الفصل 30 | من 37 فصل

رواية ارناط الفصل الثلاثون 30 - بقلم حور طه

المشاهدات
17
كلمة
1,454
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 81%
حجم الخط: 18

كانت الغرفة واسعة، جدرانها حجرية ومليانة شقوق كأنها شاهدة على كل عذاب حصل فيها. في منتصفها وعاء ضخم مدور جواه ميه بتغلي والدخان الكثيف بيطلع منها زي لهب الشيطان. الحرارة خانقة كأنها بتسحب النفس من الصدر. سحر واقفة بثبات قدام الإناء، عيونها بتلمع بشر، وملامحها فيها لذة انتقام. بإشارة من إيدها، رجالتها جابوا أكمل وناهد. اترمو قصادها زي أسرى قدام ملكة الظلام. سحر، بصوت بارد لكنه جارح:

ــ خلينا نشوف دلوقتي قوتك الجسدية زي ذكاءك؟ ولا أضعف... زي ذاكرتك... أكمل بص للدخان اللي طالع من الميه ووجهه شاحب. قرب خطوة منها، صوته مبحوح لكنه ثابت: ــ انتي هتستفادي إيه من كل ده؟ اعملي اللي يرضي غلك فيه، بس سيبي ناهد ترجع لولادها... كفاية اللي عاشته، كفاية الألم اللي عانت منه بسببك! سحر ضحكت، ضحكة مش طبيعية... صداها في الغرفة كان زي صرير باب مقبرة: ــ إزاي الراجل اللي دمر بنت في ليلة واحدة... يكون رحيم كده؟

خايف عليها؟ كان فين خوفك ده قبل ما تحرق حياتها؟ أكمل، مذهول: ــ بتقولي إيه؟ أنا مستحيل أذي حد... أنا ما عملت؟ ... سحر قطعت كلامه، قربت منه، مسكت وشه بعنف ضاغطة على خدوده، وعيونها نار: ــ لو إنت نسيت... العينين دي... هي، عمرها ما نسيت اللي عملته فيها! ثم صرخت بصوت مرعب: ــ علقوهم!

رجالتها مسكوا أكمل وناهد وربطوهم في حبال فوق الوعاء المغلي. ناهد كانت بتصرخ، دموعها نازلة، جسمها بيرتعش. أكمل بيقاوم، بيصرخ يسأل، بس ما حدش بيرد. وفجأة... أحد الحبال بدأ ينهار، ينهز... الصمت قاتل، والسخونة بتخنق المكان. سحر وقفت بهدوء قاتل، طلعت تليفونها، وصورت المشهد... بعثت الفيديو لـ راهب. ثم اتصلت بيه، وصوتها كان ناعم بطريقة مرعبة: ــ أتمنى الفيلم اللي صورته يعجبك... تعبت جدا في تحضيره. راهب رد بسرعة، صوته

بيرتعش من الرعب والغضب: ــ لو أمي جرالها حاجة... أنا مش هرحمك... أقسم بالله! سحر، تقاطعه بهدوء شيطاني: ــ هشش... مش وقت التهديدات، يا حبيبي. تعالى العنوان اللي بعتهولك... ولو اتأخرت؟ مش هتشوف أمك تاني أبدا. راهب صرخ من قلبه، وصوت غضبه رج السما: ــ جايي يا سحر! ولما أوصل… والله لتندمي على اللحظة اللي فكرتي تمدي فيها إيدك على أمي. مش هرحمك… فاهمة؟! سحر ببرود شيطاني، وصوتها ناعم لكنه قاتل:

ــ مستنياك يا راهب… بس أوعى تتأخر، الميه بتغلي، والحبال ضعيفة… وصدقني، مش أنا اللي هندم. سحر أنهت المكالمة وضحكة باردة خرجت من بين شفايفها ما فيهاش لا شفقة ولا رحمة، ثم التفتت ناحية ناهد وأكمل المعلقين فوق الميه اللي بتغلي بخيوط متآكلة كل ثانية بتقربهم من الموت اكتر! وقفت قدامهم، وعيونها فيها لمعان الانتقام: ــ شايفين يا حبايبي؟

كل حاجة ليها تمن… وانتي يا ناهد كنتي مجرد أداة، بس للأسف بقيتي وسيلة ضغط مؤلمة أكتر ما توقعت. ناهد تصرخ، ودموعها بتنزف: ــ ما تجيش يا راهب، هتقتلك زي ما قتلوا شمس. أكمل بصوت مبحوح، بيحاول يتماسك رغم الرعب: ــ سحر… أرجوكي… لو في أي ذرة إنسانية جواكي سيبيها. خديني أنا، اعملي فيا اللي انتي عايزاه، بس ناهد مالهاش ذنب. سحر قربت من أكمل وعيونها مميتة وقالت بصوت هادي لكن مخيف: ــ إنسانية؟

اللي بيرمي وحدة على السرير زي سلعة ويجري… ما ينفعش يطلب الرحمة. فاكر الليلة دي؟ كنت فاكره اني نسيت… بس أنا؟ كل ليلة كنت بنام على وجعها، على قرفها… لحد ما الليلة دي جت، وجه وقت الحساب. ثم بصوت أعلى، وهي تشير للرجال: ــ شدوا الحبال أكتر… خلوهم يحسوا بالحرارة تحتهم… بس بلاش يموتوا، مش دلوقتي.

ناهد المرتجفة، وصوت دقات قلبها بيزيد وسط بخار الميه الحار وصرخات داخليه مكبوتة… وكل ده، وسحر واقفة زي قاضية بتصدر الحكم، مستنية راهب يظهر، وهي عارفة إن المعركة لسه في أولها.! حديقة الفيلا خطوات راهب بتخبط على الأرض وكأنها عداد قنبلة، ماشي رايح جاي، عينه ما بتتحركش عن شاشة الموبايل، وصوت أمه في الفيديو لسه بيرن في ودنه زي صفارة إنذار. يوسف، بيحاول يفضل عاقل وسط الهلع: ــ ممكن تهدى يا راهب؟

خلينا نفكر نعمل إيه بالعقل، مش بالعصبية. راهب فجأة بيرفع إيده بوجهه بحدة: ــ مفيش وقت للتفكير! أمي بين الحياة والموت، وأنا مش هقف أتفرج! أرمان، بنبرة فيها ثبات: ــ لو رحت كده، من غير ما تفكر! تبقى بتقدم نفسك هدية لسحر. أنا عرفاها، دي مش بتتحرك إلا وخططها كلها متقفلة من كل الاتجاهات. يوسف، بنظرة قلق: ــ ده كمان رأيي. سحر جنانها طافح… ومش هيقف عندك، أنا متأكد. رائد، عيونه مش مصدقة: ــ مش معقول... دي سحر؟

اللي كنت في يوم... بحبها؟! راهب بصوت مخنوق، عينه لسه على الشاشة: ــ سحر بتلعب معايا في حقل ألغام، وانا هدمرها جواه بايدي. حبست أمي سبع سنين... سبع سنين وأنا وأختي مش عارفين عنها حاجة… مش هرحمها… المرة دي هتكون نهايتها. وفي الطابق العلوي ليلى واقفة ورا شباك الأوضة بتبص من فوق، قلبها بيخبط من القلق، مش سامعة الحوار بس شايفة التوتر مرسوم على كل وجه. يوسف لمح البنات من بعيد، بص لراهب بسرعة:

ــ إهدى… البنات واقفين بيبصوا علينا، مش لازم يعرفوا اللي بيحصل خصوص شهد. راهب لف وشه، عينه جات في عين ليلى… نظرة واحدة كأنها حوار كامل… نظرة فيها رجاء، كسر، ووعد بالانتقام. أرمان بصوت جدي: ــ هنروح، بس لازم نتحرك صح. خطة واضحة، عربية مجهزة، سلاح، وكل احتمال نكون مستعدين له. رائد بحسم: ــ أنا جاي معاك يا راهب… مش هسيبك تواجه المجنونة دي لوحدك. يوسف قال بثبات:

ــ البنات هيبقوا في أمان هنا… وإحنا نتحرك على العنوان اللي بعتته سحر… ونرجع مرات عمي ناهد… راهب كان واقف عيونه بتشتعل بنار، صوته هادي لكن مليان وعيد: ــ اللي اتاخد مني… هيرجع. وسحر؟ هتشوف وش تاني، ما كانتش تتمنى في أسوأ كوابيسها تشوفه… سكت لحظة، وبص ليوسف بنظرة تقيلة: ــ يوسف… أنت مش هتيجي معانا. مهمتك مختلفة؟ ونجاتنا وخروجنا من عند سحر مربوط بنجاحك… حياتنا حرفيا في إيدك. يوسف رد بسرعة، وصوته فيه حسم:

ــ ما تقلقش، هنفذ كل اللي اتفقنا عليه. وأول ما أخلص… هتوصلك الرسالة. راهب قرب منه، وحط إيده على كتفه، نظره عميقة وصوته غليظ: ــ لازم تكون حذر جدا يا يوسف. رسالتك هتكون بوابه خروجنا من جحيم سحر… سحر عمرها ما لعبت لعب نضيف. يوسف يومئ بصمت، ويمشي بهدوء في اتجاه عربيتهم. رائد وأرمان بيتحركوا مع راهب ناحية الطريق الآخر. ووراء الشباك، ليلى حطت إيدها على قلبها وعيونها اتغرقت دموع… بس ما قالتش ولا كلمة!

بعد ما خرجوا الأربعة، عم السكون… البيت كأنه بيستعد لعاصفة… فجأة رنة قصيرة تقطع الصمت… هاتف ليلى بيرن برسالة جديدة… عنيناها اتسعت، وكأن الكلمات اللي قرأتها خرجت من الشاشة زي شبح اخترق قلبها. عالية كانت لسه جنبها، لاحظت الارتباك اللي ظهر فجأة على وش ليلى، مدت إيدها بلطف ولمست كتفها: ــ ليلى… إنتي كويسة؟ ليلى انتفضت كأنها خرجت من كابوس، ردت بصوت متقطع: ــ آه… أنا تمام، مفيش حاجة. عالية ضيقت عينيها،

حست إن فيه حاجة مش مظبوطة: ــ مالك اتخضيتي كده؟! ليلى بسرعة قفلت شاشة التليفون وضغطت عليه بإيدها: ــ لا، مفيش… بس محتاجة اشم شويه هوا. قامت، وخدت شادي من على الكنبة، حضنته بقوة كأنها بتحاول تخبيه جوا صدرها: ــ أنا هنزل أتمشى شوية في الجنينة. عالية رفعت حاجبها باستغراب: ــ هتاخدي شادي معاكي؟ ليلى شدت حضنها أكتر على ابنها وقالت بصوت واطي: ــ آه... مش هينفع أسيبه. عالية ابتسمت ببساطة، مش فاهماها، لكن قالت:

ــ طيب، بس ماتبعديش، الدنيا بره مش أمان. ليلى مالت براسها بإشارة موافقة، وخرجت بهدوء. نزلت السلالم كأنها ماشية في حلم، ولما وصلت لباب الجنينة الخلفي وقفت… وبصت وراها نظرة طويلة فيها وجع وقرار صعب. همست بصوت خافت، وعيونها على شادي: ــ سامحوني… بس حياة ابني أغلى من أي حاجة! فتحت الباب الخلفي، واختفت في الظلمة…؟! أكمل معلق فوق الماء المغلي، يتجمد، عيونه بتتسع الصوت حواليه بيختفي، وكل شيء يتحول لصدى بعيد...

يبدأ الفلاش باك –قبل 7 سنوات؟! بار شعبي مظلم أضواؤه الحمراء الباهتة بتلمع على الوجوه وتخبط في الزجاجات، الموسيقى تقيلة بتدق في الدماغ زي الطبول. أكمل قاعد على كرسي عالي قدام البار. وشه مجهد سكره باين في لمعة عينيه وتراخي جسمه. الكاس ف إيده، وجاكيت البدلة مفتوح، القميص مفكوك من فوق، وريحته كحول وتعب. بنت شابة بتعدي قدامه، لابسة لبس البار، شعرها ملموم، وعيونها بتهرب من الزباين. أكمل، بابتسامة مائلة وصوت متلعثم:

ــ أنتي... اسمك إيه؟ أول مرة أشوفك هنا، مش كده؟ البنت تحاول تضحك بخفة بس صوتها ناشف شوية: ــ الزباين هنا ما بيسألوش عن الأسماء... بيسألوا عن الليلة هتعدي إزاي. أكمل، وهو بيرفع كاسه كأنه بيحييها: ــ الله! ده إنتي فاهمة الشغل كويس… تعالي… اقعدي جنبي. الليلة فيها برد… وانا محتاج حد يدفيني. البنت تتردد لحظة، تبص حواليها وبعدين تقرب بخطى محسوبة: ــ أنا مش بشتغل دفاية، بس لو هقعدة حبه علي السريع… ماشي.

الاتنين وهم بيشربوا، بيضحكوا الكحول بيشيل الحواجز. هو بيقرب وهي بتحاول تفضل متماسكة. أكمل، وهو يمسك إيدها بلطف: ــ مش عارف ليه… بس فيكي حاجة… حاجة حقيقية. تعالي نطلع من هنا… نكمل الليلة برا الضلمة دي. سحر، بصوت مضطرب: ــ نطلع فين بالضبط؟ أكمل يضحك وهو بيقوم ويمد إيده ليها: ــ مش مهم فين… المهم إنك تبقي معايا الليلة… واوعدك، هتكوني فيها ملكة. بالفندق في الصباح

ضوء باهت بيتسلل من الستارة. هدومهم مبعثرة والهوى ساكن. أكمل بيصحى، بيشد الغطا عن وشه وبيبص حواليه. يشوف بنت نايمة جنبه شعرها مفكوك، ملامحها بريئة ومكسورة. أكمل وشه يتجمد من الصدمة. يهمس لنفسه، صوته مشوش: ــ أنا… إزاي؟! بيقوم بسرعة، يلبس جاكيته بارتباك. يفتش جيوبه، يطلع رزمة فلوس ويرميها على السرير. صوته جامد: ــ خدي دول… واعتبري الليلة دي ما حصلتش. فاهمة؟! البنت تفتح عينيها، صوتها ضعيف: ــ استنى… بس هو كان وصل للباب…

يفتحه ويخرج… والباب يتقفل ورا صمتها…! المية لسه بتغلي، والدخان طالع زي كوابيس مشتعلة. أكمل مرفوع بالحبال، جسمه بيتأرجح فوق الحرارة وعرق بارد نازل من جبينه. عيونه فجأة تتسع. يحدق في وجهها وهي واقفة قدامه. همس يطلع من بين شفايفه، مش مصدق: ــ إنتي…؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...