جلسوا جميعًا في الصالون، بعد أن أزالوا بعضًا من شوق الغياب الطويل، والسكينة تتسلل بهدوء بين أنفاسهم. قال رائد وهو ينظر إلى عالية: ــ أنا هشوف واحدة تيجي تنضف الشقة اللي فوق، عشان عالية وشادي يقعدوا فيها! عالية ردت بإحراج وهي تبص في الأرض: ــ ما تشغلش بالك يا رائد، أنا هشوف لي بيت قريب. لكن أكمل، اللي لسه شايل شادي في حضنه، بص لها بحنان وقال: ــ البيت هنا كبير، وأنتِ زيك زي ليلي. وبعدين... أنتِ عايزة تبعدي عن صحبتك؟
عالية بصت لليلي وضغطت على إيدها بحب: ــ ليلي مش صاحبتي يا جدو، ليلي أختي، وما ليش غيرها في الدنيا بعد ما أهلي ماتوا! ليلي نزلت دمعة من عينها، وحطت إيد عالية بإيدها الثانية: ــ وأنا لو كان عندي أخت حقيقية، ماكنتش هتكون أحن ولا أفضل منك! رائد قاطعهم بضحكة وهو يقوم من مكانه: ــ طيب، على ما تخلصوا المسلسل الدرامي ده، أنا طالع أشوف حد ينضف الشقة اللي فوق!
ضحكوا كلهم ومسحوا دموعهم في نفس اللحظة، كأن الضحك والمشاعر اختلطوا ببعض! أكمل بص لشادي وقرّبه من صدره، وهو يقبّله بحنية: ــ وبعدين أنا حبيت شادي من أول لحظة شلته فيها... حسيت كأنه شق قلبي وقعد فيه من غير استئذان. ليلي وعالية تبادلتا نظرات طويلة، نظرات فيها ألف كلمة، وأكثر من سر! نظراتهم كانت بتحكي اللي لسه متقالش!
وأكمل، وهو فرحان بحفيد مش عارف إنه حفيده، فضل يضحك لشادي ويحضنه، من غير ما يعرف إن الطفل اللي في حضنه مش ابن عالية، لكن ابن ليلي! بعد مرور أربعة أيام: البيت ساكن، لكن الصمت فيه له صوت. عبد الحميد واقف في نص الصالون، عينه بتقدح شرار، عضلات وجهه مشدودة، كأنه بيقاوم بركان جواه! سحر قاعدة على الكرسي، حاطة إيدها على بطنها، كأنها لسه خارجة من معركة، ملامحها شاحبة، تمثل الألم والإرهاق ببراعة! عبد الحميد صوته عالي، ثابت،
بيقطع الصمت: ــ البيت ده... مش عايز أشوفك فيه ثاني يا راهب! راهب يتقدم بخطوتين، صوته غاضب مبحوح من الوجع: ــ أنت بتطرد ابنك؟ علشان واحدة زي دي؟! عبد الحميد يرفع صباعه في وشه، صوته مر: ــ اتكلم بأدب، اللي بتتكلم عنها دي تبقى مراتي. أنا ما بطردكش علشانها... أنا بطردك علشان مش قادر أبص في وشك! أنت السبب في موت أخوك... وهو لسه ما كملش حتى شكل الإنسان، كان مجرد شوية دم! راهب يبتسم بوجع، بعين فيها تحدي: ــ بجد؟
بجد مصدق الكذبة دي؟ مصدق إن واحد في سنك، بعد اللي حصل له، يقدر يخلف؟ ولا إيه... عمتك... بطلت تشوف خلاص؟ عبد الحميد صوته يرتعش من الغضب بيقاوم الانفجار: ــ اطلع بره... ما تورينيش وشك ثاني! أنت زي الفيروس... كل اللي يقرب منك يتسمم! دمرت أختك... سبتها كفيفة... بتتخبط في الظلام لوحدها... ولما عرفت إن سحر حامل... قتلت الطفل، بطنها! ولك عين بعد كل ده تتكلم... اطلع بره! راهب صوته مكسور وعينه بتلمع من الذل والخذلان:
ــ أنت كبرت وخرفت... معقول مش شايف الحقيقة؟ مراتك دي... سلعة رخيصة بترمي روحها في حضن أي راجل! والله أعلم الطفل اللي كانت شايلاه ده ابن مين! عبد الحميد يندفع عليه، وضربه بالقلم، صوت الصفعة دوى في المكان: ــ اخرس! ما تسمعنيش صوتك ثاني... اطلع بره، ما فيش ليك مكان هنا! راهب ما اتكلمش، نظرته كانت هي اللي بتحكي. خرج وهو بيشد نفسه بصعوبة، مشي للجنينة، الهوى بيقرص وشه، بس اللي بيقرص قلبه أقسى. راهب بيطلع موبايله،
صوته غليظ: ــ يوسف... كلم ألِما، وخليها تبعت لي كل الإيميلات... اللي تخص الشغل لازم توصلني، بسرعة! قبل ما يوسف يرد، حس بنفس أنفاسها ورا ضهره. سحر وقفت جنبه، وهمست في ودنه، بنفس نبرة صوت يوسف: سحر بنبرة باردة: ــ ألِما... ما جتش النهارده... اترش عليها ميه نار، وهي دلوقتي في المستشفى. راهب لف لها، عيونه متسعة بدهشة مرعوبة: راهب بصوت مش مصدق: ــ أنتِ؟ أنتِ اللي عملتي كده فيها؟! سحر بخبث وهي بتقرب منه،
نبرتها هادية وقاتلة: ــ أنا؟ أنا ما بحبش أعدائي يختاروني خصم... أنا بشفق على أعدائي... وأنت شفت بنفسك النتيجة! راهب يمد إيده ويمسك دراعها بقسوة، عينه بتتوهج بالغضب والوعيد: ــ أنا عارف إنك اللي مدبرة كل حاجة... بس خدي بالك، الشاطر اللي بيضحك في الآخر... واللي أنتِ فاكرة إنك ماسكاه دلوقتي... في لحظة ممكن تفتحي إيدك ما تلاقيهوش! سحر تهز إيده وتتخلص من قبضته بصوت واثق: ــ ألِما؟ دي كانت سمكة صغيرة...
في بحر القروش، السمك الصغير ما بيعومش كثير. راهب بابتسامة باردة، صوته اتغير بقى أهدى... لكن أخطر: ــ القروش اللي عندك؟ أنا هكسر لك زعانفهم، واحدة ورا الثانية... وهاخليكِ تبقي عبرة... الكل هيشفق عليكِ، حتى أعدائك. راهب ركب عربيته، الباب اتقفل بعصبية، وصوت الموتور دوى في سكون الليل. انطلقت العربية بسرعة، والتراب طار حوالين إطاراتها، وساب وراه ريحة غضب ووعيد!
سحر وقفت في نص الجنينة، كانت بتتفرج على ضهر العربية وهو بيختفي، ملامحها ثابتة، بس عيونها بتلمع ببريق شيطاني ساكن. سحر تبتسم ابتسامة باهتة وتهمس بصوت واطي لكنها حاد زي السكين: ــ واضح يا راهب... إنك مصمم تكون عدوي... يعني القرار قرارك... وأنت اللي اخترت الطريق ده؟ تلف جسمها ببطء، وكأنها بتخاطب حد مش موجود أو يمكن كانت بتخاطب الهوى نفسه... بس نبرتها كانت مقصودة، محسوبة. سحر تكمل الكلام بصوت أعلى شوية مليان خبث وتخطيط:
ــ واضح إن الوقت جه... الوقت اللي نبدأ نستفيد فيه من الطير اللي اصطدناه. ما يصحش نخليه في القفص أكثر من كده... الطير لازم يغني... وإحنا نسمع ونستفيد! تمشي سحر بخطى هادية، كعب جزمتها بيطق على الأرض الرخام، وكل خطوة فيها رسالة... أنا اللي بلعب، والكل أدوات! اليوم التالي –في مكان مهجور تحيط به الجدران المتهالكة والهدوء القاتل!
ليلى واقفة وسط الخراب، تلف بعينيها في كل الاتجاهات، تتنفس بسرعة، في يدها تليفونها مفتوح على رسالة قصيرة تحت خريطة تحديد موقع. الرسالة: افتكر إنك مستنية حد يكلمك من وقت ما رجعتِ مصر. تعالي على المكان ده حالًا! ليلى تهمس لنفسها وهي تبص حواليها بقلق: ــ ما فيش حد... المكان فاضي... فجأة، يرن في المكان صوت معدني، بارد كأنه خارج من جهاز آلي، صوت فقط... من غير جسد، من غير أي مصدر واضح. الصوت:
ــ ما تتعبيش نفسك في إنك تدوري عليَّ... مش هتشوفيني. ليلى تتوتر، تبص حواليها: ــ أنت مين؟ وعايز مني إيه؟ الصوت: ــ خلينا نختصر. أنتِ ذكية، زي ما كنت متوقع... ملك خدت منك البحث، بس أنتِ كنتِ أذكى... سبتِ الشفرة الأخيرة معاكِ... الشفرة اللي من غيرها البحث ما يسواش... مجرد ورقة فاضية. ليلى تتراجع خطوة، ملامحها تتقلب بين الصدمة واليقظة: ــ يعني أنتم اللي بعتوا ملك علشان تساعدني وتاخد البحث؟
أنا حسيت من الأول إن مساعدتها مش براءة منها... وكلام غزل الله يرحمها أكد شكي... علشان كده خدت احتياطي. الصوت بهدوء مريب: ــ وده اللي عاجبني فيكِ... بس أنا في كل الحالات هاخد الشفرة... لكن علشان ذكائك عجبني... هديكِ عرض... تديني الشفرة... وأنا أقول لك معلومة هتغير حياتك كلها. ليلى بصوت متردد: ــ وليه أصدقك؟ إيه الضمان؟ الصوت: ــ ما فيش ضمانات! ليلى تفكر، عيناها تضيقان: ــ طيب، قول المعلومة... وبعدها أبعت لك الشفرة.
لحظة صمت طويلة... بعدها الصوت ينطق بكلمات سقطت على قلبها كالرعد! الصوت: ــ أرناط... اللي كنتِ فاكرة إنك قتلتيه... عايش يا ليلي. ليلى تتجمد مكانها. عيناها تتسعان وشفتيها ترتعشان. بهمس مذهول: ــ لا... مستحيل... أنا شفته، كان غرقان في دمه قدامي... كان ميت... ميت! الصوت: ــ مش كل اللي بنشوفه حقيقي... يمكن اللي شفتيه كان غطاء... بس دلوقتي، أنتِ عرفتِ... نفذي... وابعثي الشفرة.
ينقطع الصوت. تفضل ليلى واقفة مكانها، ودماغها بتغلي. كل فكرة تضرب الثانية، ووش أرناط قدامها ما بيفارقش خيالها. في الآخر، بتضغط على الشاشة... وتبعث الشفرة. لكنها كانت عارفة... إن حياتها ما عادتش هترجع زي الأول. بعد ما تبعث الملف، تقفل ليلى الموبايل ببطء وتحطه في جيبها. ملامحها ساكنة بس عينيها بتقول حاجة ثانية... فيها عمق، فيها سر. ليلى بصوت خافت: ــ فاكر إنك كسبت؟ دي مجرد خطوة... خطوة لازم تتحط عشان اللعبة تبدأ...
لكن المفتاح الحقيقي... لسه في جيبي. تلف ليلى وتبص حواليها كأنها بتتأكد إن ما فيش حد ثم تمشي بخطوات ثابتة، وكأنها داخلة على مرحلة جديدة كانت بتحضر لها من الأول؟ داخل سيارة متوقفة أمام بيت صغير على أطراف المدينة! راهب قاعد جنب يوسف، عينه على البيت بعينين فيها مكر قديم، وأصابعه بتطقطق على تابلوه العربية. راهب بهدوء سام: ــ شايف البيت ده؟ جوه البيت ده... أكبر سر مدفون في حياة سحر الطوخي! يوسف بفضول: ــ سر إيه؟
راهب بابتسامة جانبية: ــ ابنها. الولد اللي ما حدش يعرف عنه حاجة... عاش هنا! يوسف ينقلب صوته لصدمة: ــ سحر عندها ولد؟! إزاي؟ ده حتى عمي عبد الحميد ما يعرفش. راهب: ــ عمري ما شفت غلطة استخبت حلو... مهما اتخبت، بتسيب ريحة... وأنا شميت الريحة دي من زمان... لكن عمك ده بيشوف تحت رجله... وهو لابس النظارة بالعافية. يوسف ساخر: ــ طيب وبعدين؟ هنعمل إيه؟ يعني عايزنا نخطف طفل؟! راهب يقهقه: ــ لأ يا يوسف، إحنا ناس متربيين.
هننزل ناخده عادي، زي ما سحر كانت بتعمل. يوسف بتعجب: أيوه سحر، مش إحنا. هي لما بتبعت حد بيبقى معروف، للدادة اللي بتربي الطفل. لو نزلنا إحنا، الست اللي جوه دي هتطلعنا هاشتاج. راهب يرفع تليفونه: عشان كده تليفونه معايا. أول ما توصل هناك، الدادة هتتصل، وأنا اللي هرد. وهديها صوت مألوف، يخليها تسلمك راكان وهي مطمنة. يوسف ينفجر ضاحكًا: والله يا راهب أنت شيطان بعينين بني آدم. طيب، رايح!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!