كانت لحظات ينعزل بها بنفسه عن الجميع، لا يدري أيرثي نفسه أم حياته أم ينعي مستقبلًا ضبابيًا، هو الذي عانى ليصل إلى هدفه، ليصل في النهاية لحائط سد. ابتسم بسخرية وهو يجمع أوراقه وكتبه داخل كرتون صغير، وأمام عيونه نيران تحفزه على حرق كل تلك الأوراق التي شهدت على مظلمته، لم تنطق يومًا بكلمة حق تشهد على تعبه وسهره. أربع سنوات...
أربع سنوات قضاهم داخل جامعته يكافح ويحارب، لا ينام ولا يسمح للكسل أو الفشل أن يتسرب له. أخبره الجميع أن تخصصه هو دفن حي لحياته ومستقبله، فهو من بين جميع المجالات اختار المحاسبة تخصصًا، وتوعد للجميع بنهاية يشفي بها صدره.
والآن بعد مرور أربعة سنوات حصل فيهم على المركز الأول مرتين والمركز الثاني مرتين، وختم حياته في الجامعة بامتياز مع مرتبة الشرف، ها هو أخيرًا وصل للمرحلة التي ينام بها ليلته مرتاحًا قرير العين على مرتبة الشرف الخاصة به، بعدما نال ابن عميد الكلية، وابن أخ ونائب الجامعة مكانهُ عن جدارة واستحقاق من طرف عائلته.
ابتسم بسخرية ومرارة قاسية استحكمت حلقه، وقد أضحت الصورة أمام عيونه ضبابية بسبب دموعه التي تجمعت. بعد كل ما بذله في سبيل الارتقاء بنفسه وبأسرته، ها هو يعافر ليوفر بعض القروش تكفيه شر السؤال من والده، وقد رفضته جميع الشركات لقلة خبرته. لكن العيب في النهاية يقع فوق أكتاف "الحاجة سنية"، إذ لم تلفظه من رحمها مع خبرة سبع سنوات وشهادة زمالة من الاتحاد القومي للمحاسبين.
فجأة انتفض جسده بقوة حينما ارتفع صوت تحطيم من الخارج. زفر بضيق وقد علم أن شجارًا آخر قد نشب في الأسفل. نهض يتحرك صوب نافذته كي يغلقها ويعزل نفسه عن محيطه، لولا أن أبصر أحمد يركض بجنون في الشارع وهو يصرخ في دائرة الشجار بصوت صاخب: "عيســـى، أبعد عنه منك ليه... ضيق يحيى عيونه وقد ارتفع وجيب قلبه وهو يحرك عيونه ببطء أكثر صوب الشجار، لا يتعرف على أحدهم بسبب كثرة التجمهر، وكل ما استطاع التعرف عليه هو...
"يحيى ألحق اخوك في شوية بلطجية متلميين عليه تحت يابني." وفي ثوانٍ كان يندفع خارج المنزل يهرول في الطرقات الخاصة بالشارع، ومظهر بعض الرجال متجمعين على شقيقه الأصغر يطعنه بقوة. أبصر أحمد يحاول جذبه من بين أيديهم لولا عددهم الكبير. بسرعة كبيرة ركض صوبهم وهو يحاول جذب عيسى خارج الشجار قبل أن يضيع ضحيتهم، ومن ثم يمكنه فعل ما يريد. عيسى، والذي كان رغم كل أفعاله طائش، لا يستطيع رفع إصبعه في وجه حشرة صغيرة.
أصوات صراخه وأصوات النساء حوله ترتفع، وقد بدأ الشجار يحتدم أكثر وأكثر والكفة ترجح لطرف الآخرين لكثرة عددهم. وأحمد بدا كمن تلبسه جنيّ، يضرب من أمامه دون تفكير، يحاول أن يخرج بعيسى بأقل الخسائر الممكنة. وهناك على بداية الشارع كان يتحرك بكل هدوء، يحمل على كتفه حقيبته ويجذب أخرى، يراقب الطريق بأعين ضبابية، يشعر بالحنين يعلو داخل صدره حتى كاد يفيض ويغرق المكان حوله.
جواره يسير حاتم الذي كان يراقب كل شيء، وشعور غريب بالراحة يتسلل لصدره، دفء المكان أراحه، قبل أن ينتبه للضوضاء التي تعلو المكان. "يا لطيف، شكله فيه واحد عمّ بنطحن بهالخناقة." حرك مسلم عيونه ببطء صوب الشجار، قبل أن يبعدها ببرود ودون اهتمام بما يحدث: "كبر دماغك يا حاتم خلينا نوصل للبيت بس."
وبالفعل تحرك مع حاتم يتجنب الشجار بكل برود، حتى أن أحد الأجساد اندفع صوبه ليدفعه بقدمه بملامح مقتضبة، وهو يكمل طريقه صوب البناية الخاصة به، وعقله يعرض له ملايين المشاهد حول مقابلته لعائلته. عرق بارد ملأ جبينه، وضربات قلبه تعلو كلما خطى خطوة صوب المنزل. لكن وقبل أن يرفع قدمه ليخطو للبناية، سمع صرخة هزت كامل أرجاء جسده، صرخة جمدت الدماء في عروقه. صرخة والدته... "حد يبلغ البوليس يا ناس عيالي هيضيعوا مني."
كانت ثوانٍ فقط، ثوانٍ رفع عيونه صوب النافذة يبصر جسد والدته يتوه بها للحظات لا يدرك عددها، ومن ثم حرك رأسه بسرعة صوب الشجار حيث تصوب والدته عيونه وتوقف قلبه ثوانٍ، يدرك في هذه اللحظة أن الأمر لم يكن مجرد شجار مزعج، بل كان شجارًا مزعجًا مع إخوته. امتص حاتم شفتيه بشفقة على سنية التي كانت تنوح على أولادها: "الله يعينها، مبين أنه....
وقبل إكمال كلماته وجد حقيبة مسلم ترطم بوجهه وهو يهرول صوب الشجار بسرعة، يتحسس وجوه أشقائه الذي نسي ملامحهم تقريبًا إلا من بعض الصور، ليجد عيسى في منتصف القتال تقريبًا والجميع فوقه، ويحيى يحارب ليخرجه سالمًا.
لم يفكر لثانية وهو ينقض يسحب أحدهم من رقبته للخلف حتى كادت قبضته تحطم عظام رقبته، ومن ثم سحب الآخر يضرب رأسه بخاصته، ولا أحد يدرك هويته. لكن على الأقل أحمد يدرك أنه معهم لا عليهم، لذا بدأ يساعده في تخليص عيسى من بين أيديهم حتى عمت الفوضى المكان. وحاتم يتابع من بعيد بأعين متسعة مصدومة، ينظر حوله لا يعلم ما عليه فعله، قبل أن يلقي الحقيبة أرضًا ويحشر جسده بين الحشود يبحث عن رفيقه ليؤازره. "ولك!
شو مالكم متجمعين على الولد بهاي الطريقة؟! كان يصرخ وهو يضرب من لا يعلم لأجل من لا يعلم، هو فقط يضرب من يرى مسلم يضربه، ومسلم أمامه كان قد جن جنونه وهو يضرب كل غريب أبصره في هذا الشجار، فقط ليصل حتى شقيقه الصغير. *** تنفست الصعداء وقد هربت أخيرًا من المنزل دون أن يقف والدها أمامها ويخنقها كما المعتاد، فما حدث في عقد قرآنها مع عز الدين لم يمر الكرام.
البارو أعلن غضبه على الجميع، وقد استغرقوا وقتًا طويلًا لضحد كل الأقوال حول حقيقة عز الدين وإظهار أن زوجته هي المرأة الفاسدة التي أرادت إفساد صورة البارو المستقبلي. ولم يضيع عز الدين وقته وهو يلتقط له امرأة أخرى يتزوجها كي يثبت للجميع أن العيب الوحيد به هو مثاليته فقط.
أغلقت البوابة ببطء وهي تتحرك بعيدًا عنها بسرعة صوب مكانها المفضل، لكن ما كادت تعبر عتبة منزل عمها حتى شعرت بيد قوية تجذبها للداخل، يد لم تمنح لها حتى حق الصراخ، وهي تكمم فمها تسحبها بسرعة صوب غرفة جانبية للغلال، وهي فقط تحاول إدراك ما يحدث. لكن فجأة وجدت نفسها في غرفة الغلال مع زوجة عمها وابنها وشقيقاتها. اتسعت بسمة زوجة عمها وهي تبصر صدمتها، تشعر بانتصار أخيرًا على ساحرة الغجر. تقترب منها وهي تشمر أكمامها:
"فكرك هتخربي حياة ابني وتفلتي منها؟! تراجعت ريانا للخلف بحذر تبتسم بسمة صغيرة غريبة، بسمة واثقة، رغم أنها داخلها ترتعد من الخوف، بل تبكي رعبًا من مظهرهم، لكنها تدرك يقينًا أن سبيل نجاتها من أيديهم في هذه اللحظة هي عقولهم والأوهام التي كانوا مقتنعين بها على مر عقود. "وفكرك أنتِ هسيبك في حالك لو قربتي مني بسوء؟!
لكن يبدو أن غضب وحقد المرأة جعلوها حصينة أمام الأحاديث التي تناقلت عنها، لذا أخذت تحرك عيونها حول نفسها وهي تبحث عن مخرج لها من المكان، ورعب كبير بدأ يتملك منها وهي تبصر الجميع يتحرك صوبها، وعز الدين يقف بعيدًا يضم يديه لصدره يراقب العرض الممتع ببسمة جعلت جسدها يرتجف. نظرت لهم بأعين مرتجفة وقد أبت أن تخرج توسلًا من فمها، فقط تعود للخلف وهي تراهم يحيطون بها، في الوقت الذي بدأت ذكرى قديمة تهاجمها.
فتية صغار يطاردونها وحجارة غليظة تتقاذف عليها، وكلمات مترامية حول الساحرة والمشعوذة تلاحقها. لكن الفرق أنها في طفولتها هربت منهم واحتمت بغرفتها. وهنا لم يكن لها مكان تحتمي بها، سوى أنها ومع أول ضربة تلقتها تقوقعت على نفسها بسرعة تحمي نفسها، تتلقى ضرباتهم بصمت دون صرخة واحدة حتى، وكأن لا صدى لضرباتهم بجسدها سوى اهتزاز بسيط.
ودمعة وراء الأخرى بدأت تسقط من عيونها تشعر باهتزاز جسدها وهي تتسطح أرضًا تخفي جسدها ووجهها، تأمل أن يملوا سريعًا من ضربها حتى تنعزل بنفسها تضمد جروحها لنفسها، تحاول أن تعزل نفسها عما يحدث لها، بالتفكير في مستقبل أكثر إشراقًا، حيث هي بعيدًا عن كل هؤلاء مع شخص يحميها، شخص يموت لأجلها، شخص يرد الصفعة برصاصة. ***
فتحت الباب بسرعة وهي تضم عيسى برعب، تنظر له باكية تحاول أن تتنفس بشكل طبيعي، تتحسسه وجهه بحثًا عن جروحه، أو ربما بحثًا عن جزء بلا جروح بوجهه. "كده يا عيسى؟؟ ياما قولتلك يا بني تسيبك من أم التوكتوك ده اللي مش جايلنا من وراه غير وجع القلب، ليه كده يابني عجبك اللي حصل؟؟ احمد ربنا إن أبوك مش هنا." صمتت حينما أبصرت وجه ابنها الجامد والمصدوم، لا تفهم ما به: "مالك يا عيسى، فيه ايه؟؟ يحيى فين هو وابن خالتك حد حصل ليهم حاجة؟!
ابتلع عيسى ريقه وهو يشير للأسفل دون كلمة، يتذكر ذلك الشخص الذي جذبه من الشجار يأمره بالرحيل بسرعة. وسنية دفعته وهي تتحرك بسرعة وقد اكتفت من المراقبة، تهرول خارج المنزل تتأكد أن الجميع بخير. أما عن الخارج، فبمجرد أن انتهى الشجار أمسك مسلم أحد الرجال يجذبه صوبه وكأنه يناطحه، يهمس بصوت أرسل قشعريرة في جسد الآخر:
"قول للي معاك أي واحد توسوس ليه نفسه يقرب من عيلتي أنا هخلي أمنيته أن عربية تفرمه أحسن من اللي هعمله فيه، واضح كلامي؟! أومأ الرجل بسرعة يتحرك بعيدًا بسرعة، بينما مسلم نفض يده يستدير بسرعة صوب يحيى يتأكد أنه بخير، بينما يحيى كان يتأكد أن أحمد بخير، ومن ثم استدار يبحث عن عيسى الذي اختفى فجأة من بينهم. "الندل سابنا في الخناقة اللي هو حطنا فيها و...
فجأة توقفت كلماته على طرف شفتيه وهو يبصر أمامه هيئة مألوفة لرجل يبتسم له بسمة حنونة محبة. رجفة سريعة مرت بجسد يحيى وقد ظن لثوانٍ أن ما يراه ليس سوى لـحاجته المثيرة للشفقة مؤخرًا لوجود سند له. لكن كل ظنونه تلاشت مع كلمات مسلم الذي اقترب يهمس بصوت حنون محب: "يوحا حبيبي وحشتني." ارتجف جسد يحيى بقوة وهو ينظر خلفه لأحمد الذي لم يكن أقل منه صدمة، يعيد نظراته لذلك الـ... لنسخة أخيه الباهتة. وقد خرجت كلماته بشك: "مسلم؟!
سقطت دمعة مسلم وشعر بقلبه يتفتت وهو يهمس بصوت باكي: "وحشتني يا يحيى." وفي ثوانٍ كان يحيى يندفع لمسلم وهو يصرخ بعدم تصديق: "مسلم؟؟ مسلم؟ أنت... مسلم يا أحمد... مسلم." وما بقي في نفسه كلمة لينطق بها، فقد تكفلت كل دمعة شوق كبتها يومًا بالتعبير عن حالته، وهو يضم شقيقه أكثر وكأنه يخشى إن تركه يتلاشى طيفه ويعود دونه مجددًا.
انهار يحيى بين أحضان مسلم الذي لم يكن فقط مجرد شقيق، بل كان وما زال القدوة الصديق منذ كانا طفلين لا يفرق بينهما سوى خمسة أعوام. همس بصوت باكي وقد ارتجفت يد مسلم بقوة: "وحشتني اوي، وحشتني اوي يا يحيى، وحشتني أوي، أنا.... أنا... أنا آسف... حقك عليا." ولا يعلم علام كان يعتذر ولمن؟!
لنفسه التي أضاعها في حياة اختارها في لحظة يأس، أم لشقيقه الذي تركه في أكثر الفترات التي كان يحتاجه بها، أم لعائلته التي تخلى عنها عشر سنوات دون إشارة واحدة توحي بوجوده فعليًا. "بالله عليك ما تغيب تاني، بالله عليك ما تسيبنا تاني يا مسلم، أوعى تكسر ضهري بغيابك تاني يا مسلم." "مســ... مسلم ..ابني؟؟ مسلم؟؟ ده مسلم؟!
كانت كلمات مرتجفة خارجة من فم السيدة سنية التي توقفت خطواتها على بوابة المنزل بعدما سمعت كلمات يحيى ترتجف وهي تراقب ذلك الجسد الضخم الذي لا يشبه بأي شكل ولدها ضعيف البنية، وجه خشن وملامح قاسية لا تمت لبراءة وطيبة ملامح مسلم بشيء، لا شيء من هذا الشخص يشبه ولدها الذي ودعته في نفس المكان قبل عشر سنوات، لا شيء به يشبه مسلم سوى عيونه.
رفع مسلم عيونه صوب والدته، وكل ما كبته من انهيار قبل ثوانٍ بصعوبة بين أحضان يحيى انفجر انهيارًا أسفل أقدام والدته وهو يهرول صوبها باكيًا كطفل صغير عاد مجروحًا من الروضة: "مامـــا.." وهي كلمة واحدة ما استطاع النطق به قبل أن ينفجر في بكاء حار يلقي بنفسه بين أحضانها وكأنه يشتكي لها ما حدث ببكاء فقط، يقص عليها معاناته دون كلمات فعلية.
وهي فقط أخذت ثوانٍ مصدومة قبل أن تنفجر باكية تقبل وجهه وتشتمه بجنون تبحث به عن ولدها، وقد كان اللقاء حارًا ومؤثرًا لدرجة أن بعض المارة بدأوا يتوقفون في طريقهم يتابعون ما يحدث بصدمة وتأثر. وحاتم فقط يقف جانبًا يراقب ما يحدث مبتسمًا، يعتقد ربما لو كان يمتلك عائلة، ربما... ربما كانوا افتقدوه بنفس المقدار.
تحرك أحمد بسرعة يعانق مسلم لا يصدق أنه أخيرًا أبصره بعد كل هذه السنوات، وعيسى الذي تعجب ذلك الشخص في البداية خاصة أنه سافر حينما كان في التاسعة فقط، إلا أن عناق واحد من مسلم جعله يشعر بأمان وراحة كبيرة. ومن شجار وشغب تحولت الأجواء في الحارة لاحتفال وترحيب بعودة الغائب من بعد سنوات طويلة. *** "كلامك اللي بتقوليه ملهوش دليل يا ريانا عشان تتهمي زوجة عمك وابن عمك، وأنا مينفعش إني احاسبهم على شيء مفيش دليل عليه و...
تلاشت كلمات والدها حينما تجاهلته بكل بساطة وتركته يتحدث ورحلت بكل صفاقة ووقاحة -حسب ظنه -تتحرك صوب غرفتها وعيونها تلمع بانكسار وشر، تقسم أن تطلقه على الجميع، وكأن آثار الضربات على جسدها ليست دليلًا، وكأن كلمتها ليست دليلًا. كان أخبار والدها منذ البداية فكرة سيئة من الأساس، والآن نأتي للفكرة الجيدة. ستُحيل ليل عشيرتها نهارًا... وقد كان.
حريق هائل التهم ربع أراضي القرية في الطرف الشمالي، ومن العجيب أن الأضرار أصابت فقط أرض عمها بشكل غامض وبفعل غامض ويد غامضة.
والشخص صاحب اليد الغامضة، كان يقف هناك على بعد يساوي نفس البعد الذي كان يقفه عز الدين بينما تتعرض للضرب من والدته وشقيقاتها، تضم يديها بنفس الوضعية التي كان يقف بها، تراقب انعكاس النيران داخل عيونها، ونظرات الذعر في أعين الجميع وصرخات والدته وشقيقاتها؛ اللواتي بعن كل ما يمتلكن للمشاركة في حصاد الأرض، يعلو في المكان فيطربها.
اتسعت بسمتها تجلس أرضًا أسفل شجرة بعيدة بعض الشيء تضم قدميها لجسدها تراقب ما يحدث باستمتاع شديد وبسمة صغيرة.
لم تشعر بذرة شفقة وهي تتحرك صوب سيارة والدها تفرغها من الوقود ومن ثم تتحرك صوب الأراضي تحرقها، وكأن طاقة سوداء بداخلها هي ما دفعتها لذلك، وكلما شعرت بالتردد والخوف مما ستفعل ذكرت نفسها بكل ما حدث لها على أيديهم. كان غضبها وحقدها يغزيها ويحركها. ربما كانت حقيرة، لكنها على الأقل أثلجت صدرها برؤية النساء يصرخن صرخات كبتتها هي أثناء ضربهن لها. ربما كانت ضعيفة لتصد ضرباتهم، لكنها لم تكن جبانة لتمررها. فجأة سمعت صوتًا
خلفها يهمس بحقد: "أنتِ اللي عملتي كده صح؟! ابتسمت دون أن تنظر خلفها، فقط تراقب المكان دون أن ترفع عيونها، تسمع صوت القش يتحطم أسفل خطواته الغاضبة، توقف أمامها يهتف بصوت غاضب صاخب: "انطقي أنتِ اللي عملتي كده؟! رفعت عيونها له ببرود وضيق ثم عادت بنظراتها صوب الحريق تحاول أن تبصر شيء من خلف ظهره: "أنك تسأل أسئلة أنت عارف اجابتها مضيعة للوقت يا عز الدين." مال عز الدين يجذب ذراعها بقوة يجبرها على الوقوف وقد فعلت دون مقاومة
بسبب وجع جسدها بالكامل: "أنتِ ايه يا شيخة، شيطانة، غراب أسود مدخلتيش حياة حد غير لما خربتيها، بومة زي ما الكل كان بيقول عنك، كل ده عشان رفضت اتجوزك زمان، للدرجة دي الموضوع قاتلك، إني ارفضك وجعك للدرجة دي؟! بس تعرفي أمي كان عندها حق، أنت خراب على كل اللي بيشوفك."
كانت تراقبه بصمت كعادتها، وقد اعتادت طوال حياتها أن يكون ردها الوحيد على كل ما يحدث لها هو الصمت. تصمت وتبتسم لهم تلك البسمة التي يراها الجميع مريضة، لكنها كانت مجرد غطاء تخفي خلفه مشاعر غضب وحزن وقهر. شيطان؟! ربما. غراب أسود؟! هكذا يقولون. خراب؟! احتمال. لا تهتم بالتحديد بالألقاب فطالما أنهم لن يتوقفوا عن نعتها بها، إذن لتتصرف على هذا الأساس.
نظر لها عز الدين باشمئزاز كبير جعل أحشائها تتلوى بقوة، ليس وكأن نظرة أو رأي عز الدين قد يؤثروا بها، لكن أن يرمقها رجل ولو كان عز الدين بهذه النظرة المستحقرة المشمئزة كان سيئًا للغاية. "أنتِ مقرفة يا رايانا، صدقيني حياتك الجاية هتكون جحيم عليكِ وأنا بنفسي هتأكد أنك تعيشي أسود أيام حياتك بدون خلاص، أصل مين اللي هيورط نفسه مع واحدة زيك شكل وبس، مفيش حد في العشيرة هيقبل في يوم يرتبط بشيطان زيك، حد بسوادك وحقدك."
مال عليها أكثر تحت عيونها الجامدة رغم النيران التي كانت مشتعلة بها من الداخل: "مفيش راجل واحد على وش الأرض هيقرب منك، سامعة يا ريانا، هتعيشي وتموتي وحيدة من غير ما كلب يرفع عيونه فيكِ، لأن لو مش ليا، فأنتِ مش هتكوني لغيري، وخلينا نشوف مين ممكن يقرب منك؟! ختم حديثه ينفض يدها بقوة وقد اشتعل وجهه بالغضب، يبصق أرضًا بازدراء، يتحرك ليتدارك الخسائر مع عائلته بعدما أطفئوا الحريق بالفعل وقد تم إخماده.
تاركًا إياها تقف بهدوء وأعين شاردة في الدخان أمامها. عيون حمراء ليس غضبًا، لكن قهرًا، دموع قليلة بدأت تتساقط من عيونها، وقد أدركت في هذه اللحظة أنها انجرفت بعيدًا خلف غضبها، أبصرت بقايا الحريق أمامها وكأنها أدركت فجأة فداحة ما فعلت، لكنهم أطفئوا الحريق في النهاية. وهي متى تخمد نيرانها؟! كانت متجمدة بأرضها وصوته الداخلي يرن في رأسها مرارًا وتكرارًا حتى كاد يصمها: "وخلينا نشوف مين ممكن يقرب منك؟؟؟؟؟ *** "مسلم؟!
كانت نظرات التعجب والصدمة تدور حوله، هنا في منزل طفولته الذي لم يتغير به الكثير. جميع أفراد أسرته تجمعوا داخل المنزل، والمقصود بجميع أفراد أسرته هم أسرة والدته تحديدًا. الجميع جاء يلتحق بالصفوف الأولى لمشاهدة الغائب الذي رحل شابًا وعاد...
حسنًا، لا يدرك أحد كيف عاد بالتحديد. كان مسلم شاب نحيف مع ملامح صافية نقية، أما هذا بملامحه الخشنة وجسده الضخم نسبيًا وخصلاته السوداء التي استطالت أكثر وأكثر، وعيونه البنية التي بدت أشد سوادًا، كان تقريبًا شخصًا آخر. "لو كنت أعرف أنك هترجع بالشكل ده يا مسلم أنا والله كنت استنيتك."
كانت كلمات خرجت هائمة من فم "نورهان" التي كانت تراقبه ببسمة واسعة وأعين ملتمعة تشعر بضربات قلبها تكاد تخرج من صدرها من هول ما ترى، وقد اشتعل الحماس فيها وهي تراقب مسلم وكأنها معجبة بفكرة امتلاكها شخصًا في عائلتها بهذا الجسد الضخم. تلوت ملامح شقيقها "أحمد" وهو يزجرها بنظرة قاسية لتخفض وجهها بسرعة خجلة، مترددة مبررة: "ده اخويا يا أحمد مالك... اخويا والله." اتسعت بسمة مسلم بقوة وهو يتحرك صوبها يجاورها يضمها بحنان:
"ملكش دعوة باحمد يا نونو، قولي اللي تحبيه يا قلبي، بعدين اتجوزتي مين وامتى؟ أنا سايبك هايمة بالسي في بتاعك عشان تشتغلي وقولت هرجع ألاقيكِ مستقلة في حياتك وحققتي حلمك." ابتسم أحمد بسخرية لاذعة وضيق شديد ملأ نفسه حين اتجه الحديث لهذه النقطة: "اتجوزت سيد الرجال يا خويا، اتجوزت زميلها في الشركة اللي كانت بتشتغل فيها، عيل ابن...
منعته نورهان من الحديث وهي تنظر له بغضب مرددة بكلمة حادة وهي تشير بعيونها صوب الغريب الذي كان يجلس بينهم ولم يكن سوى حاتم: "أحمد لو سمحت." حرك مسلم عيونه صوب حاتم الذي لم يكن يعي حتى ما يحدث معهم، يجلس مع والدته التي تعهدت على إخراجه من أسفل يديها نصف طن. "يا خالة، خلّيها... والله ما في داعي، اقسم إني مو جوعان... هاد بط؟
زفر أحمد بقوة يبعد وجهه عن شقيقته، ولم يفهم مسلم ما يحدث، لكن بنظرة صغيرة صوب يحيى أدرك أن الكثير فاته خلال هذه السنوات، عشر سنوات لم تكن قليلة في النهاية. "ايه اللي حصل بالظبط وانا مش هنا، حاسس فيكم حاجة غريبة؟ نظر يحيى حوله بسخرية شديدة يميل بيديه على ركبتيه يتشدق مبتسمًا بحسرة: "حاجة غريبة؟ لا، هو الغريب فعلاً أنك تكون طبيعي في بيتنا." أشار على الجميع حوله ببسمة ساخرة:
"أنت بعونك يارب قاعد دلوقتي مع أكبر أربع فشلة فيكي يا مصر. أستاذ أحمد محامي مع وقف التنفيذ وشغال على عربية فول الصبح، أنا محاسب على الله وشغال على نفس عربية الفول بس بعد الضهر." أشار على نورهان ببسمة: "أختك العبيطة اللي سابت وظيفتها عشان تتجوز راجل ابن... صمت حينما رمته نورها بنظرة مرعبة، لكن إن ظنت أن يحيى بمثل تفهم أحمد فقد أخطأت، إذ ضرب كفيه ببعضهما البعض يلقي لها بالكلمات بنغمة ساخرة: "ايه يا ختي بتبصيلي كده ليه؟
ما كل حاجة على عينك يا تاجر وكل الناس عارفة أنك متجوزة راجل ابن *** مترباش ومحدش طايقة حتى أنتِ." صمت يشير بعصبية مبالغ بها صوب عيسى ساخرًا: "واخوك بعد ما شاف اللي حصل لينا في التعليم حلف يمين ما هو داخل ثانوي ودخل صنايع وسقط، وبقى سواق توك توك قد الدنيا." ما هذا؟
ما الذي يحدث حوله، فهو آخر ما يتذكره قبل الرحيل أنه ترك أحمد على وشك أن يكون "وكيل نيابة كما كان يحلم"، ويحيى كان واثقًا أنه سيعود ليجده معلمًا بالجامعة، نورهان سيدة أعمال ذكية في مجالها، وعيسى... حسنًا، عيسى كان سيكون سائق "توكتوك" في جميع الأحوال. فهذا حلمه منذ أول مرة أبصر بها التوكتوك في طفولته. ولمَ اللوم وهو نفسه لم يحقق ما سافر لأجله؟ يبدو أن عيسى كان الوحيد الذي حقق أحلامه من بينهم جميعًا.
أبصر يحيى ما يعلو وجه شقيقه فاشفق عليه أنه عاد ليجد كل تلك الفوضى هنا، لذا حاول التهوين عليه: "سيبك يا عم أنت مننا، خلينا فيك وأنت بسم الله ما شاء الله بقيت.... بقيت قد الدنيا، أنا قولت والله الأمل فيك بعد ما جد جدك ضيع فرصتنا في الثراء الفاحش، قولي بقى يا ابو المسالم رجعت بكام مليون؟ رفع مسلم عيونه ليحيى ثوانٍ قبل أن يهمس بتردد: "عشرين."
اتسعت عيون الجميع بصدمة والتحفوا حوله بانبهار من الكلمة، وأحمد ردد بترقب وقد بدا أن لعابه سيسيل من التخيل، والكلمة خرجت منه بصعوبة: "مليون؟! نفى مسلم برأسه يبلل شفتيه ثوانٍ فقط: "ألف." بدأ الحماس يتراجع في النفوس وعيسى يتمسك بآخر أمل: "دولار؟ "جنيه." تراجع الجميع مجددًا لمقاعدهم بصدمة مما سمعوا. غربة أكثر من عشر سنوات وهذا ما عاد به، عشرون ألفًا؟! نظر الجميع لبعضهم البعض وأطلق يحيى ضحكة مرتفعة وهو يحرك كتفيه بسخرية:
"هي حصلتك في الغربة ولا إيه؟ لم يفهم مسلم ما يقصد: "حصلتني؟ مال أحمد يضيق عيونه بجدية يطرح سؤالًا ساخرًا عليه: "الخيبة يا خويا. فكرك يا مسلم ليه محدش فينا حقق حلمه اللي سيبتنا بيه؟ رمش مسلم لا يجد إجابة ليبدأ يحيى مشيرًا صوب أحمد: "الأستاذ أحمد أول ما قدم الورق بتاعه وجدك جابله وسايط تدخله رئاسة جمهورية مش بس نيابة، وكان واقف على التوقيع بس... تعرف إيه اللي حصل؟ ابتسم أحمد بحسرة وقد كان هذا الجزء الكوميدي
في قصته يكمل عن يحيى: "قام انقلاب داخلي على الحكومة وتم إقالتهم كلهم، وكل اللي جابتهم وسايط نصهم هربان والنص التاني ع البورش (السجن) اتسعت عيون مسلم بصدمة ويحيى يكمل ما حدث لهم: "وأنا كنت دايماً بطلع الأول واتخرجت بامتياز مع مرتبة الشرف تفتكر ليه مبقتش معيد؟
عشان ابن عميد الكلية وابن أخو نائب الجامعة قرر فجأة يجتهد في السنة بتاعتي بعد ما سقط سنة وطلع الأول علينا وقرروا أنه حرام واحد يبقى أهله ماسكين الجامعة، صعلوك زيي يطلع الأول عليه." أشار صوب نورهان بغضب: "واختك المتخلفة دي بعد ما رفضت نص رجالة البلد ربنا وقعها في راجل حيوان مطفحها المر في كاسات وكل يومين تغضب وتتخانق معاه ولسه ماسكة فيه تمسك عيسى بالتوكتوك رغم أنه كل يوم ياخد علقة بسببه." ختم
حديثه ببسمة واسعة يشير له: "وأنت اهو شرفت عشان نكمل الصورة، عيلة فاشلة مفيش واحد فينا نجح بالصدفة حتى." صمت مسلم بصدمة وهو يستمع لما حدث، واتضح أنه لم يكن الوحيد الذي عانى بينهم. دفن وجهه بين يديه وهو يفكر هل يخبرهم بكل الملايين التي يمتلكها والتي أقسم ألا يمسها يومًا فلا يريد أن يلمسها أو يقترب منها؟
تنهد بصوت مرتفع ولا يدري السبب إلا أنه تذكر آخر عضو في مجموعتهم قديمًا والتي لم يأت أحد على ذكرها، حبيبة الطفولة وجارته. "هي.... دنيا فين؟ اتسعت بسمة يحيى بشكل جعله يتيقن أن القادم لن يكون جيدًا له. وقد كان. "أتقصد السيدة الفاضلة أم جودي ويونس؟ ادعيلها ربنا يقومها بالسلامة من حملها التالت."
نعم، يبدو أن الكثير فاته أثناء غيابه. هو لا يهتم عامة بأمر دنيا كثيرًا، لم يكن يتوقع أن تنتظره عشر سنوات، لكنه فقط كان عاتبًا أنها لم تفكر يومًا في تسمية طفلها باسمه. نظر حوله لعائلته التي يبدو أنها كانت تضع أملًا كبيرًا على عودته، وهذا ما يؤلمه. هل سيضطر للمس ما أقسم ألا يقترب منه؟
مسح وجهه وهو يدفن وجهه بين يديه يفكر بجدية في الأمر، فما يراه الآن لا يحتمل أن يدعي الفضيلة، وينبذ ما جناه خلال سنوات عمله في تلك المنظمة. هو لم يكذب، فهو عاد فقط بعشرين ألفًا وهذا كان ما كسبه بداية سفره قبل سحبه قسرًا للمنظمة التي جنى بها ملايين لا تلتهما النيران. بلل شفتيه ولم يكد يتحدث بكلمة حتى ارتفع صوت والدته المبتهجة والتي لم تتلاشى بسمتها منذ أبصرته:
"مسلم يا حبيبي جدك اتصل بيا وبيقول عايز يشوفنا كلنا وأولنا أنت، مش مصدق يا حبيبي أنك رجعت وأصر يشوفك دلوقتي." أطلق يحيى ضحكة مرتفعة لم يفهمها مسلم يحرك كتفه بمزاح وكأنه يرقص: "تلاقيه سمع أن الجيش بتاع التحرير زاد جندي، جدك بدأ يخطط للزحف إلى أرض الدوم... ضيق مسلم ما بين حاجبيه بعدم فهم: "أرض الدوم؟ ***
أرض الدوم، حيث يقام احتفال تأسيسها بعد كل تلك السنوات التي استطاع بها غجر الدوم أخيرًا العثور على وطن لهم وأصبح تحت أيديهم رسميًا، وطنًا ومستقرًا. وها هم في الأسفل يحتفلون ناشرين كل صور البهجة المعروفة لديهم، النساء ترتدي الأثواب الملونة بالأحمر والأصفر يطلقون خصلاته الطويلة المزينة بشرائط بنفس اللون، والرجال كذلك يرتدون أثوابًا بيضاء يوزعون الفواكه والمشاريب والدفوف تضرب في أنحاء المكان.
احتفال تقليدي مائة بالمائة لا يفسده طقس ولا وجودها. فنعم، كانت مسجونة بغرفتها بأمر من والدها، فمنذ طفولتها حُرمت من حضور جميع احتفالات قومها وخاصة هذا الاحتفال تحديدًا، خوفًا من طاقتها السوداء. طوال سنوات عمرها السبعة وعشرين اضطرت للوقوف بالنافذة تراقبهم ببكاء تارة وحسرة تارة أخرى.
ورغم أن والدها لم يكن من داعمي فكرة شعوذتها، إلا أنه كان يفضل تلاشي كل الحديث والمشاكل التي تحضر بحضورها، لذا كان يحرص على منعها من الحضور كي لا تفسد احتفالات شعبه. راقبت الألعاب النارية تضيء المكان، والأنغام تعلو والرقصات التقليدية تملأ الساحة والضحكات تعلو. ضحكات القوم على أطلال حياتها. ونعم، ذكرى التأسيس أحضرت لها ذكريات لا تحبذ تذكرها، ذكرى بداية قصتها وشرارة الخرافات المتعلقة بها.
سنوات طويلة منذ ذلك اليوم لكنها تتذكر كل حدث به ليس كما لو أنها أبصرت ما حدث من رحم والدتها، لكن لأن الجميع لا ينفك يذكرها ببداية شؤمها. كانت الاحتفالات تعلو في المكان والجميع يتراقص ويهنئون بعضهم البعض بذكرى تأسيس أرض الدوم، وفجأة من بين الاحتفالات، قطعت صرخة صوت الاحتفالات، صرخة لم تشق الحشود ولم تصل سوى له. البارو...
انتفض جسده متحركًا صوب زوجته التي سقطت بين النساء وقد جاءها المخاض، أقبل ولده الحبيب واختار يومًا عظيمًا كسنوية العشيرة لينير البلاد ويحمل الراية من خلف والده. وبالفعل، سُحبت زوجته للغرفة وقد ارتفعت صرخاتها والجميع التف حول زعيمهم يشاركونه الفرحة والتهاني وأصوات الزغاريد تعلو، لكن فجأة كل ذلك توقف مع صدوح صرخة أخرى، لكن هذه المرة لم تكن صرخة زوجة البارو... خرجت الحكيمة والتي كانت تحمل بين يديها جسد الصغير داميًا
تصرخ بفزع: "مَرا البارو خَنّقِت النَفَس، رُوحها طَفِت." (زوجة البارو لا تتنفس، ولا تتحرك، لقد... ماتت) ومن بعد هذه الكلمات وقبل انتشار حالة حداد بين الجميع أضاءت السماء حولهم، لكن هذه المرة ليس بأضواء الاحتفال، بل بنيران حريق اشتعل فجأة بسبب شرود امرأة عن ولدها وتحركه صوب الألعاب النارية، واشتعل المكان بالكامل. والبارو في المنتصف وويله زوجته وويله عشيرته.
ركض الجميع يصرخ ويحاول إطفاء المكان وقد خسروا الكثير خلال ذلك اليوم. جاءت روح للحياة، وفنت قبالتها أرواح أخرى أكثر. والأشد والأمر على الجميع وأولهم البارو، أن كل ذلك لم يكن لأجل وريثه، فبعد انتهاء كل هذا اكتشفوا أنه لم يكن ولدًا، بل كانت..... فتاة.
ومن ثم، بدأت سلسلة التشاؤم منها ومن كل خطوة تخطوها، وأصبحت كل كارثة تُنسب لها، ولو مرت بمزرعة يومًا، ونفقت بها ماشية بعد شهرين لقالوا أن مرورها قبل شهرين هو السبب. كان قومها خاصة كبار السن يؤمنون بالتخاريف المتوارثة وقراءة الطالع، وقد تنبأت امرأة عجوز لها يومًا نبوءة أنها ستكون سبب فناء تلك العشيرة.
وحسنًا، هي مسلمة تؤمن بالله وتدرك أن كل تلك تخاريف وأن المنجمين كذبوا ولو صدقوا، لكن كم تمنت أن يصدق حديثها ويفنى شعبها بيدها. تكرههم وتمقتهم وتكره كل نفس يتنفسونه، وكل فرحة بنوها على حزنها وحسرتها. يُقال أن كل قصة لها شرير، وهي كانت شريرة لقصص جميع أفراد عشيرتها. في الواقع، تستمتع بذلك كثيرًا، وإن ظنوا أنها ستدعهم يسعدون على أنقاض تعاستها فقد أخطأوا. ليس والجميع ينظر لها بعين السخرية والشفقة.
ابتسمت لنفسها أمام المرآة وهي تراقب ملامحها، جمال دُفن تحت ركام الشائعات. لكنها لا تهتم، هي شاكرة أن هذه التراهات ستبعد عنها رجال عشيرتها، فإن كان مقدرًا لها الزواج بأحدهم فلتعش عزباء ما حييت أفضل. تحركت خارج المنزل من الباب الخلفي الذي تجاهل والدها غلقه لأنه يعلم أنها في كل الأحوال لن تتجرأ وتتخطاه، ليس اليوم على الأقل.
خرجت تتمايل بثوب يتكون من جزء علوي أسود بأكمام تغطي كامل ذراعيها، والجزء السفلي من الفستان مكون من عدة ألوان تتناسب مع شرائط شعرها الذي عقدته للخلف. تحركت بخطوات رشيقة صوب ساحة القرية وهي تراقب الجميع يحتفل ويرقص، حتى وصلت لمنتصف الساحة وقد توقفت الحركة حولها لكن الموسيقى لم تفعل.
اتسعت بسمتها وهي ترفع يديها تحركها في الهواء، قبل أن تتجمد فجأة تحرك عيونها عليهم تراهم يراقبونها بحذر وقد بدأ بعض الصغار يتخفون خلف والدتهم، تدرك ريانا أن قصص ما قبل النوم التي تخوف بها النساء الصغار لا تخلو من ذكرها. ابتسمت بسخرية رغم الوجع الذي أصابها، وهي ترفرف بفستانها على صوت الموسيقى، ولم تحرك سوى كتفها بحركات رشيقة تأبى أن تستعرض جسدها أمامهم بالرقص، تشاركهم احتفال لم يدعوها له أحد.
وبمجرد أن بدأت الرقص توقفت الحركة من حولها رغم استمرار الموسيقى. ابتسمت بسمة صغيرة حينما وجدت الجمع ينفض من حولها وأصبحت وحدها في منتصف الساحة منبوذة كالعادة، لذا خمنت أن قومها تركوا لها شرف إحياء الاحتفال وحدها، ومن هي لترفض هذا الشرف؟! لذا استغلت الفرصة وغنت الأنشودة الوحيدة التي تحفظها، صوتها بدأ يصدح بقوة بكلمات تراثية قوية وهي تشاركهم الغناء والاحتفال.
لكن بدا أن أي ممن حولها لم يقدر فنها ذلك، لكنها رغم ذلك لم تتوقف عن الغناء وهي تدور في المكان تغمض عيونها وتحرك يديها وفستانها تنشر ألوانها وبهجتها، والجميع حولها يراقبها بصدمة كبيرة ووجوه شاحبة. "حد يوقف اللي بيحصل." "فين البارو؟ "البنت دي تخطت كل حدودها، لازم تتربى." وصوت غنائها يتردد في المكان وهي تدور في منتصف الساحة تميل بحركات تقليدية وتحرك يديها وتصفق تنشد باندماج، والجميع حولها يشهق ويراقب بعيون متسعة.
بينما البارو يراقبها بوجه أحمر يشير لزوجته بسحبها بعيدًا، وعز الدين يبتسم بسمة لا معنى لها يرتشف من كوب العصير الخاص بها ببرود. "مش هتستريح غير لما تتعلق في شجرة وتتجلد أو يولعوا فيها حية." وريانا لم تتوقف عن الإنشاد وهي تفتح عيونها تحدق في الجميع عند جزء معين من أنشودتها تشير على الجميع، ليتراجعوا وكأن كلماتها ستلتصق بهم.
وأخيرًا توقفت عن الغناء وهي تتنفس بصوت مرتفع بين الجميع، تراقب ثوانٍ قبل أن تبتسم لهم بسمة واسعة ترفع طرفي فستانها وتتحرك صوب طاولة المشروبات تلتقط عصيرًا لها ومن ثم رفعت يدها في الهواء تردد وهي تعطيهم ظهرها: "Baxtali dromesko dives! (عيد وطني سعيد)
ومن ثم رحلت دون كلمة والجميع شاحبي الأوجه يراقبون ما حدث منذ ثوانٍ لا أحد امتلك القدرة على الحديث حتى، وكل ما يدور بالأذهان أن هذه الساحرة جاءت للتو تتراقص في ساحة الاحتفال وتغني لهم. المشكلة لم تكن هنا. بل المشكلة كانت أنها كانت تتراقص لهم في ساحة الاحتفال وتغني لهم "أنشودة الجنائز". *** "واخيرًا كمل الشمل وشوفتكم كلكم قبل ما اموت يا ولاد؟
كان يحيى متكئًا بظهره للخلف على مقعده وهو يتثائب بملل، يعلم كل ما سيقال بعد ذلك ولم يخيب جده ظنه وهو يدخل في صلب الأمر مباشرة. "أخيرًا بقى ليا عزوة تجيب ليا حقي." تعجب مسلم ما يسمع ونظر للجميع حوله وقد بدا أنهم في هذه اللحظة لا يهتمون بما يقال، عدا حاتم الذي اندمج مع جده بشكل كبير. "الله يطوّلنا بعُمرك يا حجّ، إنت بس أشِّر واحنا بننفّذ." ابتسم الشيخ "حليم" يربت على يد حاتم بحب وحنان شديد:
"تعيش يا بني يا ريتك كنت حفيدي بدالهم والله." ختم حديثه يشير بكلماته صوب يحيى وعيسى ليلتوي ثغر عيسى بضيق ويتعجب مسلم ما يحدث: "أنا مش فاهم فيه ايه؟ مالك يا جدي وحق ايه اللي عايزنا نجيبه؟ حد عملك حاجة؟ نظر له يحيى محذرًا أن يسأل ذلك السؤال، لكن كان الأوان قد فات بالفعل وقد تنهد حليم بحنين شديد يرتاح بجسده على الفراش: "ياه الموضوع يابني بدأ من ٩٧ سنة من وقت ما الغجر دخلوا أرضنا ونهبوا حقنا أنا وأخواتي."
لوح يحيى بيده في الهواء مبتسمًا بسخرية وتحسر على حالتهم: "احكي يا شهرزاد... كاكي يا عيسى." لم يفهم مسلم ما يحدث ولا ما يقول شقيقه: "ما تهدى يا بني لما أشوف إيه اللي بيحصل!! جدك ماله ومين ده اللي أخد حقه؟ هو أنا فاتني كتير أوي كده؟ أجابه أحمد بضيق وهو يتسطح على الأريكة: "ده حوار جدك طلع فيه بقاله سبع سنين، وكأنه فجأة افتكر إن ليه أرض حد سرقها منه." "أرض حد سرقها منه؟ ازاي مش فاهم، هو مش جدي باع الأرض من زمان أساسًا؟
أجابته نورهان بجدية شديدة: "ده اللي كنا نعرفه بس، من سنين جدك مرة واحدة تعب ووصى أنه عايز يندفن في أرضه، ولما سألناه حكى لينا أن الأرض اللي كان عليها بيته القديم دي أساسًا ملكه والغجر أخدوها منه ووضع يد." ردد مسلم الكلمة بصدمة لا يصدق ما يسمع وكأن جده كان يحتفظ بكل تلك الأسرار ليخرجها في نهاية حياته لهم لإثارة بعض التشويق على رتابتهم: "غجر؟
"غجر الدوم.." وكانت تلك كلمة نطق بها حليم وهو يهتف بصوت مرتجف بسبب مرضه يشير لمسلم أن يقترب منه ليفعل الأخير بسرعة يمسك يدها يقبلها بحنان، وشرع الشيخ يقص عليه ما حدث: "من سنين أبويا رفض يدينا حقنا في الأرض أنا وأخواتي وظلمنا، وسلم أراضينا للغجر يقيموا عليها فترة وبعدين هيتحركوا، وأنا اشتريت منه أرضي اللي بنيت عليها بيتي القديم، لكن مع الوقت... صمت يبتلع ريقه وهو يتذكر ما حدث لهم قديمًا:
"مع الوقت بدأ الغجر يمدوا جذورهم في الأراضي اللي حواليهم ولما جدك اعترض أخدوها بالقوة وبوضع اليد ورغم أنه كان معاه ورق يثبت ملكيته لكل الأملاك دي إلا أنها مرة واحدة اختفت وعرفت أن البارو بتاعهم هو اللي أخدها، ومات أبويا بحسرته." ابتلع ريقه يكمل بحسرة:
"بدأوا يتملكوا كل أراضي أبويا وأجدادي قدام عيونا ومقدرناش نعمل حاجة لأنهم هددونا وخرجونا حتى من البيوت اللي اشتريناها وأخدوها وضع يد، وأنا طلعت من بيتي اللي تعبت فيه بسببهم... هبطت دمعة من عيونه وهو ينظر بعين مسلم وقد شعر داخله أن مسلم هو خلاصه بعد الله: "أنا مش عايز أي حاجة منهم غير...
أرضي اللي أنا اشتريتها بفلوسي وتعبي عايز أندفن جنب أبويا يا مسلم، هات لي أرضي وادفنّي هناك يا ابني، استغلوا إن إخواتي سافرنا ليبيا نشوف شغل وأخدوا حقنا." اشتعلت عيون مسلم بقوة وقد ارتجف جسده غضبًا وبدا في هذه اللحظة أشد سوداوية وأشد وحشية، بدا وكأن مسلم اختفى وعاد ذلك الحقير الذي ظن أنه دفنه، للحياة مجددًا. أما عن يحيى فقد اعتدل يضيق ما بين حاجبيه بتعجب مما يسمع لاول مرة:
"لحظة معلش يعني الأرض اللي أخدوها منك مش بس الأرض اللي عليها البيت، يعني القرية كلها ملكك أنت وأخواتك؟ وأنت وأخواتك كنتم في ليبيا بتعملوا إيه يا حاج حليم؟ بتفرضوا حصار عليها؟ ونعم، كانت تلك معلومة جديدة يخبرها للجميع، وكأنه كان يكتمها حتى يخرجها لمن يقدرها، ويحيى لم يصمت بل تساءل بجدية وعيون بدأت تضيق يدرك أن ما يحدث أكبر من مجرد بضعة فدانات سُلبت: "الأرض اللي اتاخدت دي كام فدان بالضبط يا حاج حليم؟
نظر له حليم وقد أبصر لأول مرة تفاعلًا جادًا من طرف يحيى، يقول بجدية: "١٢٩ فدان." "اللهم صلي على النبي." اتسعت عيون أحمد وهو يطلق صفيرًا مرتفعًا ينظر لجميع أبناء خالته وقد كادت العيون تخرج من محاجرها، كان الجد طوال الفترة السابقة لا يتحدث سوى عن أرضه التي دفع ثمنها وسُلبت منه، ولم يذكر شيء حول أن كامل القرية مسجلة باسم والده وأجداده. "١٢٨ فدان سيبتوهم كده من غير حتى محاولة واحدة."
كانت كلمات أحمد المصدوم من سلبية جده وإخوته. تأوه الشيخ بوجع وهو يعتدل بمساعدة حاتم الذي كان يستمع لكل ما يحصل وهو يبصر حكاية وطنه تتكرر في شكل مصغر، ضيوف يتحولون لأيادي جشعة تنهب أراضيهم، لماذا ليس متعجبًا يا ترى، لكن ربما الأمر هنا مختلف قليلًا.
"حاولنا ورفعنا قضايا وجدك فرج الله يرحمه كان ماشي بنفسه في الموضوع، بس للأسف مكانش معانا الورق اللي يثبت كلامنا لأنه معاهم، وجدك فرج كان بيحاول يوصله بس ربك استرد أمانته قبل ما يوصل لحاجة." ونعم، كانت هذه الحقيقة فشقيق جده "فرج" كان أشدهم مكرًا وأكثرهم عجرفة وكان ذا رتبة عالية في الدولة وكذلك جده "حليم" الذي كان سابقًا ضابطًا في الجيش، لكن حتى كل تلك المعارف لم تستطع أن تقدم لهم شيء بلا دليل.
"الموضوع كله في الورق أنا مش عايز منهم غير أرضي واني أندفن في مقابر العيلة هناك." اعتدل يحيى في جلسته يردد ببسمة صغيرة: "مش عايز منهم غير إيه يا حُلم؟ لا يا حاج معلش حقنا هيرجع كله ولو هما بقى بلطجية فاحنا محدش فينا متربي غير مسلم أساسًا." تشنجت ملامح حاتم وهو ينظر بسخرية صوب مسلم وقد ابتسم له الأخير بسمة محذرة جعلته يصمت، بينما حليم ردد بيقين:
"عارف يابني أن محدش فيكم متربي، بنتي سنية من يومها وهي مش فالحة في حاجة ولا عرفت تربي واحد فيكم." ومسلم يجلس جوار جده يدعي التعقل والهدوء، لكن داخله كانت طواحين عقله تعمل بسرعة كبيرة وهو يفكر فيما سمع، لا يهتم بالأراضي والأملاك ولم يكن ليلتفت لكل ذلك لولا رجاء جده أن يدفن بأرضه و.... صمت صوت عقله قبل أن يبتسم بسمة جعلت ضربات قلب حاتم تقرع بخوف يدعو الله بصدره أن يديم عليهم نعمة مسلم (المتربي)
كما يردد الجميع، لكن ما نطق به مسلم وهو يتخذ وضعية Muss في هذه اللحظة جعله ينطق الشهادة مدركًا أن القادم لن يسر عدوًا ولا رفيقًا. "احكيلي بقى يا جدي كل حاجة فاكرها عن.... قولتلي اسمها إيه؟ ردد عيسى بحماس وقد أبصر مستقبله في ثوانٍ أمام عيونه، بعدما يصل ثريًا يمتلك أسطولًا من (التكاتك) "أرض الدوم، اسمها أرض الدوم يا شقيق." اتسعت بسمة مسلم بشدة يهز رأسه وقد بدأ عقله يعمل في اتجاهات عديدة:
"أرض الدوم، احكيلي عنهم يا جدي..........
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!