أكمل، همس يطلع من بين شفايفه، مش مصدق: إنتي…؟ إنتي هي… سحر تميل راسها، نظرة جامدة فيها انتصار صامت بس عيونها بتفضح وجع دفين. أكمل، صوته مرتعش، وجسمه يترجف مش من الخوف… من الحقيقة: كنتي البنت اللي... اللي في البار؟ الليلة دي… سحر تقاطعه، صوتها حاد، متحشرج بالغضب القديم: الليلة دي بالنسبالك ما حصلتش، مش كده؟ بس بالنسبالي… كانت الليلة اللي ماتت فيها بنت واتولدت واحدة تانية… اسمها سحر الطوخي!
بقت طوفان بيهد كل اللي يقف قصاده. أكمل يحاول يهز راسه، كأنه يهرب من الحقيقة: لا… لا مش ممكن… أنا كنت سكران… ما كنتش واعي… سحر تضحك ضحكة مكسورة وجارحة في نفس الوقت: كنت واعي كفاية تسيبلي فلوس وتمشي كإني... كإني كنت سلعة! بس صدقني، الحساب بدأ… ولسه ما خلصش. أكمل بصوت أقرب للهمس، مخنوق: أنا آسف… والله ما كنت في وعي… ما كانش قصدي أدمرك… سحر، وهي ترفع إيدها بإشارة لأحد رجالتها: آسف؟ الأسف ما بيرجعش العمر…
ولا بيرجعني لبراءتي! اللي أخذتها مني! ولا بيطهر الوجع اللي كبر جوايا كل يوم! ثم تهمس سحر لنفسها، وظهرها لسه لوجهه، لكن كل كلمة بتطلع من بين شفايفها كانت زي طعنة: كل حاجة اتكسرت من الليلة دي… وجاي الوقت تتكسر إنت كمان. وكما تدين تدان… زي ما دمرت حياتي، ليلى حفيدتك… لقت برضه اللي يدمر حياتها. أكمل، صوته بيخرج مهزوز مزيج من الذهول والخوف: إنتي بتقولي إيه… ليلى؟! سحر تستدير ناحيته ببطء، عينيها نار ساكنة، وصوتها جليدي:
شادي… مش ابن عالية. شادي ابن ليلى. أكمل يترنح في الهواء: إيه؟! بس… بس إزاي؟! مين أبوه؟! سحر، بمرارة تشق القلب وبصوت بيتقطع من جوه: أبوه؟ واحد زيه زيك… ضحك عليها، فهمها إنه بيحبها… وإنه متجوزها. لكن الحقيقة؟ كانت لعبة… لعبة قذرة، زي اللي أنت لعبتها معايا. وفكرت إنك خرجت منها بفلوسك… بس المرادي، اللي هتدفعه أغلى من عمرك. أكمل، شفايفه ترتعش، وجسمه سايب: لا… لا مستحيل… ليلى مش ممكن تعمل كده؟ ليلى بنتي بريئة. سحر، وعينيها
بتلمع بدموع مكبوتة: وأنا كنت بنت بريئة… بنت تايهة وسط الوحوش. وإنت كنت أولهم. دلوقتي جاي الوقت اللي تحس فيه باللي أنا حسيته. بس صدقني… اللي جاي وجع ما لوش نهاية! سحر تخرج وتسيبه وسط الضباب اللي بيغلف المكان كأنه شاهد على اللي جاي. بنظرة كلها انتقام، بتنادي واحد من رجالتها بصوت هادي بس حاسم: تروح… تنفذ اللي قلتلك عليه. لازم نجهز المفاجأة الكبيرة لراهب. الرجل، بنظرة مترددة: مين هيستلم مني؟ سحر ترفع راسها
بعينين ما فيهاش تراجع: إنت هتسلم لرجالة البير… وهتستنى معاهم لحد ما كل حاجة تكون جاهزة. عايزاك تتأكد بنفسك إن التدبير كامل. مش عايزة أي غلطة! الرجل، بصوت أهدأ لكن لسه فيه رهبة: البير… هيكون هناك؟ سحر بابتسامة خفيفة بس مرعبة: أيوه… هو حب يخلص بنفسه. قبل ما تمشي، حضر استقبال يليق براهب العراف. سحر، والهوى يحرك شعرها، كأن الكون كله بيتهيأ للحظة مواجهة… لحظة النهاية اللي ما حدش متوقع شكلها. بعد مرور بضع ساعات.
المكان مهجور، صدى خطوات الثلاثة يمشي كأنه بيوقظ شيطان نايم… راهب يتقدم بخطوات ثابتة، عيناه تمسح المكان: في حاجة مش طبيعية… الهدوء ده مش راحة… ده بداية العاصفة. رائد، يحكي بتوتر: معقول؟ ما فيش أي حارس؟ ولا حتى صوت؟ أرمان، وهو بيلف بنظره كل ركن، عضلات وجهه مشدودة: لا… ده مش علامة خير. الهدوء ده بيخوف. راهب بيقف قدام باب حديدي ضخم، صدى أنفاسهم مكتوم بصوت خافت بس حاسم: أنا هفتح الباب… وإنتوا خليكم حذرين…
أي حركة غريبة، نتصرف فورًا. أرمان ورائد يهزون راسهم ويتخذوا مواقعهم، سلاحهم جاهز… راهب يفتح الباب بحذر، الصدأ يصرخ مع المفصلات، وببطء ينكشف المشهد، ناهد وأكمل متعلقين في حبال متآكلة متدلين فوق وعاء عملاق بيغلي… بخار كثيف يطلع منه كأن الجحيم تحت رجليهم. رائد، أول ما يشوف جده، بيصرخ: جدووو! ويجري، لكن راهب يمد إيده ويوقفه فجأة بنبرة صارمة: استنى!
يرفعوا عيونهم، وفي لحظة… واحد من رجالة سحر واقف في الطابق العلوي، ماسك سلاحه وبيصوب على الحبال! راهب، بسرعة برق، يسحب سلاحه ويطلق النار بدقة، الطلقة تصيبه قبل ما يلحق يضغط الزناد… يسقط جسده هامد. أرمان، وهو يصرخ: الحبال ضعيفة! لازم نتحرك حالًا! رائد، بإصرار: مش هسيبهم يقعوا! لازم نتصرف. راهب، عيونه على الحبال اللي بتحذر بالانهيار: لازم نلاقي طريقة ننقذهم…!
رائد وأرمان يندفعوا بسرعة ناحية الحبال، كل واحد منهم يمسك طرف ويشد بكل قوته عشان يمنعهم من السقوط. راهب ينط على منصة جانبية، يسحب سكين من جيبه ويبدأ يقطع الحبال بعناية وسرعة… يخلص أولًا ناهد، ثم أكمل. الاثنين بيقعوا في أحضان راهب ورائد، منهكين أنفاسهم متقطعة، ووشهم مليان رعب ووجع. راهب، وهو بيحضن ناهد بقوة، صوته مهزوز بحرارة طال غيابها: أخيرًا… أخيرًا لقيتك، يا أمي…
ناهد، برغم تعبها، ترفع راسها تبص في عيونه تتأمل ملامحه… مش نفس الولد اللي فقدته. لكن في نظرته… شيء ما بيكدبش. ناهد، بصوت متقطع من الدموع: راهب؟ إنت… إنت راهب؟ راهب يهز راسه، يحضنها أقوى يهمس وهو بيتنفس كأنه بيتنفس لأول مرة من سنين: أنا ابنك… رجعتلك…! ناهد، دموعها بتغسل الوجع من عيونها تحضنه بقلب أم عمرها ما نسيت ريحة ابنها: كنت حاسة… حتى لو وشك اتغير… قلبي عرفك!
رائد واقف مذهول، عينيه بتلمع بالدموع مش قادر يصدق اللي شايفه. فجأة يرتمي في حضن جده أكمل صوته مخنوق: جدو… إنت كنت مخطوف؟! سحر بعتت فيديو فيه أم راهب… وكنا فاكرينها هي بس اللي في خطر! أكمل، برغم الضعف اللي في جسمه وتعبه الباين على ملامحه، يربت على ضهر رائد بحنان، ويحاول يخبي وجعه: اطمن يا حبيبي… أنا كويس… بس… ليلى؟ ليلى فين؟! رائد، وهو بيبلع ريقه ويهز راسه بإيجابية صوته فيه مزيج من الطمأنينة والحذر: ليلى بخير يا جدو…
في مكان آمن، ما تقلقش. فجأة يرن هاتف رائد، يرد بصوت قلق: أيوه يا عالية؟ صوت عالية يرتجف، مليان رعب: رائد… ليلى مختفية! هي وشادي! رائد ينتفض، عيونه تتسع: إيه! مختفية إزاي؟ راحت فين؟! راهب يسمع الكلام يمد إيده بسرعة وياخد التليفون من رائد: عالية، فين ليلى؟ اتكلمي! عالية بصوت مخنوق من البكاء: مش عارفة… قالتلي إنها هتنزل الجنينة شوية وأخذت شادي معاها، بس اتأخرت… لما نزلت أدور عليهم، ما لقتهمش… قلبت الدنيا، مش موجودين!
صمت ثقيل للحظات… الكل بيتبادل نظرات مرعوبة. أكمل، صوته متكسر، مليان تأنيب وخوف: أكيد دي سحر! خطفتهم! عشان… عشان تنتقم مني! أرمان، يلف بسرعة باتجاهه، ملامحه متجهمة: سحر، تنتقم منك؟ ليه؟! راهب ينظر لأكمل بنظرة تفهم… يرجع خطوة لورا، يغلق عينيه للحظة كأن الحقيقة وقعت عليه كالصاعقة: أركان… ابن سحر… هو ابنك، مش كده؟ الكل يلتفت فجأة لأكمل، الصدمة واضحة على وجوههم. أكمل ما يردش، بس عيناه تنطق بالحقيقة.
راهب يصرخ وهو يتحرك بحسم: يلا… نتحرك فورًا! سحر ما عملتش كدا من فراغ… أكيد عندها طلب… ودي مجرد بداية الجحيم! ليلى تفتح عينيها بصعوبة، الدموع ناشفة على خدها الحبال مشدودة حوالين جسمها وبتضغط على معصميها… الهواء رطب، والموج بيخبط في بدن سفينة ضخمة… صوت البحر حواليها مرعب وغريب. تهمس بأنفاس متقطعة: أنا… فين؟! يظهر البير، بخطوات واثقة، يخلع قبعته ببطء وينزل نضارته الشمسية، صوته هادي بس مرعب: في البحر الأبيض المتوسط…
وتحديدًا، في مضيق جبل طارق. افتكر كده إنتي عرفتي الطريقة توصلنا لفين؟ ليلى تتلفت حواليها بذهول، تشوف أفق البحر من كل ناحية والسفينة واقفة ما بتتحركش… وعرفت إنهم واخدينها لهولندا، نبضها يتسارع: فين ابني؟ فين شادي؟!! البير بابتسامة باردة، نبرة خالية من الرحمة: شادي… مش ابنك يا ليلى. ليلى تهتز زي اللي اتصدم بطلقة، تحاول تتحرك بس الحبال تعاندها، تصرخ بصوت مخنوق: إنت بتقول إيه؟! فين ابني؟!! شااااادي!!!
البير يقترب منها، بنظرة فوقية وبنبرة تكشف كل الحقائق الموجعة: أنتي كنتي مجرد وعاء… أرناط اختارك عشان تحملي الجنين اللي هيكمل أبحاثه. ليلى تهمس بذهول، ملامحها بتتحطم قدامه: لا… لا دا مش حقيقي… دا كذب… البير، يهمس بجنون هادي: ولو في حد من حقه يدعي إن شادي ليه… فهو أنا. أنا اللي اشتريت البحث… يعني شادي مش ملك لحد غيري.
ليلى تبكي، تهتز كل خلية في جسمها من الصدمة صوت البحر عالي بس مش أعلى من خبطات قلبها… فجأة يفتح باب ضخم في مقدمة السفينة، وصوت كعب جزمة يرن على الأرضية المعدنية. تدخل سحر، شعرها بيطير مع نسمات البحر، لابسة معطف أسود طويل ونظرتها زي السهم. ليلى ترفع راسها ببطء، ودموعها تلمع تحت ضوء الشمس: إنتي… إنتي هنا كمان؟! سحر تقف قدامها، وتبصلها بنظرة جامدة فيها وجع قديم متغلف بانتصار بارد: من أول لحظة وأنا هنا…
من أول لحظة كنتي جوه اللعبة، حتى لو ما كنتيش عارفة. البير يبتسم بنص وجهه. يسيبهم ويتراجع، وكأنه بيسلم القيادة لسحر. ليلى بصوت مبحوح: ليه؟ ليه بتعملي فيا كده؟! أنا عملتلك إيه؟!! سحر تميل شوية، كلامها يطلع زي السم، بهدوء قاتل: إنتي ما عملتيش حاجة، بس كنتي في طريق الشخص الغلط… وما فيش حاجة في الدنيا اسمها صدفة، يا ليلى… انتي كنتي وسيلة… وخلاص انتهى وقت استخدامها.
ليلى تحاول تتنفس، تحاول تفهم، تحاول تصرخ… لكن صوتها ينحبس، وهي تشوف سحر ترفع إيدها وتدي إشارة لأحد الرجال بالخلف. سحر، وهي تدير ظهرها وتبدأ تمشي: اللعبة لسه ما خلصتش… بس نهايتها هتكون على مركب… وسط البحر… زي ما بدأت. في غرفة البير البير واقف قدام الخريطة الرقمية، يتابع الإحداثيات بصمت يدخل صوت خطوات هادئة واثقة. الباب يفتح، وتدخل سحر. البير يلتفت بنصف ابتسامة بصوته البارد المعتاد: متأكدة إن أرناط هييجي؟
يمكن يكون قرر يهرب بالملف! سحر، واقفة قدامه بثبات ترمقه بنظرة تعرفه كويس: أرناط بقى عاطفي قوي الفترة الأخيرة… ومش هيسيب ليلى وابنه لمصيرهم. هييجي… حتى لو فاكر إنه جاي ينقذهم في الآخر هيدخل المصيدة برجليه! البير يضحك ضحكة خفيفة يميل بظهره على الطاولة: يبقى خلاص… لازم نجهز له استقبال يليق بواحد خان المنظمة عشان حبة مشاعر فاضية سحر، وهي تمشي ببطء حوالين الطاولة صوتها واطي بس حاد:
والمشاعر دي بالذات… هي نقطة ضعفه الوحيدة. البير بنبرة خبيثة: والسفينة دي؟ هتكون القبر؟ ولا المسرح؟ سحر، بعينين فيها ظلام: الاثنين. ثم تضيف، وهي تخرج من الغرفة: أول ما يوصل… تخليهم يبلغوني أنا هكون مع ليلى… نجهز المشهد الأخير!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!