وفجأة، وسط ضجيج الهروب وركض ليلى وعالية من رجال أرمان، رن في المكان صوت بنت بتصرخ من ورا باب مقفول. الصوت كان باين عليه الخوف والانكسار: ـ أنتم مين؟! أنا فين؟! حابسيني ليه؟! ليلى وقفت مكانها، قلبها اتقبض، وعالية تبادلت معاها نظرة سريعة، ما كانتش محتاجة كلام. جرت عالية ناحية الباب، دفشته بكل قوتها، وهو اتفتح بصوت فرقعة عنيف! الصورة اللي قدامهم خبطتهم بالذهول.
شهد كانت واقفة في الركن، شعرها منكوش، هدومها مبهدلة، وعينيها بتتحرك بسرعة لكن من غير ما تشوف. إيديها بتتحسس في الهوا حوالينها، كأنها بتحاول تستوعب المكان ببصمتها! عالية قربت منها بخطوات هادية، صوتها نزل بنبرة طيبة: ـ ما تخافيش... إحنا مش هنعملك حاجة. إنتي مين؟ ومين اللي جابك هنا؟ شهد رفعت وشها للصوت، لكنها كانت باصة في اتجاه تاني. صوتها كان مهزوز، فيه رجفة وقلق: ـ أنا فين؟ أنتم مين؟ وجبتوني هنا ليه؟ أنا مش شايفة...
مش شايفة حاجة..! ليلى اتحركت خطوة لقدام، عنيها دمعت من غير ما تحس. همست لعالية بصوت مخنوق: ـ دي... دي كفيفة..! عالية ما ردتش، بس قربت أكتر، ومدت إيدها بلطف، لمست كف شهد برقة: ـ اسمك إيه؟ إحنا هنخرجك من هنا، ما تخافيش. هنهربك معانا... بس يلا بسرعة... قبل ما يرجعوا..! شهد ردت بصوت مخنوق، كأن الكلام بيطلع من بين حبال مشدودة: ـ اسمي... شهد. في حد جابني... بس مش عارفة مين؟
ليلى مسكت إيدها التانية، رغم الألم اللي كانت بتحسه في كل خلية في جسمها، وقالت بصوت مطمن: ـ مش لوحدك يا شهد... تعالي، نخرج من هنا الأول. خرجوا التلاتة من الغرفة، خطواتهم سريعة، وأصوات أنفاسهم تقيلة، مليانة توتر. في عيونهم خوف، لكن كمان فيه خيط أمل... لأن النجاة بدأت. بس الحرب لسه قدامهم..! بعد الهروب، كانوا راكبين العربية، وليلى لسه بتتألم، بصت لعالية وسألتها: ـ عالية، إنتي عرفتي مكاني إزاي؟
عالية كانت سايقة، وكل شوية تبص في المراية علشان تتأكد إن مفيش حد وراهم. لما اتطمنت، خدت نفس وقالت بهدوء: ـ جالي رسالة الصبح على موبايلي. كان فيها لوكيشن ومكتوب رسالة... لو عايزة تنقذي صاحبتك، تعالي هنا... في الأول افتكرتها حد بيهزر، بس بعدين قلت لازم أحاول... والحمد لله لحقتك..! ليلى رفعت حاجبها باستغراب، وقلبها دق بسرعة: ـ طيب مين اللي بعتلك الرسالة؟ عالية هزت راسها وقالت: ـ مش مهم مين... المهم إننا خرجنا من هناك..!
ليلى حاولت تفكر، بس الألم كان أقوى من قدرتها على الاستيعاب. قالت وهي بتشد نفسها: ـ مش هينفع نرجع البيت اللي كنا قاعدين فيه... أرمان عرف مكانه..! عالية بابتسامة خفيفة، وقالت وهي مركزة في الطريق: ـ أنا كلمت صديقتي اللي كنا قاعدين في بيتها، لما اختفيتي، حكيتلها على كل حاجة، وقالت لي لو لقيتك، آخدك ونروح على العنوان اللي بعتهولي ده. البيت آمن، هنقعد فيه شوية لحد ما نقرر هنعمل إيه. ليلى نظرت ليها بعين مليانة امتنان:
ـ مش عارفة أشكر صاحبتك دي إزاي... ساعدتنا كتير..! في اللحظة دي، شهد كانت قاعدة ساكتة، ما نطقتش ولا كلمة من وقت ما ركبوا العربية. عالية لمحتها في المراية، نادت عليها بهدوء: ـ شهد... إنتي كويسة؟ ما اتكلمتيش من ساعة ما خرجنا..! شهد طلعت صوت بالكاد مسموع: ـ الحمد لله... شكرًا إنكم ساعدتوني! ليلى لمست إيدها برقة، رغم إنها أصلا بتتألم من أي لمس، بس حست إن اللحظة دي محتاجة دعم: ـ هو إنتي تعرفي أرمان؟ ليه كان حابسك؟
شهد رفعت وشها باستغراب واضح، عينها اتسعت: ـ مين أرمان؟ أنا معرفش حد بالاسم ده... ومش عارفة مين اللي خطفني، ولا جابوني ليه في المكان ده..! ليلى حاولت تفهم، بس ردت وهي لسه مصدومة: ـ يعني إنتي مش عارفة... أرمان؟ شهد: ـ لا... أول مرة أسمع الاسم ده..! ليلى سألتها بنبرة حنونة: ـ طيب... إنتي مين؟ إزاي نرجعك لأهلك؟ شهد ردت بصوت فيه حزن دفين... صوت مش بس متألم، ده صوت حد موجوع: ـ أنا ماليش حد... أهلي ماتوا..!
سكتت، وساد الصمت بينهم... لكن اللي كان واضح إن شهد ما كانتش بس خارجة من سجن... دي خارجة من حياة كلها وجع..! رن تليفون عالية فجأة، والاهتزاز كأنه هز قلبها. عينيها دارت يمين وشمال، بتدور على حاجة ما حدش شايفها، وبصت في المراية بسرعة، كأنها بتتأكد إن مافيش حد وراهم. همست بصوت واطي، كأنها بتقول لنفسها: ـ رائد... !؟؟ عند راهب...
راهب كان نايم شبه مستقيم على السرير، ضمادة بتغطي نص وشه، وجروحه لسه بتقول إنه راجع من حافة الموت..! فتح عينه بتعب، وبص للدكتور اللي بيعدل في ملفات جنب السرير: ـ دكتور... عايز أخرج خمس دقايق بس... أروح أشوف شهد..! الدكتور بص له من فوق نضارته، صوته كان هادي بس قاطع: ـ ماينفعش دلوقتي يا أستاذ راهب... لازم جسمك يستقر، والجرح لسه جديد. أقل مجهود ممكن يضرك..! راهب بص له بحدة، وحاول يرفع نفسه بالعافية،
صوته طالع من بين ألم وقلق: ـ أنا ما طلبتش أخرج من المستشفى... أنا عايز أروح أوضة اللي جنبي... أطمن على أختي... مش أكتر..! صوت كعب سحر الطوخي دخل المشهد قبل ما تظهر. دخلت الغرفة بهدوء قاتل، كأنها كانت سامعة الكلام من برا. وقفت جنب السرير عينيها فيها قلق مخفي لكنها متماسكة: ـ شهد خرجت الصبح يا راهب... عبد الحميد معاها، وإنت أول ما تتحسن هتشوفها..! راهب لف وشه ناحيتها، وعينيه مليانة ارتباك: ـ خرجت؟ طيب ليه ما قالتليش؟
سحر قربت منه شوية، صوتها نازل ناعم بس ثابت: ـ كل حاجة في وقتها، أنت لسه خارج من عملية تجميل صعبة. جسمك مرهق، وعقلك مش جاهز يشيل هم تاني دلوقتي. خلي بالك من نفسك وبعد كده، هتشوفها وتطمن عليها..! الدكتور لمح الفرصة وأكد كلامها بنبرة طبية صارمة: ـ هي عندها حق. جسمك محتاج يرتاح... الضغط على الجرح ممكن يعمق الإصابة... أي حركة مفاجئة دلوقتي مش في مصلحتك..! راهب شد الغطا على صدره بقهر، وصوته نزل بهمس متقطع:
ـ أنا بس كنت عايز أشوفها... بس أطمن عليها..! سحر بصت له للحظة، وقلبها اتشق بين الكذب اللي قالته، والخوف من اللحظة اللي هيعرف فيها الحقيقة. لكن كان لازم يحافظوا عليه، على جرحه، وعلى قلبه اللي لو عرف دلوقتي، ممكن ما يستحملش..! ثم... يرن هاتف سحر الطوخي بنغمة هادئة لكنها قطعت الجو المتوتر في غرفة راهب. بصت للشاشة، واسم أرمان لمع قدامها زي تحذير مخفي..! ضحكة صغيرة سريعة طلعت منها وهي بتستأذن: ـ هخرج دقيقة بس.
وخرجت بهدوء، كأنها خارجة تاخد نفس مش تعمل مكالمة فيها اعتراف بالخطف. سحبت باب الغرفة وراها، ومشيت بخطوة واثقة لحد ما بعدت شوية، ثم ردت، والصوت على وشها اتبدل لنبرة ترف مفعمة بالثقة: ـ كنت مستنيك تتصل، بس شايفاك اتأخرت..! صوت أرمان جه مشحون وهادي في نفس الوقت، بس خلفه نيران: ـ ممكن أفهم؟ ليه خلتيني أخطف شهد؟ ضحكت سحر، والرضا باين على كل حركة في وشها وهي بتتكلم:
ـ كان لازم أخلق سبب يخلي عبد الحميد العراف يبعد عن فكرة النزول مصر مؤقتًا... أنا لسه شغلي هنا مخلصش، والأهم من ده... مش ممكن أسيب راهب في الحالة دي... وإنت عارفني كويس، مش بسيب حاجة للصدفة... أرمان ضحك بس بخفة مش مطمئنة: ـ لا فعلا... ذكية، زي ما متوقع..! لحظة صمت قصيرة، قبل ما يرمي قنبلته: ـ بس عندك مشكلة صغيرة، شهد هربت... مع ليلى! الكلمات وقعت في ودن سحر زي صوت رصاصة... كأن الزمن نفسه وقف يستنى رد فعلها...
صلي على الحبيب 💙
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!