نقرات سريعة على لوحة المفاتيح، وعيونه تتحرك بسرعة كبيرة على الكلمات التي تمر أمامه بسرعة كبيرة، وبسمة صغيرة ممتدة على فمه، والضوء ينعكس في عدسات نظراته التي تركز على الحاسوب أمامه.
والجميع حوله يشاهدون بعدم فهم، عدا حاتم والذي كان يدرك أن رفيقه الآن في خضم احتلال ذلك المكان بنقرة زر، وقد تميز العزيز مسلم في الأمن السيبراني حيث يمكنه احتلال العالم في بضعة ساعات وكلما تقدمت التكنولوجيا وتمكنت من حياة البعض تمكن هو أكثر من السيطرة على كل ما يحيطه، وكل هذا بفضل خبرة عشرة سنوات في هذا المجال وإتاحة أعلى الإمكانيات بين قبضته.
بدأت العديد من النوافذ الإلكترونية تعرض على الحاسوب أمام الجميع، ولا أحد يفهم ما يفعل. بينما مسلم بدأ يحرك رقبته يمينًا ويسارًا وملامح الضيق اتضحت أكثر على وجهه: _اللي خايف منه حصل للأسف. نظر الجميع له بعدم فهم وترقب، ليس وكأنهم يدركون بالفعل ما يبصرون في هذا الحاسوب. بينما بادر عيسى يتحدث بانبهار وهو ما يزال ينظر للشاشة المضاءة أمامه والبسمة مرتسمة على فمه وقد لمعت فكرة داخل رأسه يتوسم بأخيه خيرًا وهو يقترح:
_بقولك ايه يا حبيب اخوك، تعرف تهكرلي لعبة كده لو طلبت منك؟ رفع مسلم عيونه صوب عيسى وتحركت جميع العيون نحوه، وهو فقط تراجع لا يفهم ما حدث، لكنه ابتسم بغباء: _لو مش هتعرف خلاص يعني أنا بس قولت اوفر فلوس السايبر و... _ولا، مش نقصاك الله يكرمك الواحد على آخره، فعدي يومك ماشي؟ عدي يومك. كانت تلك كلمات يحيي وهو يدفع يضرب على رقبة عيسى، ومن ثم نظر صوب الحاسوب يهتف بجدية: _حصل ايه يا بشمهندس طمني؟
ابتسم مسلم بسمة صغيرة وقد اشتاق لهذه الكلمة والتي لم يناديه بها أحدهم منذ سنوات طويلة، لكنه رغم ذلك أجاب بصوت شارد في الشاشة أمامه: _القرية دي برة دايرتي للاسف. نظر له الجميع بعدم فهم حتى تحدث أحمد بتخمين وقد كان حديث مسلم المشفر اصعب من استيعاب الجميع: _أنت مترشح لمجلس النواب ولا ايه؟ ضرب يحيى كتفه بضيق يصرخ وقد نفذ صبره: _بقولك ايه خد عيسى وروح خد لفة معاه بالتوكتوك، يلا لغاية ما نخلص وهننادي ليكم.
_الله ما أنا مش فاهم يعني ايه برة دايرتي دي؟! صرخ يحيى في وجهه بصرامة وضيق ونفاذ صبر وقد كان كل شيء يضغط على أعصابه: _مش فاهم يبقى تخرس لغاية ما نتنيل نفهم كلنا. التوى وجه احمد بضيق وغضب من يحيى والذي كان طوال الوقت متجبرًا على الجميع ليس وكأنه أكبرهم، بينما الأخير زفر يستدير صوب مسلم يصرخ بحنق: _وأنت التاني ما تنطق يعني ايه برة دايرتك دي؟ اتكلم كلام نفهمه الله يكرمك أظن مستويات الذكاء هنا مش محتاجة تلميح.
رفع مسلم رأسه ببطء وبشكل خطير صوب يحيى الذي توتر من نظراته وقد كانت غريبة مخيفة، يبتسم بتردد: _معلش يعني فهمنا، اعتبرنا حمير سارحة في الغيط. اعترض أحمد كلماته بضيق: _أنا مش حمار. فتح يحيى فمه وكاد يجيبه لولا مسلم الذي أوقفه بيده يخرج سيجارة يشعلها: _خلصنا يا يحيى، ركزوا معايا عشان نخلص من الحوار ده في أسرع وقت و.... _أنت من امتى بتدخن بالشكل ده يا مسلم؟
كانت جملة استوقفه بها أحمد بحزن على ما حدث لابن خالته والذي كان يمكن أن يقضي ليلته بالمشفى إن مر به دخان سيجار بالخطأ، والآن يجلس بينهم أنهى سيجارتين في أقل من ثلاث ساعات وكأنه في سباق لقتل نفسه. نظر له مسلم ثواني وقد خُيل لأحمد أنه أبصر لحظة ضعف وحسرة سرعان ما تلاشت خلف غيمات اللامبالاة التي ملئت عيونه، يبعد عيونه عنهم يحركها بملل على الحاسوب أمامه: _قولتلكم كويس أنها جات على قد التدخين يا أحمد.
ولم يدرك أحد مقدار الوجع داخل نبرته الغير مهتمة، سوى حاتم، حاتم والذي كان يدرك كل ما يدور داخل نفس مسلم، يبصر العصبية التي يخفيها خلف نقرات حادة على لوحة المفاتيح، الغضب الذي يدفنه خلف بسمات ساخرة. أما عن مسلم فارتجف جسده ومرت لمحة قديمة لحياة أُجبر عليها. جسد هزيل يجلس في ظلام سجن ضيق مع العشرات من أمثاله وصوت الصراخ يعلو والقتال يشتد حول قطع خبز جافة.
حينما كان الحصول على الخمر أسهل من الماء، والوصول للسجائر والمخدرات أيسر من كسرة خبز، فإما أن تحيا بكامل وعيك داخل هذا القبر وتجن، أو تغيّب عقلك بمخدرات وسيجارة، وهو أختار أهونهما. خرج من شروده على ضغطة يد جذبته من ظلمه حاول الخروج منها، لكن ربما لم تخرج هي منه. _مسلم، يحيي بيكلمك.
كان مسلم ينظر صوب حاتم الذي مده بالدعم مبتسمًا بمؤازرة بينما هو نظر صوب يحيى الذي كان يحدق فيه بعيون مصدومة من مقدار الوجع الذي أبصره فجأة في عيون شقيقه. يحدق في عيونه بوجع كبير وكأنه يستجوبه بصمت، استجواب لم يكن مسلم مستعد ليخوضه في هذه اللحظة، وقد هرب من والدته والجميع بمجرد أن حل الليل كي لا يرى نظراتهم نحوه. تنحنح مسلم وهو يلقي السيجارة أرضًا بضيق:
_خارج دايرتي، يعني ملهاش نظام اخترقه، ملهاش مركز معلومات أخد منه اللي عايزه، القرية شكل اللي فيها عايشين في القرن اللي فات، مفيش حاجات كتير عنها، بس عنوانها وأخبار قديمة عن الصراع عليها والقضايا اللي عملها جدي واخواته زمان. هز أحمد رأسه بهدوء شديد: _جدي قال كتير أنهم حاولوا اكتر من مرة يوصلوا ولو لحل وسط، لكن دايما كانوا بيرفضوا النقاش أو الحوار.
شعر يحيى أن الأمر يزداد سوءًا، كان الأمل كله في إمكانية مسلم مساعدتهم بأي معلومات من شأنها إنقاذهم من هذه الورطة. _ودلوقتي هنعمل ايه؟ كانت تلك جملة عيسى التي كسر بها صمت الجميع، لتتحرك جميع النظرات صوب مسلم الذي نهض يتنفس بصوت مرتفع: _برة دايرتي، لكن مش برة ايدي. ولم يفهم الكل ما يقصده مسلم، ليردد الأخير بجدية كبيرة: _بكرة اجهزوا هنتحرك على أرض الدوم. ***
تجلس بهدوء وهي تداعب خصلات شعر جدتها التي كانت تستريح برأسها على قدم رايانا، تبتسم لها الأخيرة بحب وهي تردد لها ترنيمة قديمة كانت جدتها معتادة على غنائها لها منذ طفولتها، فإلى جانب زوجة والدها كانت جدتها هي اليد الثانية التي اعتنت بها. _شَمِرت باللي كان بالحفل يا رايانا.
ابتسمت رايانا بسمة صغيرة وهي تحاول أن تتلاشى نتائج ذلك اليوم، الجميع بالفعل وبخها وليس فقط والدها، ناهيك عن نظرات الازدراء التي كانت تتلقاها كلمة أبصرت نفر في الطريق. _لا تِوَجّعي راسِك بيه يا جدة، روحي تهنا… الحفل راح وما يِسوى وجع القلب. ابتسمت لها الجدة بحنان شديد تقبل كفها التي تداعب خصلاتها البيضاء: _كيف ما أوجّعش قلبي، والبَخت فيكِ يا حَبيبِة جدتك؟ يا بْنَيّتي، خَلّيكِ بعيد عن زَعَل أبوكِ، وتهني يا رُوح جدتك.
_الوحيدة اللي تتمنى الهنا لي يا جدة، الكل يتمنى هلاكي اليوم قبل بكرة. _لأنهم ميعرفوش رايانا يا بنيتي. سقطت دمعة رايانا وهي تشعر بالوجع يسكن قلبها وقد ظنت أنها تجنبت كل ذلك منذ سنوات: _بكفاية اللي يعرفوه عني عشان ما يكرهوا ظلي. _وأنتِ ما بتتوصي في الأمر يا بنيتي، ما بتتركي مناسبة إلا وتثبتي ليهم ظنهم. سقطت دمعة رايانا، تمسحها بسرعة قبل أن تتمادى دموعها وتتابع بلا توقف:
_معتقدش أي شيء ممكن يغير رأيهم، اللي حصل حصل وسوء النية اتفرض من لما كنت طفل في المهد يا جدة، ما بعتقد إن شبابي بيشفع ليا عندهم اللي فشلت طفولتي فيه. أبصرت جدتها مقدار الوجع الذي اتسم على وجهها، تدرك أن الصغيرة عانت منذ اللحظة الأولى لوالدتها، من نبذ وكره وحقد. _إيش تبغي بيهم يا بْنيّتي؟ خَلّيكِ، جدتك تقولك… البَخت ما يِقفّش على باب واحد. بكرة يِجي اللي عينه تشوف نورِك، ويعرف قدرك، ويقول هادي البِنيّة ما في زيّها.
صمتت تربت عليها بحنان وعيونها التي كانت تشبه عيون رايانا مع لون أشد ندرة: _رايانا، ما في مِثلِها بين بنات حَوَى كُلّهم…، يِقف قدّام الخَلق، ويقول أنا اللي اتفَتَن بعيون رايانا.
اتسعت بسمة رايانا وتساقطت دموعها أكثر لجمال الحلم البعيد الذي تقصه الجدة، كانت الجدة ومنذ سنوات امرأة حكيمة تدرك من الحياة ما لا يدرك غيرها، الآن هذه الكلمات التي تنطقها على مسامعها تبدو أشد استحالة من تلك القصص الخيالية التي اعتادت أن تقصها عليها في الطفولة. _إن شاء الله يا جدة، إن شاء الله .... *** في الصباح الباكر.
كانت السيارة تتحرك بسرعة مرعبة على الطريق فمنذ فجر اليوم تحرك مسلم بالسيارة يحمل معه رفقته لأجل البدء بالخطوة الأولى في خطتهم للحصول على أرض جده، أو بالأحرى أجداده... وحديثهم الأخير مع جدهم يتردد في أذنه. _أملي في الله ثم فيك يا ولدي، رجعلي ارضي ومش عايز منهم أي حاجة تاني، ربنا يبعدهم عننا. اقترب منه يحيى وهو يمسك كفه يقبله بسرعة وحب أرعب حليم الذي جذب كفه بسرعة مخافة أن يأكله يحيى، بينما الأخير ابتسم له بسمة صغيرة:
_ايه يا حُلم خايف ليه؟ ما قولتلك إني رايح معاه ومش راجع غير بحقك أنت واعضاء مجلس جامعة الدول العربية عضو عضو. رفع حليم عيونه صوب مسلم يجذب ذراعه حتى أجبره أن يميل بالقرب من فمه هامسا بصوت منخفض ويده ترتعش من أثر الزمان: _لو ... حصل يا بني ومقدرتش تعمل حاجة معاهم، سيب ليهم اخوك يعملوا فيه ما بدا ليهم، اهو ميكونش مشوارك راح على الفاضي، لهم حاجة الله يكرمك مترجعش بيه.
وقبل أن يجيب مسلم عليه مال عليهم أحمد بسرعة جعلت حليم يصرخ وهو يتمسك بمرفق مسلم الذي وبخ يحيى بنظراته، بينما الأخير تجاهله وهو ينظر لحليم بجدية: _متخلنيش اجي احجر عليك يا حليم، خلينا حلوين، احنا هنرجع باذن الله الـ ١٢٩ فدان بتوعك، أنت ليك البيت بتاعك وتربتك في مدافن العيلة، والباقي بتاعنا احنا، ولو حد من اخواتك اتكلم قوله أننا هنعملهم تربة جنبك، اتفقنا؟
هز حليم رأسه وهو يتمسك بمسلم، بينما يحيى يقرب رأسه منه بمزاح خشن، ليدفعه مسلم في رأسه بغضب وهو يضم رأس جده لصدره بحنان: _ما تبطل رخامتك بقى يا اخي، سيبك منه يا جدي أنت بس ادعيلنا وباذن الله ربك مش هيرجعنا مكسورين الخاطر. والآن ها هم في طريقهم لأرض الدوم. يجلس في الأمام ويقود بجنون وبسرعة كبيرة، جواره حاتم، وفي الخلف أحمد مع عيسى ويحيي. وصوت صراخ عيسى المرتعب من تحرك السيارة الغير مستقر على تلك الأرض الغير ممهدة
بالمرة يعلو في المكان: _يا عم أنت براحة، والله كنت جيت وراكم بالتوكتوك بتاعي اكرملي. رماه يحيى بسخرية وهو يتمسك بالسيارة وكأنه سيخرج من النافذة إن غفل عن التمسك: _هتيجي من القاهرة لهنا بالتوكتوك؟ _أي حاجة احسن من الهم اللي أنا فيه ده، بعدين يا عم أنت ما تبطئ شوية امال لو كانت عربيتك، دي إيجار يابا، اقسم بالله الواد حودة لو العربية اتخدشت خدش هيطلع عين اللي خلفوني ده واخد بطاقتي رهن عنده.
لكن مسلم لم يكن يستمع له، بل فقط قاد السيارة على الطريق الغير ممهدة وهو يحدق بالخريطة الإلكترونية أمامه بانتباه شديد: _خلاص هانت باقي كيلو حسب الـ GBS. نظر الجميع لبعضهم البعض وصمتوا خوفًا من التحدث بكلمة تزيد من جنون مسلم.
أحمد يذكر ربه، وعيسى يفكر فيمن سيرث التوكتوك الخاص به إن مات، أما عن يحيى فكان يتحسر على حلمه بالثراء الفاحش وشراء الجامعة وتحويلها لحظيرة ضخمة يربي بها بعض المواشي وينتفع بلحومها والبانها أكثر من انتفاعه بشهادة الجامعة. حاتم في الأمام ينظر لهاتفه وهو يرتشف بعض قطرات العصير الذي يحمله يصور كل شيء يمر به، كل شجرة وكل زرعة وكل زهرة، وفجأة انتفض بحماس يصور بعض الماشية التي مرت جوارهم حينما اقتربوا من منطقة ريفية.
_بيقولوا الغجر دول بناتهم حلوين صح الكلام ده يا يحيى؟ كانت كلمات تلقائية خرجت من عيسى وكأنه يبحث عن شيء يخفي خوفه أسفله، لكن فجأة انتفض الجميع من توقف السيارة المفاجئ لهم، وقد اندفعت الأجساد للأمام بشكل مخيف، وقبل أن يستفسر أحدهم عن شيء تحدث مسلم كلمات بطيئة بلهجة غاضبة وصوت يقطر سوادًا: _قبل ما تدب رجليكم في القرية دي، حذاري ألمح حد فيكم قرب من بنت أو رفع عينه في أي ست هناك سامعين؟
نظر له الجميع بعدم فهم ليس وكأنهم سينقضون على النساء بمجرد أن يبصروهن، لكن ملامح مسلم السوداوية في هذه اللحظات كانت تخبرهم أن يهزوا رؤوسهم بنعم وفقط وكذلك فعلوا. _اطمن يا مسلم اكيد يعني مش هنسيب كل بنات القاهرة ونروح لبنات الغجر، مليش أنا في الغجر. وكانت جملة ممازحة من أحمد الذي حاول أن يكسر صلابة مسلم، لكن الأخير لم يستجب لهذه المزحة وهو يضرب المقود بجدية وعصبية غير مبررة:
_ليك ولا ملكش يا أحمد، محدش فينا هيقرب أو يتكلم أو يتعامل مع أي ست، موضوعنا مش مع الستات وقضيتنا مش مع حد غير البارو بتاعهم ورجالته، مش عايز ست تدخل في الحوار كله. وبالفعل هز الجميع رؤوسهم دون كلمة واحدة، وأكمل مسلم طريقه بهدوء شديد. بدأت سرعة السيارة تبطئ شيئًا فشيء حتى توقفت بالكامل حينما قابلهم جدول مياه يقطع الطريق، هبط مسلم من السيارة يحدق بالطريق خلف جدول المياه، وصوت حاتم في الخلف يصدح بجدية:
_لماذا توقفت هنا؟! _نهاية الطريق. _ماذا تقصد بنهاية الطريق؟ هل هذه هي أرض جدك؟ رفع مسلم الهاتف أمام عيونه يفحصه بجدية، بينما عيسى في الخلف يحاول ترجمة ما يسمع منهما، يمتص شفتيه بتأثر وهو يحرك نظراته بين مسلم وحاتم والبسمة مرتسمة على وجهه باتساع: _بسم الله ماشاء الله، اخوك بقى يتكلم خواجاتي يا يحيى. تشنج احمد بسخرية من كلماته: _ده انجليزي يا عيسى عادي. _يعني مش خواجاتي؟
كانت كلمات جاهلة تشدق بها عيسى، وقد كاد أحمد يفتح فمه ليوضح له الأمر، لولا يحيى الذي قاطعه بضيق: _يا عم احمد أنت بتشرح ايه، ده غبي كان بيغش اسمه من رقم الجلوس اللي على الديسك وبيكتبه غلط في الآخر. تشنج عيسى وعيونه قد لمعت بالغضب، يبتسم بسمة مغتاظة وقد شعر برغبة في تشويه وجه يحيى ذلك الحقير اللئيم: _والحلو بقى عمل ايه بشاهدته؟
لفتها وحطتها في دولاب جدك جنب شهادة أحمد ومسلم ونورهان، على الأقل أنت بتكلم اسطا قد الدنيا يمتلك من الأملاك عدد واحد توكتوك باسمه، أنت بقى ايه املاكك اللي باسمك غير التليفون القسط اللي معاك؟! اشتعلت عيون يحيي وهو يصرخ بجنون: _ولاا اقسم بالله أنا.... _بس منك ليه مش ناقص صداع.
كانت جملة مسلم الذي نطق بها وهو مايزال ينظر للهاتف بين يديه يراقبه بأعين ضيقة يحاول أن ينتهي من بحثه، قبل أن يرفع عيونه صوب الجدول يدور حوله بالنظر حتى أبصر وأخيرًا ما يبحث عنه: _المفروض بعد الترعة دي على الجنب التاني هنلاقي القرية اللي عايزينها. تذمر عيسى بضيق من كل ما يحدث معهم وقد سئم، كان يظن أن الثراء سهل، لكن اتضح أن الوصول لأسطول التكاتك الخاصة به ليس بالهين:
_أنا مش فاهم هو الراجل اللي اختار الأرض دي كان مستخبي من ايه بالضبط، احنا بقالنا ساعات في الطريق بنطلع جبال ونغوص في بحيرات، ده احنا كنا روحنا نقبنا عن الاندلس أسهل يا أخي. قلب يحيى عيونه وهو يتحرك بعيدًا عنه يشمر أكمامه بجدية يستسلم واخيرًا عن التعليق على تصرفات عيسى التي تستفزه: _تمام أنا مش هتكلم معاه تاني، حد غيري يحلّق على البقرة الشاردة دي عشان همسكه ارميه في الترعة.
فتح عيسى فمه للرد، لولا يد أحمد الذي جذب ثوبه من الخلف بعصبية شديد يتحرك معه صوب الجسر الصغير الذي كان يعلو المجرى وقد سبقهم مسلم بالفعل يبتسم على تصرفاتهم والتي كانت تعيد له الحياة قليلًا. يقف على بداية المجرى يتأكد أن الجميع خلفه وحينما خطى له شعر أنه غير ثابت، لذا تحدث بجدية: _خدوا بالكم الجسر ده شكله مش ثابت.
ومن ثم تحرك بسرعة يحاول التوازن وخلفه عيسى من ثم احمد ومن بعدهم حاتم ويحيي، الجميع يسير بحذر شديد حتى لا يسقط بهم الممر داخل مجرى المياه، وبالفعل وحينما كادوا يصلون بخير واخيرًا لنهايته، شعر عيسى فجأة بشيء يتحرك داخل بنطاله، توقف فجأة ينظر حوله وقد اتسعت عيونه بصدمة. ثواني كانت قبل أن يصرخ وهو ينتفض يحاول أن يبعد ذلك الشعور بشيء يسير على جلده، يقفز على الجسر الغير مستقر من الأساس، ومسلم يصرخ به:
_أنت يا غبي بتعمل ايه، عيسى أهدى فيه ايه اااا.... ولم يُقدر لباقي كلماته أن تكتمل وقد اندفع له عيسى يصرخ برعب، لدرجة أنه لم يبصر أين يخطو وسقط على مسلم ملقيًا إياه في المياه أسفله، وكاد يلحق به لولا أنه تمسك بأول شيء أبصره .... بنطال أحمد، لينتزعه بالكامل ويسقط به في المجرى يتبعه أحمد الذي وجد نفسه في ثواني بـ (شورت) فقط، ومن ثم شعر ببرودة المياه تضربه.
كل هذا وحاتم يراقب مع يحيي ما يحدث بأعين متسعة دون القدرة على التدخل، رفع يحيي يده بسرعة يشكل حاجزًا لحماية شعره وهو يهرول على الجسر حتى وصل للطرف الآخر سالمًا، وحاتم ما يزال يقف في المنتصف لا يدري ما يفعل. يلحق بيحيى وينجو بثياب جافة، أم يحاول إنقاذ عيسى من الغرق على يد مسلم وأحمد؟ وفي المياه كان مسلم يمسك برأس عيسى يقسم أن يغرقها أسفل المياه، وأحمد يحاول مساعدته، وحاتم يصرخ بهم أن يتوقفوا ويخرجوا ...
كل هذا وعيسى كان يستخدم بنطال أحمد كسلاح يلوح به في الهواء يصرخ كما لو كان سلسال حديدي، يهددهم به أن يبتعدوا عنه وإلا خنقهم به. ومسلم يحاول جذب البنطل منه ليطعمه إياه، وأحمد فقط كل ما يريده هو أن يأخذه ليستر به عري جزئه السفلي. بينما حاتم يميل على مجرى المياه يمد يده وهو يصرخ بهم أن يخرجوا وينتهوا من كل هذا. _اطلعوا أول إشي من المي، وبعدين بتقدر تتخلّص منه… مشان ما يموت مبلول. ويحيى يتمتم بغيظ وهو ينفض ثوبه بضيق:
_سيبه يربيه. _مو هذا أخوك الصغير؟! شو هالبرود اللي عندك؟! ابتسم له يحيى بسمة صغيرة مستفزة ولم يهتم بالرد يراقب ما يحدث وصوت صراخ مسلم يرن في المكان بشكل مرعب وأحمد يحاول النجاة ببنطاله.
فجأة سمع الجميع صوت اصطدام قوي لتتوقف الحركة فجأة وتتحرك الأعين ببطء صوب الخلف حيث مصدر الصوت، ليكتشفوا باسوء الطرق الممكنة أن كل هذا كان يحدث على مرأى ومسمع من شخص آخر، شخص يقف بعيدًا يحمل بين يديه كتاب ضخم يراقب ما يحدث بملامح مصدومة وأعين متسعة. نظر الجميع لبعضهم البعض ثواني، ومسلم فقط رفع عيونه صوب الزائر الغريب الذي قاطع جلسته قبل تقطيع جسد أخيه الأصغر، ليبصر في هذه اللحظة ظل امرأة.... فاتنة. ***
قبل ساعة واحدة من كل ذلك: حملت كتاب جدها العزيز وقد قررت الخروج لرحلة تأملها المعتاد، تزفر بضيق من ثقل الكتاب، ليس وكأنها تحب قراءة تاريخ قبيلتها العزيزة، هي فقط أرادت أخذ شيء تدافع به عن نفسها تحسبًا لحدوث شيء كآخر مرة، سلاح لا يثير الإنتباه، أوليست الكتب أسلحة كذلك؟! كادت تخطو خارج المنزل حتى سمعت صوت ينادي باسمها يوقفها: _راي، على فين؟
قلبت عيونها بضيق تبتلع دلاله بصعوبة، لكنه للأسف لم يتحرك من حلقها، لذا استدارت وبصقت كلماتها في وجه المتحدث: _أي داهية بعيد عن وشك هتكون كافية. ابتسم عز الدين بسخرية يقترب منها يرفع يده على وشك لمسها: _بس ده مكانش رأيك زمان يا راي... _يانا ...
رايانا، مش راي، مش بحب حد يناديني بالاسم ده خاصة لو كان الحد ده سمج وسخيف واسمه عز الدين، ومن ثم زمان ده كان في خيالك المريض أنا والله مش طيقاك من وقت ما كنت بتف عليك وأنا صغيرة، بس أنت اللي موهوم. وكادت ترحل لولا أنه توقف أمامها يمنعها الرحيل ينظر لعيونها بجدية وقد شعر بالغضب من كلماتها وطريقتها الفجة في التعامل: _هتبطلي امتى طريقتك دي؟
راي أنا لسه عند طلبي، هسامحك وانسى اللي عملتيه لو موافقة أنا ممكن انسى كل اللي حصل و...... لكن رايانا قررت أنها اكتفت من سماع نفس الجملة التي يقررها على مسامعها منذ يوم عقد القرآن غير المكتمل، حتى بعدما تزوج أخرى. رحلت تاركة إياه يراقبها بصدمة من وقاحتها وكأنه ليس موجود. أما عنها فهي لم تفعل سوى أنها تصرفت معه التصرف ذاته الذي يعاملها به أبناء عشيرتها.
ضمت الكتاب بقوة تتحرك صوب مكانها المفضل تتحدى أحدهم أن يقطع عليها رحلتها التأملية التي تحيا لأجلها، وبعد سير عشرين دقيقة تقريبًا وصلت أخيرًا تتنفس الصعداء وهي تغمض عيونها براحة، لكن سرعان ما فتحت عين واحدة حين تناهى لمسامعها صوت غريب، بل أصوات إن تحرت الدقة. فتحت عيونها لتبصر مشهدًا غريبًا وبشدة، تشنجت ملامحها أسفل الغطاء الذي يخفي نصف وجهها، تخفي نفسها عن أعين القوم.
فجأة هدأ الضجيج وتحولت خمسة أزواج من الأعين نحوها، والجميع يراقب بصمت وصدمة وتحفز غريب، وهي تراقبهم بتوتر تتراجع للخلف بريبة تضم الكتاب "سلاحها الفتاك" لصدرها تستعد لإشهاره أمام أيٍ كان من يتجرأ على تخطي منطقتها الآمنة. وبعد صمت ظنت أنه سيمتد للأبد سمعت صوت رجولي هادئ يخرج من رجل بشعر كثيف وهو يبتسم لها بلطف يلوح بيده: _صباح الخير يا قمر، أنتِ من هنا؟
ونعم كانت أكثر جملة غبية قد يبدأ بها يحيى حديث مع امرأة أبصرتهم في هذه اللحظة على أطراف قرية يقطنها الغجر والتي تبدو واحدة منهم بالنظر لثوبها وشعرها. مال حاتم على يحيى يهمس بصوت منخفض وهو يدور بعينيه بفضول على رايانا التي بدأت تضيق عيونها بسبب نظراته: _ما بظن هاي جملة تنحكى لبنت لساتك شايفها هسه. ختم حديثه يقترب من رايانا بهدوء يحاول أن يبدأ الحديث بشكل لائق أكثر لربما ساعدتهم في هذه الرحلة المريبة
كذلك واوصلتهم لهدفهم: _الله يعطيكِ العافية يا آنسة، بدي عذبك معي و.... وقبل إكمال جملته شعر حاتم بصخرة ترطم بوجهه تسقطه ارضًا بعنف شديد لترن صرخاته في الإرجاء وتتسع الأعين بصدمة من سرعة ردة الفعل التي بذلتها تلك الفتاة. بينما رايانا والتي لم تتردد في استخدام سلاحها "الكتاب" كانت تقف متحفزة تراقبه بشر بعد تلك النظرات المتفحصة التي وجهها لها، ولم تكد تتخذ ردة فعل للخلف حتى أبصرت الثاني يقترب بسرعة من الاول وهو يصرخ
بصدمة وكأنه على وشك ضربها: _أنتِ مجنونة يا بت أنتِ، مالـــك كده، هو عملك ايـــ.... ويبدو أن يحيى لم يحسن اختيار كلماته للمرة الثانية وكان مصيره أن يسقط بنفس الضربة جوار حاتم والذي كان ما يزال يمسك رأسه يصرخ من الوجع. كل ذلك تحت أعين مسلم الذي راقب ما تفعل الفتاة بهم، تسقطهم واحدًا تلو الآخر ارضًا بكتاب؟
وهو اشتد غضبه في هذه اللحظة، ليس من الفتاة وما فعلته بهم، بل من أخيه وحاتم لإخافتهم الفتاة، وزاد الطين بلة صرخات يحيى بها، ردد بغضب وصوت لم يتحكم به: _يحيـــــــــــى... رفعت رايانا عيونها بسرعة صوب مسلم الذي سبح بمهارة صوب حافة الجسر يتمسك به ونظرات ممتلئة بالتوعد وصراخه ما يزال يصدح في المكان بلغة أجنبية: _هل من المفترض أن أكرر حديثي عليكم؟! ماذا اخبرتكم عن التعامل مع نساء هذا المكان؟
رفع عيونه صوب تلك الفتاة التي كانت تتابعه وهو يقترب من الجسر بتحفز لا تفهم كلماته، القليل ربما فهي لم تتلقى تعليم كافي يكفيها لتفهم كامل جملته، لكنها خمنت أنه غاضب ... منها ربما. أبصرت رايانا في اللحظة التي ارتفع بها نصف جسد مسلم أكثر جسد رجولي مرعب أبصرته منذ ولادتها، شعرت بجفاف فمها من الخوف تتخيل ضربة واحدة منه والتي قد تصيبها بعمى في أفضل الأحوال، حتى كتاب جدها المسكين لن يصمد أمامه.
ابتلعت ريقها وهي تراه يستقر واخيرًا على الجسر يتحرك صوبها بشر واضح في عيونه، كان الرجل يبدو ....
مرعبًا حتى أنها ارتجفت وشعرت بالدموع تلسع عيونها مما يمكن أن يفعل بها، وكردة فعل وقائية من جسدها ركضت بسرعة ليس هربًا منه، بل ركضًا صوب الجسر تجذب خطاف الامان بسرعة تسقط الجسر في ثواني مجددًا ومعه مسلم الذي اتسعت عيونه حينما شعر بجسده يصطدم مجددًا بالمياه، ولم يدرك ما يحدث إلا حينما وجدها تركض بسرعة بعيدًا عنه وكان آخر ما أبصره هو عيون كحيلة تنظر له بشر وتشفي، وخصلات شعر ترفرف خلفها وكأنها تخرج لها لسانها. ***
يجلس على طاولة صغيرة في ركن المقهى الصغير الذي يتوسط ساحة القرية، المقهى الذي كان سابقًا كل وسائل الترفيه في المكان، حيث كانت تقام به عروض خفة يد، ورقص وغيرها.
ورغم أن الكثير تغير في القرية منذ عقود، إلا أن ورثة هذا المكان أبوا إلا أن يحيوا ذكراه الأولى، واستمرت العروض نفسها، صباحًا ومساءً بلا توقف، ورغم أن الكثير من النساء توقفن عن امتهان الرقص منذ عقود كذلك، كما توقفن عن زيارة القرى في قوافل لامتاع المشاهدين، إلا أن القليل كان يعتز بنفسه وبتراثه ورقصاتهم التقليدية.
وكانت "سافا" واحدة منهن، بل أفضلُهن، المرأة التي يرتص رجال القبيلة بأكملها أسفل أقدامها طمعًا في نظرة منها، وهي فقط تلقيهم ببسمة مزدرية وترحل. الآن على المسرح الذي يتوسط المقهى تتحرك بخفة ويتحرك حولها شعرها الأحمر وثوبها الذي يماثل لون شعرها، تبتسم لهذا وتغمز لهذا فتنال صيحة وتنهيدة متحمسة من الرجال الذين تركوا نصف أعمالهم وجاءوا فقط لمراقبة عرضها الصباحي.
غناء ورقص هكذا قضى ربع رجال عشيرته صباحهم، بينما الباقيين من المتعففين يقضونه في العمل، وإن سألتموه أي الطريقتين يفضل سيخبركم الأولى... ابتسم وهو يبصر غمزة سافا له، تتحرك صوبه وهي تميل عليه هامسة: _مش بعادتك تحضر الصباح يا بارو... اتسعت بسمة عز الدين وهو يخرج بعض النقود يدسها في ثوبها: _مش بفوت نظرة من عيونك يا سافا. اتسعت بسمة سافا وهي تنظر صوب الأموال التي دسها لها، لتخرجها بسرعة تدسها في ثوبه مجددًا بهدوء:
_خلي ليك الفلوس يا بارو ممكن تحتاجهم في علاجك ربنا يشفيك. احمر وجه عز الدين يحاول أن يحتفظ بابتسامته، كي لا يكسبها نقطة في مرماه: _ست بمكانتك يا سافا تستحي ترفع عيونها في أسيادها. _وايه اللي هيجيب أسيادي في المكان الزبالة ده بس يا بارو؟! ختمت حديثها بغمزة وهي تعود لتكمل عرضها باستمتاع بعدما أفسدت صباح عز الدين وابصرت احمرار وجهه الذي كاد يوصله للأنفجار، لكن هل تهتم؟ لا ....
أكملت عرضها وهي تبصره يتحرك من مكانه بوجه مشتعل ونظرات حانقة، لتنفخ بعدم اهتمام، تستكمل عرضها بهدوء شديد وراحة بعدما أبعدته عن المكان. وحينما انتهت على التصفيق، لكنها لم تهتم وهي تتحرك بسرعة تنزع معطف طويل من يد أحد الرجال العاملين بالمقهى: _شكرا.. _رايحة فين لسه فيه عرض كمان و.... _ابقى اعمله أنت يا جود أنا خلصت انهاردة، هبعتلك حد ياخد اتعابي، سلام.
ختمت كلماتها تخرج من المقهى تتنفس واخيرًا هواء نقي بعيدًا عن الأنفاس القذرة التي كانت تحيطها، تضم المعطف لها تتحرك بين الطرقات بسرعة وهي تدعو ألا تكون قد تأخرت على موعدها و.... توقفت أفكارها وهي تشعر بجسد يصطدم بها بقوة، رفعت رأسها كي تصرخ، لكنها توقفت وهي تبتسم بصدمة: _راي كنت لسه جيالك عند الترعة و....
ولم تكد تكمل كلماتها حتى وجدت راي تجذب يدها بسرعة بعيدًا عن الطريق تبحث عن ركن لا يبصرهم به أحد وقد بدت شاحبة بشكل مريب جعل أعين سافا تتحفز بشر: _راي مالك، حد مسك بسوء؟ الحيوان عز الدين عمل ليكِ حاجة تاني؟
نظرت راي خلفها بتوتر أن يكون ذلك الضخم قد لحق بها، تبتلع ريقها، قبل أن تنظر صوب رفيقتها العزيزة والوحيدة تقريبًا، الفتاة التي لم تخش على نفسها قرب المشعوذة راي، المرأة الأكثر رغبة من رجال القرية، صديقة للمرأة الأشد نبذًا منهم. _أنا ... أنا.... ساف أنا فيه غريب في القرية وأنا..غلطت ووقعته في الترعة و.... كانت تتحدث بكلمات متقطعة يصعب على سافا أن تفهم لها من غرض، لذا زفرت الأخيرة وهي تجذب يدها بجدية كبيرة:
_خلينا نروح بيتي نتكلم احسن من الكلام هنا وتحكي ليا اللي حصل مع الغريب بالضبط يا رايان. ومن ثم تحركت بها من الطرق الخلفية للقرية، كي لا يبصر أحدهم ابنة البارو وهي ترافق راقصة القبيلة، شيء لا تريده لها سافا، يكفي رايانا نبذًا لتحمل على عاتقها أمر يراه والدها حقيرًا منحطًا... *** بعد ساعات قليلة، كان يجلس متبجحًا في الغرفة أمام عمه ينتظر رده، على ما القاه ووالده منذ ثواني. _قصدك ايه يا عز الدين؟
_قصدي اللي سمعته يا عمي، ليا حق عندك يا بارو والحق مردود وأنت سيد العالمين. رفع البارو حاجبه يراقب عز الدين بترقب، بينما الأخير يستند بوجود والده جواره والكثير من حلفائه في القرية وقد تشدق أحدهم بجدية كبيرة وكلمات حادة يساند بها موقف عز الدين: _بنتك مش بس خربت زواجها من عز الدين يا بارو لا افترت عليه وفهمت زوجته السابقة أنه العيب منه لأجل ما تلاقي حجة تهرب بيها من الزواج، والله وحده يعلم ليه مرضتش تتم زواجها منه.
انتفض البارو بغضب شديد وقد اشتد الغضب في عيونه صارخًا بجنون: _جابـــــــــــر، عرض بنتي خط أحمر ليك ولكل الرجال في المجلس، ولو طلبتوا تتجمعوا معايا عشان تتكلموا في عرضي وشرفي فاتفضلوا فضوا المجلس. كانت كلماته حادة قوية غاضبة وقد فاض به الكيل من كل ما يلتصق بابنته منذ طفولتها، حتى أنه كاد يصدق ما يقال عنها من كثرة ترديد الجميع الأمر. _بنتي أشرف بنت بالعشيرة كلها، وكل الرجال تتمنى ضفرها ما بتطوله و....
_بتكدب على نفسك يا بارو ولا علينا؟ كانت كلمات قاطعه بها أخيه والذي كانت نيران حسرته على ولده تحركه وتعميه عن كل ما يحيطه. كل هذا حدث في اللحظة التي توقفت بها رايانا أمام باب المجلس بعدما قررت أخبار والدها بوجود غرباء في القرية، كي يأخذ حذره، لكن توقفت على بداية المجلس تسمع ما يدور بالعقول عنها. تنظر لعز الدين بملامح باردة وعيون معذبة، والحقد يشتعل داخل صدرها، ومازال عمها لا يتوانى عن تحطيم ما تبقى بها.
_بنتك يا بارو ما في راجل واحد يتمناها زوجة، ولا يجرأ يفكر فيها زوجة، الكل خايف على عمره، والوحيد اللي فكر في كده غير ولدي، تحت التراب حاليا، اصحى وبص حواليك واستوعب إن رايانا مجرد ذنب، ذنب هتفضل شايلة العمر كله. _ذنب احسن من عار يا عمي.
وكانت هذه الكلمات تخرج من فم رايانا، وهي تراقب الجميع بأعين خيل لهم أنها تحولت للاسود من شدة الغضب الذي تنبض به كل خلية من جسدها، ابتسمت وهي تتحرك داخل المجلس تتجاهل جميع الرجال في المكان وقد ارتجف جسدها بحقد على الجميع ولولا وجود والدها في المكان لكانت احرقته بهم. _الذنب حله التوبه، لكن العار حله الدفن يا عمي. نظر لها عز الدين بغضب، وهي فقط ابتسمت تكمل بجدية:
_صدقني أنا ممتنة لكل جاهل متخلف نشر فكرة إني أذى لكل الرجالة، الشكر لله ثم ليه إنه كفاني شر الرجال امثالك أنت وابنك. _رايــــــانــــــا. ولم تكن الصرخة صادرة سوى من والدها الذي أبصر نظرات الازدراء التي وجهت له من الجميع في هذه اللحظة بسبب تصرفاتها: _أعتذري من عمك ومن الرجال كلهم وانصرفي لغرفتك لغاية ما نخلص، وليا حساب معاكِ.
نظرت له رايانا ثواني بملامح جامدة، ولم تتحدث بكلمة وهي تحرك عيونها على الجميع وقد بدا أنها حقًا فقدت كل ذرة إحساس يمكن أن تمتلكها يومًا، لا حزن، لا حسرة، فقط غضب وحقد وكره. _الحساب يجمع يا بارو، بالاذن. وكان هذا إعلان غير مباشر منها بعدم رغبتها في الاعتذار لا من عمها أو من الرجال، رحلت وخلفت خلفها حرب وهدوء قاتل بين الجميع وقد أدرك البارو في هذه اللحظة أن ابنته ستكون سبب نهايته في هذه العشيرة، وهذا ما لن يسمح به.
التفت صوب عز الدين الذي كان يتابع خروج رايانا بأعين خبيثة ونظرات غريبة من الجميع، جعلت البارو يتنهد بصوت مرتفع: _ايه يرضيك يا عز الدين لأجل ما نقفل الموضوع كله. رفع عز الدين عيونه ببطء صوب البارو، ينظر لوالده نظرة صغيرة، ومن ثم ابتسم بسمة صغيرة يتحدث بكل جدية يوجه نظرة متحدية لعمه: _نكمل من مكان ما وقفنا يا بارو، وزفافي ببنتك يتم ... ***
كان يجلس أسفل الشجرة وهو يراقب الثياب التي نثرها مع الجميع كي تجف قبل أن يكملوا رحلتهم، يرفع عيونه صوب أحمد الذي يعصر ثيابه بقوة وهو يرتدي فقط (شورت) قصير مع ثوب ابيض علوي كان يرتديه أسفل سترته، ومن ثم أخذ ينفض الثياب بقوة: _لو حد عنده غسيل تاني قبل ما اخلص. ختم حديثه يلقي السترة على بعض الفروع تجف، ومن ثم شرع يفعل المثل بالبنطال الخاص به، ويحيى يراقبه بسخرية: _متدخلش بس الابيض في الألوان الله يكرمك.
_ياض أنت حد قبل كده قالك أن دمك سم، والله اسمع مني بجد أنت مش لايق عليك كوميدي، مش سكتك، عيسى دمه خفيف اكتر والله. ابتسم عيسى بفخر وكأنه للتو نال وسامًا، وفي الواقع كانت هذه حقيقة، فمن ناحية كان يحيى أقلهم مزاحًا واشدهم ضيقًا من كل شيء، واستفزازًا لأي شخص. بينما عيسى العزيز صاحب التاسعة عشر عامًا، كان فقط يحيا لأجل الضحك والطعام والنوم والتوكتوك بالطبع، وكان من المفترض أن ثالثهما مسلم أكثرهم هدوءًا وتعقلًا سابقًا.
وأحمد كان منطقيًا أغلب الوقت هادئًا حالمًا بعض الشيء. كان مسلم يتابع ما يحدث وهو يبتسم لهم جميعًا، قبل أن يبصر بطرف عيونه شيئًا ساقطًا ارضًا لينهض ويتحرك ناحيته يميل ببطء يلتقط ذلك الشيء والذي أدرك في اللحظة التي رفعه أمام عيونه أنه.. _شو هاد خلخال؟ لمين هاد؟! استدار صوب حاتم الذي كان فوق بالمعنى الحرفي يميل على يده بقوة، دفع مسلم رأسه بسخرية لاذعة وهو يدس الخلخال في جيب بنطاله: _بتاعي يا حاتم وقع مني.
أنهى حديثه يتحرك صوب الشجرة يرى إن جفت سترته يتحسسها وحينما شعر أنها أصبحت مناسبة بالفعل للأرتداء نزع ثوبه الاسود والذي كان مايزال رطبًا يلقيه على الشجرة ولم يكد يرتدي قميصه الاسود حتى سمع شهقة من خلفه وصوت يصدح مصدومًا: _مسلم ايه اللي في ضهرك ده ؟؟ توقفت يده في الهواء واسودت نظراته بشكل غريب يغمض عيونه، وقد أخذ صدره يرتفع بسرعة كبيرة يرتدي القميص دون كلمة واحدة يخفي بها ظهره بسرعة.
_خلينا نكمل طريقنا قبل ما الدنيا تليل. ومن ثم مال بسرعة يرتدي حذاءه يشير لهم ليتبعوه، والجميع نظر صوب حاتم الذي هز رأسه بضيق ويأس يتحرك خلف مسلم ولا أحد يفهم ما يحدث هنا. وفي هذه اللحظة أدرك الجميع أن مسلم لم يتغير فقط، بل أُستبدل برجل آخر.... *** بدأت الشمس تغرب بالفعل والساحة التي تتوسط القرية تمتلئ ببعض الأفراد الذين يحبون الجلوس مساء والسهر على ضوء القمر ويقيمون احتفالات بلا مناسبة معينة.
ومن بين التجمعات هذه ظهر تجمع لبعض الغرباء الذي تغلغلوا للقرية مثيرين أنظار الجميع حولهم، خاصة النساء اللواتي كن متعجبات مظهر الرجال وطريقة ثيابهم، ويبدو الأمر كما لو أنهن لم يبصرن رجالًا من قبل. توقفت الأحاديث والضحكات وعم صمت طويل في الساحة حتى أن سقوط قشة كان ليحدث دوي عنيف في المكان، وهذا الصمت والانتباه لهم جعل الريبة والخوف من القادم يصيب بعضهم كأحمد وعيسى.
لكن يحيى لم يكن يهتم، بل فقط دار في المكان يقدر حجم ثروتهم القادمة يشمر أكمام سترته وكأنه يستعد لمعركة، وحاتم جواره يتحسس سلاحه والذي حصل عليه بشكل غير قانوني بالطبع كخاصة مسلم، أما عن مسلم فلم يهتم أو يلتفت لأحد، بل اكمل سيره دون أن يهتز وكل خطوة منه بدت كما لو أنها تهز الأرض من تحت اقدام الجميع. وأخيرًا توقفت في منتصف الساحة ينظر حوله للجميع بعيون باردة كالصقيع مبتسمًا بسمة كبيرة غريبة: _فين البارو بتاعكم؟
عند البارو.. كان يجلس مع زوجته في البهو الكبير الخاص بمنزله الذي كان مبنيًا على مساحة واسعة والذي كان في الأساس منزل عمدة القرية قديمًا. انتفضت المرأة مما سمعت للتو ترفض كل ما قيل: _أنت بتقول ايه يا بارو؟ زواج ايه اللي تكمله، الراجل معيوب و.... _اخرسي يا شيما، ابن اختي مش معيوب، رايانا وزوجته اللي عملوا كل الحوارات دي عشان يوقفوا الجواز. _وأنت مصدق كلام اخوك وابنه؟ _ومصدقوش ليه؟
_عشان هما مش بيحبوا بنتك وهيظلموها يا بارو، بلاش ترمي البنت ليهم، مرات اخوك واخوك وابن اخوك شخصيا محدش فيهم طايق البنت واكيد بعد اللي حصل مش هيمرروه على خير وأنت بنفسك شوفت اللي عملته زوجة اخوك ليها. نظر لها البارو يرفض لكل تلك التكهنات التي تستبقها، لكنه لم يهتم هو أعطى لهم كلمته، لكنه فقط ينتظر الوقت المناسب حتى يتناسى الجميع ما حدث سابقًا، ومن ثم يعلن زفاف ابنته بعز الدين.
في اللحظة التي انتهى بها الحوار أو أنهاه هو بشكل مستبد، اقتحم أحد رجاله المنزل بسرعة يصيح بنبرة مرتفعة: _بارو ... ناس غريبة في القرية بيسألوا عنك. انتفض جسد البارو بريبة فآخر مرة اقتحم بها غريب قريتهم لم يأت بخير، كان مجرد صحفي جاء بالشر والسوء ولم تنتهي زيارته على خير وكانت كارثة في ذلك الوقت. ركض البارو بسرعة خلف الرجل وهو يأمر زوجته بحدة: _الزمي البيت واياكِ تتحركي، وانتبهي رايانا تخرج من البيت.
في اللحظة ذاتها التي كان يلقي على زوجته أوامره بالانتباه إلى ابنته وعدم السماح لها بالخروج، كانت رايانا بالفعل تسير في القرية تخفي نصف وجهها بغطاء اسود تتحرك بالسر صوب منزل سافا كي تكمل معها حديثهما لهذا الصباح حول الغرباء..
لكن يبدو أنهم خرجوا من أفكارها وتجسدوا في الواقع، إذ أنها تبصر الآن أمام عيونها الغرباء في منتصف الساحة وقد تجمع حولهم العديد من أهالي القرية، أخذت تخفي وجهها بريبة وهي تدور حول الجميع تختفي خلف بعض النسوة ترمقهم بفضول، تمرر عيونها بينهم حتى توقفت عليه. ذلك الرجل المرعب من الصباح، بهيئته الـ ... مخيفة.
كانت عيون مسلم تتحرك بين الجميع ينتظر أن تصل رسالته للبارو، يدرك أن لا طريقة سلمية ستؤتي ثمارها مع هؤلاء القوم وقد سبق وحاول جده لعقود طويلة، قضايا ونقاشات ومؤتمرات، ولا شيء نفعهم. إذن الحل هو الهجوم وبقذارة. أخذ يحرك عيونه بين الجميع يراقب ملامحهم بلا اهتمام حتى توقفت فجأة على عيون جعلته يوليها كامل اهتمامه ويميل برأسه ويطيل النظر فيها أكثر من غيرها، كانت عيون مألوفة له وبشدة.
ولم تكن العيون سوى لرايانا التي وبمجرد أن توقفت عيونه عليها شعرت بتوقف ضربات قلبها كذلك وتجمدت في مكانها رعبًا أن يرد لها ما فعلته صباحًا، لذا بسرعة أخفت جسدها خلف امرأة ممتلئة الجسد بشكل ملحوظ جعله يبتسم يكبت ضحكة لم تكن لتلائم ما يحدث بأي شكل من الأشكال. أما عنها فقد كانت تراقب رأسه التي مالت ببطء وهو يحدق فيها باهتمام لتشعر خدودها تشتعل من الخجل رغم أنها لا تظهر لأحد، تحركت من مكانها بسرعة تختفي من أمامه..
وهو فقط أخذ يحرك عيونه معها ولم يعلم في الواقع سبب ذلك، لكنه فقط أخذ يتابعها دون القدرة على رفع عيونه عنها، كل ذلك وهو لم يبصر منها سوى عيونها، ولم يسمع حتى صوتها. وبعد ثواني من التحديق تذكرها جيدًا، وقد رفع حاجبها واشتدت نظراته بشكل أظهر لها ما وصل له في أفكاره، فابتعدت بسرعة من أمامه وقد سقط قلبها رعبًا من نظرته. ابتلع ريقه وهو ما يزال يتابعها وكأنه نسي للحظات سبب وجوده في المكان هنا، حتى اقترب منه حاتم يهمس له
بصوت منخفض لا يلحظه أحدهم: _أخبرني ما شعورك وأنت أول من خرق قواعدك عزيزي مسلم؟ رفع مسلم عيونه بسرعة صوب حاتم ليبتسم له الأخير يردد عليه جملته السابقة: _لا نظرة ولا كلمة مع امرأة، وأنت يا اخي تضم المرأة بعيونك. انتفض مسلم من تعبير رفيقه وابعد عيونه بسرعة عن الفتاة وهو ينتبه لمن حوله يعود وجهه للجمود من جديد، يحاول أن يبعد أفكاره عن الفتاة وقد عزى انشغاله ذلك بأنه فضول حولها فقط ... وقد كان في الواقع.
دقائق قليلة وعمت صيحات وهمسات ارتفعت في الإرجاء باسم البارو، ليدرك مسلم أن من ينتظره جاء واخيرًا. البارو... _مين أنتم وبتعملوا ايه في ارضنا؟ أطلق يحيى ضحكة مرتفعة على كلمته لم يستطع كبتها، ضحكة جعلت جميع الرؤوس تلتفت له، ليوقفها يحيى بسرعة وهو ينظر له بسخرية: _الحرامي لما يصدق أنه باشا. صمت ثم ألقى له بكلمته دون أن يستطيع كبت كلماته: _أما أنت بجح ابن....
لكن يد أحمد والذي يدرك أفعال وكلام يحيى حالوا ما دون إكمال كلماته، وصوت الشهقات يعلو حولهم. نظر له البارو بعدم فهم يدور بعيونه بينهم وقد بدأ يستشعر ذبذبات غير مريحة في الأجواء لذا هتف بصوت مرتفع يتلقى الدعم:
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!