة وعشرين وصية في رقبتكم لو مت يا ولاد.

نظر الجميع لبعضهم البعض، ولم يعبر أحدهم عن حنقه علنًا على مسامع الشيخ الكبير. يدرك الجميع حساسية ذلك الأمر تحديدًا للشبه، لذا مراعاة لحالته، هزوا رؤوسهم بطاعة فقط. إلا ذلك الذي التوى ثغره بغيظ شديد، يعبر ولأول مرة عن كل ما يدور داخل رأس كل فرد منهم: _يعني أنت يا حاج عندك عدد أخوات أكتر من عدد الأعضاء الدائمين لمجلس الأمم المتحدة ومعرفتوش تقفوا ليهم، وجاي علينا نفرين ونص وعايزنا نقف ليهم.

ختم حديثه يشير له ولابن خالته وأخيه الصغير. وقد كانت هذه عادة جده (والد والدته) كلما شعر بالموت يقترب، يجمعهم ليوصيهم بأرضه وأرض عائلته التي سُلبت منهم.

حرك الجد رأسه ببطء صوب المتحدث، يبلل شفتيه ثوانٍ قبل أن يهمس بصوت مسموع، وقد علت نظرة جهل عيونه وهو يبصر المتحدث الذي يجلس جواره، يخفي عنه ضوء النهار بشعره الأشعث المنتفخ بشكل مزرٍ "كيرلي"، ولحية بسيطة مع ذقن مشذبة وبشرة بيضاء مع عينين سوداوين. كل تلك المواصفات أمامه كانت تذكره بأحد لا يعلم من، لذا تساءل بصوت مرتفع: _أنت ابن مين يالا أنت؟ حاسس إني شوفت الملامح دي قبل كده؟

تشنجت ملامح الشاب، وارتفع طرف شفتيه بغيظ، يشير صوب امرأة تجلس جوار العجوز باكية بحسرة، وكأن روح والدها خرجت بالفعل، وكأنها لا تعلم أفعاله. _ابن بنتك سنية يا حاج حليم. استدار العجوز لإبنته الباكية، والتي كانت تمتلك ملامح مشابهة للشاب، ينظر لها ثوانٍ قبل أن يردد بجدية: _طول عمري كنت أقول لأمك أنك متنفعيش للجواز يا سنية، شوفتي آخرة تربيتك؟ الله يسامحك يابنتي. بكت سنية أكثر وهي تميل مقبلة يد والدها بحزن وقهر، وصوت

بكائها يعلو في المكان: _يابابا متقولش كده، ده يحيى والله بيحبك أوي، ده الولد روحه فيك والله، هو بس يا حبة عينه من قهرته عليك بيقول كده، مش كده يا يحيى؟ رفع يحيى حاجبه وكاد ينفي حديث والدته، لولا يد ابن خالته الأكبر الذي ضغط على قدمه بقوة، يبتسم لجدهم بحب، وقد خرج صوته هادئ: _صح يا خالتي، ده يحيى ده روحه في جدي، هو بس مش هاين عليه جدي يتمرمط كده في آخر حياته، ومش هاين عليه تعب العيلة يضيع بسبب شوية ناس ملهمش حق فيه.

وعند ذكر هؤلاء الناس الذين يتحدث عنهم ثاني الأحفاد "أحمد"، شرد الشيخ الكبير وهو يعود برأسه للخلف: _ياااه، زمان قبل ٩٧ سنة... تمتم يحيى بضيق وملل: _اهو بدأ... لكن الشيخ لم يهتم وهو يكمل شروده: _كنا ٢٧ أخ وأخت مع بعض، أبويا كان يملك أرض كبيرة باسمه، قولتله يابا اكتب حتة باسمي أنا وأخواتي عشان نضمن مستقبلنا... _حتة إيه يا حاج، ده لو كتب لكل واحد فيكم متر مش هيكفيكم.

نظرت سنية صوب يحيى بغضب شديد، ليلوي الأخير ثغره بضيق، وهو يستمع لباقي حديث جده الذي يحفظه عن ظهر قلب: _بس أبويا رفض، قالي عايزني أكتبلك أرضي يا حيوان عشان تضيعها على الستات. ونعم، كان هذا أكثر جزء مشوق ليحيى، الذي اتسعت بسمته بقوة، يكبت ضحكته على والد جده، ذلك الرجل المريب الذي كان يمثل شريرًا في قصص الجميع في الأسرة: _مش أبوك ده برضو اللي كان متجوز سبعة ومخلف منهم دستتين وربع؟

ضربه ابن خالته، ليطلق يحيى ضحكة مرتفعة وهو يرمق "أحمد" بنظرة جانبية: _إيه؟ ما هو الراجل عنده حق يخاف، لأحسن جدك الفاسد يضيع فلوسه على الستات زيه، فبدل ما يكتب حتة أرض لعياله، يشحتها بالمجان للغجر. وبمجرد أن استمع الشيخ لتلك الكلمة، حتى ازداد غضبه، يحاول النهوض من الفراش صارخًا بجنون: _الغجر... الغجر، أخدوا أرضي وأرض أخواتي السبعة وعشرين، استغلوا أننا سافرنا كلنا على ليبيا وضحكوا على أبويا وأخدوا منه الأرض.

_ما هو أبوك هو اللي عبيط الصراحة يا أبا الحاج حليم. حدجت سنية ولدها بشر، لكنه لم يكن يحير هذه المرة، بل كان أصغر أبنائها والذي لم يختلف كثيرًا عن يحيى سوى أن خصلاته كانت عادية، لكنها لم تكن منسقة على أية حال، بل كانت مبعثرة، وقد كانت بشرته أشد سمارًا من يحيى الذي يجلس جواره: _إيه؟ غلطت أنا يعني؟ لولا أبو جدي كان زمانا من أعيان القوم دلوقتي وعندنا أراضي وفدادين، بدل ما إحنا بنكح تراب، يا أخي منه لله أبوك ده.

حرك الشيخ الكبير رأسه صوب سنية، ينظر لها نظرة أخبرتها بما يريد دون التحدث (هي لم تحسن تربية أولادها) وقد صدق، فهي ومن بين أبناء الحاج الاثنين كانت أسوأ من تربي أبناءها، يحيى وعيسى الصغير، أسوأ مثال للتربية. يحيى كان حقيرًا وقحًا، وعيسى كان نسخة مصغرة منه لكن أشد قذارة. لكن أكبر أبنائها العزيز والحبيب "مسلم" كان عوضًا لها عما أبصرته بأخوته. أكثر أبنائها طيبة ونقاءً.

وبمجرد أن مرت ذكراه عقلها، تغضنت ملامحها بحزن وشوق لذلك البعيد الذي تغرب منذ سنوات، وحتى هذه اللحظة لم تقر عيونها به. تنهدت، تنظر حولها للأسرة أكملها مجتمعة، تدعو الله أن يكون اللقاء قريبًا، أن تبصر طيف بكرها وتستشعر حضنه، تدعو الله ألا تكون الحياة قد قست عليه وأزالت قشرته الهادئة والبريئة. *** سانت لويس _الولايات المتحدة الأمريكية.

هنا، وفي محطة مترو قديمة مغلقة بسبب التعطل الذي أصابها منذ سنوات طويلة بسبب عاصفة ثلجية جعلها خارج الخدمة بشكل كامل، قبل إقامة شبكة قطارات بديلة أكثر أمانًا. هنا حيث تقام أشد وأقذر القتالات غير الشرعية. تناثرت الدماء خارج الحلبة، واتسعت الأعين وتعالت الهتافات أكثر وأكثر، حتى كادت تحرك الأرض فوقهم. ارتطمت رأس بالقفص الحديدي بقوة، ليُطبع على وجهه عليه، وقد ازدادت الصرخات حماسًا.

تنفس بعنف، وقبل أن يعتدل في وقفته ويواجه خصمه، وجد رفيقه يقترب من القفص يهمس له بجدية: _هل أنت بخير؟ استسلم إن لم تستطع المواصلة، لا تغامر بحياتك يا رجل.

اتسعت بسمة ذلك الرجل الذي تلقى لتوه ضربة قادرة على تحطيم جمجمة، ومن ثم ابتعد عن القفص. وقبل أن يستوعب خصمه ما يحدث، وفي خضم تحيته للجمهور، شعر بضربة قدم من الخلف أطاحت به أرضًا. ومن ثم، وقبل تحركه خطوة، وجد جسد خصمه يشرف عليه ويضربه بجنون حتى بدأت الدماء تغطي وجهه بشكل مقزز وأصبحت ملامحه غير واضحة. ورغم أن الرجل رفع كفه وأخذ يضرب الأرض معلنًا استسلامه، إلا أن الخصم لم يتوقف عن ضربه بجنون حتى شعر بعظامه تكاد تصبح فتاتًا أسفل قبضته.

اقتحم فجأة رفيقه القفص، رغم أن ذلك كان ضد القوانين القليلة الموضوعة، لكنه يدرك أن عدم تدخله الآن يعني قتل صديقه للرجل في غمرة جنونه. سحب رفيقه بسرعة من فوق جسد أو جثة الرجل، وهو يهتف له بجدية: _توقف، لقد... لقد استسلم، لقد استسلم... لقد استسلم يا مســــلم، انتهينا. تنفس مسلم بصوت مرتفع، ولم يكد يتحدث بكلمة واحدة حتى سمع الجميع صوت إنذار قوي يصدح في المكان. وهذا الإنذار يطلق في حالة واحدة فقط... الشرطة.

وفي ثوانٍ، بدأ الجميع يهرب ويركض من المكان. ومسلم أدرك فجأة ما يحدث، ليجذب سترته السوداء يغطي بها جسده، يسحب يد رفيقه صوب الدراجة النارية ويخرج من المكان بسرعة كبيرة، مخلفًا خلفه غيمة سوداء، يسابق الزمن خارج ذلك المخبأ. ارتفعت أصوات الأنفاس خلفه، والصرخات التي وصلت له أخبرته أن عددًا كبيرًا قد تم أسره بالفعل، وهذا يعني عدم إقامة القتالات لما يفوق شهر على الأقل حتى حصولهم على مخبأ آخر.

وهذا كان ليكون محزنًا، لولا أنه كان هو من أبلغ الشرطة بمكانهم. بعدما عامله أحد المؤسسين بتكبر وعجرفة حينما أبصر اسمه "مسلم"، لم يكن ليفوت ذلك الوسخ السخرية منه ومن اسمه ودينه وجنسيته. وحسنًا إن كان ذلك الحقير يعتقد أن مثل هذه السخرية منه قد تمر، فهو أقذر من أن يمررها، خاصة بعدما تعمد ذلك الحقير وضعه اليوم في قتال خصمًا لإسرائيلي. اتسعت بسمته بقوة، ورفيقه يهمس بعدم تصديق وعيونه تدور على المكان، وقد ملأته الشرطة،

يبصر ما يحدث خلفهم: _الله يعطيك العافية، الزلمة ما ضل براسه شي سليم. اتسعت بسمة مسلم وهو يقود دراجته بسرعة كبيرة، يبتعد أكبر قدر ممكن عن ضوضاء الشرطة، وصوت رفيقه في الخلف يهتف باستمتاع: _آه لو يعلم هؤلاء القذرين أنك أنت من سربت معلوماتهم للشرطة، وأنك أنت أيضًا الشخص الذي يساهم في تسليمهم للمذبحة كل يوم في عملك. ازدادت بسمة مسلم أكثر: _هذه غابة عزيزي، إما أن تنجو منها وتتناول الصغار، أو تكون إفطارًا للكبار. ***

وقد كانت هذه حقيقة، والوجه الآخر لمسلم، الذي امتهن في المساء القتال غير الشرعي لتفريغ غضبه وطاقته المشتعلة داخل صدره، وباقي اليوم يمتهن الاصطياد، اصطياد القذرين في هذه الغابة أُلقي بها مجبرًا.

هنا في منظمة "سانت لويس" الحكومية السرية، والتي تبنت بها الحكومة بعض المنبوذين والمساجين أصحاب المواهب الفائقة. منظمة حكومية غير رسمية تهدف للتخلص من أفراد العصابات الذين قررت الحكومة أنها لم تعد بحاجة لهم، وبشكل سري لا يفتح لهم أبواب الجحيم على يد العصابات التي تحكم العالم السفلي، ولا تفلت من أيديهم خيوط البلاد.

منظمة كان مسلم واحدًا من هؤلاء التعساء الذين حصلوا على مكانة بها نظرًا لمهارته التي اكتشفوها بها، مهارة ألقت به في غابتهم. فأن تحيا في غابة بين الوحوش هو قدر، لكن أن تنجو بينهم هو اختيار وإرادة لا يمتلكها الكثيرون. أن تضع أمام عينيك سلامتك بين طرقات هذه الغابة لهو قرار لا يتحمله الكثيرون. وهو كان من هؤلاء القلائل الذين تحملوه وأكثر.

ورغم أن الغابة لم تكن اختياره حينما هجر بلاده وعائلته، الغابة لم تكن محطته المشنودة حينما حمل حقائبه وودع عائلته بقلب مشتاق، لكنه أحسن التعامل مع كل حيواناتها. _چي ٨٧، الهدف في الغرفة الثانية انتهى وتحرك للخارج قبل أن تعمل أجهزة الإنذار، ستعمل أجهزة الإنذار بعد عشر دقائق.

والمدعو "چي ٨٧" فقط هز رأسه هزة صغيرة، يتحرك في الظلام متشحًا بالأسود رغبة منه في الاندماج بالليل. يتحرك داخل الطرقات بهدوء شديد وخطوات بالكاد محسوسة، يبتسم بسمة صغيرة جانبية وصوت رفيقه في أذنه يهتف له بالطريق الذي مهده له بالفعل. وبعد دقائق من السير بين ممرات المنزل الصغير الذي يعتزل به أحد رؤساء العصابات البولندية في جزيرة بعيدة عن البشر ظنًا أنه هرب من أيادي الحكومة التي قررت أنه لم يعد مفيدًا لهم، استطاع رفيقه العبقري أن يعثر عليه ويلتقطه.

توقف أمام الغرفة المرجوة يتحدث بصوت هامس: _إذن؟ _فقط رجل وامرأة معه بالداخل، انتهي منه ولا تمس المرأة وأخرج. نفخ چي ٨٧ بسخرية وهو يحرك يده بخفة يتحسس سلاحه، ومن ثم انتزعه بهدوء شديد يتأكد من كاتم الصوت. ومن بعدها همس كلمات قليلة مقتضبة: _تذهلني أخلاقك عزيزي، الإسلام هذبك والمنظمة أفسدتك.

سمع صوتًا باردًا من الطرف الآخر يهمس ببعض الكلمات العربية التي لم يفهمها ولم يحاول فهمها، لكنه يرجح أنها لا بد أن تكون سبابًا نابية يفرغ بها صديقه العربي غضبه، فقد كانت هذه طريقته على مدار أعوام طويلة، يغضب ويسبهم بالعربية ومن ثم يرحل، أو ربما كان يدعو ربه ليسقط غضبه عليهم. ونعم، كانت دعواته تتحقق، فأي غضب أكبر من عملهم هذا. تنهد بصوت خافت حينما وصل له صوت رفيقه:

_هيا انتهي، تبقت فقط أربع دقائق ومن بعدها سأترك الحراس لينهشوا جثتك العفنة. _أعلم أنك لن تفعل. _جربني وسترى. ونعم، هذا ما لا يحب المراهنة عليه، فعلى مدار سنوات معرفته بصديقه العربي الغريب، لم يكن ذلك الحقير يهتم لأحد أو لشيء. هو حتى لا يهتم إن قتله أحد الرؤساء حينما يقف أمامهم متبجحًا.

زفر، يدفع الباب دون مقدمات، وقبل أن ينتبه أحدهم حتى لما حدث، كانت رصاصته تستقر في جبهة الهدف، تبعتها رصاصات غير قاتلة في الجسدين الآخرين. ومن ثم تحرك وبسرعة للخارج حسب تعليمات رفيقه العزيز، يركض بين الممرات صوب الجزء الذي تنتظره به المروحية. في اللحظة التي انطلقت بها أجهزة إنذار كفيلة على إحضار أجساد الملاعين من الجحيم، وليس فقط إحضار حراس ذلك الوغد البولندي من غرفهم.

لكن إن كانوا هم يتفوقون عليه بالعدد، فهو يتفوق عليهم بعقله، ورفيقه الذي كان هذا المكان برمته بين أصابعه. صدح صوته في أذنه يهتف بصوت هادئ مستكين، ليس وكأن صديقه الآن بين شقي الرحى يواجه الموت: _على بعد سبعة أمتار ستجد المروحية فوق المبنى جهة اليمين بها حاتم، احرص على الوصول لها خلال ست دقائق لا أكثر، وإلا قُتلت برصاصة أحد الحراس. توقفت أقدام القناص بصدمة، يهتف بتعجب من كلمات صديقه: _ماذا؟ _خمس دقائق. _هل تمزح معي؟

_خمس دقائق إلا عشر ثواني. وفي ثوانٍ، ارتفعت صرخة القناص وهو يركض يتوعد لذلك الحقير الوغد الذي يتعامل معهم جميعًا بهذه الطريقة وكأنهم مجرد حيوانات: _مسلم، أقسم إن نجوت سأقتلك. _ثلاث دقائق، وسألقي كلمة على قبرك حول كم كنت وغدًا يا جوليان.

ألقى جوليان سبة لاذعة قذرة باللغة الفرنسية، لكن في الحقيقة "مسلم" لم يكن مهتمًا لسماع باقي سخطه وغضبه، وهو بالفعل أدى عمله على أكمل وجه وانتهى من مهمته. لذا أغلق الحاسوب الخاص به، يتنهد بصوت مرتفع، يتحرك عن مكتبه، يسير في شقته المظلمة والتي تقع في أعلى ناطحة سحاب تطل على المدينة في الأسفل، تكشف له أضواء مبهرة للبعض، باهتة له.

حرك عيونه في منزله الكبير الفخم والذي حصل عليه مقابل عمله، عمله الذي جاءه بشكل غريب، عمله الذي ظنه قديمًا طوق نجاته، لكنه كان مجرد قشرة وهمية تعلق به، لتغرقه في أعمق نقطة في المحيط، حيث لا ضوء ولا هواء ولا مخرج. فجأة، خرج من هذا الهدوء الخانق على صوت اهتزاز هاتف في جيب بنطاله، معلنًا أن وقته المفضل في اليوم قد حان. أخرجه بسرعة ولهفة كبيرة، وقد بدا أخيرًا على ملامحه تعابير تخبرك أنه إنسان حي، يشعر ويبتسم ويحزن.

وقد كان هذا الجزء الخفي من حياة مسلم، والذي استغل كل ذرة علم اكتسبها ليخفيها عن الجميع. تنفس بصوت مرتفع وهو يضغط على عدة أزرار، يرفع الهاتف، ينتظر صوتًا على الطرف الآخر قبل أن يهمس بصوت هادئ رخيم: _الو. _مسلم يا حبيبي، عامل إيه؟

هنا، وأنهار قناع مسلم الصلب، يستند بجسده على الجدار الزجاجي خلفه، يسقط أرضًا، يضع يده أعلى رأسه، وود في هذه اللحظة أن ينفجر باكيًا ويخبرها أنه يشتاقها، بل يموت شوقًا لها، بل لهم جميعًا. يخبرها أنه حتى يشتاق لمسلم ابنها، يخبرها أن تأتي وتأخذه من هذا العالم، تخفيه كما كانت تفعل قديمًا حينما يخطئ. _مسلم أنت كويس؟ مالك يا بني؟ تعبان؟

خشي أن يتحدث بأي كلمة، فتحمل لها غصته وقهره واختناقه، رفع يده يمسح وجهه بقوة، يتنحنح بصوت شبه مسموع مجيبًا: _وحشــ... وحشتوني أوي يا ماما. _يا قلبي أنت وحشتني أكتر، وحشتنا كلنا، هترجع امتى يا مسلم؟ كفاية يابني غربة وشغل، إحنا محدش... فجأة توقفت عن الحديث باكية، تهمس بصوت ساخط غاضب، وقد بدا أن تحملها انهار في هذه اللحظة:

_كفاية يا مسلم عشر سنين يابني غربة مشوفتكش فيهم ولا مرة، أنت حتى رافض نتكلم فيديو تهون عليا، ليه كده يابني؟ ما صدقت تبعد؟ يابني ارجع وملعونة الفلوس اللي تحرمني منك ده كله، مسلم... مسلم أنت معايا.

كانت تتحدث بكلمات كثيرة لا تعي أن مسلم على الجانب الآخر كان غارقًا في موجة اكتئابه وحزنه، لا يدرك ما يجيبها به. يعطيها كامل الحق للغضب، لكنه لا يستطيع ببساطة، لا يستطيع أن يقحمهم داخل هذا العالم القذر، لا يستطيع المغامرة بالجانب الدافئ في حياته في هذه الحياة. _أنا... أنا... راجع قريب يا ماما. فجأة سمع صرخة والدته المتلهفة: _بجد؟

بجد يا مسلم، بالله عليك يا بني قولي أنك بتتكلم بجد، بالله عليك ما تحرق قلبي عليك أكتر، هموت وأضمك وأشوفك يا مسلم، جدك برضو بيسأل عليك والكل هنا مستنيك ترجع. ومحاربة غصته في هذه اللحظة كان أشد وطئًا من أقسى اختبار مر به: _بجد يا حبيبتي، هخلص بس وأقفل الشغل اللي هنا وهنزل مصر تاني، بس أقفل الشغل اللي عندي خالص عشان مرجعش تاني. وقبل أن تجيبه والدته، سمع صوت رجولي صارخ جوار والدته يصرخ بصوت مرعب:

_الحقي يا أم مسلم، جوزك أخذ عيسى وقفل الباب عليهم، الراجل هيخلص على الولد. اتسعت عيون مسلم من الكلمات التي وصلت له، قبل أن ينفجر ضاحكًا بشكل غير متوقع، وكأنه كان ينتظر منهم كلمة ليعود إنسانًا مجددًا، يسمع صرخات والدته التي ركضت مع الهاتف صوب والده. وحواراتهم الغريبة تصل لأذنه. صرخات والده بعيسى ومحاولة يحيى البائسة أن يخرجه حيًا من تحت يده، وصوت والدته تترجى والده ليرحمه.

"ابن الـ *** ده مش كفاية باع عربيتي عشان يشتري التوك توك ده، جاي كمان يضيعه! اعمل فيك إيه، اعمل فيك إيه؟ "يا حاج سيبه، سيبه بس ونشوف حوار التوك توك ده يا خويا، بس وهو بعيد عن إيدك." وصوت عيسى يصدح في المكان معترضًا: "وهو أنا بس اللي أخدت فلوس العربية؟ ما يحيى خد الجزء الكبير وفتح بيه عربية الفول بتاعته، أنتم كده مش بتيجوا غير على المكسور يا عالم يا مفترية، طب والله لأكــ...

ومن ثم لا شيء، انقطع الخط ويبدو أن والدته نسيت أنه كان معها من الأساس. انقطع الخط ومعه انقطع الخيط، الخيط الذي يربط عالم مسلم الباهت البارد، بنصفه الدافئ الملئ بالحياة. وها هو يعود لذلك العالم الباهت. رفع عيونه للظلام، يخرج سيجارة يشعلها ليكون نورها هو الضوء الوحيد في هذا الظلام، أخذ يراقبها بهدوء تحترق بين أصابعه ببطء، تمامًا كما يحترق هو ببطء في هذا العالم. _مؤقتًا فقط، قبل أن تحين النهاية، نهاية كل هذا. ***

في مصر، وفي نقطة معزولة عن كل الحداثة المعروفة، في نقطة لا يصل لها قانون ولا أمل ولا حياة. هناك في "أرض الدوم"، حيث لا تعلو كلمةٌ كلمة "البارو"، زعيم عشيرة غجر الدوم. الغجر الذين خلعوا عباءة من سبقوهم بكل شيء عدا التقاليد. ها هي تقف أمام كبار البلد، تنتظر أن ينتهوا من التفكير في مصيرها. هي المرأة المغضوب عليها والتي فقدت زوجها قبل إتمام زواجهما حتى، وكُتب عليها أن تكون أرملة في مكان لا يعترف بالمرأة سوى زوجة وأم فقط.

وصوت والدها أو البارو يصدح في المكان بنبرة صاخبة جعلت بسمة غريبة ترتسم على وجهها، وهي ترفع وجهها تحرك عيونها بين جميع رجال عائلتها وصوت والدها في الخلفية يهتف بجدية: _كلنا عارفين أنه من المفترض وخلال أيام كان يتم زواج "رايانا"، لكن الموت كان أقرب لها من الفرح، وعشان كده اجتمعنا اليوم عشان نقرر الخطوة الجاية بما أننا وعيلة واحدة وأمرنا واحد.

وازدادت بسمتها اتساعًا من كلمات والدها، تكبت داخل صدرها صرخة مرتفعة كادت تنبثق من فمها تنشق لها الجدران، لكنها تماسكت، تمسح وبسرعة تلك الدمعة التي حاولت الهرب من قيد جفونها، تتماسك ببسمة واسعة وهي تخفض رأسها كما من المفترض أن تكون. مسكينة، خجلة، تمتلئ بالخزي، الخزي لموت زوجها، وكأنها هي من قتلته عقب عقد القرآن بوقت قصير.

ضربات قلبها تزداد وهي تتذكر حوار والدها البارحة مع والدتها حول رغبته في عرضها على ابن العم؛ ابن العم الذي كان قديمًا حبيب الطفولة، يطاردها في كل خطوة ويتوعد لها بأنها ملكه هو فقط، قبل أن تنطلق الإشاعات حولها في العشيرة، وينبذها الجميع حتى هو.

حركت عيونها ببطء صوبه، تراقبه يجلس بكل هدوء وبرود، وقد بدا أنه لا ينوي حتى تحريك إصبع. رفعت حاجبها حينما سمعت صوت والدها يتوجه له بالحديث باعتبار أنه ابن العم الأكبر وهو الأحق باحتواء خزي ابنة عمه الوقحة التي تسببت بسوء حظها في مقتل زوجها. _عز الدين؟ واخيرًا شرفها ابن العم ورفع رأسه صوبها، ينظر لها نظرة غريبة، قبل أن يهتف بجدية:

_ما بعز نفسي على بنت العم يا بارو، لكن القلب ما بيسمع غير رايده، وأنا قلبي رايد بنت العم محفوظ، ومستني الساعة المناسبة عشان أطلب إيدها. بللت شفتيها وهي تحدق به بنظرة جعلته يدير وجهه بسرعة. وفي ثوانٍ تحولت الجلسة من بيع لعرضها وكرامتها إلى جلسة تهنئة لابن العم على زفافه الوشيك.

وهذا كان لصالحها في الواقع، إذ استدارت بهدوء دون أن تأبه لا لوالدها أو لأحدهم، تخرج من المكان وقد أعلنت انتهاء الاجتماع دون الرجوع لهم، وصدرها يغلي بالغضب، النقم والحقد على كل أفراد عشيرتها، رجالهم رجل رجل، وحتى النساء. توقفت أقدامها تبصر بطرف عيونها العروس المنشودة والتي كانت تتجمع مع النساء جوار غرفة الاجتماع بفضول للاستمتاع بالمزاد على كرامتها.

رفعت "رايانا" رأسها عاليًا وهي تحدق بالنساء بنظرة مشتعلة، تسجل كل ما يحدث بعقلها، وتغذي شياطينها بكل المشاهد التي تبصرها. _معلش بقى يا رايانا باليّ¹ مبيحبش البكيّة². "ولدي¹" "بقايا الشيء"² توقفت أقدام رايانا ثوانٍ تسمع كلمات زوجة عمها، تستدير لها ببطء توجه لها نظرة هادئة باردة في ظاهرها، عاصفة في باطنها، ولم تتحدث بكلمة واحدة وهي تتحرك بعيدًا عن الجميع، وأطراف فستانها الأسود تحلق خلفها، والجميع يستعيذ من شرها.

رايانا، والتي كانت منذ طفولته نذير شؤم وطاقة سلبية متحركة على قدمين، تحضر الشر والأذى والضيق أينما حلت، كانت مكروهة من الجميع منذ طفولتها، وقد تداول الكثيرون قصصًا حولها، وقد أثبت موت زوجها الشاب قبل زواجهما كل الأقاويل التي تناقلها الجميع. أما عنها، فكانت تسير دون اهتمام بأحد، وعلى فمها بسمة غريبة، وفي عيونها نظرة شر لو أبصرها والدها لهرب لأقاصي البلاد. ساحرة القرية. البومة. الغراب الأسود.

كلها ألقاب أطلقوها عليها، لكن حتى تلك الألقاب لن توفي حقها حينما ترد لهم ما فعلوه بها. وصلت صوب غرفتها، ولم تكد تخطو لها، حتى سمعت صوت هامس لأحدهم وكأنه كان يركض، وقد كان بالفعل. _رايانا. توقفت يدها كما توقف كل جزء من جسدها، تسمع صوته خلفها، تستدير له نصف استدارة بملامح واجمة. أما عنه، فابتلع ريقه يقترب منها يحاول أن يبرر ما حدث منذ ثوانٍ. _رايانا، أنا عارف اللي داير جوا عقلك دلوقتي، بس صدقيني أنا ما رفضت إلا عشان...

وقبل إكمال جملته، كانت تتحرك بهدوء شديد صوب غرفتها، تاركة إياه يحدث نفسه، ومن ثم أغلقت الباب بعنف في وجهه دون الاهتمام بسماع تبريره. أما عن عز الدين، أغمض عيونه بقوة والغضب يعصف به، وصوت تنفسه يعلو في المكان، قبل أن يهرول من أمام غرفتها بجنون.

وهي، فقط دخلت غرفتها، تتحرك بها، تحرر خصلات شعرها الأسود من ضفيرتها، وقد تميزت عيونها باللون العسلي مع ملامح رقيقة ووجه أبيض. جلست أرضًا بهدوء، تستند بظهرها على فراشها، ثوانٍ مرت قبل أن تنفجر في بكاء صامت، بكاء أبت أن يسمع به أحدهم، بكت كل ما يحدث في حياتها، بكت وهي تتوعد للجميع، تقسم بأغلظ الإيمان أنها ستحقق لهم أقاويلهم وتكون هي شيطانهم. *** سانت لويس _بعد أيام قليلة.

توقفت السيارة بقوة أمام المقر وهبط منها بهدوء شديد، لا يعكس أفكاره الداخلية. فها هو في عقله الباطني يلعن كل وسخ ساهم في وضع حجر من حجارة هذا المبنى اللعين، وكل قذر خط كلمة في هذا المشروع. فجأة، انتفض جسده في هزة شبه محسوسة في منتصف الممر، وهو يسمع صوتًا خلفه يهتف بمزاج سعيد، لا يدرك حقيقة من أين يأتي به: _العزيز مسلم، مرحبًا. ومسلم لم يهتم حتى بالتوقف لرد التحية، وقد كان مزاجه سيئًا منذ الصبا...

أو حسنًا، هو بهذا المزاج السيء منذ عشر سنوات تقريبًا، لكن رفيقه العزيز لا يهتم بمزاجه أو رغبته بالانعزال عنهم جميعًا وعدم تكوين صداقات في هذا المخبأ، ويستمر في القفز أمام عيونه كل ثانية ليكدر عليه حياته. ابتسم الرجل وهو يقترب من مسلم بسرعة، يوازي خطواته، يكرر كلماته بلهجة أكثر لينًا، وأكثر قربًا لقلبه: _صباح الخير يا زلمة، شو مالك مكشّر من الصبح؟ ابتسم يمكن ربك يسترها معنا!

_صدقني يا حاتم، آخر حاجة محتاجين تشوفوها دلوقتي هي بسمتي لأنها مش هتكون سعيدة أبدًا. ابتسم "حاتم"، والذي كان العربي الوحيد معه في هذا الجحيم، شاب أردني من أصل فلسطيني ألقت به أمواج الحياة لهذه البلاد لينتهي به الأمر في هذا السجن معه، لكن على الأقل حاتم كان أشد قوة منه واحتفظ بجزء من إنسانيته وشخصيته، أما عنه، فحتى نفسه خسرها في خضم رحلته داخل هذا الجحيم.

_سمعت عن قصتك مع صاحبنا الفرنسي، بيحكوا إنك كنت رح تخلّص عليه بالغلط قبل ما أخرجه من الجزيرة. أجابه مسلم بجدية شديدة وهو ينحرف صوب الغرفة التي طُلبوا لها: _لا، ما كانش بالغلط ولا حاجة، كنت قاصد. وبمجرد انتهاء كلماته، فتح الباب ليكون أول وجه يلتقي به هو ذلك الأشقر الفرنسي موضع الحديث السابق، يجلس بملامح واجمة، يصرخ بمجرد أن أبصرهم: _أنت أيها العربي الحقير. _بحكي عني ولا عنك؟

ابتسم مسلم بسمة صغيرة يتحرك داخل الغرفة وهو يراقب ذلك الفرنسي بعدم اهتمام، يجلس أمامه بهدوء يضع قدمًا فوق الأخرى، بينما حاتم يراقب الأجواء: _حسنًا، هذه ليست الأجواء المطلوبة بيننا كفريق، يا رجال، نحن هنا في... فجأة، التفت له جوليان بأعين شرسة يصرخ: _أصمت ولا تبدأ خطبك العصماء حول السلام والهدوء وكل تلك الأمور السخيفة، بالطبع ستبرر له لأنه عربي مثلك. _أكيد، يعني أبرر إلك أنت ولا شو؟ _ماذا قلت أنت؟

ابتسم له حاتم، يحاول تغطية ما قال منذ ثوانٍ: _قلت أي تبرير هذا عزيزي، في النهاية نحن جميعًا إخوة في الاســ... صمت ثوانٍ، يتمتم بصوت مسموع لمسلم وهو يضع يده على فمه بحيرة: _آه صح، نسيت إنك ملحد. هنا، وانفجر مسلم في ضحكات متتالية، ليتحرك حاتم صوبه يحتمي به من غضب جوليان المتقد. أما عن الأخير، فنظر لهما بكره وضيق شديد، يتمتم كلمات فرنسية شبه مفهومة لمسلم وغير مفهومة البتة لحاتم، الذي نظر له بشك: _ماذا قلت جوليان؟

_كنت ألعنكمًا سويًا. _هاه! ع أساس ربك رح يسمعلك؟ ونعم، تلك كانت أجواء الفريق الودية التي يجب أن تسود المكان. ثلاثة رجال من بلاد مختلفة ومن ظروف مختلفة، شيء واحد مشترك بينهم، سوء الحظ الذي أوقع بهم في أيدي هؤلاء الملاعين. فهذا "مسلم"، شاب مصري بسيط هادئ ومسالم تحول بين أيديهم لوحش، لرجل لا اهتمام أو شغف له في هذه الحياة سوى الخروج من المكان.

وحاتم، ذلك الأردني الفلسطيني الذي هرب من ويلات صراع وحروب ودمار، ليقع في أيدي الشياطين. ولأنه كان اعتاد تقريبًا التأقلم مع أسوأ الظروف، فقد فشلت الظروف الحالية في زعزعة شخصيته.

أما عن جوليان، والذي كان من المفترض أنه هرب من حياة الفقر والضيق في بلاده بحثًا عن حياة أشد رفاهية، فلم يعني له كل ذلك شيئًا سوى أنه يكسب منه أموالًا طائلة، لذا كان الوحيد فيهم الذي تجرأ وحمل سلاحًا وهبط الساحة بنفسه، ولم يكتفِ بالتوجيهات والتحكم بالمهمة من خلف شاشة كمسلم، أو يهتم بتنظيف المكان بعد عمليات التطهير كحاتم، الذي كان بارعًا في إخفاء كل الأدلة وكأنها لم تكن، وتخطيط الانسحاب.

كان فريقًا شبه متكامل، ورغم كل الاختلافات التي يظهرونها، إلا أن ثلاثتهم كانوا من ضمن الأفضل في هذا المخبأ تقريبًا، ولكنهم ليسوا الأفضل بشكل مطلق. _مرحبًا يا رجال، جيد أنكم جميعًا هنا. كانت جملة نطق بها ذلك الرجل الذي اقتحم جلستهم بلا مقدمات، يتحرك صوب المقعد في مقدمة الطاولة، يراقبهم ببسمة صغيرة: _بالمناسبة، أحسنتم في المهمة السابقة، كانت ناجحة كالمعتاد، وهذا بفضل جهودكم.

اشتعلت عيون جوليان وهو ينظر صوب مسلم، الذي ابتسم له بسمة واسعة غامزًا له، ليتوعد له جوليان. بينما الرجل الذي اقتحم المكان نظر لهم يردد بصوت بارد بعض الشيء: _رجال العصابات الألبانية تمادوا في أفعالهم، وقد حان الوقت لوضع حد لهم لا يتخطونه. نظروا له بهدوء، ليضغط على زر في جهاز تحكم أمامه، لتُعرض لهم صورة كبيرة على الشاشة أمامهم: _مورينيو، الابن البكر لنائب زعيم الألبانيين، الهدف التالي.

ولم يتحدث أحدهم بكلمة. أما عن الرجل، فراقب تعابيرهم بجدية: _تدرك ما عليك فعله لوضع باقي الفريق على الطريق الصحيح Muss، صحيح؟ صمت مسلم ولم يجبه ولو بهزة رأس، ليتجاهله الرجل ببساطة وهو يتحرك بعيونه صوب حاتم يردد بجدية: _سيكون من الجيد دراسة المكان والطرق المؤدية له Tem. هز له حاتم رأسه بنعم، وأخيرًا وجه الرجل كلامه لجوليان: _وأنت جوليان، سيتحدد عملك على أساس تنظيم الاثنين. التوى ثغر حاتم بغيظ من حديثه، يردد بضيق:

_ولك ليش هو بس اللي قلت اسمه كامل؟ يعني إحنا أسماؤنا تقيلة ع لسانك ولا شو؟ ومن حسن حظه أن لا أحد سمعه سوى مسلم، وقد كان الوحيد الذي سيفهمه في جميع الأحوال. _انتهينا من هذا، يمكنكم البدء في التجهز. ختم الرجل كلماته وتحرك دون كلمة إضافية، بينما جوليان نظر لحاتم ومسلم بضيق وتحذير، يضرب الطاولة أمامه: _هذه المرة يا مسلم، ستكون المرة الأخيرة التي أسمح لك بالعبث معي بها، سمعت؟

ختم كلماته وتحرك خارج المكان، بينما حاتم يراقبه بضيق وغضب يتمتم كلماته ساخرًا، قبل أن تتوقف باقي الكلمات على طرف فمه حين سمع همسات مسلمه جواره وهو يقول بجدية: _هتكون المرة الأخيرة فعلًا، المرة الأخيرة، والمهمة الأخيرة. *** أرض الدوم:

كانت العشيرة بالكامل على قدم وساق تستعد لزفاف ابن أخ البارو والزعيم القادم للعشيرة. الجميع يتجهز، وقد حانت أخيرًا اللحظة التي ينتظرونها بتتويج قصة الحب التي سارت والدة عز الدين تتغنى بها بين الجميع.

احتفال حضره كل فرد في العشيرة، الصغير قبل الكبير، الجميع يرقص ويحتفل. وهي تقف في نافذة غرفتها تراقب ما يحدث ببسمة باهتة غريبة، تراقب عز الدين يتراقص وكأن لا غد له، يحتفل بزفافه على الفتاة التي اختارها بعدما قضى نصف أيامه يسمعها من الغزل أحسنه رغم تجاهلها له، فهي في كل الأحوال لم تكن تحب التواجد حوله.

حتى حينما علم أن غيره تقدم للزواج بها، ثار في وجهها يخبرها أنها ملكه هو فقط ولا يمكنها أن تكون لغيره. وبالفعل في الصباح التالي، كان أول ما فعله، توجه لوالدها يمنحه مباركته على زواجها، لتكتشف لاحقًا أن والدته كانت عاملًا قويًا في رفضه لها. هل تبتأس؟ لا. تحزن؟ أبدًا. تشعر بالغيرة؟ ولا بذرة واحدة. أحبته؟ يحلم.

هي يومًا لم ينبض صدرها لرجل في رجال قبيلتها ولا خارجها، لكن إن ظن ذلك الوسخ أنه سيتحكم بحياتها أو أنه انتصر عليها أو أنها كانت لعبة له ولـ والدته، فقد أخطأ. بينما الجميع يحتفل في الأسفل والنغمات ترتفع في الأجواء، كان هو يتراقص بين حلقة الرجال والسعادة تملئ قلبه، وقد تزوج واخيرًا، ليس من المرأة التي يحب، لكنها لم تكن أقل منها جمالًا، وهذا هوّن عليه الأمر قليلًا. في النهاية، لن يتزوج البارو المستقبلي زيجة عادية.

ربما والدته محقة بعد كل شيء، امرأة مثل رايانا ما كانت لتليق زوجة له. وعلى ذكر رايانا، أبصرها تقتحم المكان بهدوء وخطوات رشيقة كعادتها، وقد تألقت في ثوب يختلط به الأحمر والأسود، خصلاتها تتطاير خلفها وهي تتقدم من الزفاف ببسمة واسعة غير مهتمة، حتى توقفت في منتصف الاحتفال ترى نظرات الجميع صوبها وكأن غرابًا اقتحم حفلهم السعيد، وهذا أسعدها وبقوة في الحقيقة. أن تعكر صفو عشيرتها لهو أفضل شيء تختم به يومها.

_اعذروني لو اقتحمت حفلكم السعيد بدون مقدمات، لكن ده مهما كان زفاف البارو المستقبلي لينا، وابن العم وحبيت أبارك ليه بنفسي. ختمت حديثها تخرج مسدسًا حصلت عليه من مكتب والدها، تراقب الأعين تتسع بتسلية كبيرة، وقد شعر الجميع بالخطر، يتراجع البعض للخلف ويتخذ البعض لهم ساترًا منها. أما عنها، فقد رفعت مسدسها في الهواء تطلق أربعة رصاصات دون أن تهتز لها شعرة، والجميع حولها ينتفضون مع كل رصاصة.

انتهت من إطلاق رصاصات الاحتفال كما أحبت أن تسميها، ومن ثم نظرت صوب عز الدين الذي كان وجهه شاحبًا وبقوة في هذه اللحظة: _مبارك يا ابن العم، صدقني تستحقها. ختمت حديثها تتقدم صوب العروس "كارا" والتي كانت تنظر لها بأعين مترجفة، لكنها لم تهتم وهي تخلع أسورة ذهبية من يدها تلقي بها في ثوب العروس والذي كانت تستقبل به هدايا الكل، تردد ببسمة وبساطة وهي تميل عليها: _هديتك يا عروسة.

استقامت تنظر للجميع ببسمة صغيرة، ومن ثم استدارت وكادت ترحل بعدما انتهت مما تريد، لولا توقفها فجأة تضع يدها على رأسها وكأنها تذكرت للتو شيئًا هامًا: _آه صحيح، نسيت أنكم مش بتتفائلوا بالأرقام الزوجية، أربع رصاصات مش فال كويس لعريسنا. ختمت حديثها تخرج المسدس مرة ثانية تطلق رصاصة في إضاءة المكان الرئيسية، تختم وجودها ببسمة لم يبصرها أحدهم بشكل جيد بسبب الظلام الذي بدأ يملأ الأجواء حولهم: _زفاف ميمون بإذن الله. ***

انتفض جسد حاتم عن المقعد وقد اتسعت عيونه بجنون، يتحرك صوب مسلم الذي كان يراقب المدينة في الأسفل من جدار شقته الزجاجي بأعين غامضة. يجذب جسده صوبه يصرخ في وجهه بعدم فهم: _اش قلت؟ احكيها مرة تانية؟ _اللي سمعته يا حاتم، ويا تكون معايا فيها يا تكون براها، بس خد بالك أنت لو براها فداه معناه أنك عليا، وأنا مش هسيب حد عليا بيتنفس. تنفس حاتم باضطراب وهو ينظر من بين أصابعه لصديقه يحاول أن يفهم ما أوصله لتلك المرحلة من الجنون:

_شو اللي صار؟ ليش هسّه¹؟؟ "الآن"¹ استدار له مسلم ينظر لعيونه بعيون بدت لحاتم لشخص لم ينم لحظة منذ سنوات: _اللي صار يا صاحبي إني خلاص تعبت من كل اللي بنعمله وكنت مستني اللحظة اللي أقدر آخد فيها خطوة. أنا مش هعيش طول عمري كده يا حاتم، أنا عايز أرجع لأهلي، مش عايز أفضل لوحدي.

وكلمة حاتم خرجت مرتجفة وهو يحاول إخفاء مشاعره المرتعبة من وحدة وشيكة بعدما وجد واخيرًا عائلة في مسلم، مسلم الذي عاش معه تسع سنوات يتلمس به دفء أخ فقده قديمًا، مسلم الذي رغم كل جموده إلا أنه كان أقرب له من نفسه: _أنا... أنا معك يا مسلم. ابتسم له مسلم بسمة صغيرة يدرك ما يدور في رأس حاتم في هذه اللحظة: _أنت معايا يا حاتم، بس أنا محتاج لأهلي برضو.

عض حاتم شفتيه وهو يبتلع ريقه، يخفض وجهه يحاول تدارك مشاعره، وكم تمنى لو كان كمسلم يمتلك عائلة يعود لها، ما كان تأخر ثانية واحدة حتى. هبطت دمعة من عيونه وقبل مسحها، شعر بوجهه يدفن في صدر مسلم الذي جذبه له يربت على ظهره بحنان، وقد كان حاتم يذكره بأشقائه الأصغر منه "يحيى" و"عيسى"، رغم أنه لا يصغره سوى بثلاث سنوات: _ومحتاجك أنت كمان جنبي يا حاتم، مش هقدر أسيبك هنا ليهم، خلينا نمشي من هنا، أنا تعبت ونفسي أعيش حياتي عادي.

مسح حاتم دموعه وحاول أن يتماسك: _احكيلي، أنت ناوي على إيش بالضبط، فهمني. اتسعت بسمة مسلم بقوة، وقد كان وجود شخص كحاتم في صفه إضافة كبيرة لخطته، وعنصر آخر يضمن له نجاح ما يخطط له: _هحكيلك، هحكيلك بس تركز، لأن اللعبة دي لعبة النفس الطويل. *** مرت شهور منذ أتم عز الدين زواجه من ابنة محفوظ، ومنذ تلك اللحظة لم يهدأ منزل عمها ولم يتوقف الصراخ الذي يرن بين جدرانه كل يوم بسبب شجار العروسين، والجميع يخمن أن عينًا أصابتهم.

عينًا كحيلة بلون العسل كعينها مثلًا، لكنهم يخشون التصريح بذلك علنًا، كي لا تسقط غضبها عليهم كما يعتقدون. اتسعت بسمتها وهي تقف جوار النافذة تراقب حوش منزل عمها الذي يكشف لها عن مشاداة عز الدين مع زوجته للمرة الثالثة خلال اليوم، وفي الحقيقة هي لم تكن تتجسس أو تتبع أخبارهم، لكن ومنذ شهور وهي محرومة من الخروج من المنزل بسبب عرضها الصغير في زفاف عز الدين بعدما تلقت ضربًا مبرحًا بالفعل.

وقد كانت شرفتها هي رفيقها الوحيد، وهم تركوا كامل المنزل ولم يحلو لهم الشجار إلا أمام نافذتها. أخذت تصفر وهي تراقب ما يحدث باستمتاع، حيث تدخلت زوجة عمها تجذب العروس من خصلاتها تتوعد لها بالويل. تنهدت بملل وهي تتحرك بعيدًا عن النافذة تسير في غرفتها تداعب خصلاتها وهي تدندن بعض النغمات الخافتة قبل أن ينتفض جسدها لاقتحام أحدهم الغرفة. _رايانا، بناديكِ من وقت طويل مش بتردي ليه؟

رفعت رايانا عيونها صوب المرأة تحاول أن تهدأ ضربات قلبها التي انتفضت بسبب دخولها: _خير يا شيما، حد في البلد حصله حاجة ومش لاقي شماعة يحط عليها مصيبته غيري؟ ابتسمت شيما تقترب منها تربت على كتفها بحنان: _حبيبتي، أنتِ عارفة إن الناس مش بتسكت ومش شرط كل كلامهم يكون صح.

تجاهلت كل ما قيل، فالحديث في هذا الأمر لا يؤتي ثماره، فل طالما امتاز بعض أهالي قبيلتها بالجهل، والجهل لم يجد مستقرًا له في عقولهم سواها، فتجدهم متفهمين لأي شيء سوى ما يتعلق بها. _خير، شرفتيني في المعتقل يعني، غريبة؟ ابتسمت المرأة بحب، وقد أدركت رايانا أنه من بعد هذه البسمة لن يعجبها ما ستسمع، وقد كان: _اليوم فيه عريس جاي يتفق عليكِ. رفعت رايانا حاجبها بعدم فهم، تقترب من المرأة تراقبها بأعين غير مدركة لما سمعت: _يتفق؟

هزت شيما رأسها، واتسعت بسمة رايانا المصدومة: _مش شايفة إن فيه مرحلة نسيتوها في النص؟ اشوفه وأتعرف عليه؟ هو مين أساسًا اللي مستغني عن عمره وجاي يتقدم ليا؟ والتردد الذي ملأ وجه شيما أخبرها أن الإجابة لن تعجبها، لكن يبدو أن الإجابة كانت أصعب من أن تُنطق، لذا رددت بكلمات قليلة قبل الاختفاء من غرفتها: _لما يجي بليل هتشوفي بنفسك، اجهزي والبسي كويس و.... اجمعي شعرك في ضفيرة بشرايط ملونة بتكون حلوة عليكِ.

ختمت حديثها تخرج بسرعة، تاركة رايانا تضم يديها لصدرها وهي تفكر في هوية ذلك الرجل الذي تمرد على أقاويل أهل القرية وتناسى موت زوجها قبل الزفاف وخرج من عباءة الجهل والكفر والتخاريف الخاصة بشؤومها، وجاء ليتقدم لها. لكن لمَ التعجل؟ أوليس الليل بقريب! *** والليل لديهم هناك على الطرف الآخر من الكوكب، كان أقرب ما يكون، ليل انتظره مسلم، ليل سيتبعه نهاره المنشود وأخيرًا.

_هذا ليس جيدًا يا رفيق، المكان هنا مظلم وغريب، متأكد من معلوماتك التي حصلت عليها Muss؟ كانت تلك كلمات جوليان التي صدحت في سماعات أذن مسلم، وقد ابتسم الأخير بسمة صغيرة يتحدث له من عربة الهروب التي تقف على بعد صغير من الكوخ الذي اقتحمه للتو، وحاتم خلف عجلة القيادة ينتظر إشارة مسلم. _نعم جوليان، هذا هو المكان المنشود يا عزيزي، اذهب وانتهِ من الهدف ولنرحل من هنا، أمامك عشر دقائق.

نظر حاتم صوب مسلم ويده تضغط على المقود كل ثانية أكثر، يتحدث بصوت خافت حينما أبصر مسلم يغلق الصوت بينه وبين جوليان ويدقق النظر في الحاسوب أمامه: _متأكد من هذه الخطوة مسلم؟ أشعر بالـ... _انتهينا يا حاتم، لقد أخذ الأمر منا أشهر عديدة، لن نتراجع الآن وقد حان الوقت. ابتلع حاتم ريقه ببطء يهمس بصوت مرتجف: _جوليان؟ ابتسم له مسلم، وقد بدا أن لا رجعة له عن كل هذا:

_جوليان سيكون الشاهد الوحيد على موتنا يا حاتم، سيكون الشخص الذي يبكي على قبورنا ويقسم أنه أبصر موتنا بأم عينيه. تنفس حاتم، وقد كانت خطة مسلم التي أخذ يعد لها سنوات مكتملة، لا ينقصها سوى التنفيذ، واليوم كان اليوم الموعود، اليوم الذي انتظره مسلم سنوات طويلة وخطط له شهور. غامت عيون حاتم بمشاعر عدة، وتردد قطعه مسلم بشراسة وهو يفتح الصوت بينه وبين جوليان الذي كان يصيح بالداخل يطلب منه الاستعداد فقد انتهى من مهمته.

لكن مسلم فتح الصوت ليصل لجوليان فقط صوت هدوء مريب. توقفت أقدام جوليان وهو يضغط على السماعة: _هل تسمعني Muss؟ مسلم أين أنت؟ أخبرتك أن تتجهز لـ... فجأة انتفض، وهو يصرخ مفزعًا حين سمع صوت رصاصات مرعبة، ومن ثم تبعتها صرخة حاتم بصوت مذبوح وبنبرة جنونية: _يا ويلي، لا... لا... مسلم لا...

مسلم تكتمل كلمته بسبب صوت الرصاص الصاخب الذي قطع صرخته، وجوليان فقط تجمد بأرضه، شعر في هذه اللحظة أن المكان يدور به، يتحرك بخطوات بطيئة ميتة صوب المخرج، قبل أن يصدر من جسده ردة فعل تلقائية ويهرول بجنون صوب الشاحنة التي كان من المفترض أنها تنتظره. _مسلـــــم... حاتــم؟

لكن بمجرد أن خطا خارج الكوخ وهرول صوب الرقعة التي تنتظره بها السيارة، شعر فجأة بحرارة مرتفعة قبل أن يندفع جسده ويتطاير للخلف بسرعة مرعبة بسبب انفجار قوي، انفجار تسبب في اصطدام جسده في إحدى الأشجار، اصطدام تسبب في سقوطه في غيبوبة طويلة، كان آخر ما أبصره قبل وقوعه بها هو صورة السيارة تحترق برفاقه، نيران كان وقودها أجساد مسلم وحاتم. ***

شددت قبضتها على صينية العصير التي أُجبرت على حملها، شعرها ما يزال هائجًا خلفها بعناد يماثل عنادها، وقد تميز ثوبها بالأسود وكأنها تنعي ذلك المسكين الذي قرر أن يجني على روحه بزواجه منها، فإن لم يمت لسوء حظها _كما يدعي المتخلفين من قومها _فسيموت بسبب حديثهم عنه. _ده اللي وصيتك بيه يا رايانا؟ قولتلك ضفيرة وألوان مبهجة. لكن رايانا لم تجب بكلمة وهي تسمع أصوات مألوفة لها بالداخل، تنظر صوب شيما التي تحدثت بنبرة خافتة: _طب...

ادخلي خلاص مفيش وقت والعريس جوا. قاطعتها رايانا ببسمة صغيرة وكأنها تحاول أن تستشف بالتحديد ما تخفيه المرأة: _أكيد مش اللي في دماغي صح؟ لكن شيما صمتت ولم تتحدث بكلمة، وهي فقط تحركت بقوة صوب باب غرفة الضيوف تقتحمها بلا مقدمات لتتأكد من ظنها. وفي ثوانٍ تلاشى العبوس على وجهها وارتسمت بسمة، تبصر والدها يتوسط الجلسة وجواره عمها، وزوجته وابن العم العزيز. الآن فقط علمت سبب الشجار الأخير لهم صباحًا.

_رايانا قربي يا بنتي ووزعي العصير على عمك والعريس. ارتفع حاجب رايانا بسخرية من كلمات والدها: _عريس؟ _ابن عمك اتقدملك وأنا وافقت. حركت نظارتها بين الجميع حتى توقفت على زوجة عمها التي كانت لا تبدو راضية بوجودها هنا، وكأنها مجبرة على حضور هذه الجلسة، وبمعرفتها الواسعة بتلك المرأة تدرك أن ذلك كان حقيقة، زوجة عمها لا تحبها ولا تحب حتى سماع صوتها.

المرأة التي كانت صباحًا تطحن عظام الفتاة التي ارتضت بها زوجة لولدها، فما بالكم بها وهي التي لا تحب حتى أن تلمح طرفها، كان الرفض محتمًا من طرفها، كما القبول من طرف والدها. لكن هل ترفض الآن وتضيع متعتها؟ ابتسمت بسمة واسعة خجولة تتحرك صوب الجميع توزع أكواب الشراب عليهم واحدًا تلو الآخر حتى توقفت عند عز الدين تمنحه بسمة خجولة، ردها هو ببسمة مغازلة يهمس لها: _تسلم ايدك يا راي...

تشنجت ملامحها من اللفظ التحببي الذي نطق به، لكنها فقط لم تتحدث وهي تقول: _بالهنا والشفا يا عز الدين. تحركت تجلس جوار والدها تسمع كلمات عمها الذي باشر في عرض ما جاءوا لأجله دون تضييع ثانية واحدة: _امتى كتب الكتاب؟ كل شيء جاهز مش ناقص غير وجود عروستنا. ووالدها تولى الرد عليه بسرعة لا يضيع الفرصة من يده، فما أجمل أن يتخلص من ابنته واخيرًا ولمن؟ لابن شقيقه وخليفته في زعامة العشيرة. _آخر الأسبوع هيكون مناسب. تحركت عيون

عز الدين صوبها يردد بجدية: _أهم حاجة رأي عروستنا. نظرت أرضًا بخجل شديد، تفرك يديها ثم همست بصوت منخفض: _أنا بس محتاجة أفكر في الموضوع و... حاجات كتير محتاجة أفهمها ده بعد إذن البارو. نظر لها والدها برفض شديد، لكن عمها لم يهتم وهو ينظر صوب الجميع: _أنا شايف نسيبهم سوا يتناقشوا في اللي حابين يتكلموا فيه واحنا جنبهم هنا.

ختم حديثه يجبر شقيقه بالتحرك معه، يجذب زوجته بالقوة ويشير لزوجة شقيقه بالتحرك، وأخيرًا خرج الجميع، واتسعت بسمة عز الدين الذي كان يراقبها بافتتان، فلا يخفي على أحدهم رغبة عز الدين القديمة بها. في الحقيقة نصف الرجال كانوا يتمنونها زوجة لهم، لكن ذلك الظل الأسود حولها حال دون ذلك.

اعتدل في جلسته يتجهز ليفتح معها حوارًا يكسر به خجلها، لكن فجأة أبصرها تعود بظهرها للخلف تستند بمرفقيها على المقعد تضع قدم فوق الأخرى، تراقب من فوق وكأنه أصغر من أن تنظر له مباشرة، وبسمتها تتسع كل ثانية أكثر. تردد بصوت قاسٍ وبنظرة أقسى وبلهجة اختلط فيها أصلها مع لهجتهم المستخدمة: _فيه مثل جميل جدتي بتحب تردده كتير. مالت برأسها تهمس بصوت وصل له فقط:

_لِكّور لَمّا يِلاقي اللّحِم قاسي عَ سِنّاتُه، يِروح يدوّر عَ عضمة وِسخة زَيُّه، ولَمّا يِقدَر يعضّها، يِرجع لِلّحِم ويقول: أنا بقيت قوي. *يُقال أنه حينما تجد الكلاب اللحمة قاسية على أسنانهم يذهبون للبحث عن عضمة قذرة تماثلهم، ومن ثم وحينم يستطيعون مضغها يعودون للحم مرة ثانية ظنًا أنهم أصبحوا ندًا لها* اتسعت بسمتها وهي ترى صدى كلماتها وصلت إليه وأدرك ما تقصد: _لكن لا الكلب قوي ولا اللحم لان يا عز الدين.

انتفض جسد عز الدين بشكل مرعب، لكنها لم تتحرك، فقط ظلت هادئة تراقب نظراته المشتعلة، أما عنه، اقترب منها يميل عليها وعيونه الخضراء لمعت بلمعة خطيرة: _بتلعبي في عداد عمرك يا راي. لم تحرك عيونها ولم ترمش حتى وهي تهمس بصوت كاره حاقد على كل نفر منهم: _أي عمر يا عز؟ عمري انداس تحت رجولكم، وجوازي منك عشان زوجتك منفعتش تجيبلك الوريث لعبة خسرانة، عشان اللي متعرفوش لا أنت ولا غيرك إنّي عارفة كويس أوي إن العيب فيك.

تراجع جسده بسرعة للخلف وكأن صاعقة هبطت فوق رأسه، يتنفس بشكل مرتعب لا يفهم كيف علمت هذه المعلومة وحتى زوجته لا تعلمها، تظن أن العيب منها هي. _عايز تتجوزني ولما أعطل زي مراتك تزيف ليا كلمتين على لسان الحكيمة وأطلع أنا كمان معيوبة على قولتكم زي مراتك، وأنت الراجل اللي ربنا لسه مرزقوش بست تقدر تشيل وريثه.

ختمت حديثها تراقب ردة فعله التي شفت غليلها منه ومن كل قذر فكر التلاعب بها. عز الدين الذي تفنن في محاولة استمالتها وإطلاق وعود لا قبل له بها بسبب والدته، احتقرها ورفضها أمام الجميع لأجل زوجته والآن حان الوقت لترد له الصفعة. اعتدلت تتنهد بصوت مرتاح: _بس تعرف أنا بحب الألعاب دي، وهكملها معاك للآخر. نظر لها بعدم فهم، أما عنها ابتسمت تكمل: _زوجتك تطلقها قبل ما نتجوز، مش أنا اللي أتجوز كمالة عدد يا عز الدين.

اتسعت عيونه بعدم تصديق، وهي فقط ابتسمت تتابع نظراته، قبل أن تبصر اندفاع جسده للخارج دون كلمة واحدة، تاركًا إياها تجلس تراقب خروجه ببرود قبل أن تعلو الأصوات المتسائلة في الخارج عما حدث وصوت زوجة عمها يصل لها وهي تصرخ بعز الدين: _انطق باللي قالته البومة دي عشان تبقى بالشكل ده؟ عملت ليك إيه؟ هاتوا شيخ يقرأ على ابني و...

فجأة صمتت بخوف حينما أبصرت جسد رايانا وهي تتوقف على باب الغرفة تراقبها بنظرات مظلمة وبسمة غريبة، ولم تهتم بهم أو بما يقال تتحرك بكل هدوء لغرفتها تغلق الباب بقوة جعلت أجساد الجميع تتنفض في الأسفل. أما عن عز الدين، فلم ينزع عيونه عن باب غرفتها وداخله مراجل مشتعلة، وفكرة واحدة بعقله لا يتوانى عن التفكير بها، هذه المرأة لن تكون لسواه، وحينما تصبح، سيريها كيف تحترمه. وهذا وعده. *** الوقت الحالي.

ضغط على مقبض الحقيبة التي يجرها خلفه وهناك نظارة ضخمة تغطي عيونه، وجواره رفيقه الذي أخفى نصف وجهه بقبعة ضخمة، يتوجهان صوب بوابة التفتيش. مد يده بجواز السفر الخاص به يراقب الشرطي وهو يتفحص كامل الأوراق، ضربات قلبه تزداد وقد شعر بقطرات عرق تسير على ظهره، وصوت خبيث يهتف له أن الأمر لن ينتهي بهذه السهولة، ليس وهو حي على الأقل.

شعر بتوتره يزداد، يحاول أن يظهر بروده، قبل أن يبتسم له شرطي المطار بسمة صغيرة يشير له بالتحرك، عبر منطقة التفتيش والجوازات، وخلفه يهرول رفيقه الذي همس بصوت غير مصدق: _مسلم، شُفت اللي صار؟ مش مُصدّق إنو خلص، بس ساعات وبنصير أحرار... والله مش مُصدّق! اتسعت بسمة مسلم، لا يصدق أنه أخيرًا وبعد صبر سنوات وتخطيط لسنة كامل، محى كل دليل عليه وكل وجود لهم في هذه البلاد القذرة، أخيرًا أصبحوا أحرارًا.

جلس بمنطقة الانتظار يراقب الهاتف بشوق ورغبة قوية في الاتصال بوالدته تتدفق بين أوردته، لكنه يعلمها، يعلم أنها ستصاب بهستيريا إن فعل. عشر سنوات غياب ليسوا بالشيء الهين عليها، لذا صبر حتى يتلقى لهفتها بين أحضانه. ارتجفت يده، يرفع عيونه يراقب المكان بالخارج بعدم تصديق، وصوت خبيث داخله يخبره أن هذا مجرد حلم يقظة والآن سيستيقظ ليجد مهمة جديدة على مكتبه.

أغمض عيونه يحاول أن ينتزع كل سواد الماضي من رأسه، لكن أصوات كثيرة تطن برأسه... صرخات استغاثة... تلاطم أمواج... أنفاس متسارعة... دعوات ورجاء... أصوات خفر السواحل... رصاصات تتطاير... ظلام الليل يحيط به والبحر أسفله يسحبه بقوة، شعر بعدم قدرته على التنفس، المياه تغطيه ويد تتعلق به تحاول جذبه للأعلى. فجأة شهق بصوت مرتفع وقد اخترق صوت حاتم غيبوبته القصيرة. _مسلم... مسلم ما بك... مسلم أفق.

فتح عيونه بقوة ينظر حوله وقد شعر بالمكان يضيق فوق صدره، يتنفس بسرعة وحاتم يجفف له قطرات عرقه: _أحسن؟ رفع له مسلم عيونه في اللحظة التي ارتفع بها صوت النداء للتوجه لبوابة الخروجة، ابتلع ريقه يهز رأسه وهو ينهض: _خلينا نتحرك عشان منتأخرش. وبالفعل تحرك معه حاتم بصمت، مدركًا نقطة واحدة. "ربما خرجوا من الجحيم، لكن الجحيم أبى أن يخرج منهم."

راقب مسلم المكان من نافذة الطائرة بأعين غائمة، حياة قديمة منسية، وأشخاص اشتاق لهم، ولا أحد يدرك ما يخفي لهم المستقبل. ما يدركه فقط أن القادم لن يكون كما سبق وعاشه في آخر عشر سنوات. غادر بلاده شابًا في الرابعة والعشرين يحمل فوق أكتافه أحلامًا تنافس الجبال طولًا، عاد لها رجلًا في الرابعة والثلاثين يحمل من الهموم ما يفوق الجبال ثقلًا.

كانت نظرة الوداع الأخيرة لتلك البلاد محملة بدموع، دموع القهر والحسرة، دموع الحقد والكره. عشر سنوات ضاعوا من حياته، عشر سنوات دخل لهم شابًا بريئًا، خرج منهم وسخًا غارقًا بالدماء. غادر بلاده مبتسمًا، عاد لها باكيًا. سقطت دموعه بقوة، يحاول أن يبتعد عن ذلك الجزء الحزين برأسه، وفكرة واحدة ترن برأسه. "ماذا جنت يداه؟

ابتسم بسمة صغيرة سرعان ما تحولت لضحكة من بين دموعه وهو يسمع صوت موسيقى وغناء يصدح من المقعد خلفه، صوت يصف ما يحدث معه، وكأنه لم يكن الوحيد المخذول في هذه الرحلة. أقلعت الرحلة وارتفعت الطائرة عن تلك الأراضي، وصوت واحد يتردد داخل رأس مسلم، مشهد واحد يعاد أمام عيونه. صوت يحيى قديمًا وهو يغني له بصوت مرتفع، يتحرك خلفه في كل ركن في الغرفة يحاول أن يمنعه السفر، يغني أثناء تجهيز حقيبته: مسافر وفاكر هترتاح هناك؟

وتاخد صحابك وحلمك معاك؟ ومامتك واختك وخالتك واوضتك؟ هينفع تسيب اللي حبك وراك؟ ضحك من بين دموعه، يا الله قلبه يرتجف شوقًا لهم، ترى كيف أصبح يحيى وعيسى الذي تركه طفلًا، والده ووالدته، ابن الخال الحبيب وجده. يقولون أن المسلم مصاب، وهو أصابه من البلاء ما ترتجف له صدور، وأخيرًا انتهى بلاؤه في هذه البلاد. وأيًا كان البلاء الذي ينتظره في بلاده، فهو مستعد له، سيتقبله بصدر رحب. *** وهي كانت بلاء، بلاء لكل من وقف يومًا أمامها.

هبطت درج منزلها وهي تبصر مظاهر الاحتفال في كل مكان، الكل يغني والكل يحتفل. كيف لا، واليوم زفاف عز الدين على ابنة عمه التي يتحدث الجميع عن المعروف الذي قدمه لها لإنقاذها من وحدتها، ولم يكن ليتجرأ رجل واحد على طرق منزلها.

عز الدين، البارو المستقبلي لعشيرة الدوم، أشد رجال القبيلة بأسًا، الرجل الذي كان من الشجاعة ليتصدى لكل من سولت له نفسه الاعتداء على قبيلتهم قبلًا، ها هو يتمم زواجه الثاني اليوم من ابنة عمه، كي لا يكسر خاطر البارو الحالي، وينقذ ابنة عمه من لذاعة الأحاديث التي تدور حولها بين الطرقات. الجميع في باحة المنزل ينتظر العروس المنشودة لتأتي وتدلي بموافقتها أمامهم ليتم الزواج وتبدأ ليالي الاحتفال السبع المعروفة.

كانت أصوات الغناء ومشاهد الرقص تملأ المكان والتهاني تتقاذف فوق رأس عز الدين الذي يجلس مبتسمًا متفاخرًا بنفسه، الرجل الذي يتحدث الجميع عنه وعن قوته وبأسه. ومن بين كل تلك الاحتفالات ظهرت أخيرًا العروس، لتعلو الزغاريد في المكان، لكن فجأة تلاشت وتوقفت النسوة، كما تجمدت الأجساد جميعها وهم يبصرون المرأة تتحرك بينهم متشحة بالأسود من رأسها لأطراف أصابعها.

تمامًا كما ظهرت في زواج عز الدين الأول، لكن هذه المرة دون مسدس، ابتسمت بسمة صغيرة تتحرك بينهم حتى وصلت لمقعدها بين الجميع، وأعين الجميع تحلق حولها بصدمة شديدة، قبل أن يتدارك عز الدين الأمر متوعدًا لها. _خير، وقفتوا الاحتفال؟ كملوا... فين المأذون؟

اتسعت بسمة رايانا أكثر وهي ترى نظراته، وبالفعل هرول أحد الصبية لأحضار المأذون ووالدها يتوعد لها بالويل، الجميع يحدق فيها بكره وغضب كبير، وهذا لو يعلمون يزيد من سعادتها في الواقع. فما أجمل من إثارة غضب كل فرد من أفراد عشيرتها؟ في اللحظة التي وصل بها المأذون، أفسحوا له المجال لبدء عقد القرآن، لكن وقبل أن يستقر في مكانه، ارتفع صوت صرخة قوي بين الجميع يوقف كل

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...