داخل فيلا صمت مشحون وتوتر يملأ الأجواء. البنات جالسات في ركن الصالة، كل واحدة غارقة في خوفها. شهد تظل ثابتة في مكانها، عيناها المطفأتان لا تريان، لكن قلبها يشعر بأن شيئًا خطيرًا حدث. رهيف تمشي وراء عالية، التي لا تكف عن الحركة ذهابًا وإيابًا بقلق. وفجأة يفتح الباب بعنف ويدخل راهب يتبعه ناهد، وخلفها يدخل أكمل ورائد وأرمان. ناهد تلمح شهد من بعيد، تناديها بصوت يرتجف بالشوق: ــ شهد!
شهد تسمع الصوت، وصدرها يرتجف. تلك النبرة التي لم تغب عن قلبها منذ سبع سنوات. دمعة تسيل من عينها الكفيفة، تنهض بتوتر وتحاول التقدم نحو مصدر الصوت، لكن رجلاها تخونانها. تتعثر وكادت أن تقع، لكن ناهد تسبق الجميع وتضمها إلى صدرها قبل أن تمس الأرض. شهد وهي في حضن أمه، ترفع يديها بتردد، تتحسس ملامح وجهها بلهفة: ــ ماما... إنتي رجعتي؟ بجد؟ ناهد تبكي بحرقة، تقبل يدي ابنتها: ــ عملوا فيكي إيه في غيابي؟ يا قلبي...
شهد تضمها بقوة: ــ إنتي رجعتي، خلاص... مش عايزة حاجة تاني... الجميع يتأثر بالمشهد. قبل أن يتدخل رائد، يوجه كلامه لأكمل: ــ جدو... ممكن تفهمني، إيه علاقتك بسحر؟ ومين راكان ده؟ قبل أن يرد أكمل، يفتح الباب مجددًا. يدخل يوسف وخلفه طفل صغير. الطفل ينظر إلى الجميع، ثم يعلن بصوت طفولي واثق: ــ أنا راكان... الكل يلتفت للطفل. راكان يجري نحو رهيف ويقفز في حضنها، وهي تحتضنه بقوة. يوسف يقترب من راهب بصوت متوتر:
ــ سحر خطفت ليلي وشادي! راهب يضغط على رأسه، يدفع نفسه للخارج في صمت. يوسف يتبعه: ــ هنعمل إيه دلوقتي؟ هنساوم سحر؟ تديها ابنها وترجع ليلي وشادي؟ راهب يهز رأسه بيأس: ــ ماعادش ينفع... سحر بقت متأكدة إننا مش هنؤذي راكان. يوسف يحاول إيجاد أمل: ــ بس المرة اللي فاتت قدرنا نقنعها... ونفذت كل طلباتنا وقتها. راهب يخرج هاتفه، يرن: ــ سحر! سحر من الجهة الأخرى، ببرود: ــ اتأخرت عليك... عارفة إنك كنت مستنيني. راهب،
يغلي من الداخل: ــ هقتلك يا سحر، والله هقتلك! سحر تضحك بخبث: ــ لا لا... بقى هي دي كلمة شكرًا بعد ما رجعتلك أمك؟ راهب يصرخ: ــ فين ليلي وشادي؟ رجعيهم... وخذي ابنك. سحر بثقة: ــ تفتكر أنا سبت أكمل عايش ليه؟ لأنه حماية لابني وسطكم... وانت مش غبي، وعارف زي ما أنا عارفة إنك ما تقدرش تأذي خال حبيبتك ليلي. راهب بكتمة غيظ: ــ عايزة إيه يا سحر؟ سحر بضحكة خبيثه: ــ ملف البحث...
هييجي واحد ياخدك بعد ساعتين تكون لوحدك، بدون لعب. أي غلطة... ليلي وشادي هيدفعوا ثمنها. راهب: ــ حاضر... بس لو حصلهم حاجة ما فيش مخلوق خلقه ربنا هيرحمك مني. سحر تهمس بسخرية: ــ بلغ أكمل سلامي... وما تنساش تبوسلي راكان. يغلق راهب الهاتف. يلتفت يوسف بدهشة لأكمل: ــ راكان... ابن جدو أكمل؟! راهب يؤكد: ــ دلوقتي فهمت ليه ماينفعش نساوم سحر على ابنها. يوسف مذهول: ــ أنا مش فاهم حاجة... كل ده؟ البيت اللي رحناه مع بعض؟ راهب:
ــ أيوه... البيت ده بيت أكمل. يومها اتشتت لما شافت رائد... بس الحقيقة كانت قدامنا. أكمل هو اللي كان مقصود مش رائد. يوسف: ــ طيب هنعمل إيه دلوقتي؟ هتروح لوحدك لسحر؟ راهب: ــ حتى لو رجعت ليلي... سحر مش هتفرط في شادي... بس لازم أجرب. يوسف: ــ لا... مش هسيبك. هنفكر في خطة مع بعض ونتحرك. راهب: ــ مافيش وقت... المرة دي أنا اللي هتحرك، لوحدي. لو حصل لي حاجة، إنت مسؤول عن كل اللي جوه دول، فاهمني يا يوسف. يوسف بإصرار:
ــ مش هسيبك تمشي للموت برجليك! راهب يبتسم من بين دموعه: ــ يمكن أموت... وما أرجعش. بس كمان يمكن أرجع بليلي وابني. عالية كانت واقفة في الزاوية، قلبها بيخبط كأنه هيطير من مكانه، وأودانها ملتقطة كل كلمة بين راهب ويوسف. بخطوات بطيئة لكن حاسمة، قربت من راهب. صوتها كان مخنوق بالعبرة: ــ راهب... أرناط! استدار لها بسرعة، كان متوقع تشنج أو لوم، لكنه اتفاجئ... اتفاجئ بالحضن؟ حضنت عالية صدره بقوة، دموعها بتنزل من غير صوت،
وقالت بصوت مرتعش: ــ أرجوك... رجع ليلي وشادي. رجعهم يا أرناط! راهب، يده ارتجفت وهو بيحطها على راسها، يمسح على شعرها بهدوء وقال بصوت مطمئن رغم الزلزال اللي جواه: ــ اهدي... اهدي يا عالية. أنا هعمل المستحيل عشان أرجعهم... عالية سابت حضنه ورفعت راسها تبص له بعينين غرقانين حزن: ــ ليلي بتحبك... ماتسيبهاش لوحدها. لو حصل لها حاجة... راهب، قاطعها وهو بيحضنها بعينيه: ــ مش هيحصل لها حاجة... هرجعهم، حتى لو حياتي هي التمن.
سكت لحظة، وبعدها لف يخرج. لكن يوسف مسك إيده بقوة: ــ مش هسيبك تروح لهم لوحدك! راهب ابتسم من وسط دموعه، ابتسامة فيها رضا وألم: ــ شهد... وأمي... أمانة عندك. خلي بالك منهم يا يوسف. إنت الشخص الوحيد اللي بدي له ضهري وأنا مأمن له. سحب إيده بهدوء، كأن اللحظة دي آخر وداع. لف وخرج من الفيلا، وركب سيارته. وصوت فرامل السيارة صرخ... كأن القدر بيعلن إن اللحظة دي مش زي أي لحظة! على سطح السفينة في عرض البحر الأبيض المتوسط.
الهواء مالح ومشبع بالصراخ. ليلى مقيدة إلى عمود حديدي، يديها تنزف من محاولات فك الحبال. وصوت شادي يتصاعد من بعيد... بكاؤه يشق صدرها نصفين. ليلى بصوت مبحوح، يائس: ــ ابني... بيعيط من ساعة ما صحى. خلوني آخده بس لحضني! هيسكت. أقسم بالله هيسكت! البير يقترب منها بخطوات ثابتة، كأن الأرض ملكه. ينظر لها، وفي عينيه سم بارد: ــ لازم تتعودي تعيشي من غيره، زي ما هو كمان لازم يتعود يعيط وينام من غير حضنك. ده تمرين بسيط...
لمستقبله! ليلى تصرخ من القهر، والدموع تملأ وجهها: ــ أنا مستعدة أعمل أي حاجة... أي حاجة تطلبوها! بس حرام، حرام تفصلوه عني! ده طفلي... لحمي ودمي! البير بصوت بارد وابتسامة خفيفة مرعبة: ــ ما أظنش إن في حاجة عندك تهمني... إنتي مجرد مرحلة، ودورك هيخلص أول ما يوصل أرناط. فاستحملي شوية... شوية وجع كمان مش هيموتك، بس هيعلمك! سحر واقفة في الظلام، ملامحها هادئة بس عيونها بتلمع بشر، كأنها بتتغذى على الألم ده. تتقدم ببطء، تميل
على ليلى وتهمس في ودنها: ــ لسه هتبكي أكتر... وده مجرد بداية. اللي جاي هيخلي صراخك دعاء تتمنيه، ومش هيتحقق! ليلى تبص في عيونها وهي بترتعش، وبصوت مكسور: ــ إنتي مش إنسانة... إنتي شيطانة ماشية على الأرض.! سحر تبتسم، وبكل برود تدير ظهرها: ــ أنا بس مرآة وجعك... وكل ما تبصيلي تفتكري اللي خسرتيه... واللي لسه هتخسريه! ليلى تنهار، صراخها بيشق البحر، وكل اللي حواليها ساكت، كأن السفينة كلها متآمرة على خنق صوتها.
تصرخ بأعلى صوتها: ــ أرنااااااااط…!؟ وصوت البحر يعصف حواليها… وصوت شادي، ابنها، يبكي في مكانه… وصوت قلبها، بيودع الأمل حتة حتة…! في شقته السرية دخل راهب وأغلق الباب خلفه بإحكام. الجو ساكن كأن المكان معزول عن العالم. توجه نحو مكتبه، فتح درجًا مخفيًا وأخرج منه ملفًا مغلفًا بعناية. وقبل أن يفتحه، انتفض قلبه فجأة... صوت ليلى، كأنه سمعه في قلبه، لا في أذنه. استدار بسرعة، يفتش المكان بعينيه المرتجفتين... لا أحد.
وضع يده على صدره، أنفاسه تتسارع: ــ جاي… جاي يا ليلى... استحملي شويه بس، المرة دي مش هسيبك! فتح الملف بيد مرتعشة، نظر إلى الأوراق بداخله، ثم ألقاه بعنف فوق المكتب: ــ أنت السبب... من أول لحظة حسيت إنك مصيبة، ومع ذلك مشيت ورا شيطاني... ضحيت بيها، بالوحيدة اللي حبتني، وبابني... حتى قبل ما يتخلق…! سكت للحظة، ينظر في الفراغ، كأن روحه تحترق، ثم حسم أمره. أخذ الملف واندفع للخارج! في الطريق
كان يقود بعينين زائغتين حين قطعت طريقه سيارة سوداء فجأة. نزل منها رجال ملثمون بسرعة. مد يده للسلاح، لكن قبل أن يرفعه، قال أحدهم بنبرة حادة: ــ نزل سلاحك... لو عايز تشوف ليلى وشادي تاني. تجمد للحظة، ثم رمى المسدس بعيدًا. صرخ بغضب: ــ فين سحر؟! اقترب منه أحدهم، وضربه بكعب المسدس خلف رأسه، فانهار فاقدًا للوعي! بعد ساعات... أفاق راهب على وقع محرك مستقر وخطوات تمشي على سطح معدني. شريط لاصق فوق عينيه، ويداه مقيدتان بإحكام.
سأل بصوت غاضب: ــ إحنا فين؟! رايحين فين؟! اقترب منه الرجل، ونزع الشريط عن عينيه. النور أصابه للحظة، ثم اتسعت عيناه وهو يرى البحر من كل اتجاه... كانوا على يخت، بعرض البحر. قال الرجل ببرود: ــ قدامنا كام ساعة ونوصل! نظر راهب حوله، فهم كل شيء، وهمس بمرارة: ــ البير...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!