سحر رفعت التليفون تاني وغمغمت: ـ أنت متأكد إنها هربت مع ليلى؟ جاء صوت أرمان حاد من الناحية التانية: ـ أيوه... بس السؤال بقي، عالية عرفت منين المكان ده؟ سحر شهقت بصوت خافت، واتلفتت حواليها كأن بتحاول تلم نفسها قبل ما تنفجر، وقالت بحدة: ـ أنت بتسألني أنا؟! المفروض أنا اللي أسألك، إزاي قدروا يهربوا منك؟ أرمان تنفس بعمق، صوته بقى فيه نبرة ندم: ـ مش مهم إزاي...
المهم إنهم هربوا، وأكيد هيختفوا تاني، وساعتها مش هعرف أوصلها أبدًا. سحر زفرت، وهي تضغط على أسنانها: ـ أنت غبي. وقبل ما يرد، قفلت المكالمة. نظرت في الفراغ لحظة، قبل ما تبتسم ابتسامة باردة فيها سخرية: ـ مهمة قويتي يا ليلى؟ ... أنتِ في كف إيدي.؟! سحر تدخل الغرفة بعد ما الدكتور يخرج، خطواتها ناعمة لكنها وراها نوايا مش بريئة. راهب نايم على السرير، باين عليه التعب، بس عينيه مفتوحة وبيراقبها وهي بتقرب. سحر بصوت هادي:
ـ كنت خايفة عليك... قلبي كان هيقف، وأنت جوه في العمليات. راهب ما يردش، بس عينه ما بتتهزش عنها. يشد نفسه، ويقعد شوية في السرير. لما تمد إيدها، وتلمس إيده ما يبعدهاش. سحر تبتسم، وتشوفها فرصة، تقرب أكتر وتحط إيدها على خده، تمسح عليه بحنية: ـ أنا كنت جنبك طول الوقت... ما سبتكش لحظة. أنت حبيبي... الراجل اللي اتمنيت أعيش معاه. راهب يبص لها بعيون ناعسة، ملامحه شبه مستسلمة، يقرب منها، ما يبعدهاش، بصوته واطي:
ـ بتحبيني للدرجة دي؟ سحر بنفس مكسور واشتياق: ـ وأكتر... من أول لحظة شفتك فيها، ما كنتش ابن جوزي، بعيوني، كنت أنت الراجل اللي قلبي ناداه... راهب يقرب أكتر، يلمس وشها بإيده، بنظرة فيها حاجة ما تتقريش بسهولة. سحر تستسلم، وتقرب تبوسه... وقبل ما توصل لهدفها، صوته يطلع حاد، جامد، بارد: ـ من اللحظة دي... تنسي. ـ تنسي كل كلمة قولتيها. ـ تنسي اللي بينا... وتنسيني كمان. سحر تتجمد مكانها، عينيها بتترجى، قلبها بيقع في رجليها:
ـ مالك؟ اتغيرت ليه؟ محسسني إنك أول مرة تقرب مني..؟! راهب يقوم من السرير بالعافية، يبعدها عنه، صوته فيه غضب وكراهية لنفسه: ـ أنا اللي غلطت، غلطت إني خليتك تفكري للحظة إنك قريبة... ـ ولا هتكوني، فاهمة؟! ـ أنتِ بالنسبالي... حاجة لازم تتنسى. سحر بدموع مكتومة: ـ لا، أنت بتكذب على نفسك... راهب يفتح الباب ويأشر لها تخرج: ـ لأ، أنا فوقت... وأنتِ كمان لازم تفوقي.
سحر تطلع من الغرفة بخطوات متخبطة، الباب يتقفل وراها بعنف، والصوت يرن في ودانها كصفعة. تتسند على الحيطة، وتحط إيدها على صدرها كأنها بتمنع قلبها يوقع منها. تتمتم بمرارة، بصوت مخنوق من البكا: ـ فوقت؟ ـ فوقت دلوقتي؟ بعد ما فتحتلك قلبي... بعد ما مشيت ورا إحساسي زي المجنونة؟ تضحك ضحكة قصيرة، يملأها الألم والسخرية: ـ أنت نسيت نفسك، بس أنا... أنا الغلطانة. ـ صدقت إنك محتاجني، صدقت نظرتك، لمستك، سكوتك اللي كان بيقول كل حاجة.
تمسح دموعها بسرعة، وتعدل وقفتها، تتحول ملامحها من الانكسار للجمود والتصميم: ـ ماشي يا راهب... ـ من النهارده أنا كمان نسيتك، بس الفرق بيني وبينك... أنا ما بنساش من غير تمن.؟! تلف وتبعد، خطواتها أسرع، وكل خطوة فيها وعد بانتقام ناعم... ساكن... قاتل. عند ليلى همست بصوت واطي، كأنها بتقول لنفسها: ـ رائد...
ليلى، رغم الألم اللي مالي جسمها، ورغم الذكريات اللي كانت لسه بتلسعها، فجأة نسيت كل ده، ووجهها اتغير، تحول لبنت صغيرة خايفة على سرها. قالت بسرعة، بعينين بتترجى: ـ عالية، لا... ماترديش..! عالية خدت نفس عميق، صوتها كان هادي، بس حاسم: ـ ماينفعش، لازم نرد. هو كلمني لما اختفيتي... وكنت أتحجج وأقوله إنك في المعمل ومشغولة... وبتسيبي تليفونك في البيت..! ليلى زفرت وهي تبص من شباك العربية، بنبرة فيها هروب طفولي:
ـ خلاص كلميه أنتِ... أنا مش هكلمه..! شهد، اللي كانت ساكتة من ساعة ما طلعوا من المكان، ابتسمت لأول مرة. ابتسامة صغيرة طلعت من قلبها رغم اللي شافته، من طريقة ليلى البريئة وهي بتهرب من مكالمة..! سألت، بنبرة خفيفة: ـ مين رائد؟ ... اللي مش عايزة تكلميه؟ ليلى رفعت عينيها، وقالت بصوت شبه هامس: ـ رائد... أخويا الكبير..! شهد استغربت: طيب ليه... مش عايزة تكلميه؟ أكيد هو قلقان عليك..! عالية مدت التليفون لليلى، صوتها كان
دافي وهو بيحاول يطمنها: ـ ردي عليه وطمنيه. أنتِ عارفة أخوكي لما بيقلق ممكن يصحى الصبح يلاقي نفسه حاجز طيارة وجايلك هنا. وأنا وأنتِ مش ناقصنا ده دلوقتي... خليني أركن شوية، وأنتِ اهدي وكلميه..! ركنت العربية على جنب، وفتحت الباب الخلفي. مدت إيدها برقة علشان تساعد شهد تنزل: ـ تعالي، نشم شوية هوا... لحد ما ليلى تخلص.. مكالمتها..!
ليلى كانت ماسكة التليفون في إيدها، بتبص فيه كأنه بيزن فوق قلبها. حاولت ترتب ملامحها، تخفي كل الدموع اللي جواها، وردت بصوت هادي وهي بتحاول تبان طبيعية: ـ أيوه يا رائد... عامل إيه يا حبيبي؟ صوت رائد جه مليان قلق، كأنه مستني اللحظة دي بقاله أيام: ـ إيه يا ليلى؟ قلقتيني عليك! كل ما أرن على... تليفونك، عالية ترد وتقول لي إنك في المعمل... للدرجة دي مشغولة؟ مش قادرة تفضي نفسك دقيقتين؟ تطمني أخوكي... اللي بيحبك..!
ليلى عضت شفايفها، وهي بتحاول... تسيطر على ارتجاف صوتها: ـ أنا آسفة يا رائد... اليومين دول فعلًا كنت مشغولة.. قوي في البحث. بس أنا كويسة، طمني عليك..! رائد رد بعد لحظة صمت، صوته كان مخنوق: ـ ناقصني وجودك يا ليلى... أنا عارف إنك بتحاولي تحققي حلمك، بس نفسي ترجعي. البلد من غيرك فاضية... وجدو دايمًا بيسأل عليكي. بيقول ليلى هترجع إمتى؟ قلب ليلى اتشد، ودمعة نزلت على خدها وسابت أثر حارق، كأنها بتمسح الشوق والذنب:
ـ سلم لي عليه... أنا كمان مشتاقاله. مفتقدة حضنه... ومحتاجاه أوي. بس مقدرش أرجع دلوقتي. مش قبل ما أخلص اللي بدأت فيه..! رائد قال بصوت مكسور: ـ خلي بالك من نفسك... وجدو نايم دلوقتي، بس حاولي تكلميه بكرة، هو مشتاق يسمع صوتك..! ليلى أغمضت عينيها، ومسحت دمعتها بسرعة: ـ حاضر. سلم لي عليه كتير... قول له إنه وحشني.. وإني بحبه... وإني هارجع له في يوم... بس مش.. دلوقتي..!
ليلى كانت لسه بتنشف دموعها بعد المكالمة، تحاول ترجع نفسها وتخبي الاشتياق اللي كسرها من جوه. عالية مدت إيدها بهدوء وخدت التليفون منها: ـ أنا هعمل مكالمة، وبعدين نتحرك، تمام؟ مشيت بعيد شوية، صوتها بدأ يختفي وسط الأشجار. ليلى لفت على شهد، شالت خصلة شعر طايرة من على وشها، وقالت بنبرة هادية مليانة حنية: ـ أنتِ كويسة؟ بردتي، تحبي تقعدي في العربية؟ شهد ابتسمت بخفة، مسكت إيد ليلى:
ـ طول ما أنتِ معايا، أنا مطمنة. وبعدين الجو حلو. فجأة... الأشجار قدامهم بدأت تتحرك، أوراق بتتهز، غصون بتصدر صوت مرعب كأنها بتتقطع، وظل ضخم بدأ يخرج من بينها. ليلى اتسعت عينيها، ووشها شحب فجأة، وصرخت بكل خوفها: ـ اهربي! شهد اتجمدت مكانها، ما شافتش حاجة، بس صرخة ليلى زرعت الرعب جواها، وصرخت هي كمان من غير ما تفهم إيه بيحصل.؟ عالية جريت عليهم مفزوعة، قلبها وقع من صوت الصريخ: ـ في إييييييه!! بتصرخوا ليه؟!!
بصت حواليها بعين بتدور على أي خطر، على أي تفسير، بس المشهد كان مرعب... ولسه ما بانش وش اللي خارج من الأشجار..؟!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!