تسير بآلية داخل الشقة. أثاثها قديم، لكن لا يؤثر عليها. كل ما تريده الراحة والصمت حتى تبدأ رحلتها غدًا في البحث عن مصدر رزق لها. ولجت للغرفة، ترتمي فوق الفراش تبكي بمرارة غصبًا عنها. فدموعها دائمًا هي مصدر التنفيس عن نفسها. هل من العدل أن تتحمل عواقب كل شيء يحدث للآخرين؟ تكورت على نفسها. ثوانٍ قليلة وداهمها النوم من شدة الإرهاق.
على الجانب الآخر، يجلس على طاولة الطعام بعدما أنهى عمله يتناول طعامه بشرود، تحت أنظار والدته المنتبهة له. علقت في استنكار من حالته هذه: "مالك يا انس يا بني؟ في حاجة في الورشة؟ انتبه من شروده على صوت والدته، فابتسم وهو ينظر لها: "لأ يا ست الكل، مش الورشة بصراحة. بفكر في اللي اسمها ونس دي. مش عارف صح نقعدها هنا ولا اللي بتقول ده صح ولا لأ. مش عارف." قطبت جبينها بعبوس وهي تقول بتعجب: "طب لما انت قلقان كده جبتها ليه؟
بس والله يا انس شكلها بنت غلبانة. مع كل حلاوتها دي وجمالها، يطلع عليها وشها فقر. شكلها اتحملت كتير. أنا خبطت عليها كتير من شوية فين على ما ردت وادتها الغدا. قولت حرام لوحدها برضه. مكانتش مصدقة نفسها." أومأ مؤكدًا على حديثها والجدية ترتسم على ملامح وجه، قائلًا: "أنا بردو مستغرب أوي إزاي بكل البراءة اللي فيها يقولوا عليها كده. بس بردو يا ست الكل ناخد حذرنا."
بعد أن أنهى طعامه، وقف في شرفته وفي يده كوب من الشاي الساخن يرتشف منه. ولكن فجأة تسمر بصره على تلك الحورية التي تقف أمامه في الشرفة. وحجابها الذي ترتديه بأهمال، تظهر منها خصلات شعرها التي تشبه ألسنة اللهب. زفر وهو يراقبها، فهي تشبه قطعة الحلوى الشهية. لم يستطع منع تفكيره عن حجم المعاناة التي عاشتها. حاول أن يشيح نظره عنها بصعوبة، فنظر للأسفل. انتبه للمقهى وكأنه أول مرة يلاحظ وجودها. غزت تهجم ملامح وجهه. فتحمحم حتى تلاحظ وجوده. نظرت نحوه وتبدلت ملامحها وأسرعت للولوج للداخل. فأوقفها قائلًا:
"يارب تكوني مرتاحة هنا، بس معلش فيه حاجة عايز ألفت نظرك ليها. ومش قصدي حاجة لا سمح الله، بس فيه تحتك قهوة. وبلاش وقفتك كده في البلكونة." اخفضت رأسها وهي تحاول أن تخفي عيناها التي شارفت على البكاء من مرمى بصره. فهي لا تريد أن تكون مصدر إزعاج، أو بأحرى لا تود أن تخسر هذا المكان حاليًا. همست بخفوت قبل أن تندفع للداخل: "حاضر.. آسفة لو عملت حاجة غلط ومكنتش واخدة بالي."
مرر أنامله على خصلات شعره وهو يرفع حاجبيه باستنكار قائلًا: "دي كانت هتعيط؟ لا وتقولي آسفة لو غلطت؟ شكلي داخل على أيام عنب." في صباح اليوم التالي، ولجت ونس من باب الشقة. مازالت تشعر نظرات وهمسات أهل القرية تحاصرها وتجد صداها بداخلها. تنهدت بثقل محاولة التفكير بإيجابية أكثر، وبث التفاؤل لنفسها. تحركت صوب الدرج. وفجأة تنبهت حواسها لصوت يناديها. استدارت، طالعت السيدة نوال بوجهها البشوش. فابتسمت نوال قائلة:
"صباح الخير يا حبيبتي، على فين كده على الصبح؟ لحظات تحولت لدقائق ولم تجيبها وهي تحدث نفسها: "أيه خير ده؟ من الواضح أن تلك السيدة لم تصدق ما سردته لها بالأمس." همست بخفوت وهي تنزل أولى الدرجات: "صباح الخير." لم تستسلم السيدة نوال لهجتها وهروبها، فتابعت ثانية لتستوقفها: "رايحة فين كده على الصبح بدري؟ ومالك مش بتردي ليه؟ أجابتها وهي تجاهد أن ترسم ابتسامة شاحبة: "معلش ماخدتش بالي بس نازلة بدري أدور على شغل." اقتربت
منها تستطرد مبتسمة بحنان: "طب ده لسه بدرى. تعالي ادخلي نفطر مع بعض وبعد كده انزلي براحتك." ردت عليها بهدوء يشوبه الحزن: "لأ شكراً أوي عشان ألحق." مدت يديها تسحبها للداخل معاها رغمًا عنها وهي تهتف: "إيه اللي شكراً ده؟ لازم تقعدي تفطري معانا. مافيش اعتراض عندي... أنا زي والدتك وميصحش تقولي لأ."
تركها واتجهت صوب المطبخ. فجلست ونس وعلى الأريكة وبداخلها مشاعر متضاربة، لكن تشعر بسعادة. فتلك السيدة رؤيتها تريح قلبها وتتعامل معاها بحب وحنان أبوي افتقدته. لم تخشى أن تصيبها بالنحس مثل خالته. تلمحت ملامحها وهي توزع أنظارها في أركان البيت.
أما بالداخل، نهض أنس وافقًا من على الفراش. يرتدي بنطال قطني أسود وعاري الصدر كعادته في بيته. ثم ولج للخارج بخطوات متثاقلة يحارب النعاس يبحث عن والدته. فجأة سمع صوت صراخات. سعت عيناه بصدمة لتلك التي تصرخ أمامه: "في إيه؟ فين أمي؟ جرالها حاجة؟ انتي إيه اللي جابك هنا؟ استدارت توليه ظهرها وهي تهتف بحدة: "انت إزاي يا أستاذ يا محترم إزاي تخرج كده؟
رمق نفسه بنظرة سريعة، توسعت عيناه بصدمة. التقط سترته من على المقعد يرتديها سريعًا. ثم تحدث قائلًا بحرج: "خلاص خلاص، هي فين أمي؟ استدارت والغيظ يرسم على ملامحها وهي مازالت مغمضة جفونها لتتحدث بحدة: "انت إزاي تخرج كده؟ انت مش شايف منظرك؟ ابتسم وهو يطالع جفونها المغلقة وحركتها العفوية وملامحها البريئة تجعلها فاتنة بإغواء. تنهد ينفض تلك الأفكار. وكاد أن يعتذر، لكنه تذكر أنه في بيته وهي الضيفة. فاجابها بتهكم:
"على فكرة انتي اللي في بيتنا هنا مش أنا اللي عندك. وطبيعي أني أنام كده في بيتنا عادي." خجلت من تعليقه وشعرت بسخافتها في هذه الأثناء. هرولت والدته من المطبخ على صوت صراخها. وجدتها تطرق نظرها للأسفل بإحراج، بينما هو عيناه متعلقة بها. همست متسائلة بريبة: "جرى يا حبيبتي بتصوتي ليه؟ مالك؟ قاطعها أنس بلهجة مستنكرة قائلًا: "يا نبع الحنان، لما فيه ضيوف في الصالة مقولتيش ليه ها؟ ولا أنا دكر بط في البيت عايش معاكي؟ ضربت
نوال صدرها ثم ضحكت قائلة: "يوووه نسيت يا أنس.. على سيرة البط بقى، النهارده ونس معزومة عندي على بط." ثم تابعت حديثها: "بقولك ابقى قول للواد أمير يطلع يتغدا معانا، بحبه الواد ده أوي." جز أنس على شفتيه وهو يميل برقبته بحركة مستنكرة. وكاد أن يشد شعره من الغيظ: "بط إيه؟ وامير إيه؟ بقولك مش تقوليلي عندنا ناس، وانتي عارفة أنا بنام إزاي؟ ربتت على كتف أنس التي تحاول كبت ابتسامتها. وأعادت نظرها إلى ابنها قائلة بغيظ:
"ما خلاص يا واد انت مش سترت نفسك، بلاش غلبه ويلا عشان نفطر وتنزل السوق تجبلي الطلبات." اتسعت عيناه وفاه سويًا. وبينما هي لم تقدر على كبح ضحكاتها أكثر، فأنفلتت منها ابتسامة ناعمة وظهرت غمازتها. ثم أسرعت تمضي خلف والدته. وقف ينظر في أثرها وقلبه يدق بعنف. يهمس لنفسه: "طب عليا النعمة كانت عايشة مع بهايم؟ دي نحس دي؟ ده مال الولية الحشرية اللي ساكنة تحت دي إيه؟ ده بتستجوبني كل يوم الصبح وبليل."
أما طعامهم سريعًا. ثم نهضت واقفة بابتسامة هادئة تستأذن للخروج. فاندفع هو دون وعي أو ذرة عقل يسألها: "انتي رايحة فين كده على الصبح؟ ثوانٍ من الصمت. فأسرعت والدته تنهي ذلك الصمت وتلكزه في كتفه: "رايحة تدور على شغل. متتأخريش بقى عشان الغدا. وانت يلا انجز عشان تلحق السوق. انت هتقعد تحكي؟ هزت رأسها وانصرفت بخجل من تصرفات تلك السيدة العفوية التي كادت تصيب ابنها بذبحة صدرية. وأغلقت الباب خلفها.
عادت تسير بخطوات متثاقلة نحو البناية. وكل ما يشغل بالها شيئًا واحد هو أن تعيد غدًا نفس الجولة في البحث عن عمل في تلك المدينة الكبيرة. أما هو، رآها تخطو من أمام الورشة تتجه نحو مدخل البناية بحالة شرود غير واعية لخطواتها. لحقها مسرعًا وهو في حالة تعجب من ذاته. لم يراها سوى مرتين وتشغل باله. يود أن يعرف كل شيء عنها. صعدت الدرج لكنها شعرت بأحد يتبعها. استدارت مندفعة تضربه بحقيبتها فوق رأسه. رفع يده
ليحمي وجه وهو يصرخ بها: "انتي مجنونة؟ ميزت صوته وعضت على شفتيها باستيحاء من فعلتها. فهمست بخفوت: "آسفة، كنت فاكراك حرامي." ما زال واضعًا يده على رأسه من أثر الخبطة. ثم أجابها بتهكم: "حرامي؟ وحرامي دخل وراك لحد البيت؟ ليه الحتة ما فيهاش رجالة؟ "أه." اندفعت في الإجابة. بينما هو توسعت عيناه من الصدمة: "نعم؟ هزت رأسها يمينًا ويسارًا تنفي ما وصل إليه قائلة: "أه يعني فيها. آسفة بس أنا فعلًا اتخضيت." تفرجت شفتي أنس بابتسامة
وهو يمرر نظره على ملامحها: "أه افتكرت. على العموم حصل خير." رفعت عيناها إليه. كان يرتدي (تي شيرت) رمادي وسروال باللون الأسود وعيناه داكنتين وملامحه الرجولية الخشنة. دقة مغايرة لدقات قلبها عندما وصلت إلى عيناه. ابتلعت وهي تكبح نظراتها. حاولت الهروب منه فهمست: "آسفة تاني. عن إذنك." لم تنتظر رده وأسرعت تصعد الدرج وصدرها يعلو ويهبط بالكاد تلتقط أنفاسها. شيعها هو بنظراته حتى اختفت من أمامه. وضع يده على موضع قلبه متسائلًا:
"معقول؟ طب إزاي؟ ولا إمتى؟ لأ دي أكيد صعبانة عليا." بعد مرور عدة أيام، كان أنس في ورشته الخاصة يعمل وعقله ليس معه بل مع تلك الفاتنة. ما زال يشغل تفكيره بها. يراقبها كل يوم صباحًا تذهب وتعود عصرًا. أما اليوم فالشمس قد غابت وهي لم تعد. حاول صرف تفكيره وصب انتباهه على السيارة التي يقوم بإصلاحها. لكنه لم يستطع. فتركها وجلس على مقعده ينظر أمامه بشرود. كم هي رقيقة للغاية. لكن هل هي بالفعل نحسة؟
نفسه رفض التفكير هكذا. كيف لبشر أن يحكمون على أحد أنه وجه الخير أو الشر؟ اللفظ في حد ذاته صعب. غضب وضيق عارم يتملكه عندما يتذكر ذلك. لكن لماذا تركها زوجها أيضًا؟ هل لهذا السبب أم لسبب آخر؟ قطع تفكيره ظهورها أمامه بفستانها الأسود وحجابها أحمر اللون. شارده كالعادة بملامح حزينة. لكن يبدو أنها كانت تبكي. ولجت لمدخل البناية. نهض مسرعًا خلفها. اتسعت مقلتا عيناها وهو يصعد خلفها الدرج. حاول اللحاق بها. وقفت
عاقدة ذراعيها أمام صدرها: "خير؟ بلل شفتيه يسألها باهتمام جلي: "ونس مالك؟ شكلك زعلان؟ أجابته باقتضاب وهي تصعد للأعلى ثانية بنبرة تحمل برودة الشتاء: "ماليش مش زعلانة. عن إذنك." صاح بها بعنف وهو يجذبها من معصمها ليجبرها على الاستدارة له: "لما أكلمك تقفي هنا. مالك؟ جف حلقه عن الكلام عندما طالع دموعها تنهمر على وجنتها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!