في عيادة فخمة بتفوح منها ريحة المعقمات والقلق... عبد الحميد قاعد قدام الدكتور أيهم، عينه فيها ريبة، وصوته محمل بالضغط: ــ دكتور... سحر قالتلي إنها حامل…! بس أنا وأنت عارفين… إني كنت بتعالج من إصابة منعتني أخلف سنين طويلة. الدكتور أيهم عدّل نضارته بهدوء وبص في الملف قدامه، وقال: ــ بص يا عبد الحميد بيه... أنا مش هكذب عليك، حالتك فعلًا كانت صعبة… لكن بقالك سنين بتاخد علاج منتظم... وآخر تحاليلك كانت بتشير لتحسن بسيط…!
عبد الحميد قطّب جبينه: ــ بسيط يعني إيه؟ ينفع يحصل حمل؟ الدكتور أيهم تنحنح، وقال بنبرة محسوبة: ــ علميًا... الاحتمال كان ضعيف. بس مش مستحيل… ولو سحر فعلًا حامل، يبقى وارد يكون ابنك... خصوص مع طول فترة العلاج… اللي أنت كنت ماشي عليه…! بس علشان نقطع الشك، لازم نعمل تحليل حديث… للسائل المنوي، ونشوف إذا كان فيه أي تغيرات… إيجابية! عبد الحميد يهز راسه بشك: ــ يعني فيه احتمال… إن الطفل ده يكون ابني؟! الدكتور
أيهم بابتسامة محسوبة: ــ احتمال ضعيف... بس موجود. ولو سحر حامل… فعلًا، التحليل ده هيجاوب على كل الأسئلة! عبد الحميد يتنهد، يطلع من جيبه علبة السجائر… ويفتحها، وبعدين يقفلها تاني بدون ما ياخد سيجارة، عقله مشغول: ــ طيب أعمله دلوقتي... أنا عايز أعرف الحقيقة! الدكتور أيهم يهز راسه: ــ تمام، تعالى بكرة الصبح على صيام… وهنجهز التحليل! بعد ما يخرج عبد الحميد من العيادة...
الدكتور أيهم يفتح درج مكتبه… يطلع ورقة فيها نتائج جاهزة…؟! *** دخل راهب مسرعًا من باب الفندق… يتلفت حوله كمن تأخر عن شيء مهم… الوقت يضغط، والوجوه حوله بلا ملامح… اندفع نحو المصعد، لكنه اصطدم فجأة بفتاة خارجة.. بنفس سرعته! اهتز جسده للحظة، لكن الفتاة لم تتوقف… أكملت طريقها بسرعة، غير مبالية بالاصطدام… وهي تمشي، التفتت نحوه بخفة، وشعرها التف معها.. في حركة ناعمة. رفعت يدها سريع وقالت: ــ آسفة! تجمد راهب في مكانه.
شهقته خرجت كأنها حشرجة: ــ ... ليلى؟! نظر إليها مذهولًا، يراها تبتعد تخترق بهدوئها عالمه الذي ظل معلقًا بها لسنوات.. ليلى؟ هنا؟ في مصر؟ بعد كل ما فعله ليجدها في... هولندا؟ رن هاتفه، كأنه يجبره على العودة للواقع… رفعه إلى أذنه وعيناه ما زالتا تلاحقانها: ــ ألو؟ راهب بصوت غائب: جاءه الصوت من الطرف الآخر، متوترًا: ــ راهب، ليلى مالهاش أي أثر في هولندا كلها… رجالاتي فتشوا كل مكان ممكن تكون فيه، اختفت…
بلع راهب ريقه، وهمس كأنه يخبر حلمًا بالحقيقة: ــ ليلى... هنا! الطرف الآخر بصدمة: ــ إيه؟ هنا إزاي؟ في مصر؟! لم يرد راهب. أغلق المكالمة بعنف عندما رآها… تعود… ليلى كانت تقف أمام الفندق… ومعها شاب يبدو من موظفي خدمة التوصيل… سمعها تقول له: ــ آسفة، نزلت مستعجلة ونسيت الفلوس فوق… هطلع أجيبها حالًا! الشاب بابتسامة: ــ ولا يهمك يا مدام، هستنى حضرتك هنا!
راهب لم يصدق عينيه. كانت أمامه… تمر بجواره وكأنها لا تعرفه… صعدت إلى غرفتها، ثم نزلت بعد دقائق… تبحث بعينيها: ــ راح فين ده؟! … سبته هنا! اقترب منها راهب ببطء وقال: ــ أنا… حسبته! ومشي… ليلى التفتت إليه، نظرت له من رأسه حتى قدميه… ثم عقدت حاجبيها: ــ ومين حضرتك عشان تدفعلي الحساب؟ تألم راهب من السؤال. نظراتها غريبة… باردة، كأنها تنظر إلى شخص غريب تمامًا… داخل نفسه، صاح:
ــ أكيد مش هتعرفيني… بعد ما شكلي… وصوتي، اتغيروا واتكسروا في الطريق… اللي اخترته! ليلى لاحظت صمته الطويل ونظراته الثقيلة: ــ ألو؟ … حضرتك معانا هنا ولا سافرت؟! ثم وضعت المال في يده بقوة: ــ دي الفلوس اللي دفعتها… شكرًا! واستدارت ورحلت… ببساطة! ظل راهب واقفًا، عيناه معلقتان بها كأن روحه خرجت معها. بعد لحظات، جاءه صوت من خلفه، كان يوسف: ــ راهب! واقف ليه؟ اتأخرنا على الاجتماع… الناس جوه مستنيانا!
راهب لم يرد إلا بعد لحظة، ثم تمتم بصوت خافت: ــ ... يلا…؟ *** في فيلا العراف سحر كانت قاعدة على الكرسي الهزاز… بتتحرك ببطء كأنها بتعد أنفاسها... نظرتها فيها بريق نصر، لمعة شيطانية بتلمع في عينها، وابتسامة خفيفة على شفايفها… تمتمت لنفسها، بصوت واطي لكنه مليان خبث: ــ ما كنتش أعرف إن استغلالك ليا يا أرمان... هيكون في صالحي! ضحكت ضحكة قصيرة… ثم بصت للباب… كأنها شايفة المستقبل بيتفتح قدامها: ــ الطفل ده...
هو الكارت الذهبي بتاعي... بيه هتحكم في عبد الحميد، وأخليه تحت رجلي… لا يقدر يقول آه ولا لأ! سكتت لحظة، وكأنها بتستمتع بالفكرة… ثم شردت بنظرة حادة: ــ أما أنتي يا ألما... ليكي عندي مفاجأة، هتعجبك أوي... هدية من النوع اللي يخليكي تفكري ألف مرة… قبل ما تلعبي مع سحر الطوخي! وقربت وشها للمرآة اللي قدامها وهمست كأنها بتتكلم مع طفلة: ــ أنتي لسه صغيرة يا شاطرة... واللعبة اللي بتحاولي تلعبيها كبيرة أوي عليكي!
لمست بطنها بخفة، وابتسامتها بتتسع كل لحظة! *** في غرفة ليلى جلست على طرف السرير، تضع يدها بلطف على جبين شادي، الذي يتقلب في نومه بحرارة مرتفعة. كانت عالية تحمل الطفل للحظة بين ذراعيها قبل أن تعيده إلى سريره بلطف! عالية بصوت مطمئن: ــ ما تخافيش… هيكون كويس، شوية وحرارته هتنزل. ليلى تمسك يد شادي الصغيرة تقبلها بحزن، ثم ترفع عينيها إلى عالية: ــ تفتكري… هقدر أحافظ عليه؟ عالية تجلس بجوارها، تمسك يدها بحنان:
ــ أنتي أعظم أم ربنا اختارها لشادي… هو محظوظ بيكي! صمتت ليلى، دموعها تترقرق وعيناها على ابنها، ثم همست بصوت مختنق: ــ بس… أنا خايفة لما يكبر… ما يسامحنيش… إني حرمته من أبوه! عالية تمسح دموعها، تحدق فيها بعينين دامعتين: ــ هو اللي حرم نفسه… هو اللي خدعك. أرناط السبب في كل حاجة حصلت… ليكي ولشادي. هو ما يستاهلش يكون جزء من حياتكم! هزت ليلى رأسها بألم، وصوتها خرج كأنه اعتراف: نفسي يرجع… وأسأله… هو ليه عمل فيا كده؟
ما عملتلوش حاجة… أنا والله العظيم، حبيته! ما كانت تدري أن الباب خلفها ما كان مغلقًا جيدًا… وأن راهب كان يقف خلفه… يسمع كل حرف! دمعة هربت من عينيه، وانكسرت على خده… همس لنفسه، كأن الجرح داخله يئن: ــ كنت غبي… لما اخترت أخسرك! مسح دموعه بكف مرتجفة… واستدار مغادرًا في الممر الطويل… كل ركن في قلبه مكسور… ميت! عالية تفتح ذراعيها وتضم ليلى إلى صدرها… تحاول احتواء ارتجافها… عالية بهمس دافئ: ــ تمام… اهدي، أنا جنبك…
ليلى تشهق شهقة طويلة وصوتها يطلع من مكان موجوع في قلبها: ــ أنا حاولت أنسى… بس الوجع ما بينامش… بينطلي في كل ضحكة، في كل لحظة لوحدي… حتى شادي، لما بيبصلي بعينيه… بحس كأني شايفاه هو! عالية تمسح على ظهرها بلطف وتشد الحضن كأنها عايزة تمتص عنها كل التعب: ــ صدقيني هو اللي لازم يتوجع مش أنتي! ليلى تهمس بصوت منكسر: ــ بس ليه؟ ليه خدعني؟ ليه كنت لعبة؟ أنا كنت مستعدة أضحي بكل حاجة عشانه… عالية تشد على إيدها،
وتبص لها بعيون ثابتة: ــ علشان ما كانش يستاهلك… بس ربنا وهبك هدية أغلى من أي حب… شادي! لحظة طويلة تمر… ليلى تبكي، وعالية تضمها أكثر… والهدوء في الغرفة يحمل وجع السنين… عالية وهي بتبص لليلى بنظرة فيها حزم وقلق: ــ ما ينفعش نفضل في الفندق... رائد وجدك لازم يعرفوا إنك في مصر… ليلى وهي قاعدة على طرف السرير صوتها واطي ومليان حيرة: ــ كنت بس محتاجة وقت... أرتب دماغي… أفكر... لما أقف قدامهم هقولهم إيه؟ عالية
تقعد جنبها وتلمس إيدها: ــ هنفكر سوا، وهنرتب كل حاجة… بس لازم تكوني جاهزة تقفي قدامهم... مش علشان تبرري، بس علشان… نقدر نعدي المرحلة دي… ليلى تسند راسها على كتف عالية… صوتها مبحوح من كتر التفكير: ــ خايفة يا عالية... خايفة أقف قدامهم وأنهار… ليلى تغمض عينيها… تاخد نفس عميق كأنها… بتحاول تجمع شتات نفسها!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!