تحميل رواية «ارغمت على عشقك» PDF
بقلم هيام شطا
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كالعاصفة الهوجاء دلف من باب ذلك القصر المهيب. إنه قصر عائلة الهلالي، أكبر عائلات الصعيد. وهو يصيح بغضب: "لو خرج منه لحرقت القصر ومن فيه." "جدي.. جدي!" هرولت إليه الخادمة. "سلطان بيه.. فوّق في أوضته يا باشمهندس." أومأ لها وصعد السلم. قطع الممر المؤدي لغرفة جده في خطوتين. ودون أن يطرق الباب، دفعه ودخل وهو يصيح بغضب: "شوفت يا جدي اللي حصل؟ الهانم عايشة حياتها بالطول والعرض ولا كأن لها أهل. وماشية تتصرمح على حل شعرها في روما." نظر له جده بهدوء ينافي الغضب والقلق الذي اشتعل بداخله من كلمات حفيده، وهو...
رواية ارغمت على عشقك الفصل الأول 1 - بقلم هيام شطا
كالعاصفة الهوجاء دلف من باب ذلك القصر المهيب.
إنه قصر عائلة الهلالي، أكبر عائلات الصعيد.
وهو يصيح بغضب: "لو خرج منه لحرقت القصر ومن فيه."
"جدي.. جدي!" هرولت إليه الخادمة.
"سلطان بيه.. فوّق في أوضته يا باشمهندس."
أومأ لها وصعد السلم.
قطع الممر المؤدي لغرفة جده في خطوتين.
ودون أن يطرق الباب، دفعه ودخل وهو يصيح بغضب:
"شوفت يا جدي اللي حصل؟ الهانم عايشة حياتها بالطول والعرض ولا كأن لها أهل. وماشية تتصرمح على حل شعرها في روما."
نظر له جده بهدوء ينافي الغضب والقلق الذي اشتعل بداخله من كلمات حفيده، وهو يسأله:
"مين دي يا ولدي اللي دايرة تتصرمح في بلاد بره؟"
صرخ في جده بينما بلغ منه الغضب مبلغه كلما استرجع صورتها وهي تلهو وتضحك وترقص مع ذلك الشاب.
"نور.. نور هانم يا جدي اللي نست عوايدنا وتقاليدنا، ولا كأنها من بنات بره مش من هنا."
تأكد سلطان من دونّه، فهو يقصد ابنة عمه جلال.
سأله الجد بهدوء:
"وأنت شوفتها فين يا سليم؟ وإيه جابها روما؟ يا ولدي وهما عايشين في فرنسا؟ يمكن حد شبهها يا ولدي."
هدر سليم بغضب في جده:
"شبهها؟ شبهها إيه يا جدي؟ دا أنا أطلعها من وسط مية كني معرفهاش."
ثم أكمل بغضب:
"والله يا جدي لولا خايف على عمي لحد يعرف مطرحه، لكنت قتلتها في أرضها الفا.. جرة."
صاح سليمان بغضب في حفيده:
"سليم! مين اللي فاجرة يا ولد؟ دي بنت الهلالي ومحدش عندنا فاجر. دا أنا أقتل أي حد يجي يقول على أي بنت عندنا كده، فما بالك بحفيدتي."
ضحك سليم بسخرية وصوت، رغم سخريته، متألم وهو يلقي مجموعة من الصور التي التقطها لابنة عمه وهي تلهو وتتراقص مع شاب يبدو قريب في العمر، قريب من سليم أو يسبقه ببضع سنوات.
أخذ الجد الصور وهو ينظر لها بأعين ملئها الغضب من حفيدته التي ظهرت في تلك الصور بملابس لا تمت للاحترام بأي صلة، وأيضاً وضعيات وهي تتراقص مع ذلك الرجل كأنها زوجته.
صمت الجد قليلاً ثم تحدث بصوت غاضب:
"البت دي جلّب تربية. وجلال ولدي معرفش يربيها. أظاهر كتر قعدته مع الخواجات نسّاه عوايدنا."
ظفر الجد بغضب:
"أنا لازم أكلم عمك. اطلبهولي."
"حاضر يا جدي هطلبهولك. بس لازم تعرف حاجة مهمة حصلت في روما."
توجس الجد من نبرة صوت سليم القلقة التي تغيرت من الغضب إلى القلق.
سأله بترقب:
"حاجة إيه يا ولدي اللي حصلت في روما؟ بت عمك جرا لها حاجة وحشة؟ لا قدر الله."
أجابه سليم بتردد:
"لا يا جدي بت عمي كويسة، بس الموضوع بردك يخصها ويخص عمي."
ملأ القلق صدر سلطان وهو يسأل حفيده:
"حصل إيه يا ولدي؟ عمك جاد وصل لمطرح عمك؟ ولا حد من عيلة الرواشد وصل لعمك؟"
صمت سليم برهة وهو يظفر نفسًا أخري من صدره، وكأنه يستعد لإلقاء قنبلة ستقضي على الأخضر واليابس.
هتف فيه سلطان بغضب:
"ما ترد يا ولدي! حصل إيه؟"
"جدي.. اللي كان قاعد مع نور ده يبقى ولد سعد ابن الرواشد."
نزلت كلمات سليم على سمع وقلب سلطان وكأنها إعصار ضرب جميع حصون قلاعه وهدمها.
اهتز قلبه وأيضاً ارتعد صوته وهو يسأل سليم:
"هو صالح؟ ود سعد هو اللي كان مع بت عمك؟"
أجابه سليم بقلق:
"يا ريت يا جدي لو صالح هو اللي كان معاها، كنت جبتها من شعرها ولا همني صالح ولا أبوه. الموضوع كبير يا جدي."
"مش بتجول ولد سعد راشد هو اللي كان معاها؟ هو سعد عنده ولد غير ولد عمتك فرحة؟"
"أيوه يا جدي عنده ولد من خواجة عايش معاهم هناك، وله شركة هو ونسيبه ستارة لتجارتهم المشبوهة."
استند الجد للكرسي الذي يجلس عليه وكأنه يستمد منه القوة، وهو يسأل سليم بتوجس:
"وهو يعرف إن نور بت عمك جلال؟ ولا هي عارفاه بالصدفة؟"
اندفع الحديث من فم سليم بتهكم:
"صدفة مين يا جدي؟ أنا كنت زيك كده ومفكر إن واد فرفور السنيورة ممشياه وفرحانة بجلعوا فيها، بس أنا كلفت مكتب تحريات يتحرى عنه وعرفت كل المعلومات دي."
ثم صمت قليلاً يظفر أنفاسه الملتهبة وهو يسأل جده:
"إيه العمل دلوقتي يا جدي؟ هنحل المصيبة دي كيف؟ أنت عارف يعني إيه ود الفرطوس ده يطلع ود سعد راشد؟"
صمت الجد برهة وكأنه مغيب عن الدنيا، ثم تحدث أخيراً:
"يعني حياة عمك وأولاده في خطر يا ولدي."
هتف سليم بغضب:
"احنا لازم نتصرف بسرعة يا جدي."
"يسويها المولى يا ولدي. هم أنت سلم على بوك وأمك وارتاح. وبكرة إن شاء المولى هأقولك تعمل إيه."
"حاضر يا جدي."
ترك سليم جده وانصرف.
وقبل أن يسأل عن أبيه، هتفت أمه خلفه بفرحة كبيرة:
"سليم! جيت مته يا ولدي؟ حمد الله على السلامة."
بوجه بشوش فاض منه الحب لأمه، خطى مسرعاً حتى تغمره بأحضانها الحنونة الدافئة وهو يقول:
"الله يسلم عمرك يا أماي. اتوحشتك جوي جوي جوي."
غمرته أمه بحب وهي تضربه على كتفه بحب:
"آه يا بكاش! لو اتوحشتني صح كنت كلمتني مرة طول الشهر ده يا سليم."
ثم أكملت معاتبة:
"شهر! شهر يا سليم؟ هنت عليك أمك تهملها شهر؟ ماتسألش عليها."
انحنى يقبل يدها وهو يهتف بحنان:
"سامحيني يا ست الكل. غصب عني والله. وبعدين أنا كنت بطمن عليك من أبوي وجدي."
تدللت عليه بحنان أموي:
"آه يا واد. اضحك عليا بكلمتين."
"وأنا أقدر يا ست الكل. أمال فين أبويا؟"
أجابته بحب:
"بيجيب جدتك وعمتك أمل من عند عمتك راضية. وهما أكيد على وصول."
ما أن أنهت كلمتها حتى سمعت صوت زوجها، رفيق دربها الذي أحبها وتزوجها قبل أكثر من ثلاثة وثلاثين عام.
أحبها رغم أنها من عائلة بسيطة متواضعة، وهو ابن أكبر عائلة في بلدهم.
لم ينظر هو ولا أهله لتلك الفوارق العقيمة.
بل ذهب إلى أبيها لكي يخطبها لتصبح زوجة بكرى عائلة الهلالي.
إنها جميلة جميلات بلدها، رقية، زوجة مهران الهلالي، بكرى سلطان الهلالي.
أنجبت منه سليم ورحيم الهلالي.
سليم، الابن الأكبر، يبلغ من العمر اثنين وثلاثين عام، ورحيم الأصغر ويبلغ من العمر ٢٩ عام.
طبع رحيم يشابه في الجدية والصرامة والحزم.
طبع أخيه سليم، ولكن سليم لين القلب، هادئ الطبع قليلاً.
أما رحيم، فقاسي الطبع، داهي في الذكاء والتخطيط.
يدير شركة جده مع سليم، لكنه التحكم الأول فيها بعد جده.
أما سليم، فتركوا له شؤون العائلة مع أبيه وأمور الأرض الزراعية بحكم دراسته.
نظرت رقية إلى ذلك الصوت العذب الذي طالما طرب أذنها حين ينادي باسمها.
مالك قلبها وهي ابنة السابعة عشر، مهران سلطان الهلالي.
هتف باسمها وعيناه تبحث عنها:
"رقية."
همت لتجيب عليه، ولكن سليم سبقها مشاكساً:
"إيه يا بوي؟ هو البيت مفيهوش غير رقية؟ مفيش سليم؟ رحيم؟ ولا حتى البت حسن؟"
هتف مهران بفرحة:
"سليم! حمد الله على السلامة يا ولدي."
فتح أحضانه الواسعة الدافئة لابنه حتى يغمره بها، فقد اشتاق إليه.
دخل سليم في أحضان أبيه.
بعد برهة خرج منها وهو يسأله:
"جيت مته يا ولدي؟"
أجابه سليم:
"من ساعة يا بوي."
"شوفت جدك؟"
"أيوه يا بوي، وعاوزك تمر عليه."
"أمال فين جدتي حميدة وعمتي أمل؟"
أجابه مهران بقليل من الحدة:
"لساتهم عند عمتك راضية. مصممة يتعشوا عنديها، وأنا مردتش أكسر خاطرها."
حك سليم ذقنه وكأنه يفكر في أمر ما.
وقبل أن يتحدث، هتف ذلك الغاضب خلفه:
"وتعشوا هناك ليه يا حاج؟ ناقصين؟ وكلنا ولا معتش إلا بيت الرواشد اللي ناكلوا فيه."
هتفت رقية بغضب في سليط اللسان الثائر دائماً:
"رحيم! اتحشم يا ولد في الحديث."
صمت قليلاً قبل أن ينتبه الواقف بجوار أبيه.
تهلل وجهه بفرحة كبيرة وهو يهتف بحب:
"سليم! حمد الله على السلامة يا خوي."
عمره سليم بين زرعيه بحنان أخوي:
"الله يسلم عمرك يا حبيبي."
بعد أن أنهى رحيم سلامه على أخيه، نظر إلى أبيه بأسف:
"أنا آسف يا حاج، مجصدتش والله. بس أنت خابر أنا ولا بحب الرواشد ولا بحب أسمع سيرتهم."
ربت مهران على كتف ابنه الثائر.
يعلم مقدار العداء بين ابنه وصديق عمره، وأيضاً سبب العداء الذي تخطى العشرين عام.
المرحوم جابر جاد الهلالي والتنافس الشرس بينهم الذي وصل إلى حد رسائل التهديد.
يخشى مهران على رحيم ابنه الثائر الغاضب الحانق دائماً، ويخشى أن تمتد إليه يد الثأر التي اشتعلت نيرانها من عشرين عام بين الأخوة سلطان الهلالي، جاد الهلالي، وانضمت إليهم وحيدتهم راضية الهلالي.
ظفر مهران يخرج منه ذلك الغضب وتحدث بتروي مع ولده:
"جدتك وعمتك عند عمتك الكبيرة راضية، وجدك يا ولدي ممنعش حد فينا من خيته. وكمان عمتك راضية ملهاش غيرنا يا ولدي."
هتف رحيم بغضب:
"لا ليها يا بوي! ليها سراج بيه وإخواته."
ظفر مهران بضيق من ابنه الغاضب دائماً وهتف فيه بحد بعد أن انتصب في وقفته:
"رحيم! فضيناها عاد والكلام ده نهيناه من زمان. ولد عمك جابر، ملكش صالح بيه ولا بحد من إخواته. وأي شغل هو داخل فيه، ملكش صالح بيه."
ثم صاح بغضب وهو ينصرف:
"نهيناها الحكاية دي. وأنت يا سليم، روح هات عمتك وجدتك من عند عمتك راضية."
وكز سليم أخاه وهو يهمس بجانب أذنه:
"هتفضل مدب طول عمرك؟ جلتلك متتحدتش عاد مع أبوك في الموضوع ده. بتحضر عفاريته."
نظر رحيم إلى سليم وقال بتهكم:
"هملنالك السياسة ليك يا... جيفارة."
ضحك سليم بصوته الرنان وانصرف حتى يحضر جدته.
هتفت بغضب محبب لقلب ذلك العاشق الذي...
"وبعدهالك يا فضل؟ جلتلك اتجوز وهملني لحالي."
هتف بلوعة عاشق أضناه العشق:
"مجدرش.. عيني متقدرش تطلع لغيرك. قلبي ميقدرش يدق لغيرك. عمري كله ميساوي لو أنتِ هملتيه يا.. أملي."
نظرت له بيأس من حياتها وما الم بها، وماضٍ مملوء بالدماء، وحاضر خنقه الكره، وقضى على أي أمل به.
ثم طأطأت رأسها وهمت أن تنصرف، لولا صوته الحاني الذي هتف باسمها:
"أمل."
نظرت إليه دون حديث.
اقترب منها وقال بصوت عاشق:
"لو العمر مش هييجي فيه إلا يوم واحد يا أمل، هتجوزك وهتكوني ليا فيه."
ثم أكمل بحب أنعش قلبها:
"لعل القادم خير."
دلف إلى بيت عمة أبيه الحاجة راضية، زوجة زهران راشد.
ليست أكبر أخواتها، هي الصغرى، ولكنها تزوجت قبلهم.
يسبقها جاد، وقبل جاد سليمان الهلالي، منذ أكثر من أربعين عام.
أحبها زهران راشد، كان صديق أخويها.
لم يكن له نفس هيبة عائلة الهلالي أو أموالهم، ولكن أبيها لم ينظر لأي شيء وزوجها وهي بعمر السادسة عشر لزهران راشد.
عاشت معه أيام وسنوات مليئة بالحب والمعروف والمودة.
إلى أن جاء اليوم المشؤوم، يوم أن وجد جابر ابن أخيها جاد مقتولاً في بيت عمه سلطان.
بسلاح سلطان، بدأت العداوة بين العائلتان.
لأن جاد أخيها متزوج من أخت زهران الصغرى، نجية راشد زهران، زوجة جاد الهلالي، أخو سلطان، وأم المقتول جابر جاد الهلالي.
هتف سليم عند باب البيت باسم فضل ابن عمته حتى يأذن له بالدخول.
دلف إلى البيت.
رحب به فضل، فقد كان على علاقة جيدة معه ومع خاله سلطان وابن خاله مهران وجلال، عكس باقي عائلة الرواشد.
دلف معه إلى جدته، وكم تهلل وجهها هي وعمته راضية حين أبصرت غاليها، أول حفيدا لها.
هتفت بمحبة:
"سليم! حمد الله على السلامة يا غالي."
انحنى على يد جدته يقبلها بحب.
احتضنته بمحبة صادقة، فقد احتل قلبها منذ أن ولدت.
هو غاليها كما تلقبه.
خرج من أحضانها، وانحنى يقبل يد جدته، أخت جده، راضية، وهو يهتف بحب:
"كيفك يا عمتي؟"
إجابته راضية بسماحة:
"زينة الحمد لله يا ولدي، زينة طول ما أنتم زينين."
"تسلميلنا يا حبيبتي."
"يسلم شبابك يا ولدي."
هتف سليم في جدته:
"أمال فين عمتي أمل يا جدتي؟"
"كانت هنا يا ولدي، تلاقيها قاعدة مع رحمة بت عمتك راضية."
صاحت راضية في أحد ممن يعملون عندها وأخبرتهم أن يخبروا أمل أن أمها ستنصرف بعد وقت قصير.
دلت أمل، وما أن أبصرت سليم حتى جرت عليه بفرحة.
"سليم حبيبي! جيت مته؟"
احتضنها سليم بشوق، فهو يحبها وكأنها أخته التي لم تلدها أمه.
نعم عمته، ولكنها لا تكبره إلا بثلاث سنوات.
احتضنها سليم بشوق وهو يهتف بمرح عندما شاهد القادم خلف عمته:
"أملي حبيبت قلبي."
ثم قبلها في وجنتيها.
نظر له فضل بغيره ظهرت على ملامح وجهه الهادئ وهو يسلم عليه:
"حمد الله على السلامة يا سليم. كفايك كده أحضان ومسخرة."
ضحك سليم بصخب على غيرة ذلك العاشق الذي تخطى الأربعين ولم يقل أو يهدأ عشقه لابنة خاله سلطان.
وكأن أيام البعاد تزيد حبه لأمل، بل وأشعلته.
قال سليم أفضل ممازحاً بروحه الجميلة:
"اهدأ يا أمل يا ود عمتي. اللي في حضني عمتي حبيبت جلبى."
ثم ضم سليم أمل إليه مرة أخرى وهو يكمل بسماحة:
"محدش له صالح بينا أنا وعمتي."
ضحكت راضية على مزاح سليم مع ولدها العاشق.
هتفت في سليم موبخة بمزاح:
"اتحشم يا سليم وهمل عمتك أمل لحالها. وهم يلا علشان الأكل جاهز."
جلسوا إلى طاولة الطعام.
ورغم العداء بين العائلتين، إلا أن سليم لم يعادِ عمة أبيه راضية أو ابنها العاشق لعمته فضل.
ذلك الشاب الذي عشق ابنة خاله، ولكن يأتي العداء بين العائلتين ليحكم على عشقهما بالإعدام.
ويتخطى فضل الأربعين وتخطت الخامسة والثلاثين، ومازال عشقهما يرغم كل منهما على عشق الآخر وعدم التخلي.
جلست ببهو ذلك المنزل المهيب الذي يشبه إلى حد كبير القصر.
تمسك بهاتف وعلى وجهها علامات الترقب لخبر يبدو وكأنه سيحييها من جديد أو يجعلها أسعد نساء الكون.
صدح صوت الهاتف، أجابت عليه مسرعة.
"أيوه.. أيوه يا ولدي. كيفك يا سراج؟"
أجابها سراج بلهفة وحب:
"بخير يا جدتي."
سألته بصوت قلق:
"ها يا سراج؟ وصلت لجلال الهلالي؟"
أجابها بثقة:
"جربت خلاص يا جدتي. خلاص كلها ساعات وأعرف مكانه وأخد بتار أبوي وأريح جلبك وجلب جدي."
"برافو عليك يا سراج. صح سبع من ضهر سبع. أوعى لحالك يا سراج وابجى طمني."
"حاضر يا جدتي. سلميلي على سلمى وبسمة أخواتي."
هتفت نجيه بفرحة:
"تسلم من كل شر يا ولدي."
نجية راشد، أخت زهران زوج راضية الهلالي، وزوجة جاد الهلالي، أخو راضية وسلطان.
كانت الحياة بينهم أجمل ما يكون بين ثلاث أشقاء، أكبر عائلتين في البلد، عائلة الهلالي وعائلة راشد.
إلى أن جاء ذلك اليوم الذي مر عليه أكثر من عشرين عام ولم تهدأ نار الكره بينهم، بل تزداد يوماً بعد يوم.
ونجية راشد لن تهدأ إلا وهي ترى دماء جلال الهلالي تطفئ نار قلبها على وحيدها جابر جاد الهلالي.
هتفت تحدث نفسها:
"والله ويومك جرب يا ود سلطان."
في آخر كلماتها هتف من خلفها صوت غاضب:
"وبعدهالك يا نجية؟ لساتك بتدور على جلال؟ جلتلك ملكش صالح بيه. الموضوع ده أنا اللي هاخد بتار ولدي."
هتفت في زوجها بغضب:
"بجالك عشرين سنة مستنية تاخد بتاره وأنت مجدرش حتى تجرح ضافر من أخوك أو حد من عياله. سيب صاحب النار ياخده."
"جاسر هو اللي هيقتل جلال الهلالي."
رواية ارغمت على عشقك الفصل الثاني 2 - بقلم هيام شطا
جلس في ذلك المطعم بإيطاليا ينظر في ساعته بانتظار ذلك الشخص الذي سيحضر له عنوان جلال الهلالي بعد قليل.
دلف إلى المطعم شخص يبدو أنه تخطى الخامسة والثلاثين من عمره أو قارب على الأربعين، ولكنه توجس خيفة منه، لولا أن خاله سعد راشد هو من أتى معه لظنه أحد رجال المافيا الأوروبية.
انتصب سراج في وقفته حتى يرحب بهم.
احتضنه خاله سعد بحفاوة وقدم له ذلك الشخص.
"سراج الهلالي."
"وده چوه."
صافح سراج چوه وهتف يحدثه بالإنجليزية:
"Welcome Jo."
وللمفاجأة تحدث چوه باللغة العربية وأيضا اللهجة المصرية وكأنه ولد وتربى في ضواحي مصر.
"أهلاً مستر سراج، نورت روما."
اندهش سراج وتحدث بتعجب:
"انت مصري؟"
ابتسم چوه بسماجة وهو يقول:
"أنا مصري على إيطالي يا مستر سراج، أبويا مصري وماميتو إيطالية."
لم يهتم سراج بما يثرثر به چوه من كلمات، ولا حتى انتبه لشحوب وجه سعد راشد بعد كلمات چوه.
هتف سراج مقاطعاً چوه بلباقة:
"والله دي حاجة كويسة مستر چوه، كدا هيكون التعامل بينا أسهل."
أومأ چوه بتفهم، بينما هتف سعد حتى ينهي تلك الجلسة والتي كانت ثقيلة عليه، ولكن لم ينتبه سراج إلى ذلك، فكل ما كان يريده هو معرفة أين يختبئ جلال الهلالي.
"ها يا چوه، ياترى عندك اللي أنا عاوزه؟"
تلاعب چوه بكلماته مع سراج ليرى وقعها على سعد.
أجاب چوه بتمهل كي يزيد من توتر سعد راشد، ويلاحظ سراج هذا التوتر على خاله سعد، يصل إلى مبتغاه خوفًا، سؤال سراج عن سر معرفة چوه بسعد، ولكن سراج كل ما يعنيه هو معرفة مكان جلال الهلالي.
تحدث چوه وقال:
"أنا من كام شهر كنت في باريس في شغل ليا مع شركة هناك، فيه شراكة جديدة بين شركتنا هنا والشركة دي، وبالصدفة قابلت هناك الـ HR المسؤولة عن الموارد البشرية وكانت مصرية، وبعد كام شهر اسمها لفت نظر مستر سعد وهو بيمضي على أوراق هنا في فرع الشركة اللي أنا مسؤول عنها في روما، سألني عنها وقولت كل اللي أنا أعرفه عنها."
هتف سراج بفرحة:
"يعني هي وأهلها هنا في روما؟"
أجابه چوه بنفي:
"لأ مستر سراج، هي وأهلها في باريس، ومعايا عنوانها، بكرة الصبح بالقطر تكون عندهم."
فرح سراج لهذا الخبر وكأنه ملك الأرض ومن عليها، سينتهي غدًا كل شيء، سيُقتل جلال الهلالي ويعود إلى جدته بعدها مرفوع الرأس.
أخذ عنوان جلال من چوه.
وبعد قليل شكر خاله سعد على تلك المعلومات التي وفرها له لكي يأخذ بثأر أبيه من جلال الهلالي.
انصرف جلال وترك چوه وسعد على موعد غدًا مع سعد راشد ليذهب معه إلى باريس ليكون بجانبه وهو يأخذ بثأر أبيه.
نظر سعد لـ چوه بغضب وهتف فيه بحدة:
"إيه الكلام اللي قولته ده يا چوه؟ قصدك إيه؟ أنا مش متفق معاك إنك هتقول لسراج إنك عرفت مكان نور إزاي وبس، ليه كتر الكلام؟ أبويا مصري وأمي إيطالية، قصدك إيه؟"
هتف چوه بغضب بينما جحظت عيناه دليلًا على شدة غضبه:
"قصدي إنه يعرف إني ابنك، ما أنا مش هعيش عمري هنا في روما وأنا ليا أهل في مصر، إنت لازم تعرف الناس اللي في مصر إني ابنك."
ضحك سعد بسخرية وهو يقول:
"وده من امتى؟ ما طول عمرك مش فارق معاك إنت ابن مين ولا مصري ولا إيطالي، ولا سنيورة نور قلبت كيانك."
هنا وضع سعد يده على سبب إلحاحه على أبيه لكي يظهر شخصيته ويعرفه على أهله.
نظر چوه إلى أبيه ولوي شفتيه في ابتسامة ساخرة ومال عليه وهو يهمس في أذنه:
"إنت تعرف كل أهلك في الصعيد إن عندك ولد وتوفي بوعدك ليا، أنا اللي عرفت مكان مسيو جلال، اقتله، اعمل اللي عاوزة فيه، أهم حاجة نور تكون ملكي في الآخر."
ضحك سعد بصخب وهتف ساخرًا من ابنه:
"وه وه يا بووي، واضح إن البنت جامدة ومش سهلة."
غضب چوه من كلام أبيه الساخر وهتف فيه بخبث:
"أنا أعمل أي حاجة علشان أوصل لنور."
ثم همس لأبيه بفيحيح:
"أصل أنا طالع لأبويا حتى. القتل ممكن أقتل علشان آخد اللي أنا عاوزه، ولا إيه رأيك يا بابي؟"
نطقها چوه بتهكم وهو ينظر في عيني أبيه بتحدٍ وأيضًا تهديد، نظرة حملت في طياتها أنه ممكن أن ينجب من صلبه من يكون أول أعدائه إذا لم يطعه.
حمل سعد كل متعلقاته ونظر لابنه وهم أن ينصرف، وقبل أن ينصرف قال لـ چوه متوعدًا:
"أنا دراعي ميتلويش يا چوه."
جلس چوه يتذكر أول يوم رأى فيه صاحبة الموج الأزرق المتدفق في عينيها، وكيف عثر عليها حينما أخبره أبيه بأن جلال الهلالي الذي يبحث عنه منذ عشرين عامًا موجود في باريس.
قلب چوه باريس رأسًا على عقب إلى أن عرف أن جلال الهلالي لديه ابن يعمل في إحدى الشركات التي يتعامل معها چوه، سافر إلى فرنسا لكي يأتي بعنوان جلال الهلالي لأبيه مقابل أن يكتب أبيه له شركة روما له بيع وشراء، وافق سعد راشد على كل شروط چوه.
وصل چوه إلى نور وعنوان أبيها.
وأيضًا تودد لها واستغل حبها لكل من هو مصري وحنينها لمصر، أخبرها أنه مصري، وقويت بينهم علاقة الصداقة، كانت صداقة بريئة من وجهة نظر نور، بينما چوه أراد أن يقيم معها علاقة محرمة.
وعندما صدمته نور برفضها له وأن تعاليم دينها وأخلاقها تنهيها عن تلك العلاقات الفاسدة، لم يجد أمامه إلا أبيه يخبره بمكان عائلة جلال الهلالي، يقضي أبيه أو سراج على جلال الهلالي ويكون هو البطل الذي يقف بجانب نور وعائلتها ويظهر هو البطل حتى يحصل على ما يريد.
دلف إلى بيته ومراجل عقله تعمل، يتذكر كل شيء وكيف بدأه، هو والآن يهدد من لم يحسب حساب مجيئه أو حساب حياته، أنه زرعته الشيطانية ألا وهي ابنته چوه، ولكن مهلًا، لينهي أولًا أمر جلال الهلالي ليتم انتقامه من عائلة الهلالي ويفيق إلى چوه.
فلاش باك... قبل ثلاثين عامًا.
صرخ بغل في أبيه:
"كيف كيف ده حصل يا بوي؟ أنا طلبتها من عمي زهران ألف مرة وهو كل مرة يلاوع معايا في الحديث ويقولي ربك ييسر، يجوم مرة واحدة يديها لولد الهلالي، أنا هقتله وهقتل ولد الهلالي وهخدها غصب عن عينها."
صاح فيه بغضب:
"وما تمسك حالك أمال يا سعد؟ عمك زهران خلاص كتب كتاب بنته على واد الهلالي. وبعدين تعالى هنا، أنا مش قولتلك قبل سابج، خلص موال المساخيط ده ولا عجبتك الجعدة في بلاد الخواجات؟"
تلعثم سعد في الحديث وتلجلج صوته:
"ما هو يا بوي الخواجة عمال يماطل معايا."
ابتسم إبراهيم بسخرية:
"الخواجة هو اللي بيماطل ولا أخت الخواجة اللي داير معاها، أديلك خمس سنين على كيفك، لاه ومن بجاحتك عاوز تتجوز بنت عمك؟"
صرخ بغل:
"وماتتجوزهاش ليه؟ ناقص إيه أنا عن جابر ولد الهلالي؟"
"ناقص تربية وسمعة زينة يا ابن عمري. عرفت عمك زهران فضل ولد الهلالي ليه."
تحدث سعد من بين أسنانه:
"بكرة... الله وكيل لندم عمي وكل واحد حرمني من فرحة، وأخلي الأرض الخضرة بين عمي وعيلة الهلالي أرض بور يروها بالحق والكره اللي هزرعه بيناتهم."
تزوج جابر الهلالي، فرحة زهران ابنة عمته راضية، أقيت الأفراح سبعة أيام وليالي، لم يكن زفاف جابر فقط، كان زفاف جلال وجابر. جلال تزوج نبيلة المحمدي، أم نور، أحبها أيضًا منذ أن كانت تدرس معه الحقوق في جامعة الإسكندرية.
لم يمانع أبيه في زواجه بل رحب به. اتفق جلال وجابر أن يقيما يوم زفافهما في يوم واحد. جلال كان صديق جابر الصدوق، ليس ابن عمه فقط، إنما صديق طفولته رفيق دربه، أسسا معًا شركة الهلالي للاستيراد والتصدير، وكانت تلك الشركة ذراعًا وعمودًا آخر يقوي شوكة وهيبة عائلة الهلالي في البلد والبلاد المجاورة.
كان سعد راشد صديقهم الثالث، كان جابر وجلال وسعد ثلاثة أصدقاء مثل الإخوة، أو كما صور لهم.
كان سعد يغار دائمًا من جابر ويحقد عليه وعلى عمته نجية، دائمًا ما يراها في خير لا تستحق أن تحيا فيه ودلال من عائلة الهلالي لها، بينما هو وأمه يعيشون في فقر وذل من أبيه، إلى أن عرف أبيه طريق تجارة الآثار وعرف كيف يستخرجها وجعل سعد ذراعه اليمين، وبعد سنوات قليلة ظهرت علامة الثراء على إبراهيم راشد وولده سعد، وبدأ سعد يحلم بفرحه ابنة عمه زهران، بكرية عمه وجميلته، وبالفعل تقدم لخطبتها، إلا أن زهران لم يعطيها له بسبب خوفه من ثراء أخيه المفاجئ وأيضًا طبع سعد القاسي وأخلاقه الغير سوية، فضل زهران جابر ليكون زوجًا لابنته يخاف الله فيها ويحافظ عليها. كان جابر طيب القلب وحيد أبويه، يمتلك شركته هو وجلال ومن أكبر عائلات البلدة.
وها هو اليوم يزف جلال وجابر، كلا منهم إلى حبه الأول، كان زفاف أسطورة، ظل سبعة أيام وليالي، لم يبخل سلطان أو جاد بأي شيء، الذبائح والعطايا لأهل البلد.
تزوج جلال من نبيلة.
وتزوج جابر من ابنة عمته راضية وأيضًا خاله زهران.
وها هي السنوات تمر، رزق جابر بسراج، ومن أسماه سراج هو جلال، وأيضًا رزق مهران بثاني أبنائه وهو رحيم، ولكن جلال لم ينجب، وهذا ما كان ينغص الحياة على سلطان ومهران وأيضًا جابر، حيث كانت نظرة الحزن في أعين جلال وشوقه للأطفال ظاهرة.
وتمر السنوات، يمضي خمسة أعوام، يكبر سليم ويكون الأخ الأكبر لرحيم وأيضًا سراج، وها هو يوم العوض، اليوم الذي انتظره جلال الهلالي، حين صدح صوت بكاء نور وهي تولد في أكبر مشافي الصعيد، كان معه أبيه وأخيه وأمه وأيضًا سليم الذي أصر أن يرى مولود عمه ويكون أول من يحمله.
فتحت نور عينيها وكان سليم يحملها.
هتف سليم بفرحة:
"النونو فتح يا جدتي."
حملت حميدة نور من سليم، لكنها بكت وأخذها مرة أخرى منها ليبدأ إرغام سليم الهلالي على عشق نور الهلالي.
كبرت نور مع سليم وسراج ورحيم، ولكن كان سليم الأقرب لها، أصبح عمر سليم اثنا عشر عامًا، بينما سراج ورحيم تسعة أعوام ونور خمسة أعوام. رزق جلال بعد نور بعامين بزهرة وفريد، ورزق جابر بعد سراج بسلمى، وها هي فرحة تحمل المولود الثالث لجابر.
عشرة أعوام مضت على زفاف جابر وجلال، تجارتهم وشركتهم تكبر ويكبر معها حقد وغِل سعد راشد لعائلة الهلالي، إلى أن أتت له الفرصة للانتقام. تعرضت شركة جلال وجابر لضائقة مالية بسبب تلك الشحنة التي مُنعت من دخول الأسواق المحلية بسبب عدم ملائمتها للمعايير الصحية.
وبالطبع كان سعد راشد صاحب البلاغ عن الشحنة، حينما علم أن جابر وجلال وضعوا بها كل ما يمتلكون، خسر جلال وجابر معظم رأس مالهم في تلك الشحنة، عرض عليهم سعد أن يدخل كشريك ثالث معهم حتى يستورد شحنة جديدة يعوض بها خسارتهم.
وافق جلال ورحب بالفكرة، أما جابر رفض وبشدة لمعرفته مصدر أموال ابن خاله وأنها أموال مشبوهة.
تشاجر جلال وجابر بسبب تلك الشراكة.
هتف جلال بغضب:
"فيه إيه يا جابر؟ لو دخلنا سعد معانا شريك ينقذ الموقف المالي، إنت عارف إن التجار مش هيرحمونا لو عرفوا إن الصفقة اتحجزت في المينا."
احتدمت نظرة جابر بينما هتف هو الآخر بغضب:
"لأ يا جلال، إلا سعد ابن خالي، أي حد إلا هو، إنت عارف إن فلوسه مشبوهة وأنا مش موافق، لو هخسر آخر مليم."
سمع ذلك الشجار سعد وهو واقف على باب مكتب جلال، زاد حقد سعد على جابر وجاءت له فرصة من ذهب ليوقع بين الأصدقاء، توعد لجابر وأيضًا جلال.
حرض التجار على شركة جلال وجابر، نشر عنهم إشاعات عن سوء معاملة شركتهم حتى انهارت شركة جلال وجابر.
زادت الخلافات بين جلال وجابر.
تدخل مهران لإنقاذ أخويه، استطاع أن يفرج عن الشحنة، ولكنها لم تُبع بسبب تحريض سعد للتجار، بدأت الشركة في الانهيار.
علم جابر من أحد التجار أن سعد راشد هو من أخبرهم أن شحنتهم الغذائية منتهية الصلاحية، إذًا سعده هو سبب ما حدث.
بعد أن دمر سعد كل شيء، حرض أحد رجال سلطان بعد أن اشتراه بالمال على أن يسرق سلاح جلال، وبالفعل سرق الغفير عثمان سلاحه، ولسوء حظ سعد أن الغفير لم يجد سلاح جلال، سرق بدلاً عنه سلاح سلطان لكي لا تضيع عليه أموال سعد راشد.
دلف جابر إلى سعد في بيته وهو يصرخ بغضب:
"سعد سعد."
خرج سعد له بكل ثقة وغرور.
أطبق جابر على مقدمة ملابس سعد وهو يصرخ بغضب:
"آه يا خسيس يا واطي، عملنالك إيه علشان تأذينا كده؟"
نفض سعد يد جابر ببرود وهو يضحك بسخرية:
"أهلاً ولد الهلالي، أنا كنت مستنيك."
لكمه جابر في وجهه بغضب وأنهال عليه بسباب لاذع.
وفجأة أشهر سعد السلاح في وجه جابر.
انقبض جابر وتراجع للخلف وهو يهتف بخوف:
"وه، كأنك هتقتلني يا سعد."
ضحك سعد ضحكة ملتوية وهو يقترب من جابر ويقول:
"براو عليك يا جابر، أنا هقتلك. وكنت مستنيك لجل ما توجع زي الفار في المصيدة. وكل اللي عملته ده علشان أقتلك."
صرخ جابر بخوف:
"تقتلني ليه؟"
هنا تخلى سعد عن وجهه البارد وهتف بغضب:
"علشان أنت أخذت مني كل حاجة. أنت ابن الحسب والنسب اللي عمي فضلك عليا وادالك فرحة وحرمني منها ليه؟ أحسن مني في إيه؟"
تراجع جابر للخلف بينما لمح الشيطان يتراقص في عين سعد ابن خاله، وهو يهتف له برجاء:
"وهون عليك تقتلني يا سعد. ويتيتم عيالي وفرحة مرتي."
ضحك سعد بصخب وكأنه شيطان يحدثه:
"متتجلقش عليهم، هتجوزها وأربي العيال."
ومع آخر كلمة له انطلقت الرصاصة واستقرت في قلب جابر.
حمل جثة جابر هو وعثمان وبمساعدة عثمان دخل إلى قصر سلطان، وضع جثة جابر في بهو القصر وأخفى سلاح سلطان بجانب الجثة.
في نفس الوقت كان سلطان وجلال في القاهرة يحاولون حل مشكلة البضاعة والتجار، استطاع سلطان أن يقنع شركاء أبنائه بأنهم تعرضوا لمكيدة وأن البضاعة لا يوجد بها أي عطب.
خرج جلال مع أبيه وهو يظفر بفرح:
"أخيرًا يا بوي، أخيرًا المشكلة اتحلت."
وقبل أن ينهي الكلمة، أتاه اتصال مهران الذي وجد ابن عمه جابر صريعًا في بهو قصرهم عند عودته إلى البيت بعد منتصف الليل.
"الحقنا يا بوي، جابر اتقتل."
بعد أن وضع سعد جثة جابر في بيت سلطان وقبل أن يكتشف أحد أن جابر قُتل، ذهب إلى عمته نجية وأخبرها أن جابر وجلال على خلاف وأن جلال هدد جابر بالقتل لأنه سبب خسارة شركتهم.
لم تصدقه نجية. هتفت نجية بقلب مرعوب على وحيدها:
"بتجول إيه يا سعد يا ولدي؟ ميتا حصل الكلام ده؟"
أجابها سعد بجهل:
"النهاردة يا عمتي."
انخلع قلب نجية على وحيدها وهي تهاتفه ولابجيب.
ما هي إلا ساعات قليلة وعلم القاصي والداني أن جابر الهلالي وجد مقتولًا في بيت عمه.
نزل الخبر على أذن فرحة ونجية وكأنه أصم أذنهم من هول الفاجعة. هرولت نجية بقلب محترق في كل خطوة تخطوها تكذب أذنها وما تسمعه، هل قُتل وحيدها؟ هل ذهب دون وداعها؟
نزلت فرحة درجات سلم بيتها بخطى متعثرة، وفي وسط الدرجات طاحت قدمها في الهواء وهي تصرخ باسم حبيبها.
"جـااااااااابر."
هرولت إليها الخادمة لتحملها، وجدتها أسفل الدرج، جسدها يفترش الأرض غارقة في الدماء.
وكأنها ليلة الحزن والفراق. جلست رقيه بجانب راضية لا تعلم على من تواسيها، على ابنتها التي تلد بعد تلك السقطة، أم على زوج ابنتها وابن شقيقها المقتول؟ أم على أخويها اللذين أصبحا أعداء بعد أن وجد جابر قتيلًا في بيت سلطان، والأدهى بسلاح سلطان؟
خرج الطبيب بعد قليل وهو يطأطأ رأسه بأسى.
"البقاء لله، الأم تعيشوا أنتم والجنين."
ناول الطفلة إلى رقيه زوجة مهران.
وراضية ظلت على جلستها، لقد فقدت فلذة كبدها وابن أخيها في يوم واحد.
مرت الأيام على تلك العائلة التي تبدل حالها بين ليلة وضحاها من الحب إلى الكره، من المودة والرحمة إلى العداء والثأر، وصدق سعد حين توعد أن تصبح الأرض الخضراء بين الإخوة صحراء يرويها دم.
خرج سلطان وجلال من تهمة قتل جابر لعدم كفاية الأدلة.
بعد أن أثبت محامي سلطان أن سلطان وجلال لم يكونا في البلد وقت وقوع الجريمة.
خرج جلال وسلطان من النيابة وتوجهوا إلى بيت جاد، وقبل أن يدلفوه، اعترضتهم نجية.
صرخت بقلب أم مكلومة على وحيدها:
"إنت رايح فين يا قاتل القتلة؟ قتلت ولدي لجل خاطر ابنك وجاي لحد هنا صح؟ تقتل القتيل وتمشي في جنازته."
ثم أكملت بقلب يحترق على وحيدها وهي تصرخ:
"من النهاردة اللي بينا دم، دم ولدي بيصرخ في يدك ويد ولدك، وهقتله بيدي."
جذبها جاد وهي مازالت تصرخ:
"على الرواشد، تارنا عند جلال ابن سلطان الهلالي، اجتلوه وطفوا ناري."
أدخلها جاد إلى البيت وعاد إلى أخيه وهو يهتف فيه بقلب يحترق على ابنه ولا يريد لبحر الدماء أن يبتلع كل أبنائهم.
"أخفِ جلال من البلد لحد ما يسويها المولى يا خوي، بدل ما أقتله أنا."
هم سلطان للحديث ولكن مات الكلام بين الأخوة، كما مات الود، ومات الحب، والأخوة تعاني من ويلات شيطان يخنقها بيده يسمى سعد راشد.
رواية ارغمت على عشقك الفصل الثالث 3 - بقلم هيام شطا
أشرقت شمس الغد عليهم ولكل واحد منهم هدف يتحرك لأجله، وكله في هيئة الاستعداد.
يأخذ وضعية الهجوم ويستعد للأخذ بثأره، وأبٌ يدافع عن ابنه ويحميه بكل قوته. الغلبة لمن ومن يحقق هدفه؟
أشرقت على ذلك القصر العتيق بصوت جدٍ يهتف في أحفاده، وكفى هتافه في ذلك القصر لينعم الجميع بالأمان. نزل سلطان درجات السلم وهو يهتف على أحفاده:
سليم، رحيم، وأخيراً مهران.
أجابه سليم الذي نزل خلفه:
نعم يا جدي، أنا هنا.
التفت له سلطان وهو يسأله:
فين أبوك وأخوك؟
هتفت رقية وهي تأتي من المطبخ وتحمل عدة أطباق في يدها وتضعها على السفرة:
يأبوي، مستنيك.
أومأ لها سلطان واتكأ على عصاه ودلف إلى غرفة الطعام مع سليم.
صباح الخير يا أبو سليم.
تتصبح بكل خير يا بوي.
انحنى مهران يقبل يد أبيه بكل حب. ربت على كتفه وهو يقول بحب:
الله يرضى عنيك يا ولدي.
هتفت حميدة بمحبة لولدها الكبير البار بهم:
راضي عنيه طول ما أنت راضي يا أبو مهران.
اجتمعت الأسرة على طاولة الطعام. تحدث سلطان بجدية إلى رحيم:
رحيم يا ولدي، بعد الفطار إن شاء المولى تحجز على أول طيارة لكندا، لجل ما تجيب عمك وأولاده. وأول ما توصلهم تخليك معاهم ومتعاودش إلا لما أنا أقولك.
انتفض سليم يتحدث بحدة:
وإيه وليه رحيم يا جدي؟ خلي رحيم في الشركة والمصنع، أنا اللي هسافر.
أخذ الجد نفسًا عميقًا وتحدث وهو يظفر:
فقد حدث ما حسب حسابه. إذن سليم كان يستعد للسفر إلى عمه، ولكنه خشي من غيرة سليم الهوجاء إذا حدث أي أمر من ابنة عمه، يفعل أي أمر ويحدث ما لا يحمد عقباه. فليذهب رحيم ليأتي بعمه. رحيم رغم صغر عمره عن سليم، إلا أنه داهية يعرف كيف يخرج من المشاكل بأقل الخسائر، وأيضًا لا يحب أحدًا من بنات حواء. إذن هو يملك قراره من عقله، فليكن رحيم هو من يسافر. هكذا خطط سلطان طوال الليل.
هتف سلطان بحدة مماثلة في حفيده الغيور المتهور سليم:
أنا خلاص قلت مين هيسافر، وبعدين هتسافر إزاي والمحصول اللي مرمي في الأرض ده هنهمله يا ولدي. رحيم بيسافر كتير، وهو اللي هيعرف يجيب عمك من غير ما حد ياخد باله.
انتصب سلطان في وقفته وهو يقول آمرًا لرحيم:
يلا يا ولدي، لجل ما تلحق وجتك. أنت هتروح لعمك في العنوان ده. هو نزل عند واحد صاحبه امبارح. تدبر أمرك وأمر عمك، واستنى مني تليفون أقولك هتيجي متى مع عمك وولده.
أومأ رحيم بطاعة:
حاضر يا جدي، أنا همر على الشركة أخلص شوية حاجات مستعجلة وأحجز، وأخبرك أنا هسافر متى.
رتب الجد على كتف رحيم:
الله يرضى عنيك يا ولدي.
هم سلطان المغادرة وهو يهتف على سليم ومهران كي يلحقوا به.
خطى سلطان بخطى واثقة، ولكن قلبه يكاد يقف من الخوف. خوف أن يرفض جاد الصلح والنسب بينهم، ليوقف بحور الدم التي ستراق ويدفع بريء ذنب لم يقترفه.
جلس مهران بجوار أبيه في السيارة، بينما جلس سليم يقود السيارة وهو يكاد يطير من الفرحة. هتف قلبه: ستعود صاحبة الموج الأزرق التي خطفت قلبه، ويطمئن قلبه. حسنًا، فليأتي بها رحيم أو عمه جلال، المهم أن تأتي أخيرًا.
وصل مهران وسلطان وسليم أمام بيت جاد.
تقدم مهران ليهتف على أهل البيت، بينما استند سلطان على يد حفيده.
فتح الغفير باب الحديقة وهو يصيح:
سلطان بيه.
ضرب اسم سلطان سمع نجيه وجاد الجالسين في حديقة المنزل مع حفيدتيهما يتناولون طعام الإفطار. انتصب جاد بتعجب وهو يردد اسم أخيه بتعجب:
سلطان.
بينما تملك الغضب من نجيه وهي تهتف بغضب:
القاتل ده جاي ليه؟
نظر لها بطرف عينيه نظرة. انتصبت في وقفتها. هي تصيح على أحفادها:
هيا يا سلمى، أنتِ وخالتك.
خطت الفتاتان خلف جدتهما. مرت نجيه من أمام سلطان وهو يدخل. وقفت ونظرت له بغضب وهي تتحدث بقلب أم يحترق على وحيدها. منذ عشرين عامًا لم تهدأ تلك النار.
إيه اللي جابك هنا يا قاتل القتلة؟
نظر لها سلطان بقلب مفتوح على حالها الذي بقى كما هو رغم مرور السنوات. وقبل أن يجيب عليها، صرخ جاد فيها بغضب:
نجيه، ادخلي جوه.
غادرت نجيه تضرب الأرض بغضب. رحب جاد بسلطان بحب. هو يعلم علم اليقين أن أخيه وابنه بريئان من دم ابنه، براءة الذئب من دم ابن يعقوب. وقضى العشرين عامًا يحاول أن يصل لمن غدر بابنه وأشعل نار الثأر بين الأخوة، ولم يصل إلى أي شيء. يريد فقط أن يصل إلى خيط، ولكنه فشل. احتضن أخيه بمحبة وسماحة:
نورت الدوار يا أخوي.
هتف سلطان:
البيت منور بأهله يا جاد.
أخذ بيد أخيه لكي يجلسه بجواره، وهو يلاحظ أن الزمن ظهر جليًا على أخيه في تلك العكازة التي يتكئ عليها، وتلك التجاعيد التي ملأت وجهه. أجلسه وسلم على مهران وسليم بمحبة:
اتفضلوا يا ولدي.
جلسوا جميعًا إلى تلك الطاولة. كان مهران أقرب الشبه إلى عمه جاد أكثر من أبيه. يكاد من يراه أن يجزم أنه ابن جاد. وكان مهران أحب أبناء أخيه إلى قلبه. هتف سلطان بمحبة:
كيفك يا جاد؟ اتوحشتك قوي يا ود أبوي.
أجابه جاد:
الحمد لله يا خوي، بخير.
صمت سلطان لحظة، أخذ نفسًا وحبسه في صدره، وأخيرًا ظفر:
أنا جاي النهارده يا جاد، في رجاء قبل ما يكون طلب.
علم جاد بفطنته أنه أمر متعلق بأمر الثأر. أجاب سلطان بمحبة:
أنت تأمر يا أخوي.
الأمر لله وحده يا حبيبي. أني يا جاد جاي النهارده وأملي في ربنا وفيك، متردنيش خايب الرجاء.
هتف جاد بمحبة:
لعشت ولا كنت يا أخوي.
اطمأن سلطان من بداية الحديث مع أخيه. ثم أكمل:
أنا جاي لجل ما نوقف بحر الدم بيناتنا يا أخوي، والله وكيل وشاهد أن أنا وابني ما لمسنا جابر بأي أذى. دا أنا أقطع يد اللي تتمد عليه، حتى لو يد ولدي.
ثم أكمل بصوت ملأه الحزن:
انت واعي ليا يا أخوي؟ العمر معتش فيه بجيه، وأنا اتوحشت جلال قوي يا جاد، ونفسي ترجعه وسطنا تاني أشوفه وأملي عيني منه قبل ما الحج ياخد حجه.
هتف جاد بخوف على أخيه:
ألف بعيد الشر عنك يا خوي.
أكمل سلطان بقناعة:
ده أمر الله يا خوي، وده حال الدنيا. إحنا عليها ضيوف، وأنا رجائي منك أننا ننهي العداوة اللي بينا، وأنا هدفع لك الفدية اللي تشاور عليها يا خوي، إن شاء الله مالي كلياته. ويكون بينا نسب يا أخوي، بنت جلال ياخدها ولدك سراج، ولو وافقت يا خوي، أنا ومهران وسليم بنطلب يد سلمى لرحيم. جولت إيه يا أخوي؟
اعتدل جاد في جلسته وهو يفكر، ويعلم صدق أخيه في كل ما نطق به. وأخيرًا أجابه:
والله يا أخوي، جيتك أنت وولدك لحد هنا عزيزة عليا، بس سيبني أفكر النهارده وأرد عليك بكرة يا خوي. وربنا يقدم اللي فيه الخير.
نظر سلطان إلى جاد برجاء. أومأ له جاد وهو يهتف بطمئنان:
ربك يقدم اللي فيه الخير يا أخوي.
انتفضت نجيه بغضب بعد أن استمعت إلى كلام جاد، وصاحت بغضب:
سلمى بت يا سلمى، اتصلي على أخوك وهاتي التليفون.
وضعت الهاتف على أذنها تنتظر أن يجيب عليها سراج. بعد برهة، أجابها سراج وهو يستقل تلك السيارة مع سعد وجو متجهين إلى منزل جلال الهلالي:
الوو، أيوه يا سراج.
عملت إيه يا ولدي؟ وصلت لجلال؟
أجابها سراج:
الوو، أيوه يا جدتي، كلها دقيقتين وهوصل له، يا جدتي اطمني.
أجابته بحدة:
لسه، لسه؟ إيه يا ولدي، إنهي الموضوع ده بقى.
خلاص يا جدتي، هانت، استني مني مكالمة أبشرك فيها.
هتفت بفرحة:
ربنا يريح قلبك يا ولدي.
أطبق سراج على مقدمة ملابس جو عندما وصلوا إلى العنوان ولم يجدوا فيه أحدًا، بينما أخبرهم صاحب العقار أنهم تركوا المنزل منذ الأمس.
صرخ سراج بغضب:
يعني إيه؟ مشيوا؟ راحوا فين طيب؟
أبعده سعد عن جو وهو يقول:
اهدئ يا سراج، اهدئ يا ولدي، وهو جوو كان بيشم على ضهر إيده. أكيد هما عرفوا حاجة.
هتف جو بغضب:
وهيعرفوا منين دي؟ أكيد صدفة. إحنا هنعرف هما فين منين؟ إحنا كده رجعنا لنقطة الصفر تاني.
وقفت العقول عن التفكير. ألجمتهم الصدمة. من أين يبدأوا؟ أتى جو ذلك الاتصال الذي أنار الأمل أمام سراج مرة أخرى.
صدح هاتف چو. أجاب جو. ارتسمت ابتسامة نصر على وجه جو عندما أتاه صوت تلك المتهورة تستنجد به:
چو، الحقني، أنا عايزة أرجع مصر.
أجابها بمسايرة ومكر ثعبان:
نور، اهدئ يا حبيبتي، انتِ فين؟ انتِ هنا في فرنسا؟ انتِ فين وأنا أجيلك أنزلك مصر.
هتفت نور بغضب:
فرنسا إيه؟ إحنا سافرنا كندا.
أجابها چو بتعجب:
كندا ليه؟
أجابته بتهور:
علشان الثأر.
ثم صمتت فجأة بعد أن علمت بفداحة ما نطقت به. ارتجف صوتها وهي تسأله:
هتعرف ترجعني مصر عند جدي يا چو؟
أجابها بتسويف:
حاضر، بس قوليلي العنوان. إحنا في بيت صاحب بابا، عنوانه...
أنهى چو مكالمة وقص كل ما حدث على سراج وسعد. صرخ سراج بغضب:
أنا لازم أسافر كندا النهارده.
انقضى اليوم على الجميع، وتلك الليلة، والكل ينتظر صباحًا جديدًا يحمل له الأمل. أمل سلطان في التصالح ونهاية الثأر، وأمل چو أن يكون البطل المغوار وهو بعيد نور إلى بيت جدها ويدخل مصر وعائلة الهلالي من أوسع أبوابها. وها هو رجل العائلة الصغير يقف أمام البيت الذي أعطاه جده عنوانه في كندا. سبق سراج في الوصول إلى عمه.
فتح جلال باب منزله في كندا، وجد أمامه شابًا ذا بنية جسدية رائعة بلون حنطي وأعين واسعة وجميلة، وسماحة وجه المصريين ترتسم على وجهه. عرفه من الشبه بينه وبين أمه وأبيه أنه رحيم مهران الهلالي. هتف جلال بفرحة غامرة قلبه وكأنه عاد إلى أهله عندما أبصر ابن أخيه الذي تركه في التاسعة من عمره، ليأتي هو له بعد عشرين عامًا. رحيم ابتسم رحيم لعمه بسماحة ولهفة وهو يسلم على عمه:
أيوا يا عمي.
اجتذبه جلال يحتضنه بشوق. قطع سلامه عندما صرخت زهرة:
نور رجعت مصر يا بابا.
هرول جلال ورحيم إلى مصدر الصرخة. تساءل جلال بقلق:
نور فين يا زهرة؟
أجابته زهرة وهي تعطيه ورقة تركتها نور فحواها:
أنا راجعة مصر مع چو.
وكأن الدنيا لن تترك هذا الحزين يفرح حتى ولو لدقائق. بإيدٍ مرتعشة اتصل بابنته:
انتي فين يا نور؟
أجابته:
أنا في المطار مستنية چو، هرجع معاه مصر يا بابا، هروح لجدى، أنا مش هفضل هربانة معاك.
هتف فيها أبوها برجاء:
خليكي عندك، أنا هاجي آخدك. جدك بعت اللي ياخدنا يا نور.
أجابته بعند:
لأ يا بابا، أنا اللي هنزل مصر ومع چو.
مينفعش يا بنتي، مصر مش فرنسا. هتقولي إيه لجدك؟
أجابته بتسويف، بينما عزمت أمرها:
خلاص يا بابا، هسافر لوحدي.
ثم أغلقت الهاتف. وقفت في صالة المطار، وفي يدها تذكرتها طيران تنتظر وصول چو الذي حضر منذ ساعة مع سراج وسعد. أعطى لسعد عنوان جلال الذي أخذه من نور وهي تهاتفه وقال:
أنا كده برا الموضوع ده، أنا هرجع مع نور مصر، وأنتم أحرار في موضوع الثأر ده.
هم أن ينصرف لولا كلمات سعد:
وهتقول لسلطان إيه وانت راجع مع بنت ابنه؟
ضحك چو وهتف ببساطة:
هقول له صديق، وخوفت عليها تنزل مصر لوحدها، جيت معاها شهامة.
ضحك سعد بخبث، فهو لا يريد أن يعود چو لمصر، فهو خطر عليه أن علم أحد بهويته.
وتفتكر كلام خايب زي ده هيدخل على سلطان الهلالي؟ ده أول ما هيشوفك هيجيب كل حاجة عنك. هتعمل إيه لما يعرف أصلك وفصلك؟ إحنا مش قد مواجهة دلوقتي. قولتلك استنى وخليك معايا.
توجس چو القلق من كلام أبيه، ووجد فيه بعض العقل. تساءل بعد برهة من التفكير:
طيب، ونور؟
اتحجج لها بأي حجة، وهي هتصدقك. انتظرته وانتظرت حتى جاء نداء الأخير على طائرتها المتجهة إلى القاهرة. حسنًا، لن تنتظره، ستعود، وليكن ما يكن. استقلت الطائرة بقلب يخفق من شدة الخوف، كيف ستصل إلى بيت جدها.
وصل جلال ورحيم إلى المطار، ولكن بعد فوات الأوان، فها هي طائرة ابنته تغادر إلى القاهرة. اتصل رحيم على جده يخبره بكل ما حدث. أجابه سلطان بطمأنينة:
اهدئ يا ولدي، أنا هبعت سليم ياخدها من المطار.
هتف جلال:
هو هيعرفها إزاي يا بوي؟
أجابه سلطان مطمئنًا:
هيعرفها يا ولدي.
لا يعلم كيف ترك المحصول الذي بحصده، وكيف قاد السيارة بتلك الملابس المتسخة التي لم ينتبه لها حين هاتفه جده على أن يسرع ليحضر نور ابنة عمه من المطار. كيف حضرت؟ ما سر عودتها دون أبيها؟ ما وكيف؟ وهل كلها أسئلة عصفت برأسه وهو يقطع كل تلك المسافة من الصعيد إلى القاهرة، وكأنه يطوي الأرض تحت إطارات سيارته. وقف بقلب لهيف ينتظر خروجها من المطار. أبصرها تخرج بهيبتها التي تخطف الأنفاس. صرخ قلبه: هي، نعم هي، ذات سلاسل الذهب التي تزين رأسها، وورقة عينيها التي يغرق فيها. هل يذهب لها؟ هل يحتضنها؟ هل يخبرها أنه هو سليم؟
وضعت الهاتف على أذنها عندما اتصل بها أبوها يخبرها أن جدها سيبعث لها من يأخذها من المطار. وقفت تنظر إلى من ينتظرها. تلاقت زرقاوتها مع ليل عينيه. كل منهما عرف الآخر. صرخ قلبها: نعم، هو، هو ذلك الخائن الذي وعدها أنه لن يتركها وسوف يعيدها مرة أخرى. نعم، كاذب، ولن تعيره أي انتباه. سوف تنتقم منه. هو أول خطوات انتقامها ستبدأ الآن، وهي التجاهل.
أقرب عليها بلهفة وفرحة وهو يهتف:
نور.
أجابته بتعالى:
إنت الشوفير؟
رواية ارغمت على عشقك الفصل الرابع 4 - بقلم هيام شطا
أقبل عليها بفرحة ولهفة ظهرت في صوته وهو يهتف:
"نور..."
أجابته بتعالٍ:
"أنت الشوفير."
صدمة ألجمت لسانه وشلت كل حركة بجسده. وقف وكأن أجداده الفراعنة قاموا بتحنيطه. تخطته بكل ثقة وغرور وهي تجر حقيبتها في يدها.
لم يخرجه من حالة السكون والصدمة إلا هتافها عليه بتعالٍ وهي تقف أمام باب السيارة:
"أنت أنت، ياااا! أنا هفضل واقفة كتير."
انتبه على حاله إليها وهو يمسح على وجهه بعنف، بينما تملك منه الغضب منها ومن لسانها السليط. علمت أنها تمادت، ولكنها شعرت بنصرها عليه عندما لاحظت غضبه في احمرار عينيه وخطواته الغاضبة التي لحقت بها. إليها. ظلت على وقفتها وهي تنظر له ولباب السيارة المغلق.
أشارت على باب السيارة بعينيها. اقترب من باب السيارة وفتحه لها، وأخذ منها حقيبتها ورماها بإهمال في السيارة من الخلف. أغلق باب السيارة بعنف، كاد أن يقلعه من مكانه وهو يسب ويلعن فيها بجميع السبَابات الذي عرفها.
ابتسامة نصر رسمت على وجهها وشعرت بالرضا وهي ترى كم هو يحترق منها ومن تجاهلها له.
في الصعيد.
عزم أمره وتوكل على الله. فيكفي عداء بينه وبين أخيه. سيلبي طلب أخيه ويضع يده بيد أخيه ويبحث معه على من قتل ابنه. يقال إن القوة في الجماعة، وها هي الفرصة، فلما لا يجتمع هو وأهله ليبحث عن من غدر بابنه؟ وأولى خطواته ستكون لأخته. ذهب إلى بيت أخته. راضية رحبت الأخت بأخيها بحفاوة المشتاق للغائب. هتفت بفرحة:
"جاد، أهلين يا خوي. الدوار نور منور بأهله يا غالية."
احتضنها بشوق وحب جارف، ثم سألها على زهران:
"أمال زهران وفضل فين يا راضية؟"
وقبل أن تجيب، أتاه صوت فضل:
"موجودين يا خال."
أقبل فضل يسلم على خاله بترحاب وحفاوة. وبعد فضل، دلف إليه زهران وهو يهتف بفرحة:
"الحاج جاد عندنا، يا مرحبا! وأنا بأقول البيت فج نوره ليه."
"البيت منور بأهله يا أبو فضل."
بعد السلام والتحيات، جلس جاد مع فضل وزهران وتحدث بجدية:
"دلوك يا زهران، أنا جاي أخبرك عن أمر مهم، وجلت مينفعش آخد الخطوة دي إلا أما أرجع لك."
سمعت راضية حديث أخيها وهمت بالانصراف ظناً منها أنهم يتحدثون في أمور العمل.
"طيب يا جماعة، أهملكو أنا لمصالكو."
وقبل أن تذهب، تحدث جاد:
"استني يا راضية، الكلام ده لازم تحضريه."
توجست راضية خيفه، ولكن قلبها قفز من السعادة حين أكمل جاد حديثه:
"سلطان أخوك جالي عشية يطلب الصلح يا خيتي، وأنا جلت له ربك يقدم الخير، وجيت أشاوركوا."
"علشان الأمر ده بينا إحنا التلاتة."
"مسامح يا زهران في حق بنتك." ثم أكمل بقسم:
"الله وكيل يا زهران، أنا أضمن سلطان وجلال ولده برجبتي، ومتأكد مليون في المية أن أخوي وولده مالهمش دخل بقتل ولدي جابر. إحنا وجعنا في خيه يا زهران، وأنا عاوز أجيب بالصلح لجل ما أريح أخوي قبل ما حد فينا يواجه رب كريم، وكمان نحط يدنا في يد بعض، يمكن وإحنا التلاتة مع بعض نوصل لود الحرام اللي عمل معانا أكده."
صمت جاد بعد أن أخبر سلطان وراضية بكل شيء. أحست راضية أن قلبها سيقف من الفرحة. هل بعد عشرين عامًا هدأت نار العداء بين الأخوة؟ ولكنها توجست خيفة من رد زوجها، فهو يعادي سلطان منذ ذلك اليوم التي صرخت فيه نجيه وهي تقول إن عائلة سلطان الهلالي هم أكبر أعدائها. فهل سيقبل زوجها بالصلح؟
اعتدل زهران في جلسته، بينما هو مقتنع بكلام جاد، ولكن ماذا يفعل في أخته؟ هي أم يحترق قلبها على فلذة كبدها؟ تسأل زهران:
"طيب ونجية موافقة على الصلح ده يا جاد؟"
باغته زهران بسؤاله. انتصب جاد في وقفته وهو يقول:
"موافقة ولا مش موافقة، من امتى الحريم عندنا هي اللي بتجرر يا زهران؟"
هتفت راضية بتعقل:
"أرضيها يا خوي، واقنعها لجل ما نعيش في سلام."
استحسن زهران كلام زوجته، وأيضًا استحسنه جاد، وعزم على إقناع زوجته، وبشر أخاه أنه وافق على الصلح.
رفع الهاتف على أذنه وهو ينتظر سليم أن يجيب. رن هاتف سليم ووجد أن المتصل جده، أجابه بسرعة قبل أن تستيقظ نور بعد أن غفت في السيارة أثناء عودتها مع سليم.
"أيو يا جدي..."
تساءل الجد:
"بت عمك وصلت يا سليم؟"
"أيو يا جدي، هي معايا وأنا معاود بيها."
"اديني يا ولدي عاوز أتحدت وياها."
تنهد سليم عندما نظر إلى تلك الغافية بسلام وهو يقول:
"هي نايمة يا جدي، وأول ما تصحى هخليها تكلمك."
تساءل الجد مجددًا:
"وهي كيفها يا ولدي؟"
"بخير يا جدي."
أنهى سليم مكالمة جده وهو يتأمل تلك الغافية بسلام. تأمل شعرها الذي انساب حول وجهها وكأنه سلاسل من الذهب، وجهها الصبوح الجميل، بشرتها الحليبية، فمها المكتنز الذي طالته بلون وردي يشبه وجنتيها. إنها فتنة، وأي فتنة؟ فتنة تعبث وتبعثر مشاعر سليم الهلالي الذي لم يرضخ لأنثى إلا لها، ذات العينين التي يغرق في زرقاواتها. تململت في نومتها، جعله يفيق على نفسه، ولكنه ظل ينظر إليها. فتحت عيناها، وجدت تلك السوداويتين ينظران لها بحب وعتاب.
اعتدلت في جلستها وهي تفرك رقبتها وتقول:
"إحنا وصلنا ولا إيه؟"
اعتدل سليم في جلسته خلف مقود السيارة. أجابها ببرود اصطنعه حتى لا يفضح أمره بعد أن كان غارقًا في تأمل تلك الجميلة:
"لسه حوالي تلت ساعات، لو عاوزة تكملي نومك وما نوصل، هصحيك."
أجابته بود عكس ما كانت عليه حين وصلت إلى المطار:
"لاء، أنا عاوزة أشوف البلد واحنا داخلينها."
ثم ألقت عليه تعويذة حبها وهي تسأله:
"البيت القديم اللي في أول البلد لسه زي ما هو ولا اتهد؟"
أوقف السيارة بحده حتى أصدرت صريرًا دليلًا على حدة توقفها، والتفت لها وعيناه تحول ما بها لتصبح عاشقة، وسألها:
"إنتِ فاكرة البيت القديم اللي في أول البلد؟"
إجابته بشجن ظهر جليًا في صوتها:
"أنا أنسى كل حاجة إلا البيت ده. هو لسه زي ما هو؟"
هم ليجيبها، ولكنه تذكر ما نعتته به قبل قليل أنه مجرد شوفير. إذا كانت تراه شوفيرًا، فلماذا تتحدث معه بتلك البساطة والاريحية؟ هل تعلم من هو وتلعب معه؟ أم أنها أصبح هذا طبعها بعد أن تربت في أوروبا ونسيت عادات وتقاليد بلدها؟ وهنا تذكرها وهي تتمايل بين يدي جو. تحولت نظرته للغضب وهتف فيها بغضب:
"البيت زي ما هو، أنا رممته وجددته علشان أتجوز فيه."
أصابتها كلماته في قلبها. هل سيتزوج من غيرها؟ والأدهى في ذلك البيت؟ لا وألف لا، إلا هذا المنزل، ولن يتزوج من غيرها.
هتفت بنفس الغضب بينما استشرست ملامحها وتوهجت زرقة عينيها:
"تتجوز فيه إيه إن شاء الله؟ هو جدي إزاي يدي البيت للشوفير؟"
ما أن نطقت بآخر كلماتها حتى صرخ فيها بغضب بلهجته الصعيدية:
"شوفير؟ شوفير مين يا بت عمي! أنا سليم الهلالي، والبيت بيتي، أعمل فيه ما بدالي وأنا حر، أتزوج فيه، أولع فيه، أنا حر، البيت بيتي!"
"البيت مش بيتك يا سليم، البيت بيتنا احنا الاتنين، ولا ناسى؟" قالت كلماتها بصوت غاضب مماثل له. وصمتت، وصمت هو، ولكنه أخيرًا انتصر، كسر غرورها، أوقفها عند حدها، وفي نفس الوقت صرخ قلبه من الفرحة حين سألته عن المنزل. ذلك المنزل كانت تلعب فيه وهي صغيرة وتحبه، وكانت دائمًا ما تطلب من جدها وأبيها أن تعيش فيه، وكم طلبت من سليم ذلك الأمر. إذن هي تتذكر كل شيء، فلم تجاهلته إذن؟ هل تذكرت المنزل ونسيت صاحبه؟ كيف وهو من عاش مرغمًا على عشق فيروزاتها منذ أن أبصرها...
عاد رحيم مع عمه بعد أن اطمأن أن نور مع سليم وهي الآن بأمان. عاد إلى المنزل الذي استأجره له صديقه في كندا حين علم أنه أتى هو وأولاده. دلف إلى المنزل بقوى خائرة، فهو لم يرتاح إلا سويعات قليلة منذ أن حضر. هتف على زهرة وفريد:
"زهرة... فريد..."
خرج له فريد الذي كان ينهي ترتيب تلك الغرف:
"أيوه يا بابا. حضرتك جيت. فين نور؟"
أجابه جلال:
"نور نزلت مصر." ثم وضع يده على كتف رحيم وهو يقدمه لابنه:
"سلم على ابن عمك يا فريد، ده رحيم ابن عمك مهران."
مد فريد يده يسلم على رحيم، بينما رحيم جذبه إلى داخل أحضانه يحتضنه بشوق، فهو لم يره منذ أن كان عمره عام. قال بمزاح وهو يحتضنه:
"جري إيه يا فريد؟ أنت بتسلم عليا زي الغريب ليه؟ سلام الأخوات بيكون كدا."
احتضنه بمحبة، بينما فريد تعجب من ود رحيم له، فهو لم ير ذلك الجبر أو الود إلا من أبيه وأخواته زهرة ونور، ومن أمه قبل أن تتوفاها الله وتتركهم منذ خمس سنوات.
سأل جلال فريد:
"فين زهرة يا فريد؟"
أجابته:
"نزلت تشتري شوية حاجات من الماركت يا بابا."
انزعج جلال وهو يقول:
"وهي عارفة هنا إيه يا ابني؟"
"لأ يا بابا، هي خرجت مع طنط ماتيلدا وزمانها راجعة."
"يعني إيه يا خالي؟ يعني جو مش عارف مكان جلال؟" هكذا هتف سراج في سعد بغضب. أجابه سعد بتوتر:
"لأ لأ يا سراج، هو راح العنوان اللي نور قالت عليه، وما كانش صح. هو بس هيكلمها تاني، وإن شاء الله العنوان هيكون معانا النهاردة."
زفر سراج بضيق، فهو شعر بأن چو يلعب معه لعبة القط والفأر. هو لم يأمن له، ولكن لا حيلة له، مضطر أن ينتظر حتى يعرف أين يختبئ جلال الهلالي ويأخذ بثأر أبيه.
"أنا بحذرك يا چو، بطل ملاوعة وهات العنوان الصح بتاع جلال." أجاب جو بلا مبالاة:
"لأ."
هتف سعد بغضب:
"لأ إيه؟ هو لعب عيال؟ أنا عملت لك كل حاجة أنت طلبتها."
"مش كل حاجة."
صاح سعد فيه بغضب:
"والشركة اللي في إيطاليا؟"
"بس نور راحت من إيدي."
سأله سعد بغضب:
"والمطلوب؟"
أجابه چو باستفزاز:
"أجي معاك مصر، وتاخدني الصعيد وتعرفني على كل أهلك، وتقول لهم إني ابنك."
حسنًا، لقد عرف جو من أين يأكل الكتف. حاول سعد راشد تهدئة نفسه. يعلم أن ابنه داهية وسيصل لما يريد، لذلك قال له بمهادنة:
"تمام يا چو، نخلص موضوع جلال وتنزل معايا مصر، وهعمل لك اللي عاوزه."
ابتسم چو بنصر، فها هو يصل إلى ما يريد.
"العنوان يا چو!" هتف سعد بغضب.
"اكتب العنوان هو،،،،،،،،،،,,,,,."
خطى داخل ذلك المتجر الكبير ينتقي بعض الأغراض كي يشغل باله عن التفكير قليلًا، فقد أرهقه التفكير والبحث عن جلال الهلالي. يريد أن يعثر عليه ليقتله ويهدأ نار قلبه الذي يحترق منذ عشرين عامًا حين وجدوا أبيه صريعًا في منزل عمه. بذهن شارد، أكمل السير في ذلك المتجر إلى أن ارتطم أثناء سيره بتلك التي صرخت وأخرجته صوتها العذب من شروده:
"اااااه! مش تفتح ياعمي."
نظر بغضب وأيضًا دهشة من تلك التي سبته الآن. هل هي مصرية؟ نظر لها بدهشة ممزوجة بالغضب وهو يقول:
"آسف يا آنسة."
بادلته نفس الدهشة وهي تهتف فيه:
"آسف... أنت مصري؟"
ابتسم على عفويتها وهو يومئ برأسه لها:
"أيوه... مصري."
بسطت يدها له بكل مودة وكأنها تعرفه منذ أن ولدت:
"أنا كمان مصرية يا دنيا، صغيرة قوي."
ابتسم لها بوقار وهدوء وهو يصافحها:
"أيوه فعلاً صغيرة، إني أقابل مصرية هنا في كندا."
أجابته بنفس المرح:
"ده من حظي الحلو علشان أقابل المصريين."
نظر لها بدهشة من حديثها، وياليته ما دقق النظر لها. من تلك الفاتنة خمرية اللون زرقاء العينين. تاه في صفاء موج عينيها ونسي أنه يطبق على كفها الصغير. نسي كل شيء إلا جمال عينيها التي سحرته ولون بشرتها الذي أذاب قلبه. سحبت يدها برفق من يده. أفاق على نفسه وهو يجلي صوته ويسألها:
"ليه؟ هو انتِ مش مصرية؟"
أجابته بتأكيد:
"أيوه طبعًا مصرية، بس عايشين في أوروبا من عشرين سنة وكل شوية في بلد."
تعجب وسألها:
"ليه مش مستقرين في بلد واحدة؟"
كادت الكلمات أن تخرج من فمها وهي تهتف بتسرع:
"أصل بابا عل..."
أوقفت الكلمات في فمها، فهي كادت أن تخبر غريبًا أن أباها يهرب من ثأر عليه. أجابته بشيء من التوتر:
"إحنا بنتنقل حسب شغل بابا."
همت أن تتركه وتمشي:
"فرصة سعيدة يا أستاذ."
أكمل هو:
"سراج."
أومأت له وهي تبتسم. سألها قبل أن تمشي:
"وأنتِ؟"
"زهرة."
حدث نفسه: هو زهرة؟ أنه اسم على مسمى، وأي زهرة؟ إنها أجمل الزهور.
بقلب يقفز من الفرحة، خطى إلى بيت خاله بعد أن بشر خاله جاد بأن الصلح قريب، وها هو يطلب من أمل أن تأتي لمقابلته في مكانهم الذي يلتقون فيه.
انتظرها حتى لمح طيفها تأتي من بعيد. هم إليها بقلب يتراقص فرحًا وهو يطبق على يدها:
"أخيرًا أخيرًا يا أمل! ربنا بعت لنا فرجة."
سألته أمل بلهفة:
"خير يا فضل؟"
أجابها بفرحة:
"خلاص خلاص يا أملي، خالي جاد وسلطان هيتصالحوا والتار هينتهي، وجيب أمي وأبوي وكل الرواشد لجل ما نطلب جمر الهلايل."
تخضبت وجنتيها باللون الأحمر الذي امتزج بسمارها لتصبح أكثر فتنة. فتنت فضل راشد وأرغم على عشقها ولم يعشق غيرها، فللقلب سلطان على صاحبه، لن تجرؤ على تخطيه. اقترب منها وهمس بجوار أذنها بشوق:
"بعشقك يا أملي."
هتفت بخجل:
"فضل..."
أذابه دلالها عليه، هتف بعشق جلب فضل وروحه.
صرخت نجيه بغضب:
"لو خرج منها لحرق الأخضر واليابس."
"على جثتي إن يبقى فيه صلح بين اللي قتلوا ولدي."
هدر فيها جاد بغضب:
"وضعف غضبها."
"وأنا وافقت خلاص يا نجيه، هيبجي فيه صلح ونسب بيني وبين أخوي، وده آخر كلام بيناتنا، وكلمتي مرجعش فيها يا نجيه."
"ودم ولدي يا جاد؟"
"أخوي وولده بريئ منه."
وصل سليم ونور أخيرًا إلى مدخل البلد. انتبهت نور إلى ذلك المنزل الذي كان على أطراف البلدة، فكم أحبته ولعبت فيه مع سليم ورحيم وأيضًا سراج. هتفت في سليم بصوت ملأه الحنين إلى الطفولة البريئة:
"لو سمحت، عاوزة أشوف البيت."
أومأ لها سليم وهو يقف أمام ذلك البيت. ولدهشتها، لم يعد البيت قديمًا كما كانت تلهو فيه. تجولت في المنزل بفرحة، بينما كان سليم في عالم وثانٍ وهو ينظر لفرحتها بالعودة إلى البيت وإلى مصر. هي تتذكر ذلك البيت؟ صرخ قلبه من الفرحة. إذن هي تتذكر كل شيء؟ هل تتذكر اهتمامه بها؟ هل تتذكر وعده لها؟ إذن لماذا عرفت غيره؟ غصة ملأت حلقه وقلبه وهو يتذكرها وهي تلهو وتتمايل بين يدي غيره. هل تذكرت البيت ونسيت سليم؟
انتبه على صوتها وهي تسأله بنبرة ناعمة ملأها الحنين:
"الله، البيت بقى جميل. مين جهزه كدا يا سليم؟"
أجابها بغضب بعد أن تذكر تعاليه عليه، وهي تنعته بالشوفير، وأيضًا يتذكر تمايلها مع چو:
"أنا، أنا اللي جهزته كدا علشان أتزوج فيه."
نزلت كلماته عليها كأنها صاعقة. هل عادت له كي يتركها ويتزوج غيرها؟
رواية ارغمت على عشقك الفصل الخامس 5 - بقلم هيام شطا
بخُطى غاضبة تخطته وهى تخرج خارج البيت مثل العاصفة.
تضرب قُدماها الأرض بغضب.
فتحت باب السيارة وجلست بجواره.
أتى خلفها بخُطى واثقة وابتسامة مُنتصرة رسمت على وجهه حين رأى غضبها.
حين أخبرها أنه جهز المنزل لكى يتزوج فيه.
حينها لمح النار التى اشتعلت فى عينيها ممزوجة بالغضب من كلماته.
صاح قلبه بعشقها وتساءل: هل تغار أو تهتم؟
بخطى واثقة خطى خلفها وجلس فى السيارة خلف مقودها.
نظر لها وسألها بتسلية:
"إيه يا جناب الكونتيسة؟ هتتكرمى على الشوفير وتِقعدي جارة؟"
نظرت له بغضب وهى تقول:
"أقعد زي ما أنا عاوزة، مالكش دعوة بيا، أنا حرة."
أجابها بلامبالاة اصطنعها فى صوته:
"براحتك."
ثم اقترب منها ومال عليها حتى لفحت أنفاسه صفحة وجهها.
"إنت اتجننت إيه؟"
وقبل أن تكمل كلماتها هتف هو بتسلية:
"أنا بربط لك حزام الأمان، أصل الطريق من هنا للبيت وعرة يا بنت عمي، مش هتستحمليها."
ثم غمز لها بوقاحة.
طرقات خفيفة رقيقة على باب منزل جلال الهلالي في كندا تدل على رقة ونعومة صاحبتها.
هتف فريد من داخل المطبخ حيث وقف هو وأبيه يعدون طعام العشاء، بينما جلس رحيم يستريح من رحلة سفره قليلاً قبل العشاء.
سمع رحيم تلك الطرقات.
سبقه صوت فريد: "أيو يا زهرة حاضر."
هم رحيم وهو يشير إلى فريد أن يعود: "هفتح أنا."
فتح رحيم الباب.
قابل زرقاوتين مبتسمة بود ومحبة تحمل في يدها العديد من الحقائب.
هتفت بحب: "رحيم؟ أنت أكيد رحيم."
فاق على صوتها العذب وتحدث بتلبك: "أيوه أنا."
مدت يدها ببعض تلك الأكياس التي تحملها.
حملها عنها وهو ما زال مندهش ممن تعرفه وتحدثه بكل تلك الود.
مال قليلاً يفسح لها الطريق حين خطت داخل منزلها وهى تبتسم وتكمل حديثها:
"أنا زهرة بنت عمك."
نظر لها وما زال لا يتحدث، لا يعلم ماذا أصاب لسانه، هل عقد عن الحديث أم أصابه الصمم.
وضعت ما تحمله في المطبخ بجوار فريد وأبيها وعادت تحمل ما في يده وهى تتحدث بنفس البساطة والتلقائية:
"أنا قابلتك أول ما جيت ساعة موضوع نور."
هنا تذكرها حين وصل حيث أخبرت أباها أن نور غادرت المنزل.
لم ينتبه لها وقتها.
قال بقليل من الحرج وهو يجلي صوته:
"أيوه افتكرت، معلش يا زهرة وقتها."
أعفته هي من الحرج حين هتفت بود:
"لأ أبداً مفيش حاجة، إحنا اللي لازم نعتذر، يعني من وقت ما أنت جيت وشغلناك معانا بمشاكلنا، ولا شغلتوني ولا حاجة، أنا جاية أصلاً علشان أحل كل مشاكلكم."
"يعني ده سببي وجودي."
هتفت بصوت به لمحة من الحزن:
"يا ريت كل مشاكلنا تتحل."
ثم عادت لصوتها المرح مرة أخرى وهى تقول:
"بعد إذنك أنا هدخل أكمل الطبيخ، أصل بابا وفريد بيعملوا جريمة في المطبخ."
أكملت زهرة إعداد الطعام وجلسوا يتناولونه.
أعجب رحيم بمهارتها في طهو الطعام وزاد إعجابه بطعامها المصري.
سألته بود حين رأته يتناول طعامه:
"يارب الأكل يكون عجبك."
أجابها بصدق: "الأكل جميل، تسلم إيدك، إنتِ بتعرفي تطبخي الأكل المصري؟ مين علمك؟"
"الإنترنت هو الأستاذ اللي علمني."
تحدث فريد ممازحاً لها:
"الحمد لله يا زهرة لقيتي حد يمدح طبيخك."
نظرت له بغضب مصطنع وهى تقول:
"أنا شيف يا ابني، بس محدش مقدر مواهبتي."
"أيوه شيف علينا، بس الحمد لله إننا مجاناش تسمم."
تحدث جلال لينهي مزح أبنائه:
"خلاص يا زهرة، إنتِ أحسن شيف، خلاص يا فريد، إحنا من غير الشيف زهرة نموت من الجوع."
هتفت زهرة بغرور مصطنع:
"أيوه كدا."
أضاف رحيم بهدوء بينما كان طعامها شهي:
"لأ فعلاً طبيخك حلو، تسلم إيدك."
ثم ضرب سؤال في رأسه وهم يتحدثون.
هتف بتساؤل:
"مين جو اللي نور كانت هتنزل مصر معاه يا عمي؟"
صمت الجميع من سؤال رحيم المفاجئ، بينما كان عقله يفكر في كافة الاحتمالات.
من يكون جو هذا الذي تأمنه ابنة عمه أن تعود معه مصر؟
أجابته زهرة ببراءة:
"ده صديق نور، وعلى فكرة باباه مصري."
تمعن رحيم في الكلمات وهتف رحيم بتساؤل:
"وهو مقيم في مصر؟"
"لأ، عمره ما راح هناك."
توجس رحيم خيفة من هذا الجو، وظل عقله يفكر، أيعقل أن يكون جو هذا له علاقة بعائلة الرواشد؟
وصل سليم ونور، وها هي بوابة ذلك القصر المهيب تفتح أمامها.
كم تمنت العودة إلى هذا القصر، وكم عانت عندما تركته هي وأهلها دون ذنب.
لمعت الدموع في عينيها وهي تسأل سليم بشجن وهي تتخلى عن غضبها تجاهه.
سليم نظر إليها، وجد تلك الطبقة من الدموع تهدد بالنزول.
"سليم، قولي إني مش بحلم وإني رجعت تاني."
تمزق قلبه عليها.
أجابها بقلب عاشق تخلى هو أيضاً عن كبريائه وسوء ظنه بها:
"إنتِ رجعتي تاني يا نوري عشان تنوري دنيتي."
نزلت تلك الدمعة على وجنتها، مسحها لها وهو يقول بحب:
"خلاص مفيش دموع يا نور."
قبض على يدها وهو يأخذ بيدها وينزلها من السيارة.
فتح باب القصر ودلف بها وهو يحتضن كفها بين يديه.
وجد جدته حميدة وجده يجلسون في بهو المنزل وأمه رقية.
حين أبصرت رقية من دخل عليهم هتفت بفرحة:
"سليم، حمد الله على السلامة يا حبيبي."
وقف وما زالت يده بيد نور، قال بفرحة حين التفت له جده وجدته:
"مفيش حمد الله على السلامة يا نور؟"
نظرت رقية له بفرحة حين لمحت تلك اللمعة في عين ولدها وهتفت بفرحة وهي تحتضن نور:
"ألف مليون حمد الله على السلامة يا غالية يا بنت الغالية."
غابت رقية في عناق نور، بينما أخيراً شعرت نور بذلك الحنان والدفء داخل أحضان زوجة عمها، أمها الثانية رقية.
هتفت الجدة بفرحة:
"وه هملي نور يا رجيه، تيجي في حضن جدتها."
تركت نور حضن زوجة عمها لترتمي بحضن جدتها، وبعده جدها.
وبعد طول السلام جلسوا.
تحدثت حميدة بشوق فاض لإبنها، فهي تحتضن شيئاً منه، حبيبها الغائب كما يقولون.
سألتها بقلب أم احترقت على فراق ولدها:
"كيفه جلال يا نور؟"
أجابتها بمحبة وهي ما زالت تحتضنها وهي جالسة:
"كويس يا تيته، ونفسه يرجع مصر."
أجابها سلطان بأمل:
"إن شاء الله يا حبيبتي ترجعوا كلكم تاني وربنا يلم شملنا."
هتفت رقية حتى تغير حديث الحزن:
"جرى إيه يا جماعة؟ الوكل جاهز زمان، نور جعانة."
جذبتها من يدها وهي تدفعها إلى طاولة الطعام وهى تهتف بمحبة:
"أنا عملالك أكل، هتاكلي صوابعك وراه يا جلبى."
انتهى العشاء، وأيضاً انقضى النهار، وقلب سلطان كاد أن يقف من الخوف ألا يقبل جاد بالصلح، ولكن ما بيده حيلة، وما عليه إلا الانتظار.
بعد العشاء اصطحبت أمل نور بعد أن سلمت عليها بشوق ولهفة، لم تقل عن شوق ولهفة عائلتها.
اصطحبتها إلى غرفتها التي كانت مقابلة لغرفة سليم.
الذي صعد خلفهم بحقائب نور.
دلف أمل إلى الغرفة وهي تقول:
"الأوضة نورت والبيت كله يا جلب عمتك."
هتفت نور بمشاكسة:
"عمتي إيه يا أمولة؟ ده إحنا قد بعض، بتكبري نفسك ليه؟"
قبلتها أمل وهي تقول بمحبة:
"آه يا بكاشة، إنتِ هتقوليلي كيف سليم."
وعلى ذكره دلف إلى الغرفة وهو يقول بمرح:
"أنا سامع حد جاب سيرتي."
إجابته أمل بمحبة:
"أهو جه البكاش اللي زيك."
ضحكت نور بقهقهة أنارت وجهها.
نظر لها سليم ببلاهة.
وهتفت أمل: "يارب الأوضة تعجبك يا حبيبتي."
"دي جميلة قوي يا أمولة."
وضع سليم الحقائب، وسرقته أمل ليتركوا نور لتنال قسط من الراحة بعد رحلة العودة المرهقة، ولكنها تعشق عودتها.
قبل أن يغلق سليم الباب عليها، أشار لها لتقترب منه.
اقتربت منه وهي تتساءل:
"فيه حاجة يا سليم؟"
همس بجوار أذنها بكلمات قلبه العاشق الذي لم يستطع أن يبقى على جفائه:
"نورتي ضلمة جلبى يا نوري."
"هتفت نجيه بغضب لجاد: "خارج ورايح فين يا جاد؟"
نظر لها بغضب: "إنتِ خابرة أنا رايح فين يا نجيه."
"أنا مش موافقة على الصلح يا جاد، ولا ههدي ولا يطفي نار جلبى إلا أما آخد بتار ابني."
هتف جاد بغضب: "مش أخويا اللي جتل ولدي، وأنا خلاص وافقت على الدية والصلح يا نجية."
"يعني إيه؟"
"يعني خلاص أنا نهيت الموضوع ده، وبنت جلال هجوزها لسراج، وسلمى هتتجوز ابن مهران."
صرخت نجيه: "على جثتي."
أجابها جاد بحسم: "وأنا مش هرجع في كلمتي."
أخذت تدور في بيتها بغضب جحيمي.
هل ما سمعته منذ قليل في بيت ابنة عمها نجيه حقيقة؟
هل سينتهي العداء بين عائلة الهلالي؟
التقطت الهاتف لتجري اتصالها مع أخيها، وبعد برهة أجابها.
"أيوه يا انتصار."
هتفت بغضب: "الحق يا سعد، الهلايلة هيتصلحوا وخلاص، التار هينتهي ويرجعوا حبايب."
انتفض سعد راشد من مكانه وهو يسألها بصدمة:
"إيه اللي بتقوليه ده يا انتصار؟ مين اللي قال كدا؟"
"كل البلد بتتكلم يا خوي، وسلطان طلب الصلح من جاد، وجاد وافق."
هتف بغضب وكره: "على جثتي إن الصلح ده يتم، لازم سراج يقتل جلال الليلة قبل الصبح."
خرج من بيته قاصد بيت أخيه لكي يخبره أنه وافق على الصلح وإنهاء العداء ووقف بحر الدم بين الأخوة.
وأخيراً صاح الغفير الواقف على باب سلطان الهلالي:
"الحاج جاد بره يا حاج سلطان."
تهلل وجه سلطان بالفرحة، لقد جاء أخيه ولم يرد طلبه.
دلف جاد إلى سلطان، احتضنه سلطان بمحبة وأجلسه بجواره.
قال جاد: "أنا موافق على الصلح والدية يا خوي."
التقطت هاتفها بكره وغل وقلب أم محترق على ابنها وهي تهاتف حفيدها.
"أيوه يا سراج، وصلت لجلال الهلالي؟"
أجابها سراج بثقة: "الليلة إن شاء الله يا جدتي."
سألته بلهفة: "الليلة؟ هتفي نار جلبى يا ولدي."
أجابها: "أيوه يا جدتي."
رواية ارغمت على عشقك الفصل السادس 6 - بقلم هيام شطا
دلف إلى غرفته فهو منهك القوى بعد أن أتى بنور إلى الصعيد. يكاد لا يصدق أنها أصبحت معه تحت سقف بيته، هي كما هي بل ازدادت فتنة وأنوثة وجمال.
يتذكر آخر مرة رآها فيها عندما كان في الثالثة والعشرين، عندما أنهى تعليمه الجامعي وقرر السفر لكي يطمئن على عمه خفية مع أبيه. وقتها رفض جده ولكنه ألح عليه في الذهاب. وبالفعل ذهب مع أبيه.
عندما وصلوا إلى بيت عمه في فرنسا، وقعت عيناه على حوريته التي سرقت قلبه منذ أن ولدت. بموج عينيها الأزرق، ازدادت فتنته بها. وجدها جميلة تلمع عيناها بشراستها كما عهدها. أعطاها يومها عهدًا بأنه سيعيدها إلى مصر مرة أخرى.
ولكن ما كل ما يتمناه المرء يدركه. ها هو جده تثور ثورته حين أصر سليم على عودة نور ويمنع أي أحد من السفر مرة أخرى إلى عمه، خشية أن يعرف مكانه عائلة أخيه أو عائلة راشد.
فاق من شروده ووقف أمام المرآة يتطلع إلى هيئته غير المهندمة، ملابسه المتسخة. ضحك بسخرية وهو يقول:
"والله كتر خيرها أنها فكرتني. السواق مش حاجة أنيل من كده."
ثم ضحك ودلف إلى حمام غرفته ليستحم ويزيل آثار تعب هذا الطريق الطويل. وأخيرًا سينام قرير العين.
***
بعد أن انتهى رحيم من الطعام، أعدت لهم زهرة القهوة وهم جالسون. بينما عقل رحيم يعمل كآلة في كل اتجاه ويتوقع كل شيء بحكم عمله في التجارة وبحكم معرفته لعائلة راشد، فهو لا يأمنهم أبدًا ويتوقع منهم ومن سراج أي شيء.
انتشله جلال من تفكيره حين سأله:
"مالك يارحيم سرحان في إيه يا ابني؟"
أجاب بشيء من القلق:
"قلقان يا عمي من اللي اسمه جو ده."
ثم أكمل بشرح:
"ليه يجي ورا نور من فرنسا لكندا؟"
أجابته زهرة ببراءة:
"أصله بست فريند نوى وبيعمل لها كل حاجة."
سألها مجددًا:
"ليه هو مش بيشتغل وفاضي لنور؟"
"لأ، هو عنده شركة كبيرة في إيطاليا." أجابت زهرة أيضًا بكل براءة. "واتعرف على نور بسبب شغله مع شركة نور في فرنسا."
ازداد قلق رحيم بعد حديث زهرة وضرب رأسه ألف سؤال وسؤال. إن كان رجل أعمال صاحب شركات، فلماذا يشغل باله بأين تذهب صديقته أو أين تريد أن تنزل؟ ولماذا يسافر خلفها ويهتم بها كل هذا الاهتمام؟
هب من مكانه ووقف وهو يهتف بقلق:
"عمي، إحنا لازم ما نبيتش هنا الليلة."
"إيه يا ابني؟" تساءل جلال بقلق. "ليه يا ابني؟"
أجابه رحيم بتوجس:
"أنا مش مطمن لجو ده يا عمي."
استشعر جلال القلق. أيعقل أن يكون جو له علاقة بعمه أو بعائلة راشد؟ ولكن لا بأس، ليطيع ابن أخيه وينصت إليه.
"خلاص يا ابني، اللي اللي تشوفه."
أومأ رحيم وهو يقول لعمه:
"يلا يا زهرة إنتي وفريد لموا حاجتكم المهمة ليوم ولا اتنين. كدا كدا هتنزلوا مصر قريب جدًا، بس هنبات النهاردة في أي أوتيل لغاية اتصال جدك."
"طيب وباقي حاجاتنا يابابا؟" أجابها فريد حين لمح ذلك القلق الذي يعرفه جيدًا بدأ يرسم في وجه أبيه.
"نيجي ناخدها أنا وانتي وقت تاني يا زهرة."
خرج رحيم بأسرة عمه. بينما صدق حدثه. وما هي إلا سويعات قليلة وكان سعد وسراج يدلفان خفية إلى منزل جلال الهلالي بعد أن قام سعد بكسر مفتاح المنزل. هرول سراج بقلب يكاد يقذف من مكانه من الفرحة إلى الداخل يبحث مثل المجنون عن جلال الهلالي، ولكن كان البيت فارغًا خاليًا من أي شخص.
استعر الغضب في صوت سراج وهو يصرخ في سعد:
"راشد هو فين جلال يا خالي؟ البيت فاضي مفهوش صريخ ابن يومين."
ارتسم الذعر على وجه سعد وهو يبحث مثله مثل سراج في أنحاء المنزل. ولكن الواضح على المنزل أنه كان به أشخاص من أكواب القهوة المتروكة كما هي، وواضح أن أشخاص تركوها كما هي وليس من مدة طويلة.
أخرج سعد هاتفه وقبل أن يجيب عليه جو، صرخ فيه سعد بغضب جحيمي:
"إنت يا زفت إيه العنوان الصح بدل ما أجي أفرغ المسدس في دماغك!"
أجابه جو بغضب:
"العنوان أنا ادتهولك صح."
هتف سعد بغضب:
"صح إيه؟ البيت فاضي ومفهوش حد."
"وأنا مالي فاضي ولا مليان. أنا عملت اللي عليا. شوف مين عرف إنكم هنا وهرب جلال منكم."
نعم، هذا ما حدث وهذا هو الحل المنطقي لحال البيت. البيت فيه بواقي طعام وأيضًا طعام مصري وأكواب القهوة الموضوعة على تلك الطاولة في غرفة المعيشة. إذن هناك شخص حذرهم. ولكن من هذا الشخص؟
صرخ سراج بغضب في سعد بعد أن استمع إلى حواره مع جو، فقد هرب منه جلال الهلالي وفقد الأمل في الأخذ بثأر أبيه.
هتف سعد بعد قليل أثناء دلوفه إلى حجرة النوم:
"سراج، هدمهم هنا. يمكن هما بره وهيرجعوا كمان شوية أو بكرة الصبح نستناهم، أما حد يظهر منهم."
تجدد الأمل عند سراج وها هو ينتظر في سيارة سعد أمام منزل جلال الهلالي.
***
انقضت الليلة عليهم ما بين متأهب للأخذ بالثأر، وحاقد يريد أن يسدل ستارة انتقامه من آخر شخص في عائلة الهلالي. وبين أخ اختار أن يعود بكامل إرادته لأحضان عائلته بعد فراق دام عشرين عامًا. وبين أم يحترق قلبها منذ عشرين عامًا على وحيدها وتدفع حفيدها لطريق الانتقام بكل قوتها.
وبين رحيم الذي حمل على عاتقه مسؤولية إعادة عمه وعائلته إلى أحضان جده. ولن يترك أي شيء للظروف، سيحمي عمه بكل ما أوتي من قوة، حيث قد أفلح سلطان حين اختاره لتلك المهمة لذكائه وفطنته.
***
أشرقت شمس الصباح على تلك الغافية بسلام وأمان لم تشعر به منذ زمان طويل. تمطت في فراشها بكسل. سمعت تلك الطرقات على باب غرفتها وهاتف يأتيها من خلف الباب.
"ست نور، الست رجيه والجدة حميدة مستنينك تحت على الفطور."
أجابتها نور بكسل:
"حاضر، خمس دقايق نازلة."
"أجابتها حسن يا ست هانم."
ابتسمت بود وهي تقول:
"خمس دقائق وهاجي يا حسن."
استقامت من فراشها، قامت بأخذ شاور ثم ارتدت ملابس رياضية أنيقة محكمة على جسدها وتركت سلاسل ذهبها منسدلة تحيط بوجهها. أصبحت جميلة رقيقة. انتعش قلبها حين تذكرت كلمات من سرق قلبها، وها هو يعود من جديد لفرض سيطرته على قلبها مرة أخرى حين أخبرها أمس أنها أضاءت نور قلبه.
فتحت باب غرفتها في نفس اللحظة التي فتح فيها سليم باب غرفته. تصنم في مكانه حين هلت عليه بوجهها الصبوح البشوش وهي تبتسم في وجهه وتقول:
"صباح الخير يا سليم."
أجابها بمرح:
"يعني مش السواق؟"
ضحكت ونظرت للأرض بخجل حين لمحت هيئته الخاطفة للأنفاس حين ارتدى تيشرت أسود على بنطال من الأسود وحذاءه الرياضي. هتفت بخجل حين تذكرت مواقفها معه بالأمس:
"لأ، سواق إيه بقى."
"نازلة تفطري؟"
"أيوه، وانت؟"
أومأ لها. سبقته بخطوة وهي تقول:
"ننزل مع بعض."
ما أن خطت أمامه حتى انتبه على ما ترتديه. مسك يدها وجذبها بقوة وهو يهتف بغضب:
"إيه الزفت اللي لبساه ده يا نور هانم!"
تعجبت من تحوله السريع، فمنذ قليل كان ودودًا يشع الحب من عينيه، والآن يطلق عليها نارًا من عينيه المشتعلة. نزعت يدها من بين يديه وهي تهتف بغضب:
"لابسة هدوم يا سليم، إيه مش شايف؟"
"إنتي بتسمي دي هدوم؟ دي مسخرة!"
اشتعل موج عينيها وهي تهتف:
"سوري يا سليم، مش هغير هدومي وأنا عاجبني لبسي ومالكش دعوة بيا."
حين أنهت كلماتها، جذبها بحدة من يدها ودفعها داخل غرفتها وهو يقول من بين أسنانه بسيطرة:
"هستناكي خمس دقايق تغيري المدعوج ده، ولو متلخبطيش بعد خمس دقايق هدخل أغيرهولك أنا."
دفعها داخل الغرفة وقفل الباب بشدة. سيطرت عليها الدهشة والغضب منه. دبت بقدمها في الأرض بغضب واستبدلت ملابسها بأخرى، ملابس رياضية أيضًا ولكنها متسعة محتشمة خوفًا من أن يدخل عليها كما قال.
خرجت بعد وقت قصير. نظر لها بتقييم وهو يقول بإستحسان:
"أيوه كده، مش زي الزفت التاني اللي مبين نص وسطك."
هتفت بغضب:
"سليم، احترم نفسك."
دفعها بحنان وهو يهمس بجانب أذنها:
"يرضيك أقتل حد النهاردة يا نوري؟"
نظرت له بدهشة وسألته:
"ليه؟"
أجابها بجدية:
"ما أنا لو وعيت لحد بيبص لك وإنتِ لبسة كده، هقتله."
صرخ قلبها حين وقفت وتأملت عيناه التي تنظر لها بعشق. هل يغار؟
***
انقضى الإفطار ودلف مهران مع أبيه إلى حجرة المكتب. بينما ذهب سليم ليحل محل رحيم في الشركة لحين عودة رحيم.
قال سلطان بجدية:
"اتصلي على ولدك يا مهران."
"حاضر يا بوي."
وضع مهران الهاتف على أذنه ينتظر أن يجيب رحيم عليه. بعد برهة أجابه رحيم:
"أيوه يا بوي."
"كلم جدك يا ولدي."
"أيوه يا رحيم، هات عمك وعاود في أول طيارة يا ولدي."
أحس رحيم أن قلبه سيقف من الفرحة وأجاب بفرحة:
"حاضر يا جدي."
هتف رحيم بفرحة لجلال الذي سأله بلهفة:
"خير يا رحيم، جدك كان عاوز إيه؟"
"خلاص يا عمي، هنعاود مصر."
"يعني الثأر كده خلص يا رحيم؟"
أجابه بطمأنان:
"أكيد يا عمي، أنا هحجز على أول طيارة لمصر."
هتفت زهرة بفرحة:
"يدوب يا فريد نلم حاجتنا ونرجع على المطار."
أومأ لها فريد بفرحة. بينما توجس رحيم خيفة أن يراهم أحد. قال بحذر:
"بلاش يا زهرة، الله أعلم فيه إيه هناك."
قالت زهرة له بود:
"ما تخافش، وبعدين هما يقصدوا بابا وهاخد فريد معايا."
"بسرعة يا زهرة."
أومأت له بتلك البسمة التي أنارت وجهها وخطفت قلبه بهدوئها وودها ولون عيناها ولونها.
دلف فريد وزهرة إلى بيتهم الذي وجدوا بابه مفتوحًا. هتفت زهرة برعب:
"فريد، الباب مفتوح."
دلف فريد بحذر ووجدوا كل شيء كما هو عدا الباب. جمع فريد وزهرة أشياءهم المهمة في حقيبتين وخرجتا بهدوء من باب المنزل. ولكنها صعقت حين رأت من يجلس في السيارة بجانب چو. أنها تعرف چو وتعرف الآخر. هتفت بزعر تملك منها سراج.
رواية ارغمت على عشقك الفصل السابع 7 - بقلم هيام شطا
وقفت كالمغيبة عندما رأت من بالسيارة المقابلة لمنزلهم.
إنه چو. نعم هي تعرفه. وأيضاً تعرف من يجلس بجانبه. إنه سراج.
هتفت بزعر تملك منها: سراج.
نظر فريد أي مكان تنظر إليه زهرة. وقع قلبه حين رأى چو ومعه رجلين. علم أن رحيم كان على حق في قلقه من چو.
هتف في زهرة، التي وقفت مصدومة من هول المفاجأة، فهي كانت تضحك وتحدث من أتى لقتل أبيها. كذلك نور أعطت الأمان لمن لا أمان له.
زهرة: يلا لازم نمشي.
أخذ يدها وأوقف سيارة أجرة تقلهم إلى الفندق.
كانت كالمغيبة. فچو كان مجرد فخ ليوقع بأبيها. وأيضاً سراج، هل كان يقصد ذلك اللقاء أم أنه كان محض الصدفة.
وقبل أن تستقل السيارة سمعت هتاف من خلفها. التفتت له. كان چو.
الذي رآهم وهم يغادرون بسرعة. نادى عليهم بصوت جهوري.
چو: زهرة. فريد.
نظر سراج إلى مكان ما ينظر چو. وكانت المفاجأة أنها زهرة من قابلها قبل يومين في المتجر. لم تقف أمام منزل جلال ومن ذلك الشاب برفقتها. والأهم هل تعرف چو.
كل الاحتمالات أتت به إلا الاحتمال الصحيح الذي ضرب رأسه ولكنه كذبه.
أيعقل أن تكون ابنة جلال الهلالي. صرخ عقله بنعم بينما قبض قلبه وقال لا.
وعى على حاله حين صرخ فيه چو.
چو: سراج، أنت يا سراج واقف ليه. اطلع بسرعة ورا التاكسي ده اللي فيه. دول ولاد جلال الهلالي.
انطلق خلفهم وهو لا يكاد يصدق تلك الحقيقة التي ضربت رأسه الآن. إذن هي بنت جلال الهلالي. نعم كان عنده فتاة لم تتجاوز العامين وكان اسمها زهرة.
صرخ سعد راشد بغل حين اقتربوا من سيارة زهرة وفريد.
سعد: اضرب ابن جلال بالنار يا سراج. هو زي أبوه.
نظر له سراج بأعين مشتعلة بالغضب وهو يزجره بعينيه.
سراج: أنا مش هقتل إلا جلال يا خالي. أنا مش عويل علشان آخد بتاري من عيال.
أسرع سراج خلف السيارة لكي يعرف مكان جلال الهلالي. بينما جلس چو وسعد بكل غل.
صرخ چو في سراج.
چو: اضربه بالنار هو وأبوه.
دفعه سراج بعيدًا عنه وهو يصيح فيه بغضب.
سراج: ابعد عني يا خواجة انت. ملكش صالح بيه.
لم يكن حال زهرة وفريد أفضل حال من حال سراج المتخبط. أيقتل ابن جلال ويأخذ بثأر أبيه أم ينتظر ليلقى جلال الهلالي ويقتله.
جلست زهرة بجوار أخيها تكاد تموت رعبًا. فهي عاشت عمرها تهرب من الثأر. ولكنها اليوم تواجه هذا الثأر.
ضغطت على يد فريد وهي تبكي.
زهرة: هنعمل إيه يا فريد. هيوصلوا لبابا. أنا خايفة.
ضغط فريد على يدها وهو ينظر إلى عينيها لكى تطمئن وهتف مطمئناً لها.
فريد: إهدي يا زهرة.
ثم تحدث إلى سائق السيارة وطلب منه برجاء أن يهرب من تلك السيارة التي تلاحقهم. كان السائق رجل كبير في العمر. لمح الخوف في عين زهرة وهي تبكي.
أومأ لفريد بالموافقة وسأله.
السائق: أين تريد أن تذهب سيدي.
أجابه فريد بجدية.
فريد: لو سمحت المطار.
هتفت زهرة بخوف وهي متعلقة في يد أخيها.
زهرة: مطار إيه يا فريد. بابا ورحيم.
وقبل أن تنهي كلماتها مسك فريد الهاتف واتصل على رحيم.
قال بصوت يملأه الخوف والقلق.
فريد: أيوه يا رحيم. أنا وزهرة هنطلع على المطار على طول. هي طيارتنا امتى.
علم رحيم من صوت فريد وشهقات البكاء بجانبه أنه في ورطة. سأله بلهفة.
رحيم: الرواشد كانوا في البيت يا فريد.
أجابه فريد بخوف.
فريد: أيوه يا رحيم. مش هعرف أجي على الأوتيل. هيعرفوا مكان بابا. أنا ههرب منهم وهطلع على المطار وهات بابا وتعال هناك. طيارتنا امتى.
أجابه بحزم.
رحيم: كمان تلت ساعات. خد زهرة وخد بالك من نفسك وأنا هجيب عمي وأقابلك في المطار.
فريد: حاضر يا رحيم.
وقبل أن يغلق الهاتف أعاد عليه رحيم نفس الكلام محذراً.
رحيم: هتعرف تهرب وتوصل للمطار يا فريد.
أجابه بأمل.
فريد: أيوه إن شاء الله.
وما هي إلا ثواني حتى انعطف سائق التاكسي إلى منعطف صغير لكي يضيع عن أعين عربة سراج. وبالفعل تجاوز سراج عربتهم وعرف ذلك السائق المحنك الهروب منهم. انعطف في طريق آخر وهو يسأل فريد.
السائق: كم بقى على طائرتك سيدي.
أجابه فريد وهو يزفر بإطمئنان.
فريد: 3 ساعات.
وبالفعل بعد ساعه وصل فريد وزهرة إلى المطار. كان رحيم وجلال قد وصلا قبلهم بدقائق.
ما أن رأت زهرة والدها حتى ارتمت بأحضان. وأخيراً سمحت لنفسها بالانهيار بين أحضان والدها أمانها. أخذت تبكي وشهقاتها تعلو. ضمها جلال إلى قلبه الذي تمزق على حال ابنته وابنه وهو يعتذر لهم.
جلال: أنا آسف على اللي شفتوه النهاردة. بسببى.
اقترب منهم رحيم بقلب يتمزق من الحزن على أبناء عمه الذين عاشوا عشرون عام في قلق وخوف وهروب من ذنب لم يقترفوه. وأقسم أن يعرف الحقيقة ويعيد ترتيب الأحداث مع أخيه مرة أخرى. احتضن فريد وهو يربت على كتفه.
رحيم: حمد الله على السلامة يا بطل. الحمد لله عرفت تحمي نفسك وأختك. يلا علشان معاد الطيارة.
دلف إلى المطار وقبل أن يستقلوا الطائرة هاتف رحيم جده.
رحيم: أيوه يا جدي. أنا راجع مع عمي وأولاده. محتاج الرجالة يستنونا في المطار بسلاحهم.
توجس الجد خيفة وهو يسأله.
الجد: خير يا ولدي. عمك وأنتم بخير.
رحيم: بخير يا جدي.
دلف إلى حديقة القصر بعد يوم شاق في العمل في الشركة في اجتماعات وقرارات وغيرها. وجد تلك الغافية بسلام على الأرجوحة نائمة بهدوء. اقترب منها ونظر إلى وجهها الجميل الذي فتن به. وجثى على ركبته أمامها وهو يهمس.
سليم: نور. نور.
جاءها صوته التي كانت تحلم به. هل مازالت تحلم أم أنه يتحدث إليها. بعد ثوانٍ رفرفت برموشها الكثيفة وفتحت عينيها. وجدته أمامها يبتسم بحب وهو يقول.
سليم: صحي النوم يا نور. إيه اللي منيمك في الجنينة في الوقت ده.
اعتدلت في جلستها وهي تبتسم له وتقول.
نور: سليم. حمد الله على السلامة. جيت امتى.
سليم: من شوية. إيه منيمك في البرد.
ابتسمت له بحب لاهتمامه بها وقالت.
نور: أنا كنت قاعدة مع أمل وهي دخلت من شوية تشوف تيته حميدة. وتقريباً أنا نمت وأنا مستنياها.
بسط يده لها لكي تقف وهو يقول.
سليم: طيب قومي ادخلي معايا جوه. الجو برد عليكي.
ثم سألها بإهتمام.
سليم: اتعشيتي.
نور: مش باكل بالليل.
أكمل بمرح.
سليم: وإيه يعني. يا بت عمي خايفة تطخني ولا إيه.
ضحكت على كلماته وأكملت.
نور: أيوه حاجة زي كده.
أكمل سليم بجدية.
سليم: لا من النهاردة فيه فطار. غدا. عشا. معايا. وإن كنتي خايفة لتطخني.
صمت برهة وهو ينحني بجوار أذنها ويهمس لها بوقاحة.
سليم: أنا عاوزك تتخني شوية. أصلك رفيعة جوي وأنا عاوزك مربربة.
صعقت من جراته وغزله الصريح لها. ولكنها همست له بجرأة أكبر.
نور: بس انت عاجبني كدا.
وقف في مكانه متصنم من جرأتها ومن تصريحها الجريء له. نعم يعشق ثورتها ويحب كل تفاصيلها. كانت منذ صغرها جريئة ولكنها ازدادت جرأة مع توهج وميض عينيها.
دلفا معاً إلى بهو القصر. بإبتسامة حنونة استقبلتهم رقية وهي تهتف بفرحة.
رقية: سليم حمد الله على السلامة يا ولدي. خمس دقايق والوكل يكون جاهز.
أومأ لها ببسمة حنونة.
وضعت الطعام أمامهم. قال سليم.
سليم: يلا يا نور كلي معايا.
أومأت له وجلست بجواره تأكل معه. كم أحبت اهتمامه بها، خوفه عليها. إذن هو على عهده لها. يحبها كما أخبرها وهي في عمر السادسة عشر وهي تعشقه.
نزل سلطان وهو ينادي بصوت جهوري سمعه كل من كان في القصر.
سلطان: سليم.
خرج مهران من غرفة المكتب بينما أجابه سليم وهو يتناول الطعام.
سليم: أنا هنا يا جدي.
سلطان: حصلني على چوه عند أبوك يا ولدي بسرعة.
أنهى سليم طعامه. هتف بنور التي أنهت طعامها أيضاً.
سليم: رايحة فين. خلصي وكل.
ابتسمت له بحب وقالت.
نور: خلصت الحمد لله.
اقترب منها وهو يهمس بجوار أذنها.
سليم: هشوف جدي عاوز إيه وأجيلك. افهم بالظبط منك إيه اللي عاجبك فيا.
نظر لها وهو يغمز لها ويضحك. فتحت فمها لكي تتحدث ولكن الكلمات لم تسعفها. بينما تصورت أنه مرر لها كلماتها وهي تغازله. ولكن كيف يمررها مرور الكرام وهو اعتراف مبطن منها أنها تحبه.
خير يا بوي. هتف مهران لأبيه الذي قال بجدية.
سلطان: اجمع الرجالة يا سليم وشيع لفضل ولد عمتك راضية. وخد أبوك وفضل ورجاله. وتسافر مصر دلوك علشان تجابل رحيم وعمك في المطار.
ثم أكمل حديثه محذراً.
سلطان: تحمي عمك وأولاده يا سليم أنت وأبوك وتجيبه لهنا لو هتفديه بروحك يا ولدي.
هتف سليم بمشاعر حب صادقة.
سليم: بعمري كله يا جدي. هجيب عمي لك بالسلامة.
سلطان: تعيش يا ولدي. ربنا ينجيك ليا ولشبابك يا ولدي.
ربت مهران على كتف سليم الذي كان له نعم الابن ولم يخزله يوماً هو أو رحيم.
بعد أقل من ساعة من الزمن انطلقت السيارات لكي تحضر وتأتي بعزيز أبيه من غاب عنه عشرون عام، وآآن الأوان يعود إلى دياره.
غادرت الطائرة عائدة بالغائب وأخيراً إلى مصر. جلس جلال بقلب يكاد يقفز من الفرحة. أخيراً بعد هروب عشرون عام سيعود. نعم سيعود إلى أحضان أمه وأبيه وأهله. الأهل هم السند. هم كل شيء للإنسان. احتضن كف ابنته التي جلست بجانبه. مازال الخوف يملأ قلبها مما رأته ومرت به اليوم. ولكن الحمد لله مر على خير ونجح رحيم أن يعود بهم دون أن يصيبهم مكروه.
ساعات العودة مرت وكأنها دهر. سبع ساعات مرت على زهرة وهي تنام. وأخيراً سلمت جفونها للنوم وهي تحتضن كف أبيها تستمد منه القوة. واحتضن فريد كف رحيم الذي كان له سبب نجاتهم وعودتهم بعد الله. علم فريد أن العائلة هي سندهم في الحياة من مواقف ابن عمه الذي كان نعم من يخرجهم من تلك المعضلة. وأخيراً أعلنت صوت مضيفة الطيران عن وصول تلك الرحلة العصيبة إلى الأراضي المصرية. لم يصدق جلال أذنيه حين هتف رحيم بفرحة.
رحيم: حمد الله على السلامة يا عمي. مصر نورت.
احتضنه جلال بمحبة وامتنان لذلك الشاب الذي نجح في مهمته وأيضاً أداها على أكمل وجه.
خرج رحيم وهو يمشي بجوار جلال وفريد وزهرة.
وقف مهران وسليم وفضل أمام المطار ينتظرون خروجهم. وما هي إلا دقائق وخرج رحيم يصطحب أسرة عمه. لمح مهران أخيه يأتي من بعيد. جرى جلال على مهران. إنه مهران كما هو السند الذي يحتمي به أخيه الصغير. نعم كبر وملامح العشرون عام ارتسمت على وجهه كما ارتسمت على وجه جلال. احتضن أخيه بشوق دفنه في قلبه عشرون عاماً. وكم كان لقائهم تدمع له العين حين احتضن كلا منهم الآخر بمشاعر مختلطة. فرحة، شوق، وأيضاً لهفة للقاء انتظروا عشرون عاماً.
بفرحة وشوق استقبل سليم عمه. وأيضاً استقبل فضل ابن خاله وأبنائه. وبدأوا رحلة العودة إلى آخر محطة لهم. إنها ديارهم. ديار عائلة الهلالي.
قلب كندا رأساً على عقب يبحث عن جلال وابنائه. لم يجد أحد. عاد إلى منزلهم مرة أخرى. قلبه عسى أن يجد ما يدلّه أين ذهبوا. لم يصل إلى أي شيء وكأنهم تبخروا. كاد أن يجن. أين ذهبوا.
وأخيراً عاد الطير المهاجر رغماً عنه إلى دياره. وقف سلطان بهيبته المعهودة أمام القصر ينتظر عودة فلذة كبده. وقفت السيارات وترجل كل من فيها. نزل جلال بقلب يخفق شوقاً لأبيه وأمه وهو ينظر في أرجاء المكان الذي يبدو وكأنه تركه بالأمس. وأخيراً وجد ضالته حين لمح أحضان أبيه تفتح له لكي يسكن إليها. أخيراً هرول إلى أبيه يحتضنه مثل الطفل الصغير ويقبل يده. وأخيراً سمح لدموع حبسها عشرون عام أن تخرج من عينيه وهو يهتف بلوعة لأبيه وأمه التي تحتضنه.
جلال: اتوحشتك كتير يا بوي. اتوحشتك يا أما.
وأخيراً عاد جلال إلى بيته.
بفرحة كبيرة كان يهتف جاد في ذلك الغفير الذي بعثه سلطان له لكي يخبره بعودة جلال.
جاد: صوح يا واد يا رضا. جلال بيه عاود.
الغفير: أيوه يا حاج. والحاج سلطان بعتني ليك لجل ما أخبرك.
انصرف الغفير. بعدها التفت جاد لمن تصرخ بغل.
نجية: مين اللي عاود يا جاد.
أجابها بحزم.
جاد: جلال عاود يا نجية. وأنا قبلت الصلح والنسب والموضوع ده نهيناه.
صرخت مرة أخرى على جثتي.
جاد: يا نجية. أنا نهيت العداوة ووفقت بالنسب ودم ولدي أخوي بريء منه.
هتفت بغضب مماثل لغضب زوجها.
نجية: وإني مرديش بالصلح ولا النسب يا جاد. ومش ههدا ولا أرتاح إلا أما أقتل اللي قتل ولدي.
جاد: يبجى تستني لما أعرف مين اللي قتل ولدي وتبجي تقتليه يا نجية.
وقفت تستمع حديث جدها وجدتها. فلقد تأكدت من كل ما سمعته من عمتها انتصار أن جدها وافق بالصلح بين عائلة سلطان الهلالي. والأدهى أنه سيزوجها أحد أبناء مهران الهلالي. وقفت وهي تشتعل من الغضب. ودلفت إلى غرفة جدتها بعد أن غادر جدها وسألتها بغضب.
سلمى: صوح يا جدتي الكلام اللي سمعته. جدي وافق على الصلح بينا وبين سلطان اللي قاتل أبوي. وكمان هيجوزني ابن مهران.
التفتت نجية لابنة ابنها الغاضبة الشرسة ذات الشخصية الصلبة العنيدة التي لا تخضع بسهولة وهي تقول بفحيح وتتمنى أن تؤثر عليها لكي لا ترضخ لتلك الزيجة.
نجية: هعمل إيه يعني يا سلمى. جدك قال كلمته وإنتِ خابراه. مهيرجعش في كلمته واصل. هو وافق بالصلح والنسب. هيجوز بنت جلال اللي قاتل أبوك لأخوك سراج. وهيجوزك للمحروق ولد مهران اللي اسمه رحيم.
اشتعلت سلمى بعد أن استمعت لكلام جدتها وهتفت بشراسة.
سلمى: على جثتي. إني أدخل بيت اللي قتلوا أبويا. أو بنت القاتل تدخل بيتنا.
تصنعت نجية الانكسار حتى تزيد من تصميم سلمى.
نجية: هنعمل إيه يا سلمى. أنا قليلة الحيلة وجدك مصمم.
جلس في سيارته بجوار سعد خاله يضع رأسه بين يديه فاقد الأمل. حين رن جرس هاتفه. إنها جدته. ماذا سيقول لها. إنه فشل في الأخذ بثأر أبيه. ولكنها عاودت الاتصال مرة أخرى فلم يجد بد من أن يجيب عليها.
أتاه صوتها الساخر وهي تهتف بسخرية.
جدته: جلال غفلك وعاود يا سراج.
تحدث بغضب.
سراج: عاود إزاي يعني يا جدتي.
أجابته بغضب.
جدته: عاود علشان جدك اتفج مع أخوه على الصلح والنسب. دم أبوك ضاع ياسراج.
صرخ في أبيه بغل.
المتحدث: أنا كده خسرت نور. أكيد أختها هتقول لها على كل حاجة. أنا ملياش فيه. أنا عاوز نور. أنا عملت كل اللي طلبته مني وأنت لازم تعمل اللي طلبته منك. وقبل أي حاجة نور.
رواية ارغمت على عشقك الفصل الثامن 8 - بقلم هيام شطا
جلست بينما تهادى على وجهها جميع الانفعالات من الغضب والكره والرفض وهى تنظر إلى امها وتصيح بها.
"صوح يا اماى الكلام اللى كنتِ بتجوليه لسلمى أن سراج هيتجوز واحده من بنات جلال الهلالى الخواجات دول."
ابتلعت انتصار لعابها ببطء فقد علمت ابنتها دنيا بما حدث لأنها استمعت لها وهى تحرض سلمى على رفض زيجة البدل التى ستكون بين احفاد سلطان الهلالى وجاد الهلالى وبذلك ينتهى العداء بين العائلتين.
نظرت لابنتها الثائره وهى تقول بتلعثم.
"ايو ده اللى حصل وده اللى سمعته من عمتك نجيه وهى بتتخانق مع جوزها بعد ما اتفق مع اخوه عليه."
صرخت دنيا بغل.
"يعنى انا افضل مستنيه سراج كل ده وكل شويه عمتى نجيه تجولى اول ما ياخد تار ابوه هعمل فرحكو وفى الاخر يتجوز بنت جلال اللى چتل ابوه ده على چثتى."
اقتربت انتصار من ابنتها التى تشتعل من الغضب تحاول أن تجد كلمات تهدئها بها.
"اهدى أهدى يا دنيا اصلا عمتك نجيه مموفجاش على الچوازه دى ومش هتممها."
ثم نظرت إلى ابنتها بترقب وقالت.
"حتى لو تممتها هتحرج جلب بنت جلال."
"وانا هستنى كدا لحد أما اشوف هيحصل ايه لاء. الله فى سماه ما اكون دنيا راشد لو سراج اخد واحده غيرى."
دلفت اثناء حديثهم تلك التى تضحك بسخريه على اختها وهى تهتف.
"براحه على نفسك يا سنيوره ليطج لك عرج مش ده سراج اللى كنتِ ضامنه چوازتك منه فى جيبك الصغير ايه العريس المريش طار ولا ايه."
نظرة دنيا إلى اختها آيه بأعين تطلق شراز نار وهى تدفعها وتخرج من باب البيت لتذهب إلى عمتها نجيه تعرف منها اصل الحكايه وهى تصيح فيها.
"بت انت ِ بعدى عن خلجتى اصل اجتلك روحى شوفى خابتك وشوفى حبيب الجلب سليم باشا."
ثم أكملت بغل.
"بيچولو بت عمه عاودت وكمان بيچولو أنها بدر مصور."
احتقن وجه آيه بالغضب من سخرية اختها عليها فلطالما سخرت منها ومن تعلق قلبها بسليم الهلالى حتى عندما علمت بالصلح ولاح الامل أمامها.
سخرت منها واعلمتها بقدوم ابنة جلال لكى تحرق قلبها ولكن مهلا ها هى دنيا تتذوق طعم كسرة القلب وخسارة الحبيب كما عايرة اختها أصبحت هى.
لا يعلم كيف عاد وقطع كل تلك المسافه من كندا إلى صعيد مصر. المهم أنه عاد ليعلم اصل الحكايه هل فرط جده فى دم أبيه كما قالت له جدته هل اتفق مع قاتل أبيه ليتصالحو والأدهى أن يزوجه ابنة قاتل أبيه.
فتح باب المكتب على جده وهو جالس يراجع بعض الأوراق فى يديه كانت نظراته مشتعلة بالغضب حين نظر لجده وقال من بين أسنانه.
"صوح يا چدى الحديت اللى جدتى جالتهولى ده."
نظر جاد إلى حفيده نظره هادئه وهو يبتسم له بحب ويقول.
"الناس تدخل على الناس وتجول سلام عليك يا جدى اتوحشتك يا جدى انا عاودت يا جدى مش تدخل بتحجيج يا ولدى."
نظر سراج الى الارض بخزى من موقفه فهو عائد من سفرٍ طويل لم يخبر جده به حتى لم يعير اهتمام أن يسأل عن صحته. اقترب من جده بخجل من نفسه اقترب من جده الحنون وانحنى يقبل يد جده بحب وهو يهتف بحنان لجده.
"اسف يا جدى عامل ايه اتوحشتك جوى جوى."
ربت على كتف حفيده بحنان وهو يقول له.
"اجعد يا ولدى انا عاوز اتحدت معاك."
جلس سراج بينما تتأهب كل خلاياه لما سيخبره جده.
اخد جده نفسا حبسه فى صدره ثم ثم زفره ليبدأ بإخبار حفيده بكل شئ إلى أن وصل إلى مسألة النسب حتى ينهو تلك العداوه والثأر كان وجه سراج عباره عن تعبيرات من الغضب والثوره والصدمه من تصرف جده الذى وافق بالفديه والصلح والنسب. هل نسى دم ابنه ثار أبيه هل ضاع دم أبيه.
وقبل أن ينهى جده حديثه هتف رحيم بغضب.
"كلام ايه ده يا جدى يعنى كدا دم ابويا ضاع."
قام جاد من مكانه وهو يلتف حول المكتب ليقف أمام سراج وهو يقول له بصدق.
"انا يا ولدى عاوز انهى العداوه دى جبل ما أواجه رب كريم انا ولا عمك سلطان."
هتف سراج بمحبه لجده.
"بعيد الشر عنك يا جدى."
"كلنا لها يا ولدى وانا عاوز اسيبك فى الدنيا وسط عيلتك واهلك لجل ما يكونو سندك وعزوتك فى الدنيا مبقاش لوحدك فى الدنيا الاهل سند وعزوه يا ولدى."
هتف سراج بغضب.
"انا مريدش السند والعزوه ولا السند اللى فيه دم ابوى يا جدى."
اقترب منه جده وهو يقول بصدق.
"اخوى وولده برئ من دم ابوك يا ولدى الله وكيل لو سلطان اخوى شاف الرصاصه راحه لصدر ابوك ليجف يفدى ابوك بروحه وروح ولاده ودى حاجه انا متوكد منها."
"امال ليه يا جدى طول عمرك واهمنا أن دم ابوى عند اخوك."
قال جاد لحفيده بوهن بينما تعب من نقاش حفيده وإقناعه بأمر بات اقرب الى المستحيل كما خيل له.
"انا يا ولدى عمرى جولت لك خد تارك من عمك أو ولاده."
توقف سراج عن الحديث بينما لامست كلمات جده الصحه عنده هو لم يطلب منه يوم أخذ ثار أبيه ولكن كانت جدته هى من تنمى فيه الكره والانتقام من عائلة عمه. نظر سراج بتيه وتخبط فى عقله بين ما يطلبه جده والذى بدأ فى الاقتناع به وبين قلبه الذى يحترق على فقد أبيه واخد حق أبيه ويرضى جدته.
هتف جاد له بحنان وهو يقول له برجاء.
"فكر يا ولدى فكر واعجلها وانا هستنى جرارك الصبح."
وقبل أن ينهى كلامه استمع لتلك الاصوات التى تعالت خارج غرفة المكتب خرج سراج لكى يرى من يحدث تلك الضجه وجدها دنيا ابنت عمته انتصار اخت سعد راشد والتى كانت تتحدث مع جدته بتبجح.
"صوح يا عمتى هتسامحو فى دم عمى جابر وتحطو يدكو فى يد اللى جتالوه وكمان تجوزى سراج ولدك لبنت من بنات جلال البنات دى فاچره يا عمتى مترببين وسط الخواجات الله اعلم كانو بيعملو ايه وياهم."
وقبل أن تكمل سبابها فى بنات جلال الهلالى هتف من خلفها بينما غلى دمه وفار حين نعتتهم بالفجور كيف لتلك الملاك أن تكون فاجره.
"اخرسى يا دنيا بنات الهلايله مش فجر الفاجره هى اللى تتكلم فى كلام ملهاش دخل فيه."
نظرة له بنفس العين المتبجحه بينما وضعت نجيه يدها على قلبها خشية ثورة حفيدها.
هتفت دنيا بجرأه.
"انت هتتجوز ببنت جلال يا سراج وتهملنى وانا على اسمك من صغرنا."
هتف فيها بحزم.
"وانا عمرى ما وعدتك بحاجه يا بنت عمتى."
بغضب مماثل لغضب سراج كان رجيم يثور على جده وأبيه وهو يقول بغضب جحيمى.
"انا استحاله اتجوز بيت جابر الهلالى واناسب سراج بعد اللى بيعمله معايا فى الشغل واللى بيجوله علينا."
ثم فجر قنبلته التى قلبت موازين كل شئ حين قال لجده.
"انا اللى هتجوز زهره بيت عمى يا جدى وان كان على الفديه تدفعها من غير نسب."
جلست شارده تنتحب منذ أن أتت فهى مازالت لا تصدق انها نجت هي وآخيها وأبيها من الموت المحتوم. سمعت طرقات على باب غرفتها بعدها دلفت إليها نور بإبتسامه جميله اقتربت منها احتضنتها بقلب يتمزق على اختها وما آسته.
هتفت بمرح حتى تخرجها من حالة الحزن والرعب.
"الجميل مش ناوى تخرج من الاوضه وتنزل معانا تقعد فى الجنينه مع نيته وماما رقيه وامل."
نظرت لها وهتفت بكلمات زلزلزو كيان نور.
"چو كان بيضحك عليك يا نور علشان يعرف مكان بابا هو كان مع الراجل اللى جاى يموت بابا."
صعقت نور مما سمعته بينما أدركت أنها كانت بالنسبه لاعز اصدقائها مجرد طريق يصل به لأبيها.
هتف فضل لامه بفرحه.
"ها يا امه جولتى ايه انتى وابوى هنروح ميته نطلب امل بنت خالى سلطان."
اجابه إلبيه بتريث فهو يخشى على خاطر أخته ان يكسر حين يناسب هو اولا عائلة سلطان الهلالى.
"بعد الصلح والنسب اللى بينهم ما يتم يا ولدى هروح انا وانت وكل الرواشد نطلبها لك يا غالى هو انا عندى كام فضل فى الدنيا."
رواية ارغمت على عشقك الفصل التاسع 9 - بقلم هيام شطا
عاد يقدم قدم ويؤخر أخرى، عاد مع عمله الأسود كما يقولون. عاد مع چو. رجع سعد راشد إلى البلد مع چو الذي اتفق معه أن يخفي عن أهله مؤقتًا أنه ابنه، ويخبرهم أنه شريكه وجاء لتخليص بعض الأمور الخاصة بشراكتهما. وبالفعل جاء چو إلى مصر، وها هو يدخل الصعيد ويدخل نجع الهلالي مع أبيه.
دلف سعد إلى بيته ومعه چو على أنه شريكه وضيفه.
بصوت بغيض نادى على زوجته وأم ولده صالح: "رحمة".
انتبهت كل حواسها حين سمعت صوته، خرجت من المطبخ تجفف يدها المبتلة وهي تقول بتعجب: "وه سعد، حمد الله على السلامة يا أبو صالح. جيت ميته ومجولتش ليه؟"
أجابها بنفور، فهو دائمًا ما يقابل معاملتها الحسنة بالإساءة، ويقابل حسن خلقها بسوء خلقه وجحوده. تزوجها بعد وفاة أختها فرحة بعام لكي يرى بها فرحة التي لم يحظ بها بعد أن ماتت يوم موت جابر زوجها، ليبق سعد مع شره، ولكنه تزوج طيبة القلب رحمة ابنة عمه زهران ورضية الهلالي.
قال لها: "جيت دلوك، ويلا جهزي الملحق. جاي معايا ضيف."
ابتسمت رحمة بسماحة: "يامرحبا بالضيف، حاضر. ثواني تكون جاهزة."
"أمال ولدك الفالح فين؟ أمال."
قالت بصوت قلق: "مع خاله فضل."
هتف بغضب: "أنا مية مرة حرجت عليه يجعد عند خاله فضل. هيخيب ويبجى شبهه، جلبه خايب."
آلمها وصفه لأخيها، ولكنها لم تتحدث. ابتلعت تلك الغصة وصمتت، وذهبت لكي تعد ما طلبه منها للضيف.
"أنا اتفقت مع عمك يا ولدي على الصلح والنسب، مينفعش واصل يا ولدي نرجع في الاتفاق."
هدر رحيم بغضب حين أنهى جده الحديث: "واشمعنا زهرة يا جدي؟ عندك نور."
قال سلطان بحكمة وتروٍ حين لمح تلك النيران في أعين حفيده: "نور يا ولدي، على اسم أخوك من يوم ما اتولدت." ثم أكمل بحنان لكي يهدئ ذلك الثائر: "أنا اتفقت يا ولدي، بس الله وكيل لو أعرف إنك رايد بت عمك ما كنت اتفقت يا ولدي. خلاص يا ولدي، سهم الله نفد. يرضيك أرجع في كلمتي؟"
أنهى سلطان حديثه مع رحيم الذي ألجم لسانه، بينما وجد حديث جده كله صواب، لم يستطع مراجعة جده في شيء. زفر بضيق وهتف في جده بضيق وهو يغادر البيت وكل ما فيه: "اعمل الصالح يا جدي."
خرج من بيته. خطاه تحرق الأرض من الضيق، وألف سؤال وسؤال يعصف برأسه. كيف لتلك البريئة أن تحيا مع كراهية هذا الثأر وحقد نجيه وكرهها لهم؟ وهو يسير، وقعت عينه على من سيشفي قليلاً من غليله، أنه سراج الذي خرج من بيته كما يحترق بنار ثأر أبيه الذي أضاعه جده بالصلح، وأيضًا النسب. وعلى ذكره النسب، كيف له أن يتزوج بابنة من قتل أبيه؟ جاءت صورته في رأسه ببرائتها وعفويتها وهي تحدثه، وأيضًا نظرة الرعب والخوف التي صرخت في عينها حين لمحته وعلمت بهويته. وسؤال واحد عصف برأسه: ترى من سيتزوج من أبناء جلال الهلالي؟ من المؤكد أنها الكبيرة نور، أي أنه بذلك فقد كل فرصة معها. هي أولاً ابنة قاتل أبيها، وأيضًا سيتزوج أختها الكبيرة. أي سوء حظ أصابه.
أخرجه من شروده ذلك الصوت الساخر الذي هتف من خلفه. أنه يعرفه، وهو آخر من أراد أن يرى وجهه، أنه عدوه اللدود رحيم الهلالي.
"حمد الله على السلامة يا سبع. ها رجعت سبع ولا ضبع؟" ثم أكمل بسخرية: "أنا خابر إنك عاودت ضبع. آه، نسيت أخبرك إن أنا اللي عاودت سبع وخلصت عمي وأولاده من إيدك." ثم ضحك بسخرية جعلت سراج يشتعل غضبًا. إذن هو من أنقذ جلال الهلالي من بين يديه. تحسس موضع سلاحه ثم أشهر عليه وهو ينقض عليه، يصيح بغضب جحيمي.
"وأنا هتجوز بت عمك، أخلص منها القديم والجديد."
احترق قلب رحيم بكلمات سراج، دفعه عنه وهو يقول بغضب من بين أسنانه: "نجوم السما أجرب لك من زهرة."
تصنم في مكانه وارخى قبضته من على رحيم، بينما لم يعد يستوعب في أي أرض رماه جده. أيعقل أن يزوجه زهرة، وأن يفعل كل شيء من أجل أن يقنعه أن جلال الهلالي بريء من دم أبيه؟
ترك رحيم وانصرف، بينما تعجب رحيم من موقف سراج الذي تحول مئة وثمانون درجة. تركه وانصرف دون أن يقول أي شيء. وقف رحيم في مكانه بتعجب من موقف سراج الذي شحب لونه وكأنها خرج من جسده ولم يبق منه إلا تلك النظرة التي لم يفهمها رحيم.
"هتفت بغضب وهي تتحدث في الهاتف: "أيوه يا رائد، جابلني دلوك عند الساجية القديمة." وقبل أن يجيبها، قفلت الهاتف واندفعت تختبئ من جدها وجدتها، تتوارى وراء ظلام الليل لكي تقابل حبيب قلبها ومنقذها من أيدي رحيم الهلالي كما خيل لها، أنه رائد راشد ابن عمتها انتصار وأخو دنيا وأيه، أصدقاء طفولتها وشبابها. خرجت سلمى من بيت جدها بثورة عارمة، لن تستسلم لقرار جدها وتتزوج ابن عائلة قاتل أبيها. وما هي إلا دقائق ووصلت إلى مكان ما طلبت منه يقابله به، ودقائق أخرى ولحق بها رائد. صاحت فيه بغضب:
"انت ليه معترضتش على التليفون؟ بجالي يومين بكلمك، معترضتش ليه؟"
نظر لها نظرة غير مبالية وهو يقول: "وبتصلي ليه؟"
"علشان نشوف حل المصيبة الكبيرة دي." ثم أكملت بغضب: "جدي عاوز يجوزني ولد مهران الهلالي، وأنا أموت نفسي ولا إني أتجوزه."
نظر رائد لها وصمت ولم يجيب عليها. سألته بتوجس: "انت هتتخلى عني يا رائد بعد الحب اللي بينا؟"
أجابها بتردد: "يعني أعمل إيه يا سلمى؟"
صرخت فيه بغضب: "روح اطلب يدي من جدي."
طأطأ رأسه في الأرض وهو يقول: "خلاص يا سلمى، جدك قال كلمته."
"وأنا يا رائد هتسيبني لواد مهران؟"
أجابها بخبث: "إيه رأيك نهرب؟"
نزلت كلماته على أذنها كصاعقة. أجابته بخوف: "نهرب؟ وأجيب لأهلي العار؟"
أجابها غير مبالٍ: "عار إيه، كلها كام يوم وكل حاجة تتنسي يا سلمى."
ابتعدت عنه وهي تقول له برجاء: "طيب اطلبني الأول من جدي، لو وافقش نهرب."
"وأنا مجدرش أقف في وش الطوفان يا سلمى."
هتفت بقهر: "علشان خاطري يا رائد."
تراجع للخلف وهو يقول: "مجدرش." وقبل أن تفيق من مرارة الخذلان، وجدت من ينقض، يقبض على خصلات شعرها الحريري يقتلعها بغضب وهو يصرخ:
"آه يا فاجرة، بتترجي مين علشان يتجوزك يا فاجرة."
هرول رائد بخوف وتخلى عنها، تركها تقابل غضب سراج الجحيمي الذي أنهال عليها بالصفعات التي كادت أن تنهي حياتها، لولا ذلك الذي لمح سراج وهو يجري وينهال على فتاة بالضرب. جرى خلفه لكي يرى من تلك الفتاة من باب الفضول ليس إلا، ولكنه صعق عندما علم من تكون، أنها سلمى أخت سراج. ستموت في يد أخيها إن تركها له. وبين لحظة تردد ولحظة حزم، جرى على يد سراج يبعده عنها:
"بعد يدك يا سراج، هتموتها في يدك."
هدر سراج في رحيم بغضب: "ملكش صالح بينا، بعد يدك عني، أنا حر في خيتي، أنا هقتلها."
وقعت عين رحيم على تلك التي ترتعب خوفًا في يد أخيها، بينما كسى وجهها شعرها الفاحم الذي تشعث من جذب سراج له، نظرتها المرتعبة التي تتوسله أن ينجدها من موت محتوم، جعله يجذبها بحماية ويضعها خلف ظهره وهو يقول: "محدش بجدر يمد يده على مرت رحيم الهلالي، حتى لو أخوها."
نظر له سراج بدهشة، بينما ألجمت الصدمة لسان سلمى.
"صرخ في أبيه حين أخبره بأمر الصلح بين العائلتين وأمر النسب: "يعني إيه؟ نور خلاص هتروح مني؟"
أجابه سعد ببرود: "وأنا في إيدي إيه أعمله."
"لأ، في إيدك كتير. دي لو وصلت إني أخطفها مش هتردد، المهم تكون ليا، لو ليلة واحدة."
رواية ارغمت على عشقك الفصل العاشر 10 - بقلم هيام شطا
دلف إلى غرفته وجدها تجلس على الفراش وتتهادى على وجهها تعبيرات الغضب والقهر.
اقترب منها وهو يهتف بإسمها بحنان:
"نجيه."
نظرت له وعيناها تنطق بالغضب الثائر بداخلها. لم تجبه. انتفضت من فراشها وهمت لتترك له الغرفة.
وقف وأمسك بيدها وهو يقول:
"على فين يا نجيه؟"
"خارجة من اهنه يا چاد. وبعد النهاردة يا جاد طالما انت فرطت فى دم ولدي مفيش مكان هيجمعني بيك."
اقترب منها وما زال ينظر لها بشفقه وقلب يتمزق من الألم عليها، هي قبل كل شيء أم يحترق قلبها على ولدها. وهو يقول:
"أحلفلك بإيه يا نجيه أن أخويا وولده برئين من دم ولدي. والصلح ده يا نجيه لجل ما أحط يدي في يد أخويا ونوصل للغدر بإبني."
هدأت نار عيناها بينما أثمرت كلماته على تهدئتها قليلاً.
نظرت له بترقب بما ستنطق به وقالت:
"يعني يا جاد هتعرف مين جتل ولدي وتاخد تار ولدي منه؟"
أجابها بلهفة لكي يرضيها:
"والله وكيل يا نجيه، لكون جاتله أول ما أوصله هتكون له."
هتفت بتساؤل:
"حتى ولو من أهلنا يا جاد؟"
أجابها بحزم:
"أعرفه بس يا نجيه وربك ساعتها يسويها."
هتفت بغضب:
"والنسب يا جاد؟"
هتفت نجيه بصرخة غضب:
"وأنا ماليش موافقة يا جاد."
"وأنا جولت كلمتي خلاص يا نجيه."
ثم أكمل حديثه بحزم حتى ينهي هذا الجدال الذي يعلم أن زوجته وافقت عليه رغماً عنها.
"وبعد الصلح والنسب يا نجيه بنت جلال تعمليها بما يرضي الله، زي ما هما هيعاملوا بنتنا بما يرضي الله."
تركها وانصرف.
خرج من الغرفة بينما جلست نجيه توعد ذلك الصلح والنسب المزعوم، وأقسمت أن تنتقم من جلال الهلالي في ابنته ولن تهدأ إلا إذا أخذت بثأر ابنها.
جلس سلطان وسط أبنائه، لا تساعه الفرحة، لقد عاد ابنه بعد غربة دامت عشرين عاماً.
هتف في أبنائه وأحفاده المجتمعين:
"بكرة إن شاء المولى يا جلال هتشيل كفنك لجل ما نتم الصلح بينا وبين عمك."
أجابه جلال بفرحة:
"حاضر يا حاج."
أكمل سلطان حديثه الذي كان بمثابة صدمة لجلال وابنائه:
"وكمان يا ولدي فيه نسب هيتم بيناتنا. سراج ولد جابر هيجوز زهرة بتك."
وكأنها تلقت صفعة قوية على قلبها قبل وجهها. نظرت إلى جدها لكي تتأكد من صحة ما نطق به.
أكمل سلطان حديثه وهو يوجه حديثه لها:
"الصلح ده يا بنتي مرهون بالنسب، وده شرط الصلح يا ولدي."
هتف جلال بغضب:
"وأنا مش هضحي ببنتي يا بوي، يقتلوني وأنا موافق إنما بنتي لأ يا بوي، بنتي خارج الحسبة دي."
"إهدي يا ولدي عمك جاد هيتجوز في زهرة."
هتف جلال بغضب:
"هي هتتجوز ولده؟ هتتجوز اللي جاي يقتلني؟"
أجابه سلطان بتروي حتى يمتص غضب ولده:
"سراج طيب يا ولدي وعمره ما هيعصي لجده أمر. يعني هيتجوز بنتي أمر من جده؟"
"لأ يا بوي يقتلني أهون."
جلست زهرة وكلمات جدها تدور داخل عقلها. بينما بحسبة بسيطة علمت أن سلامة أبيها مرهونة على تلك الزيجة. إن كانت تلك الزيجة هي ضمان سلامة أبيها، لن تتراجع عن حماية أبيها. أنهت صراع عقلها، بينما اتخذت على عاتقها أن تحمل هذا الحمل حتى يحيا أبيها أيامه القادمة في سلام وسط أهله.
وقفت وهتفت بجدية:
"أنا موافقة يا جدي على سراج."
اقترب جدها عليها وتهللت أساريره وهو يقول بحب ويحتضنها:
"ربنا يكملك بعقلك يا بنتي."
هتفت تلك التي تشتعل غضباً وخوفاً على أختها:
"موافقة إيه يا زهرة؟ إزاي توافقي على التخلف ده؟"
نظر لها سليم بغضب:
"هو يقول نور احاسبي على حديثك."
نظرت له بينما اشتعل موج عيناها وهي تصرخ بغضب:
"أنا أختي مش هتتجوز جوازة الثأر دي."
نظرت لها أمل وهي تجذب يدها:
"أهدي يا نور الحكاية دي بتحصل هنا كل يوم ودي مش زي ما انتي فاهمة."
صاحت نور بغضب:
"ده تخلف يا عمتي."
أنهت زهرة هذا الجدال الذي اشتعل بين العائلة وهي تقول:
"أنا يا بابا موافقة على جواز من سراج."
نظر سليم لنور بغضب وهو يهتف:
"دي عوايدنا يا نور هانم وانتي منا يعني اللي يصير يصير على الكل."
جلس جو وهو يغلي من الغضب. ها هو سعد لم يوفي بأي شيء مما وعده به.
جرى عليه حين رآه يدخل من باب البيت وهتف بغل:
"أنا هفضل قاعد كتير كدا يا سعد بيه؟"
أجابه سعد ببرود:
"إهدي يا جو."
صرخ فيه:
"بكرة أنا بعمل إيه هنا؟ أنا عاوز نور. وتعرف كل اللي في البلد يعرف أني ابنك."
أجابه سعد بلامبالاة:
"وأنا هجيب لك نور إزاي؟"
"أخطفها."
سأله سعد بتوجس:
"وأنا هخطفها إزاي؟"
أجابه بغل:
"إتصلح."
فرك سعد جبهته وهو يفكر كيف سيخطف نور الهلالي لولده، بينما راقت له تلك الفكرة لكي يفضح عائلة الهلالي بتلك الخطة ويضربهم في سمعة بنت عائلة الهلالي حين يعلم الجميع أنها تم خطفها والاعتداء عليها.
قال له تلك الفكرة التي صدحت في عقله الشيطاني:
"إحنا نخطفها يوم الصلح اللي هيتم بين سلطان وجاد الهلالي، بس أنا عاوزك تفضح عيلة الهلالي ببنتهم نور."
أجابه جو بفحيح:
"كدا بس من عينيا."
خرجت إلى الحديقة تحترق من الغضب وألف سؤال وسؤال يعصف برأسها. كيف توافق زهرة بتلك الزيجة؟ وما جعلها تشتعل من الغضب هو كلمات سليم لها وكيف يقول لها ذلك الكلام.
دلف إلى الحديقة وجدها تسير بها بلا هدى وكأنها تحرق الأرض من الغضب. اقترب منها بينما التمس لها ولغضبها العذر، فهي حقاً لا تعلم بعاداتهم، لم تتربى وسطهم، وأيضاً لها الحق في الخوف على أختها.
اقترب منها وهو يقول بنبرة صوت حنونة:
"نور."
نظرت له بأعين اشتعل موجها ولم تجيبه. جذبها من يدها حين همت بالابتعاد عنه واقترب منها وهو يهمس في أذنها:
"آسف يا حبيبتي."
نظرت له بينما تماوج رد فعلها في عيناها بين الفرحة والغضب. هتف قلبها بفرحة: هل نطقها أخيراً.
"أنا موافق على الصلح يا جدي بكرة بعد جعدة الصلح نروح نطلب زهرة بنت جلال الهلالي."
لم يصدق جاد تلك الكلمات التي نطق بها حفيده. ولكن ما أكمله سراج كان المفاجأة الأكبر حين قال:
"وأنا موافق إن رحيم يتجوز سلمى بكرة بعد الصلح نتمم كل شئ."
وكما فجر سراج تلك المفاجأة لجده، لم تكن مفاجأة رحيم أقل وطأة حين أخبر جده وأبيه وسليم أنه سيتمم زواجه من سلمى وهو يقول:
"بكرة بعد جعدة الصلح يا جدي نطلب يد سلمى بنت جابر الهلالي."
وتذكر نظرة الرعب التي هدأت في عيناها عندما حماها من بطش أخيها وهي تحتمي به خلف ظهره. ترى ما سر تلك الرغبة التي سكنت قلبه في حمايتها حتى من أخيها.