تجلس كعادتها في الأوان الأخيرة، هادئة، تعمل بالخيوط، كامنة على نفسها. طرق على الباب بحدة. التقطت حجابها ووضعته على رأسها وأدارت المقبض. فتحت مسرعة، تخشبت مكانها تهمس: "انس". أخذ نفسًا عميقًا وزفره، أعصابه مثارة ودمه يغلي. يود اقتلاع رأسها، لكنه أيضًا اشتاق لها. بداخله شعوران يتناحران. يطالعها بوجه جامد وملامح الشراسة، قائلًا بنبرة جامدة كالحجر: "طب كويس إنك لسه فاكرة اسمي." "أمير هو اللي قالك على مكاني؟
شرست ملامحه وأصبحت ملامحه برية أكثر. قبض على معصمها بقوة وهو يهزها بعنف: "طبعًا الهانم ماكنتش عايزاه يقولي عشان تعيش الدور أكتر، صح. هاتِ شنطتك ويلا نمشي من هنا." "نتكلم هنا." نظرت له بتحدٍ قائلة ببرود عكس ما بداخلها: "معاك على فين؟ اللي بينا انتهى والدبلة أنا سبتها خلاص. لو سمحت امشي، ميصحش وقفتك كده." طحن ضروسه وهو يرى الصراع الداخلي ينعكس في عينيها. فأجابها بلؤم:
"في البيت عند نونا، ولا تحبي أدخل هنا وحد يشوفني وبعد كده يظنوا ظن وحش. القرار قرارك." *** "بقى كده تمشي ولا كأن ليا قيمة عندك؟ تلك الجملة، أردفتها نوال وهي تعاتب. وسغامت عيناها بدموع. هي حقًا افتقدتها، فهي لم تبخل عليها بمشاعر الأمومة، لكنها كانت قليلة الحيلة واستمعت لصوت العقل وبعدت رغمًا عنها. "والله بعدي عنك كان على عيني، بس أنا محبتش أكون سبب في مصايب ليكم."
رغمًا عنه، يتمزق قلبه لمظهرها، والسحب الضبابية خاصتها تذرفان الدموع ووجهها تكسوه الحمرة. يود سحبها من والدته وضمها بين ذراعيه ليهدأ قلبه المجنون. حاول كبح رغباته بصعوبة. ضيقت عيناها تهمس بمكر: "مصايب إيه بس؟ طب أنا قولت طفشتي عشان الواد طار منه عقلتين." انطلقت ضحكة ساخرة خشنة من أنس، ثم عقد حاجبيه قائلًا: "طار منه عقلتين! بس تصدقي، ممكن ليه لأ؟ لم تبتسم على مزحهم كالعادة، فالحزن يغلف روحهما. نظرت لها نوال ثم قالت:
"بما إنك جيت طلبتها مني وأنا قولت بنتي، وفي الآخر مشيت من ورايا. أنا دلوقتي بقولك اتجوزها آخر الشهر ده، ومفيش كلام تاني." التقط أنس يد والدته يقبلها بفرحة عارمة: "يسلم بؤقك، كده بقيتي أمي مش مرات أب." تتسارع نبضات قلبها، ونبضة أخرى أعنف من السابقة تهز كيانها من الداخل. هزت رأسها بنفي قائلة: "لأ لأ، أنا رجعت أه، لكن جواز لأ، أنا مش موافقة." ساد الصمت لثوانٍ، عيون جاحظة. ثم خرج صوت أنس بالأخير:
"معلش يا أمي، ممكن كوبايتين شاي." أولتهم ظهرها نحو المطبخ وهي تتضرع بدعاء لهم بصلاح الحال. أما هو، نهض ليجلس على المقعد أمامها ثم سألها مستفهمًا: "إنتي إيه حكايتك بقى، ممكن أفهم؟ هو أنا عشان سكت على هروبك، ولا فعلًا مش عاجبك موضوع العقلتين؟ قاطعته والدموع تظفر من عينيها: "لأ طبعًا لأ.. أنا بعدت عشان التعب اللي سببته ليك." أجابها أنس بقلب متألم قائلًا:
"وأنا متعبنيش غير بعدك عني يا ونس. ونا مش عارف إنتي فين ولا إيه اللي بيحصل معاكي." ثم أكمل ولم يقدر على مقاومة مشاعره المعاتبة متسائلًا: "طب قلبك طاوعك حتى متسأليش فيا؟ أجابته مندفعة تنفي التهمة عنها: "لأ والله، ده أنا كنت بموت. وكل شوية أسأل أمير عليك، كنت هتجنن عليك، يا ريتني كنت أنا مكانك." أدركت ما تفوه به لسانها وعضت على شفتيها بندم. بينما هو أصبح في حالة تيه أمام اعترافها. ثم أجابها بخبث:
"دا إنتي واقعة بقى، أومال إيه جو مفيش جواز دا. الجواز آخر الشهر لعلمك، عشان لو عملت اللي في دماغي دلوقتي وإنتي بشكلك كده تتاكلي. بصراحة أمي هتفرج عليا الشارع." "شارع إيه يا واد اللي هيتفرج عليك؟ ولا أنت هتعمل إيه؟ تلك الجملة، أردفتها نوال وهي تضع صينية الشاي على المائدة. حك مؤخرة رأسه وهو يجيبها: "الفرح.. الفرح يا أما. شارع هيتفرج على فرحنا."
"اممم، يعني عرفت وأقنعتها خلاص. إنتِ متعرفيش حالته كانت عاملة إزاي من غيرك. كان ماشي في دنيا زي اللي تقول لي عقله طار، قلبي وجعني عليه. بأمانة لو ما كنتي رجعتي ما كنت هسامحك، لأن أنس حالته كانت تصعب على الكافر. حتى الورشة اللي روحه فيها سابها ومرضيش ينزلها." قالت جملتها بتلقائية. بينما هو، جحظت عيناه من اعترافات والدته، ثم خرجت زجرة منه قائلًا:
"كفاية بقى كفاية يا نبع الحنان، أنا هقوم أنزل الورشة وأجهز للفرح قبل ما ترجع في كلامها." عينيها متحاشية لعينه، تشعر بارتفاع حرارتها بسبب اعترافات والدته. أما هو، ثبت نظره عليها يستمتع بخجلها والحمرة التي تغزو وجنتيها. رفعت عيناها لتندمج نظراتهم بتيه، فانتهز فرصة انشغال والدته بتقليب أكواب الشاي وأرسل إليها قبلة في الهواء قبل أن ينصرف. شهقت تعض على شفتيها هامسة: "وقح.. وقح أوي." "ميّن ده اللي وقح يا ونس؟
ضيقت نوال عينيها متسائلة، بينما هي أجابتها بارتباك: "الناموس وقح أوي يا ماما، عن إذنك رايحة الحمام." *** الأيام مرت كالبرق وانقضى الشهر سريعًا. يجلس أنس في مشيخة الأزهر، يردد خلف الشيخ والسعادة تعم الأجواء. وهو ينظر لها، فأقل ما يقال عنها إنها فاتنة بفستانها السكري. وضع الدفتر أمامه. لحظات من التردد، فابتسم لها مطمئنًا أن الآتي أفضل. فهزت ونس رأسها، ثم نقشت حروف اسمها في الرقعة البيضاء. وانتهت
مراسم الزواج بجملة الشيخ: "بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير". أطلقت نوال الزغرودة من شفتيها. أما أنس، اندفع مسرعًا نحو ونس يحتضنها بقوة، يود أن يدخلها بين ثنايا ضلوعه. قلبها يقرع بجنون، تكاد تجن، لا تصدق أن الحياة عقدت هدنة معها. همس في أذنيها: "مبروك.. يا مراتي.. يا أم عيالي مستقبلًا." وقف خلفه أمير قائلًا: "مبروووووك يا زعامة، ألف مبروك." التفت له أنس بكل جمود: "أمير، هو أنا قولتلك إنك مرفود؟
أصل الخصم مش هينفع معاك." عفر أمير بحنق: "ده بدل ما تشكرني أنا صاحب الفرحة دي كلها." جز أنس على أسنانه وهو يكمل مشاكساته. بينما هي في عالم آخر، تشعر أنها في حلم جميل يتسلل إلى نومها. ذلك الحلم ظنته أشبه بالمستحيلات. ***
في شقتهم، وقفت في منتصف البهو، تقبض بأناملها على فستانها، تنظر إلى الأرض بخجل. فاقترب منها يرفع وجهها بيده ليطالع رماديتيها التي تتوهج بشغف. ثم حاوط خصرها بيده لترتجف من لمسته، فابتسم وهو يشعر برعشة جسدها قائلًا: "مش عايزة تقوليلي حاجة؟ أجابته بارتباك وهي تحاول التملص من بين يديه: "آه آه، أحضرلك العشا." رفع أحد حاجبيه بتهكم: "عشا!!! ليه هي كانت نبع الحنان مقصرة معايا في الأكل؟ حاجة تانية فكري كده." غمغمت
ونس وهي تحاول التهرب منه: "طب أنا هروح أغير." "بحبك يا ونس." نزلت تلك الجملة عليها كصاعقة، فتخشبت مكانها وهي تطالع عيناه اللامعتين. اقترب يضمها إليه. لم تستطع كبح جماح سعادتها وشوقها له. تركت العنان لمشاعرها، وضعت رأسها على صدره واستكانت وهي تهمس: "إنت كل حياتي يا أنس. ماليش حد غيرك في الدنيا. بحبك، بحبك يا أنس." قبل جبينها بشغف، ثم امتدت يده يتلمس ظهرها، صائحًا بحدة: "فين السوستة؟ السوستة فين يا هانم؟
"سوستة إيه يا أنس مالك؟ تراجعت خطوات للخلف بريبة من عصبيته: "مالك يا أنس في إيه؟ سوستة إيه؟ تنهد بحرارة وهو يهز رأسه بيأس: "الفستان من غير سوستة ليه يا هانم؟ أومال أنا المفروض أساعدك في إيه؟ مفيش معلومات خالص في التاريخ كده. أكيد ده اختيار أمي صح." "أنسسسسس، خضتني، إنت وقح أوي أوي." أكمل أنس بمشاكسة: "هششششش، كفاية ضيعتي التاريخ. نركز بقى في الأحياء، مش هنقضيها رغي." حملها بين ذراعيه وهو يضمها إلى صدره، غامزًا
بطرف عيناه: "الوقاحة كنز لا يفنى." إنتي متعرفيش المقولة دي ولا إيه؟ بعدين خدي بالك، أنا لو مش وقح كده النهاردة الناس تاكل وشي، وأولها نبع الحنان. أهااا، وأنا مش ناقص فضايح في المنطقة." اتجه بها وهو يحملها نحو الفراش، لكنها صرخت عاليًا: "يخربيت الوقاحة، هنصلي الأول، عشان ربنا يبارك لنا في حياتنا." "لأ نصلي عشان ربنا يبارك لنا صح. وأشكو إليه الله أني اتصدمت في فرحي إن مفيش سوستة."
انتهى من الصلاة، وكانت كقطعة حلوى شهية. اقترب منها يحملها ثانية ويذهب إلى الفراش، وهو يهمس لها بكل كلمات الغزل لتصبح زوجته شرعًا. ***
في الصباح، تنام بجواره، رأسها على صدره، وهو يضمها إليه بتملك. لا تصدق ما صار معها في الأونة الأخيرة، حتى أن زواجها من أنس كان حلمًا بعيدًا عليها، وقد بات الآن حقيقة. مدت أناملها تمررها على وجهه. تنظر إليه وهو نائم، يبدو مسالمًا إلى أبعد الحدود، عكس ما فعله أمس. انفلتت ضحكة منها. فتح عيناه يطالعها بشقاوة قائلًا: "ده إيه الصباح ده؟ إيه الضحكة دي؟ طب ضحكيني معاكي." أجابته بتلعثم تخفي وجهها في صدره:
"ضحكة.. عادي، هو مينفعش؟ مد يده يسحبها من خصرها قائلًا: "لأ حيث كده نضحك مع بعض بقى." طرق على الباب عاليًا بحدة. أغمضت عيناها بألم، تشعر برعب من ما هو آتٍ، ها هو حظها يلحقها ثانية في نفس الموعد. ازداد طرق الباب وازداد انكماشها على نفسها. أشفق عليها واقترب يأخذ وجهها بين راحتيه قائلًا: "اهدّي، مفيش حاجة. هروح أفتح أشوف مين. ده تلاقيه الواد أمير أكيد وبهزر. البسي أسدال."
توجه ليفتح الباب وهي خلفه. فتح الباب فطالع وجه والدته تبكي ودموعها تنهمر، تلتقط أنفاسها بصعوبة. ولجت من الداخل ووقفت في الزاوية تبكي بصمت وتحاول كبح شهقاتها، تعلم أنها ستسمع ما ينهي سعادتها. فتحدث أنس: "خير يا أمي؟ في إيه مالك يا حبيبتي؟ تعالي اقعدي مالك." أجابته بتقطع وصوتها مبحوح أثر البكاء: "هروح.. أنا.. مش مصدقة يابني.. هروح أحج أخيرًا." تجاوزته تقف أمام ونس قائلة:
"يا وش الخير، الحج بقالي ٦ سنين بحاول فيه. النهارده ردوا عليا، هروح أزور الحبيب عليه أفضل الصلاة والسلام." بعد أن سمعت حديثها، وقعت أرضًا فاقدة الوعي. هرع إليها أنس يحاول إفاقاتها. بعد مرور دقائق، فتحت عيناها تهمس بخفوت: "هي ماما قالت إيه؟ "بقولك هروح أحج إن شاء الله يا وش الخير." التوى فم أنس قائلًا: "لأ، وجت في وقتها يا نبع الحنان عشان تدعي لينا بالذرية الصالحة. أصلي بعد الخضة والدخلة دي هي قطعت الخلف."
"مبروووك يا ماما، فرحتلك من قلبي." قالتها ونس وهي تعتدل في جلستها. فدائمًا الخير الذي تفعله يرد لك حتى وإن اختلفت الطرق. بينما اقترب أنس منها يضمها بحب: "إنتي تستاهلي يا أمي، قلبك أبيض. مبروك عليكي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!