الفصل 1 | من 8 فصل

رواية ارتواء الروح الفصل الأول 1 - بقلم سارة فتحي

المشاهدات
17
كلمة
1,804
وقت القراءة
10 د
التقدم في الرواية 13%
حجم الخط: 18

**الفصل الأول** هناك صدمات بالحياة تفقدنا روحنا. وهناك صدمات أكثر قسوة تعيدها إلينا، لكنها تسبب تشقق الروح وجفافها. فارتواء الروح ثانيةً يحتاج إلى قلوب صافية. فالقلوب تروى بالقلوب. *** أشرقت شمس الصباح تعلن عن يومٍ جديد. فكل يوم تشرق شمسان: شمس الصباح وشمس بداخلنا. لكن روحها لم يصل إليها نور حتى يكسر عتمتها. وقفت بجانب محطة القطار تنظر حولها بنظرات خاوية باهتة. تضم حقيبتها إلى صدرها كأنها حصنها من العالم.

سقطت دمعة حارقة من عيناها، مسحتها بطرف أناملها سريعًا. تشعر بالضياع، فهي أول مرة لها في القاهرة، تلك المدينة الواسعة التي لا تعرف بها أحد. بعد وفاة والدها وتخلي خالتها عنها، لم يتبقى لها أحد سوى ميراث واحدًا فقط وهو لقبها "نذير الشؤم". وجفاء أهل القرية وتحاشي التعامل معها. لا تدرى أن كانت فعلت الصواب أم الخطأ؟! لكنها كانت تريد تجنب الناس شرها كما يقولون. كم تشعر بالألم والقهر من قسوة الحياة.

بينما هي شاردة، حاول أحد الشباب الاقتراب منها قائلًا وهو يغمز بعيناه: "الجميل شكله مش من هنا، احنا في الخدمة." دق ناقوس الخطر بداخلها، فهرولت دون أن تنبس بكلمة واحدة. حتى توارت في أحد الشوارع الجانبية إلى أن باتت في مأمن. ثم جلست على حجر كبير، صدرها يعلو ويهبط ودموعها تتساقط برعب. ثوانٍ واقترب منها فتى آخر متسائلًا: "مالك يا آنسة؟ بتعيطي ليه؟ عمل عقلها بكل طاقته في محاولة لثبات الزائف. هتفت بارتجاف

وهي تضم حقيبتها إلى صدرها: "وانت مالك انت كمان؟ مالكش دعوه، امشِ من هنا." توسعت عيناه بذهول من أسلوبها الفظ، هو فقط أراد مساعدتها. حك مؤخرة رأسه قائلًا بحرج: "انتي بس زي أختي وشوفتك بتعيطي قولت أساعدك. على العموم حقك عليا." مرت دقائق من الصمت، لم تجبه. استدار ينوي المغادرة، فسمع صوت همسها: "عايزة مكان أسكن فيه، حتى لو أوضة واحدة. ممكن تساعدني؟ استدار ثانيةً وألقى نظرة عليها، كانت ترتجف. أومأ لها بهدوء قائلًا:

"تعالى طيب ورايا.. هوّديكي عند ناس كويسين." نهضت وتابعت السير خلفه. بداخلها شعوران متناقضان: الخوف الفطري والآخر اللامبالاة. لا تخشى شيئًا، ولمَ تخشى شيئًا؟ فهي من يخشاها الناس ويبتعدوا عنها. فحتماً لو كان ذلك الفتى من قريتها لفر هارباً بعيداً. فجأة وجدت نفسها تقف في حي شعبي. خلف أحد الرجال يقوم بتصليح السيارة. فتحمحم ذلك الفتى ليعلن عن قدومه. تنهد ذلك الرجل متسائلًا بعصيبة: "البیه اتأخر ليه النهارده كمان...

أمير مخصوم منك يومين عشان ما أكدت عليك متتأخرش امبارح وقايلك إن ورانا شغل كتير." تلقى أمير التوبيخ وهو صامت. أما هو، فالتقط من جانبه قطعة من القماش يمسح بها آثار الشحم وزيت السيارات. ثم استدار له، فوقع بصره عليها. الانبهار فقط ما يوصف حالته. هي أنثى فائقة الجمال بفستانها الكحلي وحجابها الأبيض وعيناها الرماديتين. لكنها تقف كامنة كالموتى تنظر أرضاً إلى موضع قدميها، منكمشة على نفسها بخوف. عقد حاجبيه ينظر لها بتفحص، ثم

دنا إلى أمير يسأله عنها: "مين ديه؟ فأجابه أمير وهو يطالعها: "لقيتها قريبة من المحطة وبتعيط، ولما سألتها قالت عايزة مكان تسكن فيه، فجبتها هنا نشوف مكان بدل ما حد يتعرض لها. شكلها غلبانة." هز رأسه إيجاباً، ثم اقترب منها يكسر حاجز صمتها يسألها عن هويتها: "انتي مين؟ وفين أهلك؟ وايه حكايتك؟ هي لا شيء. كيف تخبره بذلك؟ هي أكبر خطاياها وأعظم ذنوبها أنها نذير الشؤم على من حولها. همست بصوت مرتجف:

"ونس اسمي ونس. ونزلت القاهرة أدور على شغل. ماليش حد. أهلي متوفيين." لا يعلم لماذا بدأ بداخله يشعر بالغضب لأنها لم تنظر إليه وهي تجيبه. شعر بتجاهلها له، فسألها ثانية: "مالكيش قرايب هنا؟ يعني أي حد تروحي ليه؟ هزت رأسها بنفي ومازالت تتحاشى النظر إليها. قترب هو من أمير: "أمير كمل انت على ما أطلعها للحاجة فوق. العربية ديه خلاص كده وشوف اللي بعدها." أسرع أمير ينزع سترته ليباشر عمله وهو يهتف بحماس: "تمام يا زعامة، متقلقش."

نظرة تائهة ومشتتة تملأها الحيرة. قلبها يرتجف بقوة. لكنها تطمئن نفسها، فربما غدًا يحمل لها الأفضل. سارت خلفه بخطوات مثقلة. دلف إلى البناية وهي خلفه، تغمض عيناها تحارب ذكريات ماضيها الذي يأسرها. بداخله صعدت درجات السلم. وقفت بعيدة عدة درجات حتى طالعت وجه امرأة في أواخر العقد الخامس، لكنها لم تلاحظها. كانت تهمس بحنو: "أنس إيه يا حبيبي.. طلعت ليه بسرعة كده؟ فيه حاجة؟ تنحى جانبًا حتى ترمق من تقف خلفه على درجات السلم. قطبت

حاجبيها وهي تنظر له بتسأل: "انت معاك ضيوف ولا إيه؟ مين ديه يا واد؟ يا مصيبتي لتكون واحدة ضحكت عليها.. واتجوزتها عرفي وهربتوا من أهلها. انطق يا ولا كنت حاسة والله." رفعت بصرها للأعلى سريعًا، تهز رأسها تنفي تلك التهمة عنها. بينما هو جز على أسنانه، فوالدته حتماً ستصيبه بجلطة. أردف بنبرة مشتعلة: "إيه يا نبع الحنان هو انتِ عمرك ما تستري أبداً. المسلسلات أكلت عقلك.. دي ضيفة استهدى بالله ودخلينا كده."

رفعت عيناها إليه هاتفه بصدق وهي تفسح لهم الطريق بارتباك من تلك الصامته. فقط عيناها هي التي تتحرك، وتقبض بيدها على طرف فستانها: "لأ إزاي اتفضل يابني تعالوا ادخلوا.. طالما ضيفة تنور." تحركت الحاجة نوال خلفهم بعد أن أغلقت الباب. ثم جلست على الأريكة وبيدها مسبحتها التي لا تفارقها. تلتزم الصمت تنظر لهم بعينيها وقلبها ينبض خوفًا، تنتظر تفسير ابنها للموقف. أما هو، استنشق الهواء من حوله، ثم تحدث قائلًا:

"الأستاذة أمير قابلها عند المحطة وكانت عايزة سكن لأنها سابت بلدها وجاية تشتغل هنا، فكنت بقول لو الأوضتين الفوق ممكن ينفعوها." أرمقتها بنظرة سريعة، ثم أشارت لها بالجلوس بجوارها. فجلست ونس منكمشة على نفسها بقلق، وتوتر، وخوف. تحدثت الحاجة نوال بنبرة أم حانية: "فهميني انتِ يا حبيبتي إيه الحكاية.. وانتي مالكيش حد هنا.. وسبتي بلدك ليه؟ بس بصراحة أنا مبحبش الكدب، خليكي صريحة واعتبريني زي مامتك عشان أعرف أساعدك."

ستعترف بكل شيء دفعة واحدة، فحتماً سيعرفون أنها سبب البلاء. ستخبرهم وتترك لهم الاختيار. همست بنبرة قاربت البكاء: "أنا.. أنا مشيت من البلد هربانة من الناس. بيخافوا مني وبيقولوا عليا وشي وحش عليهم. بابا اتوفى مبقاش ليا حد. سبت البلد ونزلت القاهرة، بعدت عنهم وريحتهم مني وأنا استريحت من نظرتهم ليا. تعبت أوي من إني أبقى منبوذة كده." ثم أكملت بجملة أخيرة وعيناها تفيض بالدمع:

"وطبعًا حضرتك ليكي حرية الاختيار تقبلي بيا أسكن هنا ولا لأ." لاحظت رجفة جسدها، فربتت على كتفها بحنو: "وحدي الله يا بنتي دي نفوس مريضة. قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، وأنا حبيتك من غير حتى ما تتأكدي من كلامك. فيه فوق أوضتين ممكن تقعدي فيهم، بس هو انتِ مش معاكي عفشك صح؟ كان يتابع حديثها باندهاش واستنكار. كيف تكون كتلة البراءة هذه كما يدعون؟ كانت تسرد قصتها وملامحها تفيض بالألم.

لا يعلم ما هو الشعور الذي يداهمه، لكنه يغزو صدره شعور غريب. فأسرع يجيب والدته: "طب ممكن تقعد هي في شقتي." نهضت مسرعة تهز رأسها، تهمس بصوت حانق: "لأ شقة مين اللي أقعد فيها، أنا ممكن أسكن في الأوضتين عادي من غير عفش لو مفيش مشكلة عند حضرتك." جذبت نوال يديها لتجلسها ثانيةً بجوارها: "تفتكري واحدة في سني ترضى بحاجة غلط؟ ديه شقة مفروشة ومقفولة، وأنس ابني قاعد معايا هنا على ما يتجوز ويريحني يارب، ويرزقك انتي كمان يا بنتي."

ارتسم الارتياح على ملامحها الشاحبة، ثم أجابتها بضعف شديد: "أنا مطلقة أصلًا." ثوانٍ من الصمت حلت بينهم. أما هو، وقف مستعجباً. هل هناك رجل لديه ذرة عقل يفرط بامرأة مثلها؟ ظل مثبت نظره عليها، فعيناها تعكسان حملاً ثقيلًا يود أن يعلم كل شيء عنها. رفعت نظرها، فالتقيت عيناها بعيناه الداكنتين، ملامح وجهه الوسيم، عضلات ذراعه القويتين وذقنه النامي.

أجفلت حينما شعرت بنظراته تحاصرها، فأطرقت رأسها أرضاً وشردت في ذكرى كلمات تتردد في أذنها كطعنات الخناجر أصابت روحها: "بقولك إيه يا حبيبي طلقها واسمع كلام أمك ديه. منحوسة وأوعى تقول لي لأ، كفاية دخلتها علينا. طلقها." "انتِ طااااااالق."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...