سحر تدخل غرفة راهب على أطراف أصابعها، تشوفه نايم بهدوء على السرير. تقفل الباب من وراها ببطء، تتقدم منه بخطوات مترددة، وتقعد على طرف السرير. عيونها تسرح في ملامحه، كلها شوق وحب رغم إنه ما عطاها يوم حتى ذرة اهتمام. ومع ذلك... لسه بتحبه! تمد يدها تلمس خده، وفجأة، يفتح عينه بفزع. كان هيصرخ، لكن بسرعة تحط إيدها على فمه. سحر بهمس: شش... ما تطلعش صوت... راهب يشيل إيدها بعصبية، ثم يرفع اللحاف، ويقوم واقف بحدة:
هو إنتي ماعندكيش دم؟! أبويا في البيت، وإنتي داخلة عليا في الوقت ده؟! سحر ببرود واطمئنان: ما تخافش قوي كده، أبوك نايم... ما بيصحاش غير الصبح... يمسكها من ذراعها بعنف: اطلعي بره! أنا قلت الأوضة دي ما تدخليهاش تاني! رغم القسوة، سحر تبتسم بحزن وتحط يدها على خده: أعمل إيه؟ بحبك. حتى قسوتك... بحبها... راهب يبعدها عنه بخشونة: أنا قلتلك طلعيني من دماغك! اللي بتفكري فيه مش هيحصل... مستحيل! تحط إيدها على قلبها، وتقول بتوجع:
أشيلك من هنا... تشاور على صدرها! ولا من هنا؟ تشاور على راسها! بقولك بحبك! راهب بانفجار: وأنا ما بطيقش حتى أبص في وشك! افهمي بقى! سحر تسكت لحظة، وبنظرة متحدية ترمي القنبلة: غصب عنك هتتعود على وجودي... لأني هجيبلك أخ! راهب بذهول: إيه؟! سحر بخبث وهي تلمس بطنها: أنا حامل... في أخوك... راهب باحتقار: الكلام ده يمكن يمشي على أبويا... إنما أنا لأ. مين أبو اللي في بطنك؟ سحر تتمسكن وتتدلع: كنت بتمنى يكون منك...
ما تمنيتش حد يلمسني غيرك... راهب بعينين ناريتين: كدبك هيبان... وهكشفه... أنا متأكد إن اللي في بطنك مش من أبويا، ولا لي علاقة بيا يا مرات أبويا! ودلوقتي... اطلعي بره. وجودك بيحسسني بالقرف. سحر تتحول فجأة، تصرخ، وتفتح باب الغرفة وهي تولول وتتصنع الانهيار: إلحقني يا عبد الحميد! ابنك عايز يسقطني! راهب مذهول: إنتي بتعملي إيه؟! سحر بتضحك وسط الصريخ: عبد الحميد! الحقني! ابنك قتل ابني!
يدخل عبد الحميد ومعاه شهد على صوت الزعيق. سحر ترتمي في حضنه، والدم نازل من بين رجليها. سحر بأنفاس مقطوعة: ابنك... قتل ابني... تقع مغمى عليها... راهب بذهول ودفاع: والله ما لمستها! دي بتمثل! عبد الحميد يبص له بنظرة نار، مصدق سحر. شهد بعينين متحجرتين بهما الدموع: قتلته... زي ما قتلت سيف... إنت قاتل... مجرم... راهب يحاول يقرب منها، يمد إيده... لكنها ترتعش وترجع للخلف: شهد بصدمة: ابعد عني! ليه قتلته؟ ليه؟! راهب:
أنا ما قتلتش حد! دي بتكدب! والله ما لمستها... عبد الحميد يشيل سحر بسرعة يصراخ: اتصل بالإسعاف! حسابك معايا بعدين! اليوم التالي في الصباح نزلت ليلى من العربية، وقفت قدام البيت الكبير... اللي بيطل بواجهته الهادية على جنينة صغيرة... لكن منظمة، وأنيقة بشكل يريح القلب... لحقتها عالية، فتحت شنطة العربية وسحبت منها... عربية أطفال فيها سرير صغير، نايم فيه شادي... وبدأت تزقه بهدوء لحد ما وقفت جنب ليلى... قالت بصوت واطي،
كأنها بتحترم سكون اللحظة: يلا ندخل... ليلى أخدت نفس عميق، عينيها اتنقلت... على ملامح البيت اللي كان في يوم وطنها... خطوتها كانت مترددة، لكنها ثابتة... وكل ما بتقرب، ذكريات بتقرب أكتر... في ركن من أركان الجنينة، كان راجل كبير في السن بينضف حوالين شجرة قديمة... ليلى ثبتت نظرها عليه، وابتسمت... دي الشجرة اللي كانت بتجري حواليها هي ورائد زمان... ومشهد الطفولة رجع بوضوح... رائد بيتخبى ورا الشجرة، وليلى
بتجري وراه وهي بتضحك: همسكك... رائد بيرد وهو بيجري بصوت طفولي فرحان: مش هتعرفي، أنا أسرع منك! رجعت ليلى لواقعها... بس قلبها لسه متعلق باللحظة القديمة... كانت على وشك تنادي على جدها، بس قبل ما تطلع الكلمة من بقها، فجأة قال بصوت فيه دهشة: ليلى؟ التفت ولقاها قدامه، عينيه نوروا، فتح دراعاته... وليلى ما ترددتش لحظة... جريت، واستخبت في حضنه، كأنها بنت صغيرة بتتخبى من برد الدنيا كلها. ليلى وهي بتعيط: جدو أكمل...
وحشتني قوي... مسح على شعرها بحنية وهو بيهمس: وأخيرًا، رديتي لجدك العجوز روحه تاني... ليلى بعدت شوية عنه، وقبلت إيده: سامحني يا جدو... ابتسم أكمل ودموع الفرح بتلمع في عينيه: إنتي حفيدتي الغالية، ومهما قسيتي... أنا بمحي... وبنسى... حضنته تاني، حضن كانت بتتمناه من سنين... من يوم ما سافرت وهي طالبة، وتخرجت، واتعينت معيدة... بس قلبها ما كانش ساب البيت يوم. بصلها أكمل بحنية، وبعدين نقل عينيه لعالية، اللي
واقفة جنب عربية الطفل: عاملة إيه يا عالية يا بنتي؟ عالية قربت منه، وباست إيده بمحبة: شوفتك بخير يا جدو أكمل... بقيت كويسة أهو... بص أكمل لعربية الطفل باستغراب... وصوته طلع تلقائي: مين ده؟ ابن مين؟ ليلى اتجمدت للحظة، مافيش صوت طالع منها. عالية قربت من العربية، وشالت الطفل بابتسامة: ده شادي... ابني، يا جدو أكمل. ليلى بلعت ريقها بصعوبة، وهي شايفة جدها بيقرب من شادي، خده في حضنه، وباسه من جبينه:
ما شاء الله، تبارك الرحمن... ربنا يحفظه ليكي يا بنتي. عالية: يا رب، تسلم يا جدو... سأل أكمل باستغراب صادق: بس ما قلتوش إنك اتجوزتي... فين أبوه؟ ما جاش معاكي؟ ليلى غمضت عينيها، والمشهد ضرب في بالها... خناقة، صراخ، دمعة، وانكسار... وأرناط بيقع على حافة الترابيزة... وبيروح من غير وداع... عالية تدخل بهدوء، صوتها فيه ألم مكسور: جوزي مات في حادث، بعد ما شادي اتولد بأيام، يا جدو... وفي لحظة، انضم رائد...
لف دراعيه حوالين ليلى من ورا... وضحكته العالية غطت على الجو... ليلى بضحك: نزلني... يا رائد! لفها زي زمان، زي ما كان بيعمل وهي صغيرة. ضحكت من قلبها... كأن الوجع اللي جواها هدأ فجأة. نزلها، حضنها بقوة: وحشتيني يا قلبه... يا روحي... ليلى بحب وشوق: والله إنت اللي وحشتني... رائد عبس بدلع: ليه ما قولتيش إنك نازلة؟ كنت جيت جبتك من المطار! ليلى نظرت لعالية في صمت، وقالت جواها: حتى أنا، يا رائد... ما قالوليش إني نازلة...
عالية قطعت الصمت بضحكة: إيه يا داك! مش هتسلم عليا ولا إيه؟ رائد ضحك وسلم عليها: آسف جدا يا عالية... حمد الله على السلامة. وبعدين بص للطفل اللي جده شايله: مين ده؟ في المستشفى عبد الحميد واقف قدام باب الغرفة، إيديه متشابكة وعينه معلقة بالممر، منتظر الدكتور يخرج يطمنه على سحر والجنين. فجأة، بيرن تليفونه، ولما شاف الاسم على الشاشة قال بسرعة بتوتر: أيوه، يا أيهم؟ الدكتور أيهم بحماس:
الحمد لله، نتيجة التحاليل وصلت، وقلت لازم أبشرك بنفسي... الإصابة القديمة اتعالجت، يا عبد الحميد. بيه تقدر تخلف تاني. والطفل اللي سحر حامل فيه... ابنك! عبد الحميد ما صدقش نفسه، ابتسم ابتسامة مهزوزة بين الذهول والفرحة، بس قبل ما ينطق بكلمة، باب الغرفة اتفتح وخرج الدكتور بوجه حزين: سحر هانم بخير... بس الطفل نزل. حصل إجهاض.
الفرحة اتكسرت في لحظة، كأن السقف وقع على راس عبد الحميد. في اللحظة دي، كان راهب واقف جنب يوسف، وشه متجمد. عبد الحميد لف ناحيته، عينه مليانة غضب، واندفع عليه، ماسكه من ياقة قميصه بعنف: قتلت أخوك... يا كلب! مش هرحمك... مش عايز أشوف وشك تاني! راهب بيحاول يدافع عن نفسه: أنا ما عملتش حاجة! وبعدين اللي كانت حامل فيه ده مش... عبد الحميد ضربه بالقلم قبل ما يكمل: اخرس... يوسف متدخل: عمي، ما ينفعش كده، اهدأ شوية! عبد
الحميد بيشاور على راهب: قتلت أخوك عشان الطمع... عشان الثروة... تروحلك لوحدك، بس والله ما هتشوف منها جنيه! اطلع بره... مش عايز أشوفك هنا تاني! يوسف شد راهب من دراعه: تعال معايا، يا راهب، دلوقتي مش وقت الكلام... راهب كان مصمم يرد، بس يوسف شده وهو بيقول بهدوء: علشان خاطري... يا راهب... امشي! قدام المستشفى، في الهواء البارد كان الهواء بيصفر حوالين يوسف وراهب... بس اللي جوا قلب راهب كان أشد برودة... يوسف بنبرة هادية،
بيحاول يهدي نار ابن عمه: اهدأ شوية، عمي قال الكلام ده وهو منهار... ما كانش واعي لكل كلمة. لما يروق، هيفكر بعقله وهيعرف الحقيقة. راهب بعصبية متفجرة، عينه بتبرق من الغيظ: اللي بيجنني إنه صدق! صدق إنها حامل منه! يوسف بتردد، صوته منخفض: ما يمكن... فعلا يكون ابنه؟ راهب بضحكة قصيرة حزينة، فيها مرارة: سحر بتكدب يا يوسف! لو كان ابنه بجد... كانت وقفت قدام العالم كله علشانه... بس ضحت بيه... بسهولة...
كأنها بتتخلص من نقطة ضعف كانت هتفضحها! يوسف، بحيرة: بس ليه تعمل كده؟ ليه تتهمك بإجهاضها؟ راهب بيقولها بأسى، وكأنه شايف الصورة قدامه بوضوح: علشان عارفة إني كنت هكشف لعبتها... وأثبت إن اللي في بطنها مش ابن عمك، اللي مصدق إنه ممكن يخلف، رغم إن كل الدكاترة قالوا... إنه مستحيل يخلف، بعد الحادثة... يوسف بصوت واطي: طيب... مين أبو الطفل؟ راهب بهمس مشوش، كأنه بيكلم نفسه: ما أعرفش... بس متأكد إنها خططت لكل تفصيلة...
حتى اللحظة دي، كانت محسوبة. هي عايزة تبعدني عن أبويا تمامًا! يوسف بعزم ضعيف: عمي... مش ممكن يستغنى عنك، مهما حصل. راهب بعين فيها مرارة وغصة بيكتم وجع أعمق من الكلام: لو كنت شفت عينه وهو بيبصلي... كنت فهمت. أنا خرجت من قلبه خلاص... وسحر؟ سحر كسبت أول جولة من لعبتها. يوسف بيحاول يتماسك: اهدأ يا راهب... أكيد هنلاقي حل. راهب بنبرة قاطعة، وملامحه فيها قرار اتخذ خلاص: يوسف... اللي كنت مأجله، جه وقته!
يوسف بتوتر وخوف من القادم: راهب، أرجوك... اللي ناوي عليه ممكن يولع الدنيا أكتر بينك وبين عمي. خلينا نهدى ونفكر بالعقل. راهب بصوت غليظ، من غير ما يبص له: يوسف، نفذ اللي قلت لك عليه... وبسرعة! يوسف بهمس مطيع: حاضر، يا راهب... حاضر، ربنا يستر. راهب بعد ما خلى ضهره ليوسف، مشي خطوتين لقدام. وقف، رفع راسه للسماء، والبرد بيقرص وشه وقال بصوت بالكاد مسموع، كأنه بيوقظ شبح مدفون: راهب بغموض مرعب: جاء الوقت...
اللي تطلع فيه من كفنك... وترجع تاني يا أرناط!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!